803 ــ أبو الأسود الدؤلي: (توفي 69 هـ / 688 م):

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) والتحريض على ثأره:

يا ناعيَ الدينِ الذي ينعي التقى     قُم فانعِه والبيتَ ذا الأستارِ

أبني عــــــــــليٍّ آلَ بيتِ محمدٍ     بـ(الطّف)ِّ تقتلهمْ جفاةُ نزارِ

سبحانَ ذا العرشِ العليِّ مكانه     أنّــــى يكابره ذووا الأوزارِ

وقال من قصيدة أخرى في رثاء الحسين (ع) أيضاً:

أ لستِ تريـن بني هاشم     قد افْنَتــــــهُمُ الفئة الظالمة

وأنتِ ترينَـــنْهم بالهدى     وبـ(الطفِّ) هامُ بني فاطمة

سأجعل نفسي لهم جُنَّةً     فلا تكــثري بيْ من اللائمة

الشاعر

شاعر عربي أصيل، ولغوي كبير، مثّل فصاحة اللغة ونصاعتها أبلغ تمثيل، عبّر شعره عن عمق الإيمان بالإسلام، وقوة معتقده بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وولائه العميق لأهل بيته (عليهم السلام).. واضح الرؤيا، صريح التعبير، يُعدّ رائداً من روّاد الفكر العظماء، فهو أول من وضع النقاط على الحروف، وأول من وضع قواعد النحو، وأول من صنّف في علم الكلام واللغة بإشارة وتلقين من سيد البلغاء والمتكلمين علي بن أبي طالب (عليه السلام).   

إنه أبو الأسود الدؤلي الذي حَظي شعره باهتمام كبير من قبل دارسي الأدب ونقّاده كونه يمثل العصر الإسلامي الأول خير تمثيل.. لغة سليمة لم تشبها شائبة، وتراكيب فصيحة لم تشوّهها ترجمات دخيلة، وأفكار أصيلة لم تسيّرها الأغراض والدوافع والغايات الدنيوية، فكان شعره أميناً على سلامة اللغة، صالحاً للاستشهاد والاستدلال به في كتب اللغة والنحو والقراءات، أما شاعريته فقد كانت بمكانة بارزة في عالم الشعر العربي وحظي ديوانه باهتمام علماء الأدب ودراستهم ومراجعتهم وتداولهم إياه على مرّ العصور.  

ورغم أن العشرات من أُمّات كتب السير والتاريخ واللغة قد تحدثت عن أبي الأسود وروت عنه الشيء الكثير من شعره وأخباره وأولاه المؤلفون عناية خاصة إلا أنه وقع في اسمه ونسبه خلاف كثير لا يتسع المجال لسرد تفاصيله غير أننا اعتمدنا في ذكر ذلك على ما اتفقت عليه أكثر هذه المراجع الأدبية واللغوية والتاريخية، فقد ذُكر أن اسمه هو (ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حِلس بن نُفاثة بن عَدي بن الدُّئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار)، وأمه (الطويلة) من بني عبد الدار بن قصي، أما ولادته فقد قيل إنها كانت قبل البعثة النبوية الشريفة بثلاث سنوات، وأدرك حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وروى عنه، وكان ممن أسلم على عهد النبي كما نصت على ذلك كثير من الكتب المعتبرة.

هاجر الدؤلي إلى البصرة على عهد عمر وسكن فيها، وتذكر الروايات التاريخية إن أبا الأسود وليَ قضاء البصرة، كما تذكر الروايات إن عبد الله بن عامر والي عثمان على البصرة كان قد استخلف أبا الأسود لمّا توجّه إلى خراسان، وكان أبو الأسود يعد من المقدمين الفقهاء والمحدثين من التابعين, كما أرسله عثمان بن حنيف عامل علي (عليه السلام) على البصرة على رأس الوفد الذي أوفده لمفاوضة أهل الجمل، وإن انتقاء أبي الأسود لهذه المهمة إنما كان لأنه (رجل خاصة) على حد تعبير الطبري، (ورجل أهل البصرة) على حد تعبير ابن سلام، كما ذكر المؤرخون أنه كان على رأس الجيش الذي أرسله عبد الله بن عباس لقتال خوارج البصرة، وإنه كان ممن قاتل يوم الجمل مع الإمام علي (عليه السلام).

وكان أبو الأسود من المتحققين بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومحبته وصحبته ومحبة ولده، وقد روى ابن الاثير إن نقش خاتم أبي الأسود كان هذا البيت:

يا غالبي حسبكَ من غالبِ     ارحم علي بن أبي طالبِ (1)

وله كثير من الأشعار في أمير المؤمنين (عليه السلام) منها قوله في أن علياً هو أول من أسلم:

وإنَّ علياً لكمْ مصحرٌ     يماثله الأسدُ الأسودُ

أما إنه أوَّل العابدين     بمكــــــة واللّهُ لا يُعبد

وكان أبو الأسود مجاوراً لبني قُشير الذين كانوا يناصبون العداوة لآل محمد، وكانوا أصهاره فكانوا يؤذونه لحبه لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال:

يقولُ الأرذلــــــونَ بنو قشـــيرٍ:     طـوالَ الدهرِ لا تنسى عَليا 

فقلتُ لهم: وكيف يكونُ تــركي     من الأعمالِ ما يُقضى عَلَيا

أحبُّ محمــــــــــداً حـــبّاً شديداً     وعبــاساً وحـمزةَ والوصيا

بنو عمِّ النبــــــــــــــيِّ وأقربوه     أحبُّ النــــــــــاسِ كلّهمُ إليّا

فإن يــــكُ حبُّهـــمْ رشداً أصبه     ولسـتُ بمخطئٍ إن كانَ غيَّا

همُ أهلُ الــنـــصيحةِ غير شكٍّ     وأهـــلُ مودّتي ما دمتُ حيّا

هوىً أعطـــيــته لمّا استدارتْ     رحى الإسلامِ لم يعدلْ سويا

أحبّهم لـــحبِّ اللّهِ حـــــــــــتى     أجيءُ إذا بــعثتُ على هويّا

رأيـــــــتُ اللّهَ خالقُ كلَّ شيءٍ     هداهمْ واجتبـــــى منهم نبيا

ولم يخصص بها أحداَ سواهمْ     هنيئاً ما اصطفــاهُ لهم مريا

فلما وصل إلى قوله:

فإن يكُ حبّهم رشــــداً أصــبه      وفيهم أُسوةٌ إن كــــان غيّا  

قالوا له: شككت يا أبا الأسود بقولك هذا

فقال: أما سمعتم قول الله تعالى: "وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ"

وكان لا يفتأ يدعو قومه إلى السراط المستقيم صراط علي وولده فيقول:

أبني (قُشــــــيرٍ) إنني أدعوكمو     للحقِّ قبلَ ضــــــلالةٍ وخسارِ

كونوا لــهم جُنناً وذودوا عنهمو     أشـــــــــــياعَ كلِّ منافقٍ جبارِ

وتقدّمـــوا في سهمِكم مِن هاشمٍ     خــيرِ البريةِ في كتابِ الباري

بهمو اهتديتمْ فاكفروا إن شئتمو     وهمو الخيارُ وهم بنو الأخيارُ

وكان أبو الأسود من كتّاب علي (عليه السلام)، وعندما اضطر (عليه السلام) إلى التحكيم همَّ أن يقدم أبا الأسود فأبى الناس عليه، ويؤيّد هذه الرواية ما رواه الشريف المرتضى في الأمالي من أن أبا الأسود دخل يوماً على معاوية في النخيلة فقال له معاوية: أكنت ذُكرت للحكومة؟ قال: نعم، قال: فماذا كنت صانعاً؟ قال: كنت أجمع ألفاً من المهاجرين وأبنائهم وألفاً من الأنصار وأبنائهم ثم أقول: يا معشر من حضر، أرجلٌ من المهاجرين أحق أم رجلٌ من الطلقاء؟ فضحك معاوية ثم قال: إذن والله ما اختلف عليك اثنان.

وعندما خرج عبد الله بن عباس عامل علي (عليه السلام) من البصرة استخلف أبا الأسود عليها فأقر أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الإستخلاف وبقي أبو الأسود والياً على البصرة حتى استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) ولما بلغه خبر استشهاده قال:  

ألا يا عين ويـــــــحكِ فاسعدينا     ألا فــــــابكِ أميرَ المؤمـنينا

رُزئنا خيرَ من ركبَ الـــمطايا     وخيّسها ومَن ركبَ السـفينا

ومَن لبسَ النعالَ ومـــن حذاها     ومَن قرأ الـــمثاني والـمئينا

فكلُّ مناقبِ الخيـــــــــراتِ فيه     وحبُّ رسولِ ربِّ الــعالمينا

وكنّا قبلَ مـــــــــــــــقتلِه بخيرٍ     نرى مولى رسـول الله فـينا

يقيم الدين لا يــــــــــرتاب فيه     ويقضي بالفرائـضِ مُستـبينا

ويدعو للجمـــــاعةِ من عصاهُ     وينهكُ قطعَ أيدي السارقـينا

وليسَ بــــــــــــكاتمٍ علماً لديه     ولم يــــخلق من المُتجبريـنا

ومــــــِن بعدِ النبيِّ فخيرُ نفسٍ     أبو حسنٍ وخـيرُ الصالحيـنا

ألا أبلغ معـــــــاويةَ بن حربٍ     فلا قـــرّت عيونُ الشامتيـنا

أفي شهرِ الصيــــامِ فجعتمونا     بخيرِ الخــلقِ طرّاً أجـمعيـنا

قتلتمْ خيرَ من ركـــبِ المطايا     وخيَّسها ومن ركبِ الـسفيـنا

ومن لبسَ النعالَ ومـن حذاها     ومن قرأ المثــــانيَ والـمئينا

إذا استقبلتَ وجهَ أبــي حسينٍ     رأيتَ البدرَ راقَ النــاظرينا

لقد علمتْ قريشٌ حيـث كانت     بأنّكَ خيــــــرهم حسباً ودينا  

كـــــــأنّ الناسَ إذ فقدوا علياً     وحسنُ صلاتِه في الراكعينا

فلا واللهِ لا أنــــــــــسى علياً     نعامٌ جالَ فــــــــي بلدٍ سنينا

تبكِّي أُمَّ كلثوم علــــــــــــــيه     بعبرتِها وقد رأتِ الـــــيقينا

ولو إنا سُئلنا الـــــــــمالَ فيه     بذلنا المــــــــالَ فيه والبنينا

وفيها يعلن تمسكه بولائه للإمام الحسن (عليه السلام)

فلا تشـمتْ معاوية بن حربٍ     فانّ بقيــــــــــةَ الخلفاءِ فينا

وأجمعنا الإمارةَ عن تراضٍ     إلى ابــــنِ نبيّنـا وإلى أخينا

وإنَّ ســــراتَنا وذوي حجانا     تواصوا أن نجيبَ إذا دُعينا

بكلِّ مـــــهنّدٍ عضبٍ وجردٍ     عــــــــليهنَّ الكماةُ مسوَّمينا

وله من قصيدة بليغة في رثاء أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول فيها:  

ماضرَّ قبراً أنتَ ســـــــــاكنه     أن لا يمرَّ بأرضــــــه القطرُ

فليعدلــــــن سماحَ كفكَ قطره     وليورقــــــنَّ بقربِكَ الصخرُ

وإذا رقــــــــــدتَ فأنتَ منتبه     وإذا انتبهــــتَ فوجهكَ البدرُ

وإذا غضبــتَ تصّدعتْ فَرقَاً     منكَ الجبـــــالُ وخافكَ الذعرُ

يا ســـاكنَ القبرَ السلامُ على     من حــــــــالَ دون لقائهِ القبرُ  

وكان لأبي الأسود كثير من المحاججات مع إعداء أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكان في كل محاججة يزداد إيماناً بحبه وولائه وكان أشد هؤلاء الناصبين هو زياد بن أبيه الذي قال له مرة: كيف حبك لعلي ؟ قال: حبي يزداد له شدة كما يزداد بغضك له شدة، وتزداد لمعاوية حباً وإيم الله إني لأُريد بما أنا فيه الآخرة وما عند الله وإنك لتريد بما أنت فيه الدنيا وزخرفتها وذلك بزائل بعد قليل، وكان يصرخ في وجه زياد وأمثاله:

أمفنّـــدي في حبِّ آلِ محمدٍ     حجرٌ بفيكَ فدع ملامكَ أو زدِ

من لمْ يـكن بحبالِهم متمسّكاً     فليعــترفْ بولاءِ من لم يرشدِ  

تحدثت المراجع اللغوية والأدبية والتاريخية كثيراً عن أبي الأسود وروت من أخباره المأثورة الشيء الكثير، وقد أفصحت هذه الأخبار المتناثرة في بطون الكتب عن المزايا والسجايا التي امتاز بها أبو الأسود وما تمتع من صفات وملكات، أبرزت أهم الجوانب الذاتية في شخصيته، ولإبراز هذه الجوانب ننقل نتفة من أقوال الأعلام:

قال أبو الفرج الأصفهاني: (وكان أبو الأسود الدؤلي من وجوه التابعين وفقهائهم ومحدثيهم) (2)

وقال عنه أيضاً: (ثقة جليل) (3)

وقال السيوطي: (وكان من سادات التابعين) (4)

وقال ابن البطريق الحلي: (من بعض الفضلاء الفصحاء من الطبقة الأولى من شعراء الإسلام وشيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) (5)

وقال عنه ابن خلكان: (من أكمل الرجال رأياً وأسدّهم عقلاً، سريع الجواب) (6)

وقال اليافعي: (من أكمل الرجال رأياً وأرجحهم عقلا) (7)

وقال ابن حجر العسقلاني: (وكان ذا دين وعقل ولسان وبيان وفهم وذكاء وحزم) (8)

وقال ابن العماد: (وكان عاقلاً حازماً) (9)

وقال الجاحظ: (معدود في طبقات من الناس وهو في كلها مقدّم مأثور عنه الفضل في جميعها كان معدوداً في التابعين والفقهاء والشعراء والمحدثين والأشراف والفرسان والأمراء والدهاة والنحويين والحاضري الجواب والشيعة). (10)

ومن أشهر ما أُثِر عن أبي الأسود إنه أول من نقّط المصحف، ويروي المؤرخون أنه أُحضِر إليه ثلاثون رجلاً لمعاونته على هذه المهمة فاختار منهم عشرة ثم لم يزل يختار منهم حتى اختار رجلاً من عبد القيس، فقال: خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد فإذا فتحت شفتيَّ فانقط واحدة فوق الحرف وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله فإن اتبعت شيئاً من هذه الحركات غُنّة فانقط نقطتين فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك.  

كما أُثِر عنه أنه أول من أسس العربية ونهج سبلها ووضع قياسها وأول من عمل كتاباً في النحو، وقد فعل ذلك كله بإشارة من سيده علي بن أبي طالب (عليه السلام) لأن الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي وقد روي عنه أنه قيل له: من أين لك هذا العلم؟ فقال: لقّنت حدوده من علي بن أبي طالب وفي حديث آخر قال: ألقى إليّ عليٌّ أصولاً احتذيتُ بها.   

وقد نقلت كثير من المصادر المهمة تفاصيل تلك الأصول التي أملاها أمير المؤمنين علي أبي الأسود، منها معجم الأدباء، وطبقات فحول الشعراء، وطبقات النحويين، وإنباه الرواة، وأمالي الزجاجي، ونزهة الألبّاء وغيرها من المصادر المعتبرة، والروايات التي نسبت النحو إلى أبي الأسود قاربت الاجماع إلا من شذّ عن عصبية أو تعنّت وبعض هذه الروايات لمؤرخين كانوا قريبي العهد بعصر وضع النحو فنقلت طبقة عن أخرى.

أما الناقلون فكانوا من أوثق الثقات كالخليل بن أحمد الفراهيدي، وأبي عمرو بن العلاء اللذَين درسا على رجال الطبقة النحوية الثانية وعلى رأسهم عيسى بن عمرو بن أبي إسحاق وقد أخذ هؤلاء الثلاثة من تلامذة أبي الأسود يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، والأخفش الأكبر، وعنبسة، وميمون الأقرن وغيرهم من الذين نقلوا رواياتهم عن أبي الأسود مشافهة، ودونوا ذلك في رسائلهم وكتبهم.   

ويدلنا كتاب سيبويه الذي لا يزال يُتداول، فإنه عندما يروي عن بعضهم فإنه يصل بالسند إلى أبي الأسود وينتهي عنده، وهذا يدل على أنه كان الواضع الأول لعلم النحو وقد تعلمه من علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما يصرح هو، وإن البحث المفصّل في ذلك يحتاج إلى تفاصيل كثيرة لا يمكن سردها في مجال محدود كهذا المقال، ومن أراد أن يسبر غور هذا البحث فليراجع المصادر اللغوية والتاريخية والأدبية التي تشير إلى أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو أول من وضع النحو وسنّ العربية وعلّم ذلك تلميذه أبا الأسود الدؤلي.  

لنعد إلى أبي الاسود وشعره الذي يعدّ في الطبقة الأولى من الشعر العربي وبالأحرى فهو كنز ثمين من كنوز العربية الأصيلة وقد حَظي باهتمام فحول اللغة على مر العصور فقد جمعه الأصمعي، وابو عمرو، والسكري كما أولاه أبو الفتح ابن جنيّ عناية خاصة فجمعه ونسخ منه نسخة لنفسه وعلق عليها تعليقات نافعة وعنها نسخ عفيف بن أسعد نسخته التي أصبحت الأصل لعدد من النسخ الباقية اليوم.

ومن أشهر قصائد أبي الأسود الدؤلي قصيدته التي منها:

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه     عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ

وهذا البيت هو البيت التاسع من قصيدة تبلغ ثلاثين بيتاً لم يختلف المؤرخون في نسبة قصيدة مثلما اختلفوا فيها وتعدّ هذه القصيدة كنزاً من كنوز العربية ودرّاً من بحرها الواسع لما تضمنته من الشعر الجزل المسبوك فاحتلت مكانة متميزة في عالم الشعر العربي فدارت على الألسن وتناقلتها الرواة على مدى قرون، وحوت هذه القصيدة كثيراً من المواعظ والتعاليم وجمعت بعضاً من مكارم الأخلاق وحثت على طلب العلم ومصاحبة الكرام ومجانبة السفهاء وصلة الأرحام وعمل الخير وغيرها.

ورغم أن القصيدة بأبياتها الثلاثين قد جاءت كلها على نسق واحد من قوة السبك والتراكيب إلّا أن البيت الذي ذكرناه قد اشتهر منها وأصبح متداولاً أكثر من غيره، فهو يُعدّ محور القصيدة، وقد ذُكر هذا البيت في أمّات الكتب اللغوية والتاريخية والأدبية ونُسب إلى ستة شعراء ولأهمية هذا البيت كونهُ ضمن قصيدة تُعدّ من عيون الشعر العربي فقد آثرنا سبر غور الموضوع والبحث في بطون الكتب المهمة لتسليط الضوء أكثر على صاحب البيت أو بالأحرى القصيدة لكي لا يبخس حق صاحبها في نسبتها إليه.

أورد هذه القصيدة بكاملها السيوطي (11) والبغدادي (12) ونسباها إلى أبي الأسود الدؤلي، ولم يرد هذه القصيدة كاملة سواهما، أما باقي الكتب فقد ذكرت نتفاً منها ترددّت ما بين البيت والعشرة الأبيات مع اختلاف في تسلسلها ولعل المؤرخ أو المؤلف كان ينتقي منها ما يلائم موضوعه من استشهاد واستدلال فينقل منها الأبيات بغير تسلسل، وأكثر بيت ورد في هذه الكتب هو البيت التاسع الذي ذكرناه في مقدمة البحث والذي سيدور حوله الموضوع فإن صاحب هذا البيت هو صاحب القصيدة.

فقد أورد هذا البيت ابن سلام (13) وأبو عبيد بن سلام (14) وابن عبد ربه الأندلسي (15) والمرزباني (16) وياقوت الحموي (17) وقد نسب هؤلاء البيت للمتوكل الليثي الكناني، أما سيبويه (18) وابن يعيش (19) وابن الخشاب (20) فقد نسبوا البيت إلى الأخطل، ونسب حيدرة اليمني هذا البيت لسابق البربري (21)، كما نسبه النحاس للأعشى (22) والسيرافي لحسان بن ثابت (23)، أما بدر الدين العيني (24)، والسيوطي (25) فقد نسبا البيت لأبي الأسود الدؤلي، ولتحاشي الوقوع في هذا الاختلاف الكبير فقد آثر الفرّاء (26) والماوردي (27)، والطبري (28) وابن خالويه (29) والطوسي (30) عدم نسبة هذا البيت الى اي أحد عند ذكره.

عند تمحيصنا عن نسبة هذا البيت نجد أن المؤرخين قد نسبوه لمن يهوون من الشعراء بعد أن رأوا أن الاختلاف قد بلغ مبلغاً بحيث لا يعارضهم أحد في هذه النسبة الخاطئة فنسبوه إلى الأخطل وهو في غاية البعد عن جو هذا البيت فقد توزّع شعره بين المدح والهجاء، فهو شاعر البلاط الأموي يمدح الخلفاء الأمويين ويهجو أعداءهم، وأين منه مثل هذه المواعظ؟ ثم أن البيت لم يرد في ديوانه ورغم أن محقق الديوان حاول الإشارة إليه لكنه وقع في شرك الأقوال المختلفة.

وفي تقصّينا للشعراء الآخرين الذين نُسب البيت إليهم نجد أن انفراد النحاس في نسبته للأعشى، والسيرافي لحسان، وحيدرة اليمني لسابق البربري، يجعل هذه النسبة ضعيفة جداً وبخاصة أنهم ذكروا البيت منفرداً ونسبوه إلى شاعرهم، ولو كانت هذا النسبة صحيحة لعززوه بباقي أبيات القصيدة أو ببعضها كما فعل السيوطي والبغدادي عندما نسباها إلى أبي الأسود الدؤلي، ونحن نرى وللأمانة التاريخية والأدبية أن نسبة هذه القصيدة مع البيت إلى أبي الأسود الدؤلي هي الصحيحة وكفته هي الراجحة في ميزان البحث الموضوعي ومما يوكد ذلك ما رواه البغدادي عن الخلاف في نسبة البيت التاسع حيث يقول:

(نسبه الإمام أبو عبد الله القاسم بن سلام في أمثاله إلى المتوكل الليثي، ونسبه إليه الآمدي في المؤتلف والمختلف، ونسبه إليه أبو الفرج الاصفهاني في الأغاني، ونسبه سيبويه للأخطل، ونسبه الحاتمي لسابق البربري، ونقل السيوطي عن تاريخ ابن عساكر أنه للطرماح، والمشهور أنه من قصيدة لأبي الأسود الدؤلي، قال اللخمي في شرح أبيات الجمل: الصحيح أنه لأبي الأسود فإن صح ما ذكر عن المتوكل فإنما أخذ البيت من شعر أبي الأسود والشعراء كثيراً ما تفعل ذلك) (31)

هذا نص حديث البغدادي الذي يؤكد على أن البيت لأبي الأسود كما أكد ذلك العيني بقوله (أقول: قائله ــ أي البيت التاسع ــ هو أبو الأسود الدؤلي ويقال الأخطل وليس بصحيح وحكى أبو عبيد القاسم ابن سلام أنه للمتوكل الليثي وكذلك حكى الأصفهاني أيضاً وقال ابن يسعون: هذا البيت أعني قوله

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

نسبه أبو علي الحاتمي لسابق البربري، والصحيح عندي كونه للمتوكل أو لأبي الأسود وهما كنانيان وقد رأيته في شعر كل واحد منهما إلا أنه لم يثبت في شعر أبي الأسود المشهور عند الرواة). (32)

وقال ابن هشام اللخمي في شرح ابيات الجمل: (والصحيح إنه لأبي الاسود من قصيدته التي أولها .... وذكر أحد عشر بيتاً غير متسلسلة من القصيدة - ثم قال: (فإن صح ما ذكر عن المتوكل فإنه أخذ البيت من شعر أبي الاسود والشعراء كثيراً ما تفعل ذلك)، (23) ومثل ذلك قال السيوطي في شرح شواهد المغني.

إذن فلا مجال للشك بأن البيت والقصيدة لأبي الأسود الدؤلي ونرجو أن نكون قد وفقنا في إعادة (البيت) إلى صاحبه ليأخذ مكانه الطبيعي في قصيدته الرائعة ونود أن نعرضها على القارئ لكي يحكم بنفسه كيف أن البيت انسجم تماماً مع القصيدة في وحدة مترابطة شكل قمة من قمم الشعر العربي:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا ســــــــــــــعيه     فالقومُ أعداءٌ له وخــــــــــــصومُ

كضرائرِ الحسناءِ قُــــــــــــــلنَ لوجهِها     حسداً وبـــــــــــغياً: إنـــــه لذميمُ

والوجهُ يــــــــــــــشرقُ في الظلامِ كأنّه     بــــــــدرٌ منيرٌ والنـــــساءُ نجومُ

وترى اللبيبَ مــــــــــــــحسّداً لم يجترمْ     شتمَ الرجالِ وعـــــرضُه مشتومُ

وكذاكَ من عظمتْ عــــــــــــــليهِ نعمةٌ     حـــــسّادُه سـيفٌ عــــليه صَرومُ

فاتركْ مــــــــــــــــــحاورةَ السفيهِ فإنّها     ندمٌ وغــــــــبٌّ بعــــدَ ذاكَ وخيمُ

وإذا جريتَ مع السفيهِ كــــــــــما جرى     فكلاكما في جـــــــــــريهِ مذمومُ

وإذا عتبتَ علـــــــــــــــى السفيهِ ولمته     في كلِّ ما تـأتي فأنـــــــتَ ظلومُ

(لا تـــــــــــــــــنه عن خُلُقٍ وتأتي مثله     عارٌ عليكَ إذا فعلـــتَ عـــظيمُ)

ابدأ بنفسِـــــــــــــــــكَ وانهها عن غيّها     فإذا انتهت عنه فأنـــتَ حــــكيمُ

فـــــــــــــهناكَ يُقبل ما وعظتَ ويُقتدى     بالـــــــعلمِ منكَ ويـــنفعُ الـتعليمُ

ويلُ الخليِّ مــــــــــــــــــن الشجيِّ فإنه     نصبُ الفـؤادِ بــــشجوهِ معـمومُ

وتــــــــــــــرى الخليَّ قريرَ عينٍ لاهياً     وعلى الــشجـــيِّ كآبةٌ وهمــومُ

وتقولُ مالكَ لا تقــــــــــــــــول مقالتي     ولسانُ ذا طَـــــــلْق وذا مكظومُ

لا تكلمَنْ عــــــــرضَ ابنِ عمِّكَ ظالماً     فإذا فعلـــتَ فعرضـــُكَ المكلومُ

وحـــــــــــــريمُه أيضاً حريمُكَ فاحمه      كي لا يُبـــاعُ لديكَ منـــه حَريمُ

وإذا اقتصصتَ مِـــــن ابنِ عمِّكَ كلمةً     فكلومه لـــكَ إن عقلتَ كـــــلومُ

وإذا طـــــــــــلبــــتَ إلـى كريمٍ حاجةً     فلقاؤه يــــــــــــــكفيكَ والتسليمُ

فإذا رآكَ مسلّــــــــــــــــــماً ذكرَ الذي     كلّمتـــه فكأنه ملـــــــــــــــزومُ

ورأى عــــــــــواقـبَ حـمدَ ذاكَ وذمّه     للمـــرءِ تبقى والعظامُ رمــــيمُ

فارجُ الكريمَ وإن رأيــــــــــتَ جفاءه     فالـــــــعتــبُ منه والكرامُ كريمُ

إن كنتَ مضطراً وإلّا فـــــــــــــاتخذ     نفقـاً كـــــــــأنَّكَ خائفٌ مهزومُ

واتركه واحـــــــــذرْ أن تــــمرَّ ببابِه     دهـراً وعرضُك إن فعلتَ سليمُ

وإذا طلبتَ إلى لــــــــــــــــئيمٍ حاجةً     فألـحَّ في رفــــــــقٍ وأنتَ مُديمُ

واسكنْ قبالةَ بــــــــــــــــــيتِهِ وفنائِهِ     بــــــــأشدَّ ما لزمَ الغريمَ غريمُ

وعجبتُ للدنيا ورغبةِ أهــــــــــــلها     والـــــــرزقُ فيما بينهمْ مقسومُ

والأحمقُ المرزوقُ أعجبُ مَن أرى     مِن أهلِـــــها والعاقلُ المحرومُ

ثم انقضى عــــــــــــجبي لعلميَ أنّه     رزقٌ مــــــــوافٍ وقته معلومُ

وقد أشرنا في بداية المقال إلى أهمية شعر أبي الأسود كونه يمثل العصر الإسلامي الأول خير تمثيل، أما السمة البارزة في شعر أبي الأسود فهي مواقفه المبدئية في التزامه الحق وتمسكه بالإسلام والنبي وأهل بيته (عليهم السلام)، أما المواضيع الأخرى التي طرقها في شعره فهي: الحكمة والفخر والحماسة والشجاعة والاعتزاز بلسانه وفي تكريم العلم وتحمل الأذى والصبر عليه والصداقة والمؤاخاة وغيرها من المواضيع الإنسانية والاجتماعية الأخرى، كما تطرّق أبو الأسود إلى حادثة الطف وبكاها بكاء المفجوع. ومن شعره في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) قوله:

أقــــــــــــــولُ لعاذلتي مـــرّةً     وكـــــانت على ودّنا قائمه

إذا أنتِ لم تبصري مـــا أرى     فــــبيني وأنتِ لنا صارمه

أ لستِ تريــــــن بنـــي هاشم     قـد افْنَتــــــهُمُ الفئة الظالمة

وأنتِ ترينَـــنْهــــــــم بالهدى     وبـ(الطفِّ) هامُ بني فاطمة

فلو كنتِ راسخةً فــي الكتاب     بالأحــــزابِ خابرةً عالمه

علمــــــــــــتِ بأنــهّم معشرٌ      لهمْ سبقــــــــت لعنةٌ جاثمه

سأجعلُ نفســـــــــي لهم جُنَّةً     فلا تكــثري بيْ من اللائمة

أُرجّي بذلك حوضَ الرّسول     والفوزَ والنّعمـــــــةَ الدّائمه

لتهلكَ إن هـــــــــــلكتْ برّةً     وتـخلصُ إن خلصتْ غانمه

وقال في هجائه لبني أمية وبني زياد:

أقولُ وذاكَ مِن جزعٍ ووجدٍ     أزالَ اللّهُ مــلكَ بني زيادِ

وأبعدهم بما غدروا وخانوا     كما بعدت ثمودٌ قومَّ عادُ

ولا رجــعتْ ركائبُهم إليهم     إلـــى يومِ القيامةِ والتنادِ

توفي أبو الأسود ــ رحمه الله ــ بالطاعون الجارف بالبصرة وله من العمر خمس وثمانون سنة وكان آخر حادث أشار إليه في شعره هو مقتل الحسين (ع) لتأثره العظيم بهذا الحادث وكان له من الأولاد اثنان: عطاء وأبو حرب وابنتان, وقد ألف عنه عدد كبير من علماء اللغة والسير كالأصمعي وأبي عمرو والسكري وجمع أخباره المدائني في كتاب أسماه (كتاب أبي الأسود الدؤلي) كما ألف عنه ــ أيضاً ــ عبد العزيز بن يحيى الجلودي، وأبو عبيدة، والهيثم بن عدي، ومحمد بن سلام، وجمع ديوانه وأولاه عناية خاصة أبو الفتح ابن جنيّ.  

..............................................................

1 ــ الكامل ج 3 ص 205 

2 ــ الأغاني ج 11 ص 198

3 ــ غاية النهاية ج 1 ص 346

4 ــ بغية الوعاة ج 4 ص 22

5 ــ بهجة الآمال في شرح زبدة المقال لملا علي التبريزي عن كتاب عمدة عيون صحاح الآثار لابن البطريق

6 ــ وفيات الأعيان ج 1 ص 535

7 ــ مرآة الجنان ج 1 ص 203

8 ــ تهذيب التهذيب ج 12 ص 13

9 ــ شذرات الذهب ج 1 ص 144

10 ــ البيان والتبيين ج 1 ص 217

11 ــ شرح شواهد المغني ج 2 ص 570 ــ 572

12 ــ خزانة الأدب ج 3 ص 617 ــ 619

13 ــ طبقات فحول الشعراء ج 2 ص 683

14 ــ الأمثال ص 74

15 ــ العقد الفريد ج 2 ص 311 و ج 6 ص 81

16 ــ معجم الشعراء ص410

17 ــ معجم البلدان ج 7 ص 384

18 ــ الكتاب ج 1 ص 424

19 ــ شرح المفصل ج 7 ص 24

20 ــ الاستدراك ص70

21 ــ كشف المشكل ج 1 ص 545

22 ــ شرح أبيات سيبويه ص 216

23 ــ شرح ابيات سيبويه أيضاً ج 2 ص 178

24 ــ شرح الشواهد الكبرى ج 4 ص 393

25 ــ شرح شواهد المغني ج 2 ص 779 ــ 780

26 ــ معاني القرآن ج 1 ص 34

27 ــ أدب الدنيا والدين ص 18

28 ــ تفسير الطبري ج 1 ص 255 و ج 9 ص 222

29 ــ الحجة في القراءات السبع ص 112

30 ــ التبيان ج 1 ص 191

31 ــ خزانة الأدب ج ٨ ص ٥٦٨

32 ــ شرح الشواهد الكبرى ج 4 ص 393

33 ــ المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية عن شرح أبيات الجمل لأبن هشام اللخمي ج 4 ص 1877

كما ترجم له وكتب عنه الكثير منهم:

ابن عساكر / تاريخ الشام ج ٧ ص ٢١٦

السيد جواد شبر / أدب الطف ج 1 ص ١٠1 ــ 106

السيد محسن الأمين / أعيان الشيعة ج ٧ ص ٤٠٣ ــ 404

الذهبي / سير أعلام النبلاء ج 4 ص 82

 

 

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار