بحثٌ فقهيٌّ أخلاقيٌّ في ضوء الكتاب والسنّة وسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
أمّا بعد؛ فإنّ من أعظم ما ابتُليت به المجتمعات من الآفات الأخلاقية والسلوكية آفةَ الغشّ والخداع؛ لما تنطوي عليه من إفسادٍ للمعاملات، وإهدارٍ للحقوق، وتضييعٍ للأمانات، وتقويضٍ للثقة التي تقوم عليها العلاقات بين أفراد المجتمع. والغشّ، وإن ظهر في بادئ النظر سلوكًا جزئيًّا يتعلّق ببيع سلعةٍ معيبة أو إخفاء نقصٍ في متاع، فإنّ حقيقته أوسع من ذلك؛ إذ قد يتسرّب إلى القول والعمل، والوظيفة والمسؤولية، والنصيحة والمشورة، بل قد يتّخذ من المظهر الديني ستارًا يُخفى وراءه خلاف الباطن.
ومن هنا، لم ينظر الإسلام إلى الغشّ بوصفه مجرّد مخالفةٍ لأعراف التعامل أو إخلالٍ بمقتضيات المروءة، بل عالجه باعتباره انحرافًا أخلاقيًّا يمسّ حقيقة الأمانة، وينافي مقتضى الإيمان، ويُعرّض صاحبه لسخط الله تعالى وسلب البركة من رزقه ومعيشته.
ولأجل ذلك، يحسن بنا أن نحرّر حقيقة الغشّ من الناحية الفقهية، ونبيّن أبرز مصاديقه وأقسامه، ثم نتناول آثاره في حياة الفرد والمجتمع، مع الوقوف عند ما ورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين × من نصوصٍ تكشف عن خطورة هذه الصفة، وتحدّد الموقف الشرعي والأخلاقي منها.
المبحث الأوّل: حقيقة الغشّ وحكمه الفقهي:
الغشّ في حقيقته هو إظهار الشيء على خلاف واقعه، أو إخفاء ما من شأنه أن يؤثّر في قرار الطرف الآخر، على نحوٍ يوقعه في خلاف ما لو اطّلع على الحقيقة. وهو بهذا المعنى لا يختصّ بمورد البيع والشراء، وإن كان من أبرز موارده، بل يجري في كلّ مقامٍ يكون فيه اعتمادٌ على الصدق والأمانة، ويترتّب على إخفاء الحقيقة أو تحريفها إيقاع الغير في خلاف الواقع.
وقد نصّ الفقهاء على حرمة الغشّ، ومن ذلك ما جاء في *منهاج الصالحين* لسماحة السيد علي السيستاني دام ظلّه، في المسألة التاسعة والعشرين، حيث قرّر حرمة الغشّ، وذكر له صورًا متعدّدةً تتّضح بها سعته ومصاديقه الخارجية.
ومن تلك الصور: إخفاء الرديء في الجيّد، كمزج البضاعة الجيّدة بأخرى رديئة، بحيث يتوهّم المشتري أنّ الجميع من مرتبةٍ واحدة؛ وإخفاء غير المراد في المراد، كمزج الماء باللبن؛ وإظهار صفةٍ حسنةٍ غير متحقّقةٍ في الواقع، كما لو رُشّ الماء على الخضروات لإيهام المشتري بجدّتها وطراوتها؛ وإظهار الشيء على خلاف جنسه، كطلاء الحديد بما يوهم أنّه فضّة أو ذهب.
ولا ينحصر الغشّ في هذه الصور، بل قد يتحقّق بترك الإعلام بالعيب، وإن لم يكن العيب مخفيًّا في نفسه، كما إذا اعتمد المشتري على أمانة البائع، واطمأنّ إلى أنّه سيُعلمه بما في السلعة من نقص، فلم يفحص عنها، وكان البائع ملتفتًا إلى هذا الاعتماد، ومع ذلك كتم العيب. ففي مثل هذا الفرض يكون السكوت نفسه وسيلةً للإيهام، ويأخذ حكم الغشّ بحسب ما يتحقّق فيه من موضوعه وقيوده.
وهذه الأمثلة تكشف عن أنّ الميزان في الغشّ ليس مجرّد التلفّظ بالكذب، بل قد يتحقّق بالفعل، أو بالتدليس في العرض، أو بإخفاء الحقيقة، أو بالسكوت الذي يُفضي إلى تضليل الطرف الآخر في موردٍ يكون فيه الإعلام لازمًا.
وعليه، فإنّ الغشّ محرّمٌ شرعًا، ولا يجوز للمؤمن أن يتّخذه وسيلةً لتحصيل منفعةٍ دنيوية، أو زيادة ربحٍ تجاري، أو اكتساب ثقة الناس بغير استحقاق؛ فإنّ ما يُنال بالخداع ليس مكسبًا مشروعًا من جهة الأخلاق، ولا هو ممّا يُرجى معه دوام البركة والتوفيق.
المبحث الثاني: الغشّ والخداع في ميزان السنّة النبوية:
لقد شدّدت النصوص الإسلامية على ذمّ الغشّ والخداع، وكشفت عن منافاتهما لحقيقة الإيمان ومقتضيات الأخوّة الدينية. فقد رُوي عن رسول الله ’ «مَنْ غَشَّ أَخاهُ المُسْلِمَ نَزَعَ اللهُ مِنْهُ بَرَكَةَ رِزْقِهِ، وَأَفْسَدَ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ، وَوَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ» [1].
وهذا النصّ الشريف يبيّن أنّ الغشّ لا يقتصر أثره على الطرف الذي وقع عليه الخداع، بل يرتدّ على صاحبه أيضًا؛ إذ يُحرم بركة الرزق، وتضطرب معيشته، ويُترك إلى تدبير نفسه، بما يعبّر عن خطورة الاستهانة بحقوق الآخرين واتّخاذ الخداع سبيلًا للكسب.
فالبركة ليست مرادفةً لكثرة المال، كما أنّ صلاح المعيشة لا يُقاس بمقدار ما يجمعه الإنسان من الأرباح؛ فقد يكثر المال وتُسلب بركته، وتتّسع أسباب الكسب وتضيق على صاحبها سبل الطمأنينة والاستقرار. ومن هنا، كان اجتناب الغشّ من مقتضيات طلب الرزق الحلال، وصيانة النفس عن أكل أموال الناس بالباطل. ورُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «مَنْ غَشَّ أَخاهُ ملعون ملعون»[2].
وهذه العبارة، بما تشتمل عليه من شدّة الزجر، تكشف عن بُعد الغشّ عن أخلاق مدرسة أهل البيت عليهم السلام؛ فإنّ الانتماء الحقيقي إلى هذه المدرسة لا يتحقّق بمجرد الانتساب اللفظي، بل يقتضي التخلّق بمكارم الأخلاق، والالتزام بالصدق والأمانة، والكفّ عن الإضرار بالناس وخداعهم. وفي ذلك تنبيهٌ إلى أنّ الغشّ لا يتحقّق دائمًا بإظهار الباطل على أنّه حقّ، بل قد يتحقّق كذلك بحجب الحقّ عن موضعه، ولا سيّما حين يكون الإنسان في مقام المشورة أو التعليم أو التوجيه، ويكون الآخر معتمدًا على صدقه وأمانته.
ومن هذا الباب ما روي عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجل يبيع التمر:
«يَا فُلَانُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ غَشَّهُمْ؟».[3] فان الغش اذا اصبح وسيلةً لتحقيق غرضٍ شخصي، أو تصفية حسابٍ، أو إيقاع الآخر في الضرر. وكذلك الطبيب، والمعلّم، والمهندس، والخبير، وكلّ من يُرجع إليه الناس في أمرٍ يحتاجون فيه إلى المعرفة والخبرة؛ فإنّ المسؤولية تشتدّ بمقدار ما يترتّب على قوله من أثرٍ في حقوق الآخرين ومصالحهم. وقد ورد: « عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «إِيَّاكَ وَالْغِشَّ، فَإِنَّ مَنْ غَشَّ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَشَّ فِي أَهْلِهِ».[4]
المبحث الثالث: الغشّ في المسؤولية العامة والخيانة للأمانة:
إذا كان الغشّ في المعاملة الفردية محرّمًا لما يشتمل عليه من تضليلٍ وإضاعةٍ للحقّ، فإنّ قبحه يتعاظم حين يتعلّق بمصالح الجماعة، أو يصدر ممّن أُنيطت به مسؤوليةٌ عامّة؛ لأنّ أثره حينئذٍ لا يقف عند شخصٍ واحد، بل قد يمتدّ إلى جماعةٍ واسعةٍ من الناس.
وقد جاء في ان رسول الله (صلى الله عليه واله):«مَنْ غَشَّ مُسْلِمًا فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ فَلَيْسَ مِنَّا، وَيُحْشَرُ مَعَ الْيَهُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».[5]
وهذا الكلام الشريف يؤسّس لقاعدةٍ أخلاقيةٍ مهمّة، وهي أنّ عِظَم الجناية يتناسب، من جهةٍ، مع عِظَم الأمانة التي جرى التفريط فيها، ومع سعة دائرة المتضرّرين من ذلك التفريط. فالموظّف الذي يتعمّد تعطيل مصالح الناس، أو يقصّر في أداء واجبه، أو يستغلّ موقعه لتحقيق منافع شخصية على حساب المصلحة العامة، قد أخلّ بالأمانة التي تقتضيها وظيفته. والمدير الذي يتولّى إدارة مؤسسةٍ ثمّ يتصرّف فيها على خلاف مقتضيات العدل والنزاهة، أو يخفي الحقائق عمّن ائتمنوه، يدخل في دائرة الإخلال بالمسؤولية بحسب ما ينطبق على فعله من عناوين شرعية. وأشدّ من ذلك أن يتعلّق الغشّ بمسؤولية القيادة؛ كرئيس الدولة، أو المسؤول الإداري، أو صاحب القرار، إذا تعمّد تضليل من هم تحت مسؤوليته، أو أضاع حقوقهم، أو أظهر الحرص على مصالحهم وأبطن خلافه.
ولا تختصّ المسؤولية العامة بالمناصب السياسية والإدارية، بل تشمل كلّ موقعٍ جُعل صاحبه مسؤولًا عن رعاية حقوق الآخرين. فربّ الأسرة، مثلًا، مؤتمنٌ على تربية أولاده ورعايتهم، ولا يصحّ أن يتوهّم أنّ مسؤوليته تنتهي عند توفير الطعام واللباس، مع إهمال ما تقتضيه الرعاية من توجيهٍ وتعليمٍ وتهذيبٍ ومتابعة، مع مراعاة القدرة والظروف والحقوق الشرعية. وبذلك يظهر أنّ الأمانة ليست صفةً تجميليةً تضاف إلى شخصية الإنسان، بل هي أساسٌ في تقويم سلوكه، ومعيارٌ في تقييم أدائه للمسؤوليات التي أُنيطت به.
المبحث الرابع: أقسام الغشّ ومصاديقه في الحياة:
إنّ حصر الغشّ في المعاملات التجارية تضييقٌ لمفهومه، وغفلةٌ عن كثيرٍ من مصاديقه التي تتكرّر في الحياة اليومية. ويمكن، لأجل التوضيح، تقسيم أبرز مظاهره إلى الأقسام الآتية:
القسم الأوّل: الغشّ في المعاملات:
وهو أشهر أقسام الغشّ وأوضحها، ويتحقّق بإظهار السلعة على خلاف حقيقتها، أو كتمان ما يؤثّر في رغبة المشتري وقراره، أو خلط الجيّد بالرديء، أو إخفاء العيب، أو الادّعاء بوجود صفةٍ ليست متحقّقةً في المبيع. ويدخل في ذلك كلّ تصرّفٍ يقصد به تضليل الطرف الآخر في حقيقة المعاملة، سواء أكان الغشّ في أصل السلعة، أم في أوصافها، أم في مقدارها، أم في جودتها، مع مراعاة الضوابط الفقهية الخاصّة بكلّ مورد.
والواجب على المسلم أن يجعل الصدق والأمانة أساسًا لتعامله، وأن يعلم أنّ الربح الذي يُنال بإضاعة حقوق الناس ليس دليلًا على حسن التجارة، بل قد يكون سببًا في سلب البركة وفساد المعاملة.
القسم الثاني: الغشّ الاجتماعي:
وهو أن يُظهر الإنسان للآخرين خلاف ما يُضمره لهم، فيتظاهر بالمودّة والأخوّة والنصيحة، بينما يسعى في الباطن إلى الإضرار بهم، أو إيقاعهم في المكائد، أو تشويه سمعتهم، أو استغلال ثقتهم لتحقيق مآربه الشخصية.
وهذا القسم من الغشّ أشدّ خفاءً من الغشّ التجاري؛ لأنّ مادّته ليست سلعةً محسوسةً يستطيع الإنسان فحصها، بل هي الثقة التي تنشأ بين الأشخاص، والعلاقات التي تُبنى على حسن الظنّ والاطمئنان المتبادل. وقد يكون الغاشّ قريبًا أو صديقًا أو زميلًا، ويستثمر ما بينه وبين الآخرين من علاقةٍ للوصول إلى أسرارهم أو الإضرار بمصالحهم. ومن هنا، فإنّ الصداقة الحقيقية لا تُقاس بكثرة عبارات التودّد، بل بصدق الموقف، وحفظ الغيبة، وأداء النصيحة، والوفاء عند الحاجة. ولا يعني ذلك إساءة الظنّ بالناس أو اتّهامهم بغير بيّنة، بل المقصود التحذير من اتخاذ المظاهر وسيلةً للخداع، والدعوة إلى أن يكون التعامل قائمًا على الصدق والوفاء وحسن النيّة.
القسم الثالث: الغشّ في الوظائف والمهن:
ومن مصاديق الغشّ أن يتولّى الإنسان عملًا يقتضي منه أداء خدمةٍ محدّدة، ثمّ يفرّط فيها عمدًا، أو يوهم الآخرين بأنّه أدّى ما عليه، مع أنّ الواقع خلاف ذلك.
فالمعلّم الذي يهمل أداء واجبه التعليمي، ولا يبذل ما تقتضيه وظيفته من جهدٍ مع قدرته عليه، قد يضيّع على طلابه حقًّا يرتبط بمسؤوليته المهنية. والطبيب الذي يتهاون في أداء ما تقتضيه مهنته من عنايةٍ لازمة، أو يقدّم للمريض معلوماتٍ مضلّلةً عمدًا، يعرّض صحّة الإنسان وحقوقه للخطر. والمهندس الذي يتعمّد إخفاء خللٍ مؤثّرٍ في عمله، أو المقاول الذي يَعِد بمواصفاتٍ ثمّ ينفّذ خلافها، يخلّ بالأمانة المهنية بحسب تفاصيل الواقعة.
وكذلك الحال في كلّ مهنةٍ تعتمد على خبرة صاحبها وثقة الناس به؛ فإنّ من مقتضيات الأمانة أن يلتزم العامل بحدود اختصاصه، وأن يبيّن ما يلزم بيانه، وألّا يدّعي من المعرفة أو الإتقان ما لا يملكه. ومن هذا الباب أيضًا أن يُخفي المبلّغ أو الناصح حقيقةً مؤثّرةً في مقام بيان الحكم أو توضيح الحقّ، أو أن يحرّف ما يعلمه بقصد التأثير في الناس، أو أن يتعمّد إسقاط ما يتوقّف عليه فهم المسألة على وجهها الصحيح. ولا بدّ هنا من التفريق بين الغشّ المتعمّد، وبين الخطأ غير المقصود، أو العجز عن أداء بعض المهام، أو اختلاف الاجتهاد والخبرة؛ فليس كلّ تقصيرٍ غشًّا بالمعنى الدقيق، بل لا بدّ من ملاحظة حقيقة الفعل، ودرجة المسؤولية، والقصد، والظروف المحيطة به.
القسم الرابع: الغشّ في المظهر الديني:
ومن أخطر صور الغشّ أن يتّخذ الإنسان المظهر الديني وسيلةً لاكتساب ثقة الناس، فيُظهر الصلاح والتقوى، ويتزيّا بزيّ أهل العلم أو العبادة، بينما يتعمّد في الخفاء ارتكاب ما ينافي دعواه، أو يستغلّ ثقة الناس به لتحقيق مصالح شخصية. وهذه الصورة تشتمل على خطرين: الأوّل، ما قد يرتكبه الشخص نفسه من مخالفاتٍ بحسب حقيقتها وأحكامها؛ والثاني، تضليل الناس بالمظهر، وحملهم على منحه ثقةً لم يستحقّها، وربّما حملهم على الاقتداء به في غير هدى. غير أنّه ينبغي التنبّه إلى أنّ مجرّد وقوع الإنسان في معصيةٍ سرًّا لا يثبت، بمفرده، أنّه غاشّ للناس أو أنّه يتظاهر بالدين بقصد الخداع؛ إذ لا بدّ من التفريق بين ضعف النفس ووقوع المعصية، وبين التعمد في اصطناع صورةٍ كاذبةٍ لاستغلال الآخرين. كما لا يجوز الحكم على بواطن الأشخاص من غير حجّةٍ معتبرة. وإنّما الكلام فيمن يتعمّد صناعة صورةٍ دينيةٍ مضلّلة، ويستعملها أداةً للتأثير في الناس أو الاستيلاء على حقوقهم أو تمرير الباطل باسم الدين؛ فإنّ هذا السلوك يجمع بين الخداع وإساءة استعمال المقدّسات، ويُلحق الضرر بسمعة الدين وأهله. ومن هنا، ينبغي أن يكون معيار التديّن الحقيقي هو موافقة العمل لمقتضيات الشرع والأخلاق، لا مجرّد الهيئة الظاهرة، مع بقاء الحكم على الأشخاص خاضعًا للبيّنة والضوابط الشرعية.
القسم الخامس: الغشّ في القيادة والرعاية الأسرية:
تتّسع دائرة الغشّ لتشمل كلّ من يتولّى مسؤوليةً تتعلّق بحقوق الآخرين، سواء أكانت مسؤوليةً سياسيةً أم إداريةً أم اجتماعيةً أم أسرية. فالقائد الذي يَعِد بالعدل ثمّ يتعمّد الظلم، أو يعلن رعاية مصالح الناس بينما يستغلّ سلطته للإضرار بهم، قد جمع بين الإخلال بالأمانة وتضييع الحقوق. والمدير الذي يطالب العاملين بأداء واجباتهم، ثمّ يتعمّد إخفاء الحقائق أو حرمانهم من حقوقهم، يناقض مقتضى المسؤولية التي يتولاّها.
وأمّا في الأسرة، فإنّ الأب والأم مسؤولان عن رعاية أولادهما وتربيتهم بحسب ما تقتضيه أحكام الشرع والقدرة والظروف. ولا يصحّ اختزال التربية في مجرّد النفقة المادية، كما لا يصحّ تحميل الوالدين ما يخرج عن استطاعتهما؛ بل الميزان هو أداء ما يجب عليهما من حقوق الرعاية والتوجيه، وبذل الوسع في إصلاح الأبناء.
وهكذا، فإنّ المسؤولية كلّما اتّسعت دائرتها، وعظمت آثارها، اشتدّت الحاجة إلى الصدق والأمانة والمحاسبة؛ لأنّ الخلل في مواقع التأثير قد تتجاوز آثاره صاحبه إلى أُناسٍ كثيرين.
المبحث الخامس: أمير المؤمنين عليه السلام ميزانٌ أخلاقيٌّ للصدق والوفاء:
ورد في الزيارة المأثورة لأمير المؤمنين عليه السلام وصفه بأنّه «ميزان الأعمال»[6]، وهو تعبيرٌ ينسجم مع ما ثبت من منزلته في الهداية والاقتداء، وما عُرف به من العدل والصدق والوفاء بالحقّ. وقد جرى في الشعر:
إذا ما التِّبْرُ حُكَّ على المِحَكِّ ** تبيّن غِشُّه من غير شكِّ
وفينا الغشُّ والذهبُ المصفّى ** عليٌّ بيننا شَبَهُ المِحَكِّ
والمِحَكّ هو ما يُختبر به الذهب لمعرفة خالصه من مغشوشه، وقد استُعمل هذا المعنى في تصوير منزلة أمير المؤمنين عليه السلام في التمييز بين الصدق والنفاق، وبين حقيقة الإيمان ومجرّد الدعوى. وقد ورد عن رسول الله ’ في الحديث المشهور: «وَاللهِ لا يُحِبُّكَ إِلّا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُكَ إِلّا مُنافِقٌ» [7].
وهذا الحديث يبيّن منزلة أمير المؤمنين عليه السلام في ميزان الإيمان والنفاق، ويكشف عن أنّ الموقف منه ليس أمرًا منفصلًا عن حقيقة الولاء للحقّ الذي مثّله، والعدل الذي دعا إليه، والمنهج الذي سار عليه. غير أنّ مقتضى محبّته عليه السلام لا يُختزل في دعوى المحبّة اللفظية أو مجرّد العاطفة القلبية، وإن كانت المحبّة القلبية أصلًا مهمًّا في الولاء؛ بل تقتضي المحبّة الصادقة أن يسعى الإنسان إلى الاقتداء بسيرته في الصدق والأمانة والعدل والإنصاف، وأن يجعل من أخلاقه ميزانًا يراجع به سلوكه وتعامله مع الناس.
فمن ادّعى محبّة أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ تعمّد الغشّ في معاملاته، أو خان الأمانة في وظيفته، أو استغلّ ثقة الناس به، فقد ناقض في سلوكه مقتضى الأخلاق التي دعا إليها الإمام وجسّدها في سيرته. وليس المراد من ذلك الحكم على إيمان الأفراد أو نفاقهم بمجرّد ملاحظة معصيةٍ أو تقصيرٍ منهم؛ فإنّ الحكم على البواطن له ضوابطه، ولا يصحّ التسرّع فيه. وإنّما المقصود أنّ صدق الولاء يظهر أثره في العمل، وأنّ الانتساب إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام يحمّل صاحبه مسؤوليةً أخلاقيةً تقتضي مجاهدة النفس، ومحاسبتها، والسعي إلى موافقة القول للفعل. فالمؤمن ليس معصومًا من الزلل، ولكنّ عليه ألّا يجعل من الزلل منهجًا، ولا من الخداع وسيلةً، ولا من الدين ستارًا لتحقيق المآرب؛ بل يرجع عن خطئه، ويردّ الحقوق إلى أهلها، ويجاهد نفسه حتى يستقيم سلوكه على مقتضى الحقّ.
المبحث السادس: علاج الغشّ وسبل الوقاية منه:
إنّ علاج الغشّ لا يتحقّق بمجرّد استقباحه في القول، أو ترديد النصوص الواردة في ذمّه، بل يحتاج إلى تربيةٍ عمليةٍ للنفس، ومراقبةٍ مستمرّةٍ للسلوك، ومحاسبةٍ صادقةٍ للضمير.
ويمكن بيان أهمّ سبل العلاج فيما يأتي:
أوّلًا: استحضار المراقبة الإلهية
فمن علم أنّ الله تعالى مطّلعٌ على ظاهره وباطنه، وأنّ الحقوق لا تسقط بمجرّد خفائها عن أصحابها، كان ذلك أدعى إلى اجتناب الخداع، وإن أمن انكشاف أمره أمام الناس.
ثانيًا: تربية النفس على الصدق والأمانة
وذلك بأن يُلزم الإنسان نفسه بالصدق في قوله، والإتقان في عمله، والوفاء بعهده، وأداء الحقّ إلى أهله، وألّا يستسهل الكذب أو إخفاء الحقيقة من أجل منفعةٍ عاجلة.
ثالثًا: محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين
فبدلًا من الاقتصار على نقد مظاهر الغشّ في المجتمع، ينبغي للإنسان أن يسأل نفسه: هل أؤدّي واجبي كما ينبغي؟ هل أُظهر للناس حقيقة ما أملك؟ هل أُخفي عنهم ما يؤثّر في حقوقهم؟ وهل أستعمل ثقتهم بي في موضعها الصحيح؟
رابعًا: ردّ المظالم وإصلاح آثار الغشّ
فإذا وقع الإنسان في الغشّ، لم يكفِ أن يندم في قلبه فحسب، بل يلزمه أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يردّ الحقوق إلى أصحابها، ويعالج ما ترتّب على فعله من أضرارٍ بحسب ما تقتضيه الأحكام الشرعية. فالتوبة الصادقة ليست مجرّد شعورٍ بالأسف، بل رجوعٌ عن الذنب وإصلاحٌ لما أمكن إصلاحه من آثاره.
خامسًا: اختيار القدوة الصالحة
وذلك بالاقتداء بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، والتأمّل في سيرتهم في العدل والصدق والوفاء، وجعل أخلاقهم معيارًا عمليًّا في المعاملات والعلاقات والوظائف.
سادسًا: أداء المسؤوليات بإخلاصٍ وإتقان
فكلّ إنسانٍ في موقعه مسؤولٌ عمّا اؤتمن عليه؛ فالتاجر مسؤولٌ عن صدقه، والمعلّم عن أداء واجبه، والطبيب عن مراعاة مقتضيات مهنته، والموظّف عن حقوق المراجعين، والقائد عن مصالح من يتولّى أمرهم، والوالدان عن واجبات الرعاية والتربية ضمن حدود الشرع والاستطاعة. وبهذه الخطوات ينتقل الإنسان من مجرّد معرفة قبح الغشّ إلى مقاومته في نفسه، ثمّ إلى الإسهام في بناء مجتمعٍ تسوده الثقة، وتصان فيه الحقوق، ويُقدَّم فيه الصدق على المنفعة العاجلة.
نسأل الله تعالى أن يطهّر نفوسنا من الغشّ والخيانة، وأن يوفّقنا للصدق في القول والعمل، وأن يجعلنا من المقتدين بنبيّه الأكرم محمد وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وأن يرزقنا حسن العاقبة والثبات على الحقّ.
والحمد لله ربّ العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] عقاب العمال . الصدوق ص334.
[2] عدة الداعي ص174.
[3] الكليني، الكافي، ج 5، ص 160.
[4] الكليني، الكافي، ج 5، ص 160،.
[5] الصدوق، عقاب الأعمال، ص 284.
[6] بحار الانوار ج100 ص287.
[7] بحار الأنوار، ج ١٠٨، العلامة المجلسي، ص ٣٩٨.

اترك تعليق