اشارات شكلية..

يتكون العمل الفني اعلاه من مجموعة اشكال هندسية شبه مستطيلة بعضها مضيئ على خلفية زرقاء معتمة الوسط - ما خلا بعض البقع اللونية البيضاء- مضيئة الفضاء من خلفها وهي تتكون بدورها من اجزاء متعددة، ويشغل الجزء الوسطي منها ثلثي الخلفية التي توزعت عليها اشكال مختلفة الهيئات بعضها معتمة تلاشت مع الخلفية والاخر مضيء يخرج امام المشاهد، بينما شغل الجزء الاعلى والاسفل من الخلفية السماوية اللون حوالي ثلث اللوحة وهي تمثل بمجملها فضاء اللوحة ، واللوحة اعلاه تحمل توقيع التشكيلي العراقي الراحل محمد مهر الدين (1938-2015) وهو ينتمي إلى مرحلة ستينات القرن العشرين وفنونها التي كانت غنية بالتحولات والمواقف التي كان لها انعكاسها في نسيج الفن بما أغناه ومنحه بعداً وثائقياً وفنياً فريداً.

حين التأمل في مفاصل اللوحة وعناصرها، نجد انه على الرغم من الاحساس الواضح بغياب التكوين المألوف فقد ملأ الفنان مركز التكوين الشكل الكبير المتراكب الشبه المستطيل وقد ثلمت بعض حوافه وخطوطه الافقية والطولية لتضفي عليه جمالية اعلى، فيما أبقي على بعض الخطوط مستقيمة سوداء اللون متكاملة ومتقاطعة في بعض مناطق اللوحة، وفي وسطه تقريباً شغل شبه مستطيل شغله بتكوينات لونية وحروفية انكليزية يسودها الضوء مكوناً منها مركزاً سياديا في اللوحة لشدة أضاءته البيضاء مما خلق علامة مهيمنة في وسط اللوحة ، بينما كون شكلا مشابها في اقصى يسار اللوحة بالنسبة للمشاهد وجعله علامة مصاحبة للشكل المركزي، في حين كون هذين الشكلين مع الشكل الرئيسي المكون للوحة منغلقين على نفسيهما وفي الحقيقة هي لا تمت بأية مرجعيات طبيعية، فيما توزعت الالوان المقتصرة على الازرق بتدرجاته المختلفة واللون الابيض والاسود وبعض تدرجات اللون الاحمر والفيروزي الفاتح والتركوازي العميق مكونة فيما بينها تجانساً وتوافقاً لونياً ما عدا تضاد لوني الابيض والاسود .

توزعت الالوان البيضاء متناثرة على الاشكال في بعض مناطق وسط اللوحة حيث شغلت حيزاً من بدن الشكل الرئيسي في الوسط ذو السطح المتنوع الاشكال، وشغل نصف المستطيل الاسفل وقطعة شبه المستطيل في وسط الطرف الاعلى اللون الازرق والرمادي ، بينما توزع البرتقالي على شكل ضربات في الوسط وشغل حيزاً آخر من المستطيل الاساسي، بينما امتد الاحمر في مساحة ضيقة على شكل خطوط وضربات متداخلة مع تدرجات الازرق ، في حين شغل السماوي خلفية اللوحة ليمتد متداخلا مع الثلثين الباقيين من مساحة اللوحة ، ومن جانب اخر وزعت الوان اللوحة لخلق هارمونية وموازنة الاشكال وسطوح اشكال اللوحة الاخرى، بينما تحركت اسطح الاشكال الثابتة بفعل حركة الخطوط النزقة المتوثبة بمختلف الاتجاهات والتي اضافت حركة وحيوية جمالية خلخلت الاسطح الصلدة بالإضافة الى خطوط على شكل حروف انكليزية.  

أما القسم الاعلى من الخلفية فقد تداخلت وتقاطعت به بعض الخطوط السوداء اللون المتجهة من وسط اليمين نحو الاعلى والجانبين وقد وازننها الفنان بخطوط غامقة عمودية وخطوط افقية جلية في وسط اللوحة طولا وعرضاً، وهناك مقطع الانكليزية في وسط الشكل المركزي – السيادي- ، كما ان هناك مجموعة من الاشكال المربعة صغيرة الحجم واخرى داكنة تلاشت مع خلفية الشكل الازرق الطاغي على حجم اللوحة، بينما اضافت بعض الخطوط العشوائية والمبعثرة على اجزاء المستطيل الكبير في الوسط مما اكسب الشكل حركة وحيوية، في حين ترك الفنان القسم الاسفل من الخلفية شبه خالية من الخطوط ما عدا خطاً اسوداً مائلاً يمتد من قلب الشكل الازرق في الوسط الى اقصي يمين اللوحة، وهنا نجد ان عناصر اللوحة من الاشكال والخطوط والالوان قد كونت علائق فيما بينها لصالح المنجز الفني الذي يجمع بين التصميم والرسم والكرافيك، فنلاحظ التصميم في توزيع المستويات الصلدة وبناء الاشكال والكرافيك في الالوان المقتصدة واستثمار الخامات والمواد الاخرى في الاشكال المتنوعة، أما الرسم فقد تمركز في قوة الخطوط المندفعة والملتوية التي بثت الحركة في العمل الفني .

ومما تقدم نستطيع القول ان الاشكال المكونة للوحة تنطوي على نزعة تصميمية جمالية لصالح الاشكال بعيداً عن المضامين التراثية والانسانية والاجتماعية الذي كان الفنان مشغولاً فيما يسمى بالواقعة النقدية، حيث استبدل الاشكال المستقاة من الصور الفوتوغرافية لحضارة العراق والحضارات الاوربية، واستخدام عوضاً عنها بالمكعبات والاشكال الهندسية الاخرى والخطوط المنقطة والاشكال الطائرة وبخامات مختلفة والتي تذكرنا بأعمال الفن الغربي، والفنان محمد مهر الدين قد استخدم في اسلوبه تقنية الكولاج والفروتاج وتقنية المواد الخشنة في اظهار الاشكال وتحديد ملمسها .

المرفقات

كاتب : سامر قحطان القيسي