770 ــ المتوكل طه (ولد 1378 هـ / 1958 م)

قال في قصيدته (ما لم تقله العرَّافة للرئيس):

أبشِّركمْ بالبلدْ

ولا أيّ شيءٍ بهذا البلدْ

سوى القتلِ سيّده والقَوَدْ

وأنَّ الذي سوفَ يبقى

سيقتله ذُلّهُ والكَمْدْ

يقولُ: لماذا دماءُ الشوارعِ تسطعُ

للآخرينَ

وكلُّ قتيلٍ، هنا، (كربلاءٌ) تنوحُ

وعنوانُ رعبٍ

وأصلُ الكَبَدْ

....................................................................

الشاعر

الدكتور المتوكل سعيد صالح طه نزال، شاعر وكاتب وروائي، ولد في قلقيلية مدينة بفلسطين، ونشأ نشأة أدبية فوالده هو الشاعر سعيد بكر طه، فتلقى المتوكل الشعر على يديه.

حصل المتوكل على البكالوريوس في الآداب من جامعة بير زيت، وحصل على الماجستير في الآداب، وعلى الدكتوراه في الأدب والنقد من جامعة اليرموك في الأردن، وعلى الدكتوراه في الفنون والآداب من معهد الأبحاث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة. وعمل محاضراً في أكثر من جامعة فلسطينية.

شغل منصب مدير عام، ووكيل وزارة في وزارة الإعلام الفلسطينية، وسفير فلسطين لدى ليبيا، كما انتخب رئيساً لاتحاد الكتّاب الفلسطينيين، وأمينا عامّاً له، ورئيساً للهيئة العامة لمجلس التعليم العالي الفلسطيني. وترأس وشارك وفد اتحاد الكتاب الفلسطينيين في اجتماعات الاتحاد العام للكتاب العرب لمدة خمسة عشر عاما، والتي عقدت في معظم العواصم والمدن العربية، وأدار وشارك في مئات الندوات والمؤتمرات والمهرجانات في شتى دول العالم.

أسّس (بيت الشعر) في فلسطين مع عدد من الأدباء الفلسطينيين، وترأسه لمدة ثمانية أعوام وعمل مشرفاً عاماً ومحرراً مسؤولاً لمجلة الشعراء، ولمجلة أقواس لمدة ثمانية أعوام، كما عمل مشرفاً عاماً لدارة الاستقلال للثقافة والنشر، ورئيس تحرير المنصّة الثقافية، ورأس منظمة (شعراء بلا حدود) في فلسطين، وهو من أعضاء مجلس أمناء جائزة فلسطين الدولية للإبداع والتميّز. وله نشاط سياسي وطني ضد الاحتلال الاسرائيلي تعرض بسببه للاعتقال عدة مرات.

كتب الأستاذ إبراهيم نمر موسى قراءة حول نص المتوكل في كربلاء قال فيه: (ويوظِّف المتوكل طه في قصيدته "ما لم تقله العرَّافة للرئيس" شخصية الحسين يقول:

أبشِّركمْ بالبلدْ

ولا أيّ شيءٍ بهذا البلدْ

سوى القتلِ سيّده والقَوَدْ

وأنَّ الذي سوفَ يبقى

سيقتله ذُلّهُ والكَمْدْ

يقولُ: لماذا دماءُ الشوارعِ تسطعُ

للآخرينَ

وكلُّ قتيلٍ، هنا، (كربلاءٌ) تنوحُ

وعنوانُ رعبٍ

وأصلُ الكَبَدْ

يتمثل الشاعر في الأبيات أسلوب التعبير القرآني، ليضفي على المشهد الدرامي لقتل الفلسطيني/الحسين في شوارع فلسطين وكربلاء بعداً إشراقياً، يسطع فيه الدم، ويضيء دروب الحياة وأزقتها، وهو بهذا المعنى يضيف سفراً جديداً من أسفار النكبات والمحارق الفلسطينية الكبرى في العصر الحديث، التي يمارسها الاحتلال الصهيوني ضد شعب أعزل وحيد، يدافع عما تبقَّى من وجوده ومبادئه الإنسـانية كالحسين

الذي قتل ظلماً وعدواناً، لعل هذا كله يحرك مستنقع الأمة الآسن، ويؤدي إلى محاولة الانبعاث والتجدد، والدفاع عن الإنسان.

وعلى المستوى اللغوي ، ينحرف الشاعر عن الأسلوب النمطي، أو العبارات المسكوكة في إنتاج الدلالة، ويحضر الدال "أبشركم" في السياق الشعري الذي تبدأ به الشريحة، ليتوقع منه القارئ دلالات "البشارة" المحببة إلى النفس، لكنه يفاجأ بكسر عنصر التوقع، ليجد المتلقي نفسه أمام تراكيب شعرية، ودلالات بتشكيل مخصوص ، تشير إلى الطرف النقيض المتوقع، وبذلك ينقل الشاعر الدلالة من المتوقع إلى اللا متوقع، ويبلور أسلوباً مفاجئاً يهز نمطية اللغة والدلالة، وينتج دلالة جديدة من الدال "أبشركم" تهز المتلقي، وتقلب المفاهيم اللغوية والدلالية رأساً على عقب، ولعل هذه المفارقة اللغوية، تتضافر مع مفارقة تكرار الوقائع التاريخية نفسها من عصر "الحسين" إلى عصر "الفلسطيني"، أي أنها تعيد نفسها في الزمن الحاضر من جديد، وكأن الإنسان العربي لم يتعلم مما سبق، ولم يأخذ عبرة أو عظة من التاريخ ليمنع تكرار مأساة "الحسين"). (1)

وكتب الأستاذ محمد علّوش قراءة حول ديوان المتوكل طه «الرمح على حاله» قال فيه: (المتوكل طه شاعر فلسطيني معروف على المستوى العربي، شق طريقه مبكراً وعلق قصائده على هامات الشعر بصياغته الشعرية الذكية، ورغم تعثر الوسائل فقد ذهب الشاعر نحو بناء ممرات للتواصل، كاسراً الحصار في مواجهة ضارية ضد سياسة العزل الثقافي الممارسة من قبل الاحتلال الصهيوني الغاصب الذي يحارب حتى الكلمة!

