702 ــ ياسر آل غريب (ولد 1395 هـ / 1975 م)

قال من قصيدة في أبي الفضل العباس (عليه السلام) تبلغ (55) بيتاً:

بــهـوايَ الـ (كربلائـ)ـيِّ الــــذي      لم يضعْ في شِرْعَةِ الأبوابِ قُفْلا

الــخَــيَـــالُ الــحُـلْوُ جِسْرٌ قَادَنِي     لــلذي في حَضْرَةِ الأقْدَاسِ أحْلَى

جئتُ من أقصى المواويلِ جَوىً      حـــاملاً نجوى, وتهياماً, وسُؤْلا

وقال من أخرى تبلغ (33) بيتاً:

لي (كربلاء) هــويــةٌ كــونــيةٌ      والـقـلــبُ يجري هازئاً برياحِهِ

لـنْ أسـتـقلَّ عن الكرامةِ والإبا      ومتى استقلَّ البحرُ عن أملاحِه

في (كربلاءَ) هناكَ بابٌ للسما      سَلْ ســيـدَ الـشهداءِ عن مفتاحِهِ

وقال من أخرى في رثاء آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (رضوان الله عليه)

قــد توزَّعـتـمْ على كلِّ المَدَى     ورؤاكمْ في المنافـي تتلاقـى

ســرقَ الـحـرمـانُ أفياءً لكــمْ     فــخـــذِ الآنَ عـراقـاً فِـعراقا

ولتعشْ يا (كربلائـ)ـيَّ الهوى     إنَّ عـنـدَ السـبطِ للخُلْدِ مَذاقا

الشاعر

ياسر بن عبد الله آل غريب، ولد في مدينة صفوى محافظة القطيف / السعودية وهو حاصل على البكالوريوس من كلية التربية – قسم اللغة العربية ويعمل معلماً للكفايات اللغوية في المرحلة الثانوية

وهو عضو في العديد من الأندية والمنتديات الأدبية من بينها: نادي المنطقة الشرقية الأدبي، منتدى الكوثر الأدبي بالقطيف، منتدى جاوان الأدبي بصفوى، وعضو إداري في منتدى الثلاثاء الثقافي

صدرت له خمس مجموعات شعرية هي: (الصوت السعفي)، (كثبان المسك)، (أتنفس الألوان)، (الحقيقة أمي، والمجازُ أبي)، (المقفى على آثارهم)، كما أصدر دراسة نقدية بعنوان (أيقونة الخصب)

حصل على العديد من الجوائز الأدبية، مثل: جائزة القطيف للإنجاز، جائزة البردة (أبوظبي)، جائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم (عجمان)

وقد كتب الأستاذ علي حسين الخباز قراءة انطباعية عن مجموعة الغريب الشعرية (أتنفس الألوان) قال فيها: (تعمل شعرية التصريح على اختيار أقرب الطرق التواصلية لتحقق خطاباً شعرياً شمولياً يستفز الواقع بواسطة لغة شفافة، تتحرك بجميع الاتجاهات المختزلة والمعبرة عن امكانية هذا التصريح، صيغ تأويلية نابضة بالفعل القرين، فلو قرأنا مثلاً:

(إني أضفتك في أسماء عاطفتي... جمع الضمائر من أحلى هواياتي)

لنتأمل في مفردة الضمائر التي تحيلنا الى مزايا لغوية، امتلكت قيمتها الجمالية الموحية، والى قراءات أكثر قدرة على التجاذب الإنساني، فالضمائر هنا تتعدى مفهومها اللغوي كضمائر إعرابية تذهب إلى حيزها الوجداني، تصريحات تصل بنا الى روح الانتماء، إلى التعاشق القيمي، والنخل العالي، الذي لايجدي بعلوه نفعاً، (والنخل يصلي والعذق سجيته)، جملة معان تمنح الشاعر خصوصية الاشتغال الشعري، وشعرية التصريح هي شعرية المباشرة المرتكزة على ازاحات جمالية، تمنح النسيج الشعري جواذب التلقي زاخرة بالتراكيب المبدعة:

(أرخت ذكراك العزيزة شامخاً... والشمس تقرأ والجبين كتاب

يا موطني لا ينتمي لك عاشق... إلا ويصهر في الثرى ويذاب)

ويحفل مثل هذا الشعر بأن يكون قريباً من تأويلية مفهومة، لكنها يقظة تحمل في طيّاتها الموقف الانساني المعبر عن تماثل الحقيقة، دون تداخلات تغريبية توحش المعنى، فلذلك نجدها تقدم التاريخي واقعاً يزدهي بمحمولاته التراثية، ويعتني بتفاعلات الحاضر، بالولوج الى التأريخ عبر خطاب مع الرمز الحسيني المقدس، مكون من ثنائيات قد تكون تقابلية أو ترادفية، المهم أنها تشتغل على مدلولات التصريح (أرض - سحب - خشعة - همس - صوت - ظل صدى) لتتحرك أنفاس المقدس أرضاً وسماء خشعة نبي أو همس ملك، والنتيجة هذا الانتماء الحسيني الصريح الدلالات، والحافل بسمو إشراق:

(يا خفقة الله في أرض وفي سحب... يا خشعة (المصطفى) يا همس (جبريلا)

خذنا إليك نكن صوتاً وظل صدى... (ليَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً)

وتعمل اللغة الإزاحية في شعرية التصريح على تغيير السمات اللغوية إلى موحية لمعنى متحول مثل: (قصاصات المسافات - مثقال اقصاء - عمر الفقاعات).

التصريحات الزمانية يتداخل فيها الحاضر مع الماضي من أجل صياغة تضحوية جديدة، تماثل الاستجابة الحسينية للأمر الإلهي، بصياغات أسلوبية تتقارب كثيراً مع المفهوم الشمولي للدلالات العامة، وهذا الفعل يصعب عملية استقرار الشعري، لتتجلى مستويات البناء بالرموز والمرموزات سعياً لرفع الحواجز النفسية عن التلقي.

 وتتسم ظاهرة التصريح الشعري بروح البساطة - بساطة التماثل الشعوري - ووضوح الاحالة والمخزون الدلالي كمثال هو عامل ثلاجة الموتى بأنها (صمت طاعن في الذل) وبعدما يتنامى الفعل الشعري إلى عوالم الوضوح، تصبح (ثلاجة الموتى تكاثر نسلها في الأرض) لتصل النتيجة الشعرية إلى (انهيار البنية الخضراء من جسد الطبيعة بعدما هبت طواغيت الرياح)

ويتجلى مثل هذا الاسلوب التصريحي في اختيار المواضيع الشعورية والفكرة التي تنزل الى الناس إلى مشاعرهم وأحاسيسهم، وكل مكوناتهم الانسانية، ولهذا نجد الشاعر (ياسر آل غريب) دقيقاً في تناوله للقضايا المؤثرة، كاختياره لموضوعة اليتم:

(إن هذا اليتم ختم

من سنا الله على هذا الجبين

قم تنفس

واذرع الآفاق بحثاً سترى وجه أبيك

ستراه...

وسط مرآة اليقين)

وبهذه الاشتغالات الشعرية، لخص الشاعر (آل غريب) مهمات الشاعر الوظيفية التي تسعى لتنصهر ضميرياً مع الناس، وتكون على ذمة الجمهور).

شعره

قال الغريب من قصيدة في السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام):

يا أنـتِ يـا زهرةَ التــقوى وبهجتَها      دربُ الأزاهــــرِ محفوفٌ بأشواكِ

شرُّ الأعادي على مــرِّ الزمانِ كَبَا      لمْ يطفئوا النورَ إذْ لم يخرسوا فاكِ

وقفتُ في (تلِّـ)ـكِ الممتدِّ في خلدي      فما وجدتُ ســــوى أزهى مراياكِ

 يا آخرَ امرأةٍ صلّى الـــجـلالُ لها      ينسابُ في ســرِّها حسِّي وإدراكي

ولـــدتِ حيثُ أدارَ اللهُ صــنــعـتَـهُ      سربٌ من الرحـــمةِ الكبرى تلقَّاكِ

هل أنـجـبـتكِ السّما؟ أم إن فـاطمةً      أهدتْ إلى الكونِ رؤياها برؤياكِ؟

ماذا أسرَّ أبــوكِ الـمـرتضى شغفاً      في مسمعيكِ، ومـاذا كــانَ أملاكِ؟

ما كان أنقاكِ من روحٍ ومن جسدٍ      توحَّـــــدا فيكِ مثل الجوهرِ الزاكي

وقال من قصيدة في الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام):

قــفـزتُ على الأيامٍ في وحــشــةِ الـــمنفى      وجــئـــتكَ أسـتجـدي حنانيكَ والعطفا

وأنزلتُ ما عندي من الـــشــــوقِ والهوى      تقدّستَ مـن بـحـرٍ وبوركتَ من مَرْفا

عــشقتُ اسْمَكَ الغالي, فكانتْ قـــنـــاعتي      لغيرِ رضا الرحمـنِ لنْ أرميَ الطرْفا

وقــفـتُ عـلـى الأبوابِ أســـتــــأذنُ الندى      أأدخلُ يا مــــــــولايَ أم أرجعُ الخُفّا؟

وإذ قلتَ لي: فادخلْ على الرَّحبِ والرِّضا      رأيتُ من الأكوانِ ما يُخرسُ الوصفا

رأيـــتُـــكَ يــــــا للهِ مـــثـــقــــالَ أمَّـــــــةٍ      وكلُّ الصفاتِ الــــغرِّ قد جُمِّعَتْ صفا

هــنـا (مــشـهـدٌ) تــنــحـــازُ للوردِ والشذا      وقد ضمَّتِ الأطــيابَ والخيرَ واللطفا

تنقلتُ في الصَّحْن الأثــيـــريّ هــائـــمـــاً      كما صاحبُ الــعــرفانِ في سيرهِ شفّا

وفــي عــصــفـــيَ الــذهــنــيّ تنهلُّ فكرةٌ      فــتـصـعـدُ بـي نـصفاً وتغرقني نصفا

تــأمَّــلــتُ فــي روحِ الــمــكـانِ وســــرِّهِ      وفي المرقدِ الزاكــي وقـد خلتُهُ مشفى

وفــي الــقــبـــةِ الــنـــوراءِ كيفَ أضافَها      إلــهُ الــســنــا من ضمنِ إبداعهِ صنفا

وزرتــكَ يـــا مــــــأوى الحشودِ وكهفِهمْ      وكــلُّ الـمـنى في خاطري قبلةُ الزلفى

ومــن حـولـكَ الـتـفّـــتْ لــغـــاتٌ وألـسنٌ      وكمْ من لـغـاتٍ تـشـتـهـيكَ لـها صُحْفا

ومن فرطِ ما اشــتــدَّ الــزحـــامُ خــلــيـةً      كــأنَّ أمــامَ الــشـيء أبــصـرتُــهُ خلفا

تموَّجْتُ ضمنَ الــهــادريــنَ بــعــشــقِهمْ      فـأهــديــتــكَ الأضــلاعَ, سـلمْتُكَ الكفا

أنــا، مــن أنــا؟ ريـــحُ الــسؤالِ تقودني     عــلامــاتُــهـــــا الحيرى وأتبعُها زحفا

أفــتّــشُ عــنــي، والــهــويّــاتُ جـــــمَّةٌ      فألفيتُ ذاتي وهْـــيَ تـــقـتـلـــــعُ السقفا

أنا عربيٌّ والــحــمــامـــةُ فـــطــــــرتي     وفي جملةِ الــعــشّـــاقِ تبصرني حرفا

تــحـــدَّرْتُ مـــن رحْــــمِ الولايةِ عاشقاً      سلاماً لأمِّي يومَ ترضــعــنـــي (الطفا)

كبرتُ ولصُّ الــدهـــرِ يسرقُ حاضري      فــعــتّــقـتُ أحـــــلامي لأشربَها صِرْفا

أغني على شيخِ الــطــريــقـــةِ (دعبلٍ)     وأجتازُ آفاقَ الـــمــدى كــلّــهــا عـــزفا

أعــلــقُ تـــاريـخــي على الظهرِ شارةً      وأحــمـلُ عـهــدي والــمــواثيقَ والحتفا

تغرَّبتُ في أرضِ الــبــســاتـينِ والندى      فلمْ أبـصـرِ الـمــجنى ولم أعرفِ القطفا

ولم أرَ إلا طــائـــفـــيـــةَ شــــوكـــــــةٍ      تعدَّتْ على الأزهــارِ فــاسـتغرقتْ نزفا

سماحاً إذا أســقــطــتُ هــمِّي وغربتي      على قــلـــبِكَ الحاني ووجدانِكَ الأصفى

ولا يــفــهــمُ الأغـــــــــرابَ إلّا مهجرٌ      يــؤثـــثُ بـــيـــتَ الريحِ في ذلكَ المنفى

عهدتكُ يا مولايَ للحقِّ صــاحـــبــــــاً      فخُذني إلى عــيــنـيـكَ إن شــئـــتني إلْفا

وقال من قصيدة (الحسينُ.. خارج الأقواس):

تَـعَـطَّـشَ قِنْدِيلي وَهَــا جَـــــفَّ زَيْتُهُ     وَلَمْ ألْقَ شـيــــئاً غيرَ دَمْعٍ سَــــقَيْـــتُهُ

وفي ضَوْئِهِ الــرَّقْـــرَاقِ سِــرُّ أُلُوهَةٍ     تـجـلَّــى بــــــهِ اللهُ العظيــــمُ وبَيْــــتُهُ

وفي ضـوئِهِ أبصرتُ طائــرَ (بابل)     رأيتُ مــــدى الآفاقِ حيــــنَ رأيْتُــــهُ

هُـنَـا خـيـمــةُ القُرَآن.. واهــاً تَلهَّبَتْ     أُحِــسُّ بــــها في كلِّ جُــــزْءٍ تَلَوْتُــــهُ

هِيَ الطَّفُّ تنمو في خَلَايَــا قصيدتي     كأنَّ حصاناً في المَجَازِ امْتَطَيْــــتُــــهُ

وتبعثُنِي مَعْنىً على صَــهْـوَةِ المَدَى     وتأخذُني حيثُ الجَمَالُ ارْتَضَيْــــــــتُهُ

تَــجَــدَّدَتِ الأيَّـــامُ فــــيَّ كــــــــأنَّمَا     لَــبِـسْتُ صَبَاحاً بَعْدَ لَيْلٍ نَضَــــــــوْتُهُ

فَشَتَّانَ مَا بينَ الـــحُــسَيْنِ الذي أَرَى     وبينَ الذي بالأمسِ كُنْتُ رَثَيـــــــته!!

مسافةُ وَعْيٍ خَاضَــهَا الآنَ خَاطِرِي     إلى أن تمثلْتُ الهَوَى واصْطَـــفَــــيْتُهُ

مِنَ الدّمْعَةِ الأولى التي سَقَطَتْ على     طــفــولـةِ خَدِّي، والغرامُ اقـــتــــفيْتُهُ

ولمْ يــنـمُ حُــزْنِـــي بـــينَ يومٍ وليلةٍ     ولــكــنَّـــــهُ صَرْحٌ بعُمْرِي بَـــنَيْــــتُهُ

جِرَاحَاتُهُ كَــوْنــيَّـةٌ في انْــثِــيَــالِـــهَا     وبِــي أُمَــمٌ تَــغْــلِي إذا مـــا بكـــــيْتُهُ

هَوَ الوَجْدُ أسرى بــي لأبـــعدِ نقطةٍ     فــمــا عُــــدْتُ إلا واليقيـــنُ جَـــــنَيْتُهُ

وأيَّامُ عَــاشُــــــورَاءَ مِلءُ أصَابِعِي     كــأروعِ شيءٍ في الزَّمَـــانِ اقـــتــنيْتُهُ

ستنمو سُلالاتُ الـــشَّـــهِـيدِ مَوَاهِباً     إذا كــانَ يــعـنـي الــعــبـقريَّةَ مَـــــوْتُهُ

بِحُرِّيَّةٍ بــيــضاءَ يزهو خـــلــــــــودُهُ     وفي خارجِ الأقواسِ يـــــمتدُّ صَوْتُهُ

أَخَــذْتُ مــكــاني في هواهُ تَــــوَسُّطًا     فَــهَـــا أنـــذَا حـــــيُّ الوَلاءِ وَمَـيْتُهُ!!

تَعَلِّمْتُ مِنْهُ: كــيــفَ أظــما؛ لأرتوي     ولَــوْ بَــعْــــدَ حِينٍ من حياتي طويته

إذا اشتجرَ العُشَّاقُ في ســاحِةِ الرُّؤَى     فحسبي - بما يُمْلِي الضميرُ - هَوَيْتُهُ

أهَــيــمُ بــهِ فــي كلِّ وادٍ نَــزَلْـــتُــــهُ     وفـي كلِّ مأوىً في الجِبَالِ اعْــــتَلَيْتُهُ

أُحُــبُّ الــذي يــرنــو إلــيــهِ تَــطَلُّعاً     ومـــا كـــانَ يـــأبــى فـي الحياةِ أبَيْته

وما لاحَ لي مِنْ جَوْهَرِ العِشْقِ صُنْتُهُ     ولا عَــرَضٌ يَـــنْــدَسُّ إلا رَمَـــيْـــتُهُ

إذا نَــضَــجِـتْ رُؤْيَايَ في خَلْوَةِ الأنا     أقــولُ لــكــلِّ الــعــالــمـــينَ: وَعَيْتُهُ

تَــدَلَّــتْ عــنــاقــيــدُ الـــنَّمَاءِ صَبَابةً     لأنِّي بــمِــحْـــرَابِ الــحُــــقُولِ نَوَيْتُهُ

تَوَحَّدْتُ بالضَّوْءِ الــمُــقَــدَّسِ.. مثلما     تَـــوَحَّـــدَ بالوِتْرِ / الحُسَيْنِ (كُمَيْتُـ)ـهُ

وقال من قصيدته الفائزة في مسابقة الجود في أبي الفضل العباس (عليه السلام) وقدمها بقوله: إلى المولى أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام) الذي صنع من قربة الماء خارطةَ وطنٍ باتساع الأمل ..

وطـنٌ مـــا بــيــنَ كـــفَّــــيْكَ تَدَلَّى      يَسْتَقِي منهُ المَدَى ضوءاً وظِـــلَّا     

أيُّ روحٍ ثـرَّةٍ تـــحـــمـــلُها؟ تَصْـ     ـهَرُ الأجـــــزاءَ في مَعْنَاكَ كُـــلَّا

لـغـةُ الــمــــاءِ الـــتـــي تـــتــقنُها     هِيَ شُبَّاكٌ عــــلــى الكونِ أطـــلَّا

يا كـــلـــيــــــمَ النَّهْرِ .. يا مُعْجِزَةً      ما الذي بينكما واهاً تــــجلَّـــى!!

والفراتُ العَـذْبُ أُفْـــقٌ مُـــتْــــرَعٌ      فَلِذَا، جئتَ بشوقٍ مُـــسْـــتَـــــهِلَّا

وملأتَ الــقِــــرْبَـــةَ الظَّمْأى مُنًى      وَجَرَتْ أنفاسُكَ النَّوراءُ عَـجْـــلَى

لمْ تَذُقْ أرشوفـةً رغمَ الـــظَّــــــمَا      وتَـــزَوَّدْتَ مـــنَ الإيــثارِ نَـــهْلَا

وتجاوزْتَ (الأنـــا) فــــــي لحظةٍ     أَزْهَرَ العزُّ بها إذ قلتَ: كَــــــــلَّا

ظَمَأُ الـــسَّـــقَّـــــاءِ، شمعٌ مُخْلِصٌ      ذابَ من أجلِ وفاءٍ واضْــمَــحَـلَّا

ظَمَأُ السَّقَّاءِ، عِـــــرفـــــــانٌ, ولا      يــبــلــغُ الأسرارَ إلا مَـــنْ تَخَـلَّى

صِرْتَ في عـيـــنِ الأَعَادِي كَثْرَةً     بينما كـــنــــــتَ وحـــيداً مُسْتَقِلَّا

لاسْمِكَ الـــمــيـمونِ أصداءُ السَّنَا      فـــــــأرادوا مَــحْوَ أصـدائِكَ قَتْلا

غيرَ أنَّ الـرُّوحَ لــغـــزٌ في السَّمَا      تعـجزُ الأوبـــاشُ أنْ تَعْرِفَ حَلَّا

وتَـــطَـــــلَّـــعْـــــــتَ فدائيَّ النَّدَى     وحــمـــــــلتَ النَّهْجَ نَهْجَ اللهِ ثِقْلا

وتلقَّــى صدرُكَ الرَّحْــــبُ الرَّدَى      حينــــما شــــبَّ اللظى نَبلًاً فَنَبْلا

وعــــلــى عــيــنــيـــكَ غيمٌ مُثْقَلٌ      بــــسهامٍ فجَّةٍ تــهــطــــــلُ هَطْلا

عَــرْبَدَ الــسَّــــيْفُ الظَّلاميُّ الذي      طالما أُشْرِبَ أحــقـاداً وَجَــهْــــلا

وإذا كـــــفَّـــاكَ غُـــصْــنـــا فَرْقَدٍ      وَقَعَا حيثُ منارُ الــغــيـبِ حَــــلَّا

وأُريـــــقَ الأمـــلُ الــــــرَّيانُ في      لحظةٍ بالأَلَـمِ الــمِـــدْرارِ حُـــبْلَى

هــا هيَ الأقدارُ عطشى, خرجتْ      تــتــبـــــــارى لتعِلَّ الـــماءَ عَلَّا

يـا لــهــا مـــن قِـــرْبَـــةٍ، خارطةٍ      لــبــلادٍ تــــجمعُ الآمــــالَ شَمْلا

وهوى رأسُك فــامــتـــــــدَّ الثَّرى      لسناكَ الـــمَــلَــــــــكُوتيِّ مُصَلَّى

هكذا أنتَ عــلــى قَــــــدْرِ الأسى     كان إعطاؤكَ حتَّى الموت جَزْلا

أنــتَ ذاتٌ أم ذواتٌ أُلِّــــــفَــــــتْ      كنتَ يا ذا ثـــقـــةٍ لــــلأهلِ أَهْلا

أيُّها الــعــبـــاسُ, والـبـــأسُ الذي      زادَ في تقويمنا الكونيِّ فَصْلا !!

هَا جنَاَحَاكَ: الـــتَّــفَــــــاني والإبَا      بِهِمَا يسمو الهُدَى: صِدْقاً وَعَـدْلا

يا مجازيّاً حــقــيـــــقـيَّ الـــرُّؤَى      ما رأتْ عينُ المرايا لـــكَ مِــثْلا

الــرُّوايــاتُ الــتــي تـــنــسجُــها      إبرةُ الـــشَّــــمْسِ حديثٌ لن يُمَلَّا

إنَّـــهـــا (أمُّ الـــبــنـينَ) انتـــبذَتْ      خارجَ الوقـتِ لكي تُنْجِبَ فَحْلا!!

أرضعتك (الطفَّ) من مَنْـــجَمِهَا      وأذاقتْكَ الفِــدى شَـــهْــــداً مُحَلَّى

ولقدْ أهدى أبــوكَ (المُرْتـــضى)      لكَ ميراثَ الوَغَى رُمحـاً ونَصْلا

يا أبَا الفضلِ, نــدائي حــاســـــرٌ      أرسلَتْهُ الرِّيحُ تِـــلْوَ الرِّيحِ وَصْلا

ودمي حافٍ على دربِ الـــهَوَى      حينَ ذكراكَ دمـــــــي يخلعُ نَعْلا

إنَّني أحــيــاكَ إنـــــــســـانــيـــةً      ورؤى تَزْرَعُنِي حَقْـــــــلًا فَحَقْلَا

كمْ أرى للعقلِ قــــــلــبــاً نـابضاً      وأرى في مثله للقلبِ عَـــــقْلا !!

حــيــنــما أهــــواكَ أهوى سيرةً      من فــتــوحــاتِ المَعَالي ليس إلّا

طينُكَ الـــــــتَّـــقْـوى, وما أندَرَهُ      بينما طينُ الأعــادي صارَ وَحْلا

السَّمــــاواتُ التي تـــرعـــاكَ قدْ      صَقَلتْ إنسانَك الـــــطاهرَ صَقْلا

أنتَ والــــــرَّايـــةُ لـــــونٌ واحدٌ      ما استطاعَ الدَّهرُ تمـييزًا وفَصْلا

قــمــــــرٌ تــنـــشقُّ عن إبــداعِهِ      روعةُ الخَصْبِ : ينابــــيعَ ونَخْلا

قـــــــمـرٌ يخبرُنا عــن مـــولــدٍ      لــعــراقٍ شــدَّ لــلــــــــعِزَّةِ رَحْلا

أينما ســافــــــــرتُ في مُعْتَقَدِي      كنتَ لي أنتَ الزَّوايا والــــــمَحَلَّا

بهوايَ الكـــــربــلائـــــــيِّ الذي      لم يضعْ في شِرْعَةِ الأبـوابِ قُفْلا

الـــخَــيَـــــالُ الحُلْوُ جِسْرٌ قَادَنِي      للذي فـي حَضْرَةِ الأقْدَاسِ أحْــلَى

جئتُ من أقصى المواويلِ جَوىً      حــاملاً نجوى , وتهياماً, وسُؤْلا

خطواتي كــلــمــاتـــــــي نُقِشَتْ      ودمــــــوعي عندَ شُبَّاكِكَ خَجْلى

لم أزرْ شخصاً, ولـــكــــــنْ أمَّةً      إيهِ ما أســــمى وأنمى وأجَلَّا !!

هذه ذكـــراكَ يـــجــــري نهرُها      في هلامٍ حيـــــثُ لا تأخذُ شَكْلا

أنتَ ماءُ الماءِ, كمْ لُـــحْـتَ على     باحـــثٍ عــنــكَ يــــقيناً فاسْتَدَلَّا

كِدْتُ أنْ أغرَقَ في بحرِ الــدُّجَى     فرمى لي طيفُكَ الوَهَّـــاجُ حَبْلا

فــتــمــسَــكْـــتُ بــهِ مُــعْـتَصماً      وتــعــلــقْـــتُ بـــهِ لُـــطْفاً وَنُبْلا

بــمـعـانــيــكَ تـــشــربْــتُ العُلا     وتسلقْتُ إلى النِّجْمِ الـــمُـــعَــلَّى

يا لَــمَــعْــروفِــكَ أثرى مُهْجَتِي     كيفَ أنساكَ وأنتَ الوقتُ يُـتلى؟

ليسَ عندي غيرُ نَــفْـــــسٍ حُرَةٍ     فــلــعــلَّ الــنــفـــسَ تُوفيكَ لعلَّا

وكــأنَّ الــــشِّعْرَ يَأبى ينتهي مُذْ     سواقيكَ انــتــشتْ جوداً وفَضْلَا

وقال:

أدغـمـتُ جـــرحي في سديــمِ جراحِهِ      لأكونَ ومضاً مِـن سنا مصباحِهِ

وعبرتُ مـــنه إليهِ في شغــفِ الرؤى      فرأيتُ خــارطـةَ الوجودِ براحِهِ

قوسُ الإلـــــهِ وغـــايةٌ خـلــفَ الردى      وابنُ الــنــعـــيـمِ ووجنتيْ تفاحِهِ

مَن كالـــحسينِ له اخــضـــرارُ إرادةٍ      نضجتْ به الشـهداءُ في أوداحِهِ؟

هذا الـــذي أسرى إلى جـــهةِ الــفدى      بــبـــراقِ عزَّتِهِ وهــدي رجاحِهِ

أســـرى وأسرجَ بالغيابِ حــضــورَه      والمــوتُ هذا الموتُ سرُّ نجاحِه

هـــوَ مـعـجـمٌ لـلـكـبــريـــاءِ مــفصَّلٌ      زخــرتْ بذلكَ مفرداتُ صحاحِهِ

يـــجني القطوفَ مِن الطفوفِ شهادةً      ويــدوزنُ الـــدنـــيا بخفقةِ سـاحِه

(هيهاتَ) أطــلــقَــهــا بعـــزَّةِ روحِهِ      وكأنّما (هيهاتُ) نــارُ ســـــلاحِه

مــرآةُ عــاشــوراءَ تنبـــتُ صورتي      والــحــقــلُ مــــــرآةٌ لدى فلاحِهِ

تتهافتُ الــذكــــرى لـــــــروحِ مُتيَّمٍ      كتهافتِ التكبيرِ لابــنِ ربــــــاحِه

همْ يسألوني عن هـــوايَ مــضاعفاً      أهــوى الـــحـــسينَ لذاتِه وكفاحِه

مُــتــجــــاهراً بـــالعشقِ مـلءَ كيانِهِ      مُـتـدثّــراً بـــالــسرِّ تحتَ وشاحِه

عــطــشي ظـــــلامٌ واروائـي شعلةٌ      ولكمْ شربـتُ الــنــورَ مِن أقداحِه

توقاً إلــى أبــــــعـــادِه لــــمَّـــا أزلْ      لرباهُ مشــدوداً له وبـــطــاحِـــــه

لي فيهِ مـــعنى في الطـبيـعةِ موغلٌ      ما زالَ يـســتعصـي على شرَّاحِه

لـي فـــــيـهِ كشفٌ واقتنـاصُ حقيقةٍ      ورؤىً ترفرفُ فـي سماءِ طماحِه

بمصــابِـه حـــوَّاءُ تــــــزرعُ مأتماً      ويـفـيـضُ آدمَ سـلــسـبـيــلَ نواحِه

وتــفــجَّــــعَ القـــرآنُ فـي آيـــاتِــهِ      كتفجعِ الإنجيلِ فـي إصــحـــــاحِه

قد حرَّرَ الــدمـعـــاتِ مِــن أعماقِنا      وأتــاحَ لـلـوعــي انطلاقَ سراحِه

والحزنُ وحَّدَ مـــــقــلـتــيَّ فلمْ أعدْ      أدري بــوقــــــتِ غدوِّه ورواحِـه

صومعتُ وجـــداني وبتَّلتُ الهوى      كــتــبــــتُّلِ الصوفيِّ في أوضاحِه

لي كــربـــــلاءُ هــويـــةٌ كــــونيةٌ      والقلبُ يــجـــري هـــازئاً برياحِه

لن أســـتقلَّ عن الكـــرامةِ والإبــا      ومتى استقلَّ البحرُ عــن أمــلاحِه

في كربلاءَ هناكَ بــابٌ لــلــســما      سلْ ســيِّــدَ الـشهداءِ عن مــفـتاحِه

وهناكَ ينتصرُ الجمالُ وإن طغى      قــبــحٌ بــحــقـــدِ سيوفِه ورمـــاحِه

فـيـضُ الـــبطولةِ لن يجفَّ نميرُه      مهما الفراتُ أصيبَ في نضَّـــاحِه

أوطانُنا تــبـدو كــنــاقــــةِ صالحٍ      يجترُّها الأشــقــى بسودِ صـــفاحِه

ونظلُّ لا جهةً تؤثّثُ حــلــمَـــــنا      كــالــطــائرِ الذاوي بغيرِ جـــناحِه

وتـجـلـمـدتْ أوقـــاتُــنـــا بعيونِنا      والـمـســتـحيلُ يعيشُ في أشـــباحِه

ومِن الحسينِ إلى وريــثِ جهادِهِ      رعدُ الـصــهيلِ وعنفوانُ جـــماحِه

دوماً يحنُّ له الربيعُ وطــالــمـــا      أرضُ اليبابِ هفتْ إلى إصــــلاحِه

فـي هــاءِ غــيــبـــتِهِ نمتْ آمالنا      ولـكـمْ سـهـرنــا بانتظارِ صـــباحِه

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار