المقدمة
تُعدُّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفرائض التي أقام الإسلام عليها حياة المجتمع، إذ بها تُصان الشريعة، وتُحفظ القيم، وتُقاوم مظاهر الانحراف والفساد. وقد قرنها القرآن الكريم بالإيمان، فوصف المؤمنين بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
إلا أن هذه الفريضة، على عظيم شأنها، لم تُجعل في الشريعة تكليفاً مطلقاً يمارسه كل أحد وفي كل ظرف، بل أحاطتها النصوص الشرعية بقيود وضوابط دقيقة؛ حتى لا تتحول إلى سبب للفساد، أو وسيلة لإثارة الفتن، أو بابٍ لتضييع النفوس والأموال من غير مصلحة شرعية. وقد أولت روايات أهل البيت عليهم السلام عنايةً كبيرةً ببيان هذه الضوابط، فحددت صفات القائم بهذه الفريضة، وبيّنت موارد وجوبها، ومواضع سقوطها، وربطت وجوبها بتحقق شروطٍ كالعلم، واحتمال التأثير، والقدرة، والأمن من الضرر، مع التأكيد على الحكمة والرفق في أدائها.
كما كشفت هذه الروايات عن فلسفة هذه الشروط، وأن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إصلاح المجتمع وإقامة الدين، لا مجرد المواجهة أو التعنيف أو تعريض النفس والآخرين للهلاك دون ثمرة. ومن هنا جاءت كلمات الأئمة عليهم السلام متكاملةً ترسم المنهج الصحيح في ممارسة هذه الفريضة، جامعـةً بين حفظ الدين وحفظ النفوس، وبين الشجاعة والحكمة، وبين إقامة الحق ومراعاة المصلحة الشرعية.
وفي هذا المبحث نستعرض أهم هذه الشروط كما وردت في روايات أهل البيت عليهم السلام، مع بيان دلالاتها وآثارها .
المبحث الأول
اشتراط العلم بالمعروف والمنكر
أول ما تؤكد عليه روايات أهل البيت عليهم السلام أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصح إلا إذا كان الآمر عارفاً بما يأمر به وما ينهى عنه؛ لأن الجاهل قد ينهى عن معروف، أو يأمر بمنكر، فيكون قد أفسد من حيث أراد الإصلاح.
وقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام: هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الأمة جميعاً؟ فأجاب بالنفي، ثم بيّن سبب ذلك بقوله:
«إنما هو على القوي المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيٍّ من أيّ، يقول من الحق إلى الباطل.»
ثم استشهد الإمام بالقرآن الكريم، فقال إن الله تعالى لم يقل: ولتكن الأمة كلها، وإنما قال:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وبيّن أن لفظ «منكم» يدل على أن القيام بهذه الفريضة موكول إلى جماعة تتوافر فيها المؤهلات، وليس إلى كل فردٍ دون تمييز.
ثم احتج الإمام بآية أخرى، وهي قوله تعالى:
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
فلم ينسب الهداية إلى جميع قوم موسى، وإنما إلى فئة منهم، مما يدل على أن الهداية والإصلاح إنما يقوم بهما أهل العلم والبصيرة.
وتكشف هذه الرواية عن أصلٍ مهم، وهو أن العلم شرط في أصل التكليف، لا مجرد شرطٍ في كمال الأداء؛ لأن الإمام نفى الوجوب ابتداءً عن غير العالم، مما يدل على أن الجهل يسقط التكليف من أساسه.
ويؤكد هذا المعنى ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:
«إنما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من كانت فيه ثلاث خصال: عالم بما يأمر به، تارك لما ينهى عنه، عادل فيما يأمر، عادل فيما ينهى، رفيق فيما يأمر، رفيق فيما ينهى.»
فهذه الرواية توسع مفهوم العلم، فلا تقتصر على المعرفة النظرية بالأحكام، وإنما تضيف إليها الاستقامة العملية؛ إذ لا يكون الإنسان أهلاً لدعوة الناس إلى المعروف وهو واقع فيما ينهى عنه. كما تضيف العدالة والرفق، ليكون تأثيره قائماً على القدوة الحسنة، لا على التناقض أو القسوة.
ومن خلال الجمع بين الروايتين يتضح أن المقصود بالعلم ليس مجرد معرفة الأحكام الفقهية، وإنما امتلاك البصيرة التي تميز المعروف من المنكر، ومعرفة أساليب الإصلاح، والقدرة على تشخيص الموارد التي يجب فيها الأمر والنهي، حتى لا يؤدي الجهل إلى نتائج عكسية.
ولهذا كان أهل البيت عليهم السلام يرفضون اندفاع الجهال إلى التصدي للإصلاح، لأن الإصلاح بلا علم قد يتحول إلى لون من ألوان الإفساد، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
ومن هنا يظهر أن أول شروط هذه الفريضة هو العلم والبصيرة، لأنهما الأساس الذي تُبنى عليه سائر الشروط، وبدونهما لا يتحقق المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل قد تنقلب الوسيلة إلى ضد غايتها.
المبحث الثاني
اشتراط احتمال التأثير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الضوابط التي قررتها روايات أهل البيت عليهم السلام
أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يجب إذا كان من المحتمل أن يحقق غايته، وهي إصلاح المخاطَب وحمله على الاستجابة. أما إذا علم الآمر أن المخاطَب لن يقبل نصحه، وأن أمره ونهيه لن يزيده إلا عناداً أو فساداً، فإن التكليف يسقط، لأن الشريعة إنما شرعت هذه الفريضة لتحقيق الإصلاح، لا لمجرد إلقاء الكلمات أو الدخول في مواجهات لا ثمرة لها.
وقد عبّر الإمام الصادق عليه السلام عن هذا الأصل بوضوح حين سُئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله:
«أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر.»
فقال عليه السلام: «هذا على أن يأمره بعد معرفته، وهو مع ذلك يقبل منه، وإلا فلا.»
وتعد هذه الرواية من أهم النصوص في بيان فلسفة هذه الفريضة؛ إذ إن النبي صلى الله عليه وآله وصف كلمة الحق عند السلطان الجائر بأنها من أفضل الجهاد، ومع ذلك قيّد الإمام الصادق عليه السلام هذا الفضل بوجود احتمال القبول. فإذا كان الحاكم لا يقبل النصيحة أصلاً، ولا يترتب على مخاطبته إلا إهلاك النفس من دون تحقيق مصلحة دينية، فلا يكون هذا المورد داخلاً في الحديث.
ولا يراد من "القبول" اليقين باستجابة المخاطَب، بل يكفي وجود احتمال عقلائي لتأثره بالنصيحة، أما مع العلم بعدم الجدوى فلا يبقى موجب للوجوب.
ويؤكد هذا الأصل ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ، أو جاهل فيتعلم، فأما صاحب سوط أو سيف فلا.»
وتكشف هذه الرواية عن تقسيم دقيق للمخاطَبين بالأمر والنهي؛ فالمؤمن يمتلك استعداداً نفسياً للاتعاظ إذا ذُكِّر، والجاهل قد يجهل الحكم الشرعي، فإذا بُيّن له تعلم ورجع إلى الحق، وهذان الصنفان تتحقق فيهما الغاية المرجوة من النصيحة.
أما صاحب السوط أو السيف، وهو الذي يستند إلى القوة والبطش ويتعامل مع الناس بعقلية الاستكبار، فإن النصيحة في الغالب لا تزيده إلا تمادياً، ولذلك لم توجب الرواية أمره ونهيه؛ لأن شرط التأثير مفقود.
ولا يعني ذلك تحريم نصح كل ذي سلطان، وإنما المراد ما إذا كان معروفاً بعدم قبول الحق، أما إذا احتمل تأثير الكلمة فيه، أو ترتبت عليها مصلحة راجحة، فإن الحكم يختلف، كما دلت عليه الرواية السابقة.
ومن التطبيقات العملية لهذا الأصل ما رواه محفوظ الإسكاف عن الإمام الصادق عليه السلام:
«أنه أنكر على رجل أمراً فلم يقبل منه، فطأطأ رأسه ومضى.»
وهذه الرواية، على قصرها، ترسم منهجاً عملياً في التعامل مع الناس؛ فالإمام عليه السلام أدى ما عليه من البيان، فلما رأى أن الرجل لم يستجب، لم يدخل معه في جدال عقيم، ولم يحول النصيحة إلى خصومة شخصية، وإنما انصرف بعد إقامة الحجة.
وفي ذلك دلالة على أن الغاية ليست الانتصار للنفس، ولا إلزام الآخرين بالرأي بالقوة، وإنما أداء الواجب في حدود ما يحقق المصلحة.
كما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام أن جماعة من أهل خراسان قالوا له:«إن قوماً من أهل بيتك يتعاطون أموراً قبيحة، فلو نهيتهم عنها.»
فقال عليه السلام: «لا أفعل.»
فلما سألوه عن السبب قال:
«لأني سمعت أبي عليه السلام يقول: النصيحة خشنة.»
ولا يراد من وصف النصيحة بأنها "خشنة" ذم أصل النصيحة، وإنما بيان أن النفس قد تنفر منها، وأنها قد تتحول إلى سبب لزيادة العناد إذا لم تُراعَ ظروف المخاطَب وكيفية الخطاب. ولهذا امتنع الإمام عن التدخل في مورد يعلم أن النصيحة فيه لن تحقق غرضها، بل ربما تزيد الأمر سوءاً.
ومن مجموع هذه الروايات يتبين أن احتمال التأثير ليس شرطاً شكلياً، بل هو ركن أساسي في تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الإسلام ينظر إلى النتائج، ويجعل الغاية من هذه الفريضة إصلاح الإنسان والمجتمع، لا مجرد توجيه اللوم أو إعلان المواقف.
ولهذا كان أهل البيت عليهم السلام يربون أصحابهم على الحكمة في الدعوة، واختيار الزمان المناسب، والأسلوب المناسب، والشخص المناسب، حتى تكون الكلمة سبباً للهداية، لا سبباً لنفور الناس من الحق.
ومن هنا يتضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل إصلاحي يقوم على البصيرة، فلا يكفي فيه صدق النية وحده، بل لا بد من ملاحظة الظروف والآثار المترتبة على الفعل، لأن المقصود إقامة المعروف وإزالة المنكر، لا مجرد ممارسة الإنكار بصورة شكلية لا تثمر أثراً في الواقع.
المبحث الثالث
اشتراط القدرة والأمن من الضرر
لا يكتفي أهل البيت عليهم السلام باشتراط العلم واحتمال التأثير في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يضيفون شرطاً آخر لا يقل أهمية، وهو القدرة على القيام بهذه الفريضة، مع الأمن من الضرر الذي يفضي إلى ضياع النفس أو إبطال المقصود من التشريع. وهذا الشرط يعكس واقعية الشريعة الإسلامية، إذ لم تُرد من المكلف أن يلقي بنفسه في التهلكة من غير ثمرة، وإنما أرادت منه أن يعمل في حدود ما يحقق المصلحة ويحفظ الدين والنفس معاً.
ويُعد حديث الإمام الصادق عليه السلام الذي رواه مسعدة بن صدقة الأساس في هذا الباب، إذ بعد أن بيّن أن الأمر بالمعروف ليس واجباً على جميع الناس، ختم كلامه بقوله:
«وليس على من يعلم ذلك في هذه الهدنة من حرج إذا كان لا قوة له ولا عدد ولا طاعة.»
وهذه العبارة ترسم قاعدة عامة في باب التكليف؛ فإن سقوط الوجوب هنا ليس ناشئاً عن التقاعس أو ضعف الإرادة، وإنما عن فقدان القدرة الواقعية على تحقيق الغرض. فالإنسان الذي لا يملك قوةً، ولا أنصاراً، ولا نفوذاً يُسمع معه كلامه، لا يكون مكلفاً بما يعجز عنه، لأن الشريعة لا تكلّف بما لا يطاق.
ويتضح من تعبير الإمام عليه السلام بـ «في هذه الهدنة» أن الحكم يرتبط أيضاً بالظروف السياسية والاجتماعية المحيطة؛ فقد تمر بالأمة مراحل يغلب فيها سلطان الظالمين، ويضعف فيها أهل الحق، بحيث لا يترتب على المواجهة إلا زيادة البطش وإهلاك المؤمنين، فتتغير كيفية أداء هذه الفريضة بما ينسجم مع حفظ الدين وأهله.
ويؤيد هذا المعنى ما كتبه الإمام الرضا عليه السلام إلى المأمون في بيان أصول الإسلام، حيث قال:
«والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان إذا أمكن، ولم يكن خيفة على النفس.»
وتتميز هذه الرواية بأنها جعلت الإمكان وانتفاء الخوف على النفس شرطين لوجوب الفريضة. والمقصود بالخوف هنا ليس مجرد الوهم أو التردد النفسي، وإنما الخوف العقلائي المبني على وجود خطر حقيقي يُتوقع وقوعه.
ومن هنا يظهر أن الشريعة لا تطلب من الإنسان أن يعرّض نفسه للهلاك في مورد لا تتحقق فيه مصلحة راجحة، لأن المقصود من الأمر بالمعروف إقامة المعروف، لا مجرد حصول المواجهة.
إلا أن هذا الشرط لا ينبغي أن يُفهم على إطلاقه، بحيث يصبح ذريعة لترك الفريضة عند أدنى مشقة أو أيسر أذى؛ فإن الروايات نفسها تحذر من هذا الفهم، وتفرّق بين الضرر الذي يسقط معه التكليف، وبين المشقة اليسيرة التي جرت سنة المصلحين على تحملها.
ومن أوضح النصوص في ذلك ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام في الحديث الطويل، إذ وصف قوماً يظهرون في آخر الزمان بقوله:
«لا يوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر إلا إذا أمنوا الضرر، يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير... هنالك يتم غضب الله عليهم فيعمهم بعقابه.»
وتكشف هذه الرواية عن ظاهرة خطيرة، وهي اتخاذ الخوف وسيلة للتنصل من المسؤولية، حتى تصبح السلامة الشخصية مقدمة على إقامة الدين. وهؤلاء لم يتركوا الفريضة لعجز حقيقي، وإنما لأنهم كانوا يبحثون دائماً عن الأعذار التي تريحهم من أداء الواجب.
ومن هنا يمكن الجمع بين هذه الرواية وبين الروايات السابقة، فنقول: إن الضرر الذي يسقط الوجوب هو الضرر المعتد به الذي لا يقابله أثر إصلاحي، أما الأذى اليسير، أو ما جرت العادة بتحمله في سبيل أداء الواجب، فلا يوجب سقوط التكليف.
ويؤكد هذا المعنى ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في تحذيره من التعرض للسلطان الجائر من غير بصيرة، إذ قال للمفضل:
«يا مفضل، من تعرض لسلطان جائر فأصابته بلية لم يؤجر عليها، ولم يرزق الصبر عليها.»
ومن هنا يظهر الفرق بين التضحية المشروعة التي تحفظ الدين وتحقق مصلحة عامة، وبين التهور الذي لا يجني صاحبه منه إلا الضرر الشخصي من غير أثر في الواقع.
وهذا الفهم ينسجم مع سيرة الإمام الصادق عليه السلام نفسه، فقد عاش في ظروف سياسية معقدة، وكان يراعي اختلاف الأحوال، فيأمر أصحابه أحياناً بالكتمان والتقية حفظاً للنفوس ولخط أهل البيت عليهم السلام، وفي الوقت نفسه يربيهم على عدم ترك الواجب إذا توفرت شروطه وآثاره.
ولا تدل هذه الروايات على الدعوة إلى ترك مواجهة الظالمين مطلقًا، كما لا تدل على وجوب المواجهة في جميع الأحوال، وإنما هي بصدد بيان الوظيفة الشرعية للمكلَّف في ضوء توفر شروط الوجوب. أما مواقف الأئمة عليهم السلام في مواجهة الحكام، فهي تابعة للتكليف الإلهي الخاص بالإمام المعصوم، ولا يصح جعلها مورداً للقياس الفقهي على عامة المكلفين؛ لأن الإمام عليه السلام يعمل بعلم الإمامة والنص الإلهي، ولكل إمام وظيفته التي كُلِّف بها، ولذلك اختلفت مواقفهم بين الصلح، والهدنة، والتقية، والقيام، مع كونهم جميعًا على الحق، ولم يكن اختلاف المواقف ناشئًا عن اختلاف في أصل الدين، وإنما عن اختلاف الظروف والتكليف الإلهي.
وبذلك يتبين أن شرط القدرة والأمن من الضرر لا يراد به تعطيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما يراد به توجيهها نحو المواضع التي تحقق فيها أهدافها، وتجنب الموارد التي لا يترتب عليها إلا ضياع النفوس وتعطيل المصالح العليا للدين.
فالشريعة، كما لا تقبل الجبن والتخاذل، لا تقر أيضاً التهور والاندفاع غير المحسوب، وإنما تدعو إلى الموازنة بين حفظ المبادئ وحفظ الوسائل التي تبقي تلك المبادئ حيّة في الأمة. ومن هنا جاءت روايات أهل البيت عليهم السلام لترسم منهجاً متوازناً يجمع بين الشجاعة والحكمة، ويجعل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروعاً إصلاحياً قائماً على البصيرة، لا على ردود الأفعال أو الحماس المجرد.
الخاتمة
يتبين من مجموع الروايات الواردة في هذا الباب أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفرائض الإلهية التي جعلها الله تعالى سبباً لحفظ الدين وإقامة العدل وصيانة المجتمع من الانحراف، إلا أن الشريعة لم تجعله تكليفاً مطلقاً في جميع الأحوال، بل قيدته بقيود تحفظ مقاصده وتمنع من تحوله إلى سبب لزيادة الفساد أو وقوع الضرر من دون ثمرة.
وقد كشفت روايات أهل البيت عليهم السلام عن أهم هذه الشروط، فاشترطت العلم بالمعروف والمنكر، والقدرة على أداء الوظيفة، واحتمال التأثير في المأمور والمنهي، وعدم ترتب ضررٍ معتدٍّ به أو مفسدةٍ أعظم. كما أكدت أن اختلاف موارد الروايات لا يدل على التعارض، وإنما يرجع إلى اختلاف موضوعاتها؛ فالروايات التي تشترط الأمن من الضرر تتحدث عن أصل ثبوت التكليف، بينما الروايات التي تذم التارك إنما تتوجه إلى من يتخذ الخوف ذريعة للتقاعس، مع تحقق شروط الوجوب وإمكان التأثير.
كما ظهر من خلال كلمات الأئمة عليهم السلام أن هذه الفريضة ليست عملاً عاطفياً أو اندفاعاً غير منضبط، بل هي وظيفة شرعية تقوم على الحكمة والبصيرة، ولذلك شبّه الإمام الصادق عليه السلام القائم بها بالطبيب الذي يضع الدواء في موضعه، فإن وجد محل العلاج باشر، وإلا أمسك.
ومن النتائج المهمة التي انتهى إليها البحث أن أفعال الأئمة المعصومين عليهم السلام لا يصح جعلها مورداً للإشكال على هذه الضوابط؛ لأن الإمام المعصوم يعمل وفق تكليف إلهي خاص، وعلمه بالمصالح والمفاسد ليس كعلم غيره. ومن هنا فإن نهضة الإمام الحسين عليه السلام، كما صلح الإمام الحسن عليه السلام، وكما مواقف سائر الأئمة عليهم السلام، كلها تجليات لوظيفة الإمامة الإلهية، ولا تعارض بينها وبين الأحكام العامة التي خوطب بها سائر المكلفين، بل إن كل موقف منها كان تطبيقاً للتكليف الإلهي المناسب لظرفه وزمانه.
وبذلك تتكامل الروايات في رسم المنهج الشرعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتجمع بين المحافظة على هذه الفريضة العظيمة وبين مراعاة الحكمة وتحقيق المصلحة، لتبقى وسيلةً لإحياء الدين وإصلاح المجتمع، لا سبباً لإهدار النفوس وتعطيل المقاصد التي شرعت من أجلها.

اترك تعليق