وهذا الشاعر يتمتع بغريزة شعرية متدفقة ويتصف بالصدق الفني والتعبيري في كتاباته، وكذلك مشاعره الحساسة والمرهفة، يتنفس هواء فلسطين ويعشق تربتها، ويعرف لغة طيرها، ويناجي أنداء أعشابها ويستلهم صبرها.

لغته الشعرية قريبة من النفس ومؤثّرة في الوجدان وتنبض فيها الحياة، والمتوكل طه يضع هويته في قصيدته ويجعل من لغته الراقية عنواناً كبيراً لهذه الهوية، وفي السنوات السابقة استطاع هذا الشاعر الدؤوب والمتواصل أن يتوهج بشاعريته الناضجة وأن يثبت حضوره على درجة عالية من الإرادة والتصميم، متكئاً على روافع الابداع، وقد تمكن من تحقيق ذاته من خلال ذائقته الفنية وقصيدته الخاصة التي من قراءتك الأولى لها تدرك أنها للمتوكل طه.

شق طريقه منذ البداية، باحثاً عن هويته، جسوراً في طرح المواضيع وقوة الإرادة والصراحة والشفافية والانحياز للكلمة الحرة، مبلوراً أفكاره، ومسلطاً الضوء على انسانية الشعر وجوهر الكلمة ومسكوناً بهاجس القصيدة...

ويقول علّوش في قراءته لنصوص أخرى من نفس الديوان: (في قصيدته المميزة (عطر الصلصال) المهداة إلى (سيّدنا محمد.. عليه الصلاة والسلام – في يوم مولده) يكتبها الشاعر بنبرة تقدمية وبلغة العصر وفيها قصة سيّد الأنام، تتجلى فيها القداسة واشارات النبوة وحلاوة الايمان:

ومن يومها عرف عطر الصلصال،

وابتهج الجدُّ صاحب كوثى، التي

أنقذها جَفْرُها بردائه الشريف، ورفعَ الحَجرَ

وكان الحَكم.. حيث كان يتحنّثُ،

والرضّفُ يُسلّم عليه..

الأمينُ شريك الناس في أحلامهم -

وتوَّجها لما تأمّلَ وحْدَهُ

... وهزّه أخوه: اقرأ!

لكنه القارئ الدّنيا ومُبشرُها

من الرأس إلى يثربَ..

وإلى سدرة المنتهى..

وخلعت الأرضُ ثوبَ الأفعى

وخرجت إلى صُبحها.

أوصلتنا هذه القصيدة الى أجواء صوفية، إلى نشوة صدق من فيض النبوة، وفي القصيدة استلهام لهذه السيرة العطرة والمولد الشريف، وفي قصيدته (تعقيبٌ على القول) المكتوبة في حزيران 2003عن صاحب السيرة النبوية – عليه الصلاة والسلام، يرد من خلالها على المتطاولين على الرسول قبل ظهور الرسومات الحاقدة التي نشرتها صحف دنماركية وغربية تروج للعنصرية والانحطاط:

لستُ من علماء الرسوم، لكنني

أريد للقلب أن يمتلئ بالدّموعِ

وهو يشربُ السيرة البيضاء..

وأصلّي وأسلّمُ على صاحبها الذي دنا

فتدلّى....

الشاعر في ديوانه مختمر التجربة، ومتمرس بين سجايا اللحظة وانهمار النص والصورة الشعرية لديه تأخذ أشكالاً متعددة ....

المتوكل طه شاعر متمكن وقدير، جدير بالقراءة ما دام قابضا على جمرة القصيدة وحارساً لنارها.) (2)

وكتب محمد نصار حول رواية المتوكل (ثلاثة في الليل) قراءة نقدية قال فيها: (أن المتوكل طه في هذه الرواية قدم عملا فنتازيا كاد أن يلامس واقعنا بكل ما فيه من غرائبية لا يستوعبها خيال واستطاع بما ملك من تجارب ومعرفة وما اختزن لديه من قراءات أن يبني عالما روائيا فيه من المتعة والمعرفة والأسئلة ما يضعنا أمام هذا الواقع عرايا من كل الأقنعة، التي طالما اختبأنا خلفها، ضمن بناء روائي مميز ولغة رشيقة وجرأة في الطرح والتناول.

ثلاثة في الليل عمل روائي مميز، ربما لم توفه هذه الإطلالة السريعة ما يستحق، لكنه إضافة نوعية للمكتبة العربية والفلسطينية على حد سواء). (3)

وقال عنه الكاتب الفلسطيني أحمد رفيق عوض: (المتوكل طه، الشاعر المتواصل والمتميز، صاحب النص الرهيف والكثيف والهادئ، وصاحب تلك المناجاة المغامرة، يقدم لنا قدسه، كما يتذوقها وكما يراها، وكما يريد أن يسرد حكايتها، التي صار فيها المستحيل أكثر من احتمالاته) (4)

وقال عنه الأستاذ أحمد خضر: (المتوكل طه شاعر ولد بين الأشجار في أعماق الريف الفلسطيني الأخضر، علمته لغة الريح كيف يكون صادقاً حماسياً في شعره، مدافعاً عما يسمى بقصيدة المقاومة، حيث لا يؤمن مطلقاً أن الظرف الحالي الذي تمر به القضية يستوجب من الشعراء أن يبتعدوا عن صوت الغضب، ونزعة التمرد، ذلك أن الدم يتدفق كالأنهار في الشوارع، ولم تشرق شمس الاستقلال في ربوع الوطن الذي ينهب ويصادر من قبل المحتلين..). (5)

أصدر المتوكل خمسة وأربعين كتاباً في الشعر والسرد والنقد والفكر ففي الشعر صدرت له من الدواوين:

(أشباهي)، (الخروج إلى الحمراء)، (الرمح على حاله)، (حليب أسود)، (رغوة السؤال)، (ريح النار المقبلة)، (زمن الصعود)، (فضاء الأغنيات)، (قال الفتى لبنان)، (قبور الماء)، (مملكة اليمام)، (مواسم الموت والحياة)، (نصوص حنظلة)، (نقوش على جدارية محمود درويش)، (ورد القوافل ــ نصوص بترا).

وفي الدراسات صدر له: (بعد عقدين.. وجيل)، (دراسات في الأدب واللغة ــ الإنسان، الشعر، المسرح، اللغة)، (الثقافة والانتفاضة ــ بعد ألف يوم من الانتفاضة، أثر الانتفاضة في الثقافة وأثر الثقافة في الانتفاضة)، (إبراهيم طوقان ــ دراسة في شعره)، (الكنوز ــ ما لم يعرف عن إبراهيم طوقان)، (هذا ما لزم ــ رسائل إبراهيم طوقان إلى فدوى طوقان)، (دراسة في قصيدة "الثلاثاء الحمراء" لإبراهيم طوقان)، (البحث عن شاعر آخر)، (قراءة المحذوف ــ قصائد لم تنشرها فدوى طوقان)، (مقدمات حول الشعر الفلسطيني الحديث والثقافة الوطنية)، (الانتفاضة، مرايا الدم والزلزال ــ شهادة - عامان على انتفاضة الأقصى)، (صورة الآخر في الشعر الفلسطيني)، (وهم الوصول - دراسات نقدية في الرواية)، (الروائي المختلف)، (بين يدي الربيع)، (أسئلة الثقافة والمقاومة ــ مقالات حول القدس والثقافة والتطبيع)، (كتابة الضرورة – مقالات في الثقافة والأدب والنقد).

وصدر له في السرد والقصة والرواية:

(رمل الأفعى)، (عباءة الورد)، (طهارة الصمت)، (سرديات الجنون)، (كشكول الذهب)، (الأبواب المنسية)، (جنون ليبيا)، (نساء أويا – رواية)، (لون الروح – نصوص)، (نصوص الجسد - شهد النار)، (رواية رامبير حفلة تنكرية)، (أيام خارج الزمن، سيرة كاتب، نصف قرن من الدم والحبر)، (نصوص إيليا ويبوس)، (يكتب بخط قلق)، (وريث يافا ــ رواية)، (وحوش مركّبة)، (خاتم الشمع)، (سرد الكنعاني الجديد)، (بين يدي ربيع الخريف)، (حبس منزلي)، (مدن الإيقاع)، (نصوص الأسباط).

حصل المتوكل على كثير من الجوائز والدروع والتكريمات خلال مسيرته الأدبية الحافلة بالإبداع فقد كرِّم من قبل أكثر من مائة وستين مرة من قبل مؤسسات ثقافية وأكاديمية وإعلامية وفكرية فلسطينية وعربية وإقليمية، وحاز على العديد من الجوائز، منها جائزة (الحرية) و(القدس) و(الإبداع المقاوم)، و(إحسان عباس للإبداع والثقافة)، و(الجائزة الأولى للشعر الفلسطيني)، و(جائزة "سوق عكاظ" مسابقة الشعر على مستوى فلسطين، جامعة بيرزيت) ، و(جائزة الشاعر عبد الرحيم محمود للشعر)، و(جائزة أفضل كتاب عن القدس عاصمة للثقافة العربية)، و(جائزة أفضل قصيدة عن القدس (بالاشتراك)، و(جائزة دولة فلسطين في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية).

شعره

للمتوكل قصيدة ملحمية في مدح النبي (صلى الله عليه وآله) قالها بمناسبة مولده الشريف، كتبت عنها الأستاذة منى طهبوب قراءة قالت فيها:

(نعم، هي معلّقة بكلّ المعايير والمواصفات: الجودة، والمقدّمة، واللغة، والطول، والحكمة، ولأنّ الشاعر متفرّد مبدع فهو يبدأ بذكر المرأة، لكن لا متغزّلاً كما درج الشعراء، بل داعياً بالخير، غابطاً المرأة التي شرُفت باستضافة النبيّ عليه الصلاة والسلام، مشيراً منذ البداية إلى مجموعة من معالم السيرة النبويّة التي بثّها في قصيدته.

ويبدو اسم (محمّد) واضحاً من البيت الأوّل، وإن كانت الإشارة واضحة إلى مناسبة القصيدة، وهي ذكرى مولده الشريف عليه السلام، فإنّ للحملة الدنيئة التي تقودها فرنسا والغرب حضوراً واضحاً، وجاء القرار الحاسم، والردّ القاطع في البيت الثاني (سيبقى أجلّ الناس في كلّ مرصد).

وعودة إلى المعلّقة ومطلعها، فالشاعر يوفّر على القارئ عناء البحث، ويبيّن له أنّه يستحضر معلّقة طرفة بحراً ووزناً وقافية، إضافة إلى إشارة واضحة إلى (خولة)، ولكنّه يعدل عن التغزّل بخولة (فما لي وخولة)، ويستنكر البكاء على الأطلال؛ لأنّه مشغول بالحديث عن (السيّد الوضّاح)، وهل هناك مدخل، أو حسن تخلّص أجمل من ذلك؟!

ولن يكون الحديث شرحاً أو تفسيراً للقصيدة بقدر ما هو إضاءات على بعض مظاهر الجمال والإبداع فيها، لأنّ دراستها كاملة تحتاج بحثاّ طويلاً، وهي جديرة به، ولكن ليس هذا مكانه.

وسيدور الحديث حول خمسة مجالات رئيسة، هي: المعجم اللغويّ، والصور المبتكَرة، والتناصّ، والحكمة، إضافة إلى التعليق على أبيات مميّزة شدّتني، وأجبرتني على التطرق إليها بالتعليق والإعجاب.

أوّلاً: المعجم

ذكرت بداية أنّ إشارة الشاعر الصريحة إلى معلّقة طرفة توفّر على القارئ الدهشة من هذا المعجم الثريّ، والمفردات الجزلة، والألفاظ الغريبة نسبيّاً التي سيتعثّر في قراءتها وفهم دلالاتها من لم يتمرّس على قراءة النصّ الجاهليّ، وذلك يدلّ على ثقافة شاعرنا الواسعة، وهي ليست موضع شكّ، فيبدو لنا كأنّه عايش طرَفة، وحاور امرأ القيس، واحتكم إلى النابغة.

وفيما يأتي بعض المفردات والتراكيب التي لا يكاد القارئ يشكّ في أنّها جاهليّة:

وهاموا بأظعانٍ فما لي وبَـــــيْنِها     إذا يمّمتْ ركبانُها صوبَ ضَرْغَدِ!؟

وساطعُ بَرْقٍ في خَطِـــــيرٍ مُسَوَّدِ     لِيغفوَ ذو جَــــــــــفْنٍ حَرُورٍ مُخَدَّدِ

لتُمرِعَ أعذاقُ الـــــــنَخيلِ الزُمُرّدِ     ليلقى سفاهاتِ العَــــــــــتِيِّ المُنَدِّدِ

وعبدٌ مُـــــــــبَاعٌ.. كالنِّجادِ المُقَلَّدِ     وظِلَّاً ظليلاً في حَرورٍ وَصَــــيْهَدِ

فـــــــكانَ عظيماً في كِساءِ مُـجَنَّدِ     فأضحتْ أَموناً ذاتَ سقفٍ مُـــعَمَّدِ

وقد وَأَدوا في عَوْسَجِ الرَملِ دُّرَّةً     فعادت حليباً في قَشيــــــــبٍ مُمَهَّدِ

أدارت له ظَهْرَ المِجَـــنِّ المُسَرَّدِ     وتغبطُ كُحلَ العينِ أحجــــــارُ إثْمِدِ

ويحملني نحوَ السَقـــــيفِ المُسَنَّدِ     وألمِسَ سُّكَّ الزَعفرانِ المُنَـــــضَّدِ

وإضافة إلى المفردات جاهليّة الطابع، برز حقل آخر يوحي بنزعة صوفيّة، تفيض ألفاظه حبّاً وعشقاً للحبيب محمّد، فيما يأتي نماذج منها:

هو القُطْبُ، والغَوْثُ الجوادُ، ورَحْمةٌ...، ربيعُ قلوبِ العارفينَ بِهَدْيهِ...، وقنديلُ بيتِ العارفِ المُتَجَرِّدِ     

ثانياً: الصور المبتكرة

قد يتوقّع القارئ أن تكون الصور في القصيدة تقليديّة؛ فيشبّه الرسول بالقمر، والبدر، والشمس، والنور، والسيف، ولكنّ الشاعر يبهرنا بمجموعة من الصور المبتكرة التي لم يسبقه إليها أحد، يوظّف القارئ حواسّه كلّها ليتذوّقها، ويدرك كنه جمالها، وهل أدلّ على ذلك من:

هــــو الوقدةُ العذراءُ في صدرِ شاعرٍ     وشهقةُ ليلِ الناسكِ الـــــــــــمُتَعبِّدِ

هو السُكَّرُ المنثورُ في بَهـجةِ الضّحى     وأُنشودةُ الطفلِ الـــــــبريء المُقَنَّدِ

هو الفَـــــــــــرحُ الآتـي وراءَ سحابةٍ     تُظلِّلُ شيخاً ظَــــــــــــهرُه لم يُسَنَّدِ

هو الرحـــــــمةُ المُزجـاةُ من فَمِ جَدّةٍ     تُهدْهِدُها عَشراً بكــــــــــــــلِّ تَودّدِ

لأَنْتَ تمامُ الآيــــــــــــــــتين وبَدْرُها     ودفءُ غِطائي في العراءِ ومَسْنَدي

وصَمْتُكَ أعلى من غِنــــــــاءِ مُجَوِّدٍ     ورعدةِ غابـــــــــاتٍ وصرخَةِ مَولِدِ

وحزنُكَ ما قالَ الحريرُ لجَــــــــمْرَةٍ     ودمـــــــــــعةُ رُمّـانٍ على خِدّ أَمْرَدِ

وصوتُكَ نايٌ في البُرُوقِ مُســـــافرٌ     ولم يحتجِبْ صــوتُ السماءِ ليبتَدي

ثالثاً: الحكمة

لا تكاد معلّقة تخلو من الحكمة، وكذلك (معلّقتنا)، ومن أجدر بها من شاعر مثقّف خبير مجرّب! وقد ظهرت أحياناً واضحة مباشرة، وجاءت تذييلاً في أحيان أخرى، وهذه بعض نماذجها:

ومَــنْ يطلبِ الأفلاكَ يوماً يُسَهَّدِ     ومَنْ يَلتَمِسْ هَديَ المُحِبّينَ يَرْشُدِ

ومَن يصطحب هديَ النبيِّ وآلهِ     فــــليس وإنْ أمسى وحيداً بأوحَدِ

رابعاً: التناصّ

ليس التناصّ إلّا دليلاً على ثقافة الشاعر، فهو يلجأ إلى القرآن، والحديث، والتاريخ، والأساطير، وغيرها، ويضمّن إشارات منها في عمله الأدبيّ مقارناً، أو داعماً، أو مخالفاً، أي أنّه يوظّفها بما يدعم غرضه وهدفه.

وليس غريباً أن يكون التناصّ في هذه القصيدة دينيّاً في معظمه، وذلك أمر تفرضه طبيعة الموضوع، وتطالعنا نماذج عديدة، وذلك ليس غريباً على من قرأ القرآن فوعاه، وقرأ السيرة فتمثّلها، وهذه نماذج ممّا أشرت إليه:

إذا قال كـــنْ للشيءِ كانَ بموعدِ     نبـــــــــوءةُ موسى حين كَلَّمَ ربَّه

وترنــيمةُ الأوّابِ والطيرُ تَغْتَدي     ودعوةُ إبراهيمَ مَنْ صدَّقَ الرُّؤى

وسـبحانَ مَن في النارِ لم يترَمَّدِ     بشارةُ عـــــيسى والبشائرُ تُرتَجى

وتنجو به القَصواءُ وهو مهاجرٌ     وتَرْقُبُه ورقـــــــــــاءُ غَارٍ مُقَرْمَدِ

خامساً: أبيات مميّزة

ربما لم أجد عنواناً محدّدا لهذه الأبيات التي استوقفتني، فلم أدرك هل جمالها في المعنى، أم في اللفظ، أم في النظم، أم…، لذلك رأيت أن أسمَها بأنّها مميّزة، وليكن رأيي ذاتيّاً أعبّر فيه عن أثر أحدثته هذه الأبيات بشكل خاصّ، إضافة إلى تأثير القصيدة كاملة.

وَهَبْني حُروفاً كي أُتمّمَ جُمْلةً     تليقُ بِمَنْ يُعطي النَشيدَ لِمُنشِدِ

هل هناك أجمل من أن يستعين الشاعر بالله ليعطيه حروفاً لينشئ كلاماً يليق بالمقام؟

بشيرٌ ومَصْدوقٌ، أمينٌ مُطَهَّرٌ     وعبدٌ لغيرِ الّلهِ لم يَتعَبَّدِ

تكثيف واضح من خلال تعاقب الصفات، وإيجاز موفّق، عبّر بكلمات قليلة عن معان تحتاج شرحاً مطوّلاً.

وهل سمعوا إلا الصليلَ جهالةً     فصار هَديلاً في فضاءٍ مُغَرِّدِ

تبدّل واضح لما كان عليه القوم قبل الإسلام وما أضحوا عليه بعده، ولكن انظر إلى المهارة، فالصوت يُستبدل بالصوت، والمخيف يصبح مريحاً، والمفخّم يصبح رقيقاً (صليل، هديل).

رسالتُه؛ أَحْبِبْ، ولا فَرقَ، وأعطِ ما     لديكَ من الدَّرِّ المُرَنَّقِ.. لِلصَّدي

إيجاز رائع مرّة ثانية: كلمة واحدة (أحببْ) تستثيرك لإكمالها، (ولا فرق) وعليك أن تدرك بين من ومن.

وسيمٌ قسيمٌ أبلجُ الوجهِ أحوَرٌ     وقورٌ بهيٌّ أكحلٌ دون مِرْوَدِ

سبعة أوصاف في بيت واحد، تتابع رائع معنى ومبنى.

وثمّةَ مَنْ نادى.. وضاعَ سُؤالهُ     أتدرونَ ما المَسْرى ومعراجُ أَحمدِ؟

وهل أجمل من الخاتمة بهذا السؤال: أتدرون ما المسرى ومعراج أحمد؟

كلمة أخيرة:

أقول: لو قُرئت هذه القصيدة على ابن سلّام ما شكّ في عصر قائلها، وأظنه كان سيصنّفه ضمن شعراء الطبقة الأولى، فسلم قلمك أيّها المتوكّل، وأمدّك الله بالقوّة لتبقى مدافعاً عن الدين والحقّ ما حييت). (6)

يقول المتوكل في قصيدته النبوية:

أفاضَ عليكِ اللهُ يـــــــــــــــــــــــــا أُمَّ مَعْبَدِ     بِضُوءٍ تَجلّى من شُموسِ مُـــــــــــحَمَّدِ

هو العاقِبُ المحفودُ والحــــــــــــــاشِرُ الذي     سيبقى أجلَّ الناسِ في كــــــلِّ مَـرْصَدِ

تغنّوا بأطلالٍ، فما لي وخـــــــــــــــــــــولةٍ     إذا ما رأوها في مــــــــــنـازلِ ثَهْمَدِ!؟

وهاموا بأظعانٍ فما لــــــــــــــــــــي وبَيْنِها     إذا يمّمتْ ركبانُها صوبَ ضَـرْغَـــدِ!؟

أحاولُ قولاً يُظْــــــــــهِرُ الـحُـسْنَ كــــــــلَّه     ونوراً لِمَنْ ضَلّ السبيلَ، ليهـــــــــتدي

وأجــــــــــــــمعُ ما قال المـديـحُ لِــــــــسَيّدٍ     هو المُفْرَدُ الوَضّاءُ إنْ قِيــــــــلَ سيّدي

هو الوَضَحُ المَنشورُ في طـالـعِ الــــــــسَما     وساطعُ بَرْقٍ في خَطِيرٍ مُـــــــــــــسَوَّدِ

فأرْجِعُ محسورَ الجفونِ مُـســـــــــــــــــهّداً     ومَنْ يطلبِ الأفلاكَ يــــــــــــوماً يُسَهَّدِ

أحاولُ، لكنَّ الكبـــــــــــائرَ فـــــــــي دَمي     تقولُ لِيَ ارجِعْ، أنــتَ مَنْ كـانَ مُفْسِدي

أتمدَحُ خيرَ الخَلْقِ؟ ذنبُــــــــــــــــكَ لم يزل     يُصَوِّحُ إسْـــــــــرافاً، وخَـطْوكَ يعتدي

إذا شئتَ قُرْباً فاسْلُكِ الـــــــــــــــدَرْبَ تائِباً     ومَنْ يَلـــــــــتَمِسْ هَديَ المُحِبّينَ يَرْشُدِ

يَدُقُّ شبابيكَ الهُداةِ ويــرتـــــــــــــــــــــجي     قَـــــــــبولاً، ويمشي للسَحابِ، ويفتدي

ويجأرُ، أنّي عُدْتُ يــــــــــــــــا رَبِّ مُسْلِماً     لوَجْهِكَ.. فاشْبُكْ حَبْلَ عَرْشِكَ في يدي

أُحِبُّ رسولي، فافتحِ البــــــــابَ واســــــعاً     كــــــــــــما وَسَعَت كـفّاكَ دَمْعَ تَوَدُّدي

وَهَبْني حُروفاً كي أُتمّــــــــــــــــــــمَ جُمْلةً     تليقُ بِمَنْ يُــــــــــــــعطي النَشيدَ لِمُنشِدِ

محمدُ صوتُ النورِ مُذْ أُنْــطِـــــــقَ الـورى     وصيحةُ نارِ الحــــــــــقِّ في كلِّ مَوقِدِ

هو القُطْبُ، والغَوْثُ الــجـــــــوادُ، ورَحْمةٌ     من اللهِ مُهْداةٌ إلى كــــــــــــــــلِّ مَعْهَدِ

يُشاطِرُ في جُوعِ الــمســـــــاءاتِ خُـــــبْزَه     لِيغفوَ ذو جَفْنٍ حَرُورٍ مُـــــــــــــــخَدَّدِ

ويشربُ من ينبــــــــــــــــوعِهِ الثَّرِ ظامئٌ     لتُمرِعَ أعذاقُ النَخيـــــــــــــــلِ الزُمُرّدِ

وأدَّبَهُ ربُّ البريِّةِ حـــــــــــــــــــــــــــافِظاً     فأخلاقُهُ القرآنُ في كلِّ مَقْصِـــــــــــــدِ

وقد حَضَرَ الـــــــــرُّوحُ الأَميــــــــنُ مُبيّناً     وأملى عليه الذِّكْرَ غيــــــــــــــــرَ مُفَنَّدِ

كتابُ حــــــيــــــــــــــــــــــــاةٍ قَيِّمٌ وَمُنَزَّلٌ     لكلِّ قبيلٍ في الزمــــــــــــــــانِ المُؤَبَّدِ

يُــــــضيءُ سبيلَ السَالكــــيـــــــــنَ وليلَهم     ويشرحُ صدرَ السائلِ المُتَـــــــــــــردِّد

ربيعُ قلوبِ العـــــــــــــــــــارفــينَ بِهَـدْيهِ     وحافظُ باسمِ اللهِ كـــــــــــــــــــلَّ مُحَسَّدِ

تخلّلَ دهراً أرضَ بَـــكَّــــــــــــــــةَ داعـياً     ليلقى سفاهاتِ العَــــــــــــــــــتِيِّ المُنَدِّدِ

وأسرعتِ الأحـــلافُ تــــرصُـــدُ حــــتفَه     بليلٍ أثيمٍ أمسخِ الوجـــــــــــــــــهِ مُزْبِدِ

ولكنّه في عـــينِ ربٍّ مُهيـــــــــــــــــــمنٍ     إذا قال كنْ للشـــــــــــــيءِ كانَ بموعدِ

فأَلْحَفَ في بَعْثِ البـــــــــــــــلاغِ لأهــــلهِ     ليفترشوا صـــــــــــــدرَ النجوم بسؤدَدِ

وسار بــــــــــــــه زوجٌ وشيخٌ ويـــــــافعٌ     لنبلغَ إيوانَ العَليِّ المُــــــــــــــــــــمَرَّدِ

ودانت لــــه الأرضُ العصيّةُ بالــــــرِّضا     وأبْدَلَ صَفْــــــــــــــــــحاً سُمَّ ثأرٍ مُعَقّدِ

وأشــــــــــرقتِ الأيامُ طولاً بِعَــــــرْضِها     كأنْ لم يكن فيها مَـــــــــــــــزاعِمُ أَرْبَدِ

وأضحى غَريبُ الفُرْسِ من أهـــلِ بـــيتِهِ     وعبدٌ مُبَاعٌ .. كالنِّــــــــــــــــجادِ المُقَلَّدِ

وجادَلَ بالحُسنى وأَمَّن ذِمَّــــــــــــــــــــةً     وأبقى على أطيـــــــــــــافِ قوسٍ مُعَدَّدِ

وما كان إلّا الحِصنَ إنْ حَمِــيَ الـــوغى     وظِلَّاً ظليلاً في حَرورٍ وَصَــــــــــــيْهَدِ

أحالَ ظُبا الأسيافِ مِنْجلَ حـــاصـــــــــدٍ     به شادَ حُكْمـــــــــــــــاً تاجُه فوقَ فَرْقَدِ

تواضعَ حتى امتازَ جُلُّ صِـــــــــــــحابِهِ     فكانَ عظيماً في كِساءِ مُــــــــــــــــجَنَّدِ

ونادى بتشريعِ النـــــــــــــــــــــوافذِ كُلّما     يَهُبُّ جديدٌ في الأصيــــــــــــلِ المُجَدِّدِ

بشيرٌ ومَصْدوقٌ، أمينٌ مُــــــــــــــــطَهَّرٌ     وعبدٌ لغيــــــــــــــــــــــــرِ الّلهِ لم يَتعَبَّدِ

مقاصدُهُ البيضاءُ سُـــــــــــــــــورُ مَناعَةٍ     لِنّفْسٍ وعَقْلٍ راجِــــــــــــــــــحٍ لم يُبَدِّدِ

لقد جاءَ والدُنيا عَـثارٌ وفتـــــــــــــــــــنةٌ     فأضحتْ أَموناً ذاتَ سقفٍ مُــــــــــعَمَّدِ

وقد وَأَدوا في عَوْسَجِ الــــــــــــرَملِ دُّرَّةً     فعادت حليباً في قَشيبٍ مُــــــــــــــمَهَّدِ

وهل سمعوا إلا الصليلَ جـــــــــــــــهالةً     فصار هَديلاً في فـــــــــــــضاءٍ مُغَرِّدِ

وأضحت لربّاتِ الحِجالِ عُـــــــــروشُها     على طُهْرِ مولودٍ وأرحَـــــــــــــمِ والِدِ

هو الوقدةُ العذراءُ في صــــــــدرِ شاعرٍ     وشهقةُ ليلِ الناســــــــــــــــــكِ المُتَعبِّدِ

هو السُكَّرُ المنثورُ في بَهـجــــةِ الضّحى     وأُنشودةُ الطفلِ البريء المُـــــــــــــقَنَّدِ

هو الفَرحُ الآتي وراءَ ســـــــــــــــــحابةٍ     تُظلِّلُ شيخاً ظَــــــــــــــــــهرُه لم يُسَنَّدِ

هو الرحمةُ المُزجـــــاةُ من فَـمِ جَـــــــدّةٍ     تُهدْهِدُها عَشــــــــــــــــــــراً بكلِّ تَودّدِ

بعيداً عـن الألـــــوانِ والشكـلِ والهــوى     وأبعدَ عَمّن شاكَ زَهراً بِـــــــــــــغَرْقَدِ

هو الـوَهَجُ الفـــــيّاضُ من فـوقِ غـاربٍ     به تُشْرِقُ الآمـــــــــــادُ فـي كلِّ سَرمدِ

لهُ رِفْـعةٌ حــــتى تخطّى.. وقــــــد رأى     وقيلَ تراءى للضيــــــــــــــــاءِ المُغَمَّدِ

يسيرُ بــــــلا ظلٍّ وفيهِ مـــــــــــــــــآذنٌ     لشكوى بعيرٍ في العذابـــــــــاتِ مُجهَدِ

حــــــــــــبيبـي الذي أشتاقُ، قِبْلةُ روحِنا     وقـــــــــــــنديلُ بيتِ العارفِ المُتَجَرِّدِ

رسولـي الذي أعطى الـــــجناحَ فـضاءَه     أزاحَ قيودَ الـــــــــــــوَهْمِ عن أُمِّ أَسوَدِ

وقد أخذَ الـــــــــــــــــــدُنيا بِلُطْـفِ فِعالِه     وما حازها يوماً بحـــــــــــــــدِّ المُهنَّدِ

ولكنَّ مَنْ يظلِمْ يُقابَـــــــــــــــلْ بـــــنارِه     فبُعداً لقومٍ عيشُــــــــــــــهم في التّهَدُّدِ

رسالتُه، أَحْبِبْ، ولا فَـرقَ، وأعــــطِ ما     لديكَ من الدَّرِّ المُرَنَّقِ .. لِلــــــــصَّدي

ومــــــــــــالي بأيـامٍ تجيءُ وتــــنقضي     إذا لم يكن ذِكْرُ المُـــــــــطَهَّرِ في الغَدِ

وأطمعُ في رَكْـــــــبِ النبـــــيِّ بِمَطْرَحٍ     لأُدْرِكَـهُ يومَ السِبـــــــــــــــــاقِ بِأَجْوَدِ

نبوءةُ موسى حيــــــــــــــــــن كَلَّمَ ربَّه     وترنيمةُ الأوّابِ والطيــــــــــرُ تَغْتَدي

ودعوةُ إبراهيمَ مَـــنْ صدَّقَ الــــــرُّؤى     وسبحانَ مَن في النــــــــــارِ لم يترَمَّدِ

بشارةُ عيسى والبشـــــــائرُ تُــــرتَـجى     وأصحـــــــــــــــــــابُهُ في كلِّ فَجٍّ مُلَبَّدِ

ونادى عليهم باسمهِم فـــــــــــي كـتابِه     وأنتَ المُنادى بالنبــــــــــــــــيِّ المؤيَّدِ

إذا دَفَّ حَرفٌ من شِفاهِــــكَ لـــم يزلْ     يقودُ خُـــــــــــــــطى النجماتِ للمُتَأًوِّدِ

تقولُ "خذوا عنّي" ولــــكـــــــنّ زُمرةً     أدارت له ظَهْرَ المِـــــــــــجَنِّ المُسَرَّدِ

وقلتَ "اعملوا.." مــــاذا عملنا، فأُمَّتي     تُساقُ قطيعاً من لِجامٍ لمِـــــــــــــــذوَدِ

وما مِن حدودٍ فالمـــــحارِمُ جُــــــرِّدَت     وما مِن كِرامٍ فالمَـــــــــــــذَلّةُ مَقعَدي

وبيَّنتَ للناسِ الـــــسبيـــــــــــــلَ وليتَنا     نسيرُ بِحَقٍّ للأَمــــــــــــــــــــامِ المُعَبَّدِ

ولو أنَّ فينــــــــــــــــا راشداً ومُطَهَّراً     وحَقّكَ لَم أحفلْ مـــــــــــتى قامَ عُوَّدي

كأنّكَ قلـــــبٌ والخــــــــــــلائقُ جِرْمُه     فَشَرْعُكَ نبضُ الـعالَمِ الــــــــــــمُتَجَسِّدِ

وأعـــــطاكَ ما لم يُعطِ قَبْلَــــكَ مُرسَلاً     وخَصَّكَ بالحَـــــــــوْضِ النَّميرِ المُخَلَّدِ

لأَنْتَ تمامُ الآيتين وبَــــــــــــــــــدْرُها     ودفءُ غِــــطائي فـي العراءِ ومَسْنَدي

يـرى حُسْنَك الفوّاحَ مَن مَرَّ في الدُّجى     ولو كان ذا طَـــــــــــرْفٍ عَمِيٍّ مُرَمَّدِ

وصَـمْتُكَ أعلى مــــــــــن غِناءِ مُجَوِّدٍ     ورعدةِ غاباتٍ وصـــــــــــــرخَةِ مَولِدِ

وحـزنُكَ ما قالَ الحريرُ لــــــــــجَمْرَةٍ     ودمعةُ رُمّـــــــــــــــانٍ على خِدّ أَمْرَدِ

وصـوتُكَ نايٌ في البُرُوقِ مُـــــــسافرٌ     ولم يحتجِبْ صوتُ الـــسماءِ.. ليبتَدي

وكفُّـكَ نَهرٌ ســــــــالَ في كلِّ مَسْرَبٍ     وما طابَ في بَطنِ المُحيــــــطِ المُجَعَّدِ

ســـــــــيبقى فؤادي نابضاً باسمِ أحمدٍ     وإنْ حاصروه بالحديـــــــــــدِ المُصَفَّدَ

وتبقـى تســـــــــابيحُ الأنامِ إلى المدى     تفيضُ بأنوارِ الســـــــــــــــلامِ المُرَدَّدِ

وسيـمٌ قسيمٌ أبــــــــــــلجُ الوجهِ أحوَرٌ     وقورٌ بهيٌّ أكحــــــــــــــلٌ دون مِرْوَدِ

أَحبُّ إلـينا من هــــــــــــــواءِ نفوسِنا     وأغلى لدينا من عَقيقٍ وعَــــــــــــسْجَدِ

يُسارِقُ مـنهُ العِطرُ نَشْرَ شَــــــــميمِهِ     وتغبطُ كُحلَ العيـــــــــــنِ أحـجارُ إثْمِدِ

وقد بشَّـــــــــروا كلَّ القرونِ بِوَصْفِهِ     فَجاءوا على نَــــــــــــهجِ النّبيِّ المُسَدَّدِ

أنارَ جَبينَ الـــــــــــــــمُرْسَلينَ بِـسِرِّهِ     وأعلى بليغَ القَوْلِ فـــــــــــي كلِّ مِرْبَدِ

تعطّرَ ثوبُ الـقدسِ طُــــــرّاً بِــمِسْكِهِ     وريحانةُ المعراجِ مـن خَــــطْوِهِ النَّدي

فيا نورَ مَنْ أَمَّ النـبيّيــــــــــــــنَ خلفَه     بدا عابداً يــــــــــــــــــعلو به أيُّ مَعبَدِ

شقيقُ حنينِ الجـذعِ، والوصلُ حادثٌ     فكيفَ إذا اشتاقَ الحَنيــــــــــنُ لمَوعِدِ!

يُظلّلُه الــــــــــرحمنُ من فَيْحِ شارِقٍ     ويَحْرسُهُ من كـــــــــــــــلِّ نابٍ مُعَرْبِدِ

وكان هـو الأســـــــــماءَ يومَ تنزّلت     وآدمُ في طَوْرِ البلوغِ المُـــــــــــــصَعَّدِ

هو النـورُ يسري في الدُهورِ، ودِينُه     لإسعادِ هذا الكــــــــــونِ في كلِّ مَشهدِ

ومَن يـصـــــطحب هديَ النبيِّ وآلهِ     فليس وإنْ أمسى وحـــــــــــــيداً بأوحَدِ

وتنجـو به القَصــــواءُ وهو مهاجـرٌ     وتَرْقُبُه ورقاءُ غَارٍ مُقَـــــــــــــــــــرْمَدِ

وعـادَ بفتحٍ أعظمٍ يـــــــــومَ صَوْمِهِ     ليَعلو بلالٌ بالنِّــــــــــــــــــــداءِ المُجَوَّدِ

لطيــبةَ حظٌّ عَزَّ في كلِّ رَوضــــــةٍ     فَمِحْرابُ عَبَّـــــــــــــــــــادٍ وجَنَّةُ مَرْقَدِ

ومـكـةُ مَهدُ الـوَحيِ والأهلِ والصِّبا     وحُقَّ لها بيتَ الضياءِ الــــــــــــــمُشَيَّدِ

وقد طـابَ لو عــــادَ الزمانُ، فربّما     أرانـــــــــــــي بِداري أو أُكلّمُ هُدْهُدي

يُطَيِّرُ مِـنّي للرســـــــــــــــولِ تحيةً     ويحملني نحـــــــــــــوَ السَقيفِ المُسَنَّدِ

لألثمَ طِّيـبَاً لا شـبيهَ لِضَــــــــــوْعِهِ     وألمِسَ سُّكَّ الزَعـــــــــــفرانِ الـمُنَضَّدِ

وأحسبُ أنَّ الــرُوحَ رُدَّ لِــــــــسانُه     فَأَسْمَعُ تسليمَ الشَفيعِ المُـــــــــــــــــمَدَّدِ

ولــــــــــــمّا يَقُلْ، تاهَ المَسِيرُ بأهلهِ     ولكنَّ هذا الشوقَ أهلٌ لِـــــــــــمَسْجِدي

وثمّـةَ مَنْ نـــــادى.. وضاعَ سُؤالهُ     أتدرونَ ما المَسْرى ومعراجُ أَحــــمدِ؟

..............................................................

1 ــ توظيف الشخصيات التاريخية في الشعر الفلسطيني المعاصر موقع سعيد بنكراد

2 ــ المتوكل طه في ديوانه «الرمح على حاله» ــ موقع ديوان العرب بتاريخ 12 / 2 / ٢٠١٦

3 ــ الفنتازيا والغرائبية في رواية المتوكل طه ثلاثة في الليل ــ مركز غزة للثقافة والفنون بتاريخ 9 / 8 / 2021

4 ــ كتاب المتوكل طه ‘نصوص إيلياء ويبوس’: المستحيل أكثر من احتمالاته في القدس ــ موقع القدس العربي بتاريخ 15 / 6 / 2009

5 ــ المتوكل طه: الشاعر يحرس الحلم الفلسطيني ــ موقع ايلاف بتاريخ 23 / 3 / 2006

6 ــ صحيفة رأي اليوم بتاريخ 8 / 11 / 2020

7 ــ معلّقة في القرن الحادي والعشرين!.. دراسة في قصيدة "مئة بيت في حبّ الرسول" للمتوكل طه

كما ترجم له وكتب عنه:

أسماء هاشم حسين قرارية ــ البنية الدرامية في شعر المتوكل طه / دراسة تحليلية

عبد المجيد حامد ــ أعشاب القيد والقصيدة التجربة الشعرية عند المتوكل طه

الدكتور فايز أبو شمالة ــ افتراض المشابهة عن ديوان الخروج إلى الحمراء للمتوكل طه

إيمان مصاروة ــ مقومات البناء الفني للقصيدة / دراسة

صبحية عودة زعرب ــ تجليات التناص في الخطاب الشعري الفلسطيني: نصوص حنظلة للشاعر المتوكل طه نموذجا ــ دراسة

رائد الحواري ــ الفانتازيا في رواية ثلاثة في الليل المتوكل طه

الدكتورة دورين نصر ــ المتوكل طه / أيّام خارج الزّمن.. نصف قرن من الدّم ورقة نقدية

الدكتور عادل الأسطة ــ الرمز التاريخي في ديوان المتوكل طه (الخروج إلى الحمراء)

كامل سلمان جاسم الجبوري معجم الشعراء من العصر الجاهلي إلى سنة 2002 م ج 4 ص 266

فراس حج محمد ــ دراسة في ديوان المتوكل طه

زياد العناني ــ المتوكل طه يعد دراسة تؤكد أحقية المسلمين بحائط البراق

خلدون الشيخ علي ــ صهيل رسائل الغزاوي وريح المتوكل طه / دراسة أدبية

زياد العناني ــ كشكول الذهب للمتوكل طه: خريطة أيام صعبة ونصوص تهجس بالحرية

 

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار