620 ــ مصطفى جمال الدين (1346 ــ 1417 هـ / 1928 ــ 1996 م)

قال من قصيدة (وفد الطفوف) وتبلغ (24) بيتاً:

وأتـتْ (كربــــلاء) تـعـثـرُ بـالأذ     يالِ زهواً كي تُنزلَ القومَ وفدا

هاكِ سبطَ الرسولِ ضـيـفاً فحيي     واملأي الخافقينِ شكراً وحمدا

وافرشي الأرضَ بالقلوبِ ومُدِّي     فـوقَ وجهِ البسيطِ وجهاً وخدّا

الشاعر

السيد مصطفى بن جعفر بن عناية الله بن حسين بن علي بن محمد ــ جمال الدين ــ بن عبد النبي الحسيني، المعروف بـ (مصطفى جمال الدين)، عالم وأديب وشاعر، ولد في مدينة الناصرية من أسرة علمية ــ أدبية، ينتهي نسبها الشريف إلى السيد موسى المبرقع ابن الإمام محمد الجواد (عليه السلام) عُرفت بآل جمال الدين نسبة إلى لقب جدها الأكبر محمد بن عبد النبي الذي كان من كبار العلماء والفقهاء، وقد برز منها العديد من أعلام الفقه والأدب والجهاد منهم السيد عناية الله ــ جد الشاعر ــ الذي كان له دور كبير في تحريض العشائر العراقية على قتال الاستعمار الانكليزي.

وكعادة أفراد هذه الأسرة فقد أرسله والده إلى مدينة العلم النجف الأشرف وهو في الحادية عشرة من عمره، فدرس العلوم الدينية والعربية بداية على يد الشيخ محمد رضا العامري، ثم درس السطوح والبحث الخارج في الفقه والأُصول على يد أساتذة الحوزة العلمية منهم: السيد أبو القاسم الخوئي، والشهيد الشيخ محمّد تقي الجواهري، والشيخ محمّد أمين زين الدين، والشيخ إبراهيم الكرباسي.

كما تابع دراسته الأكاديمية فحصل على الماجستير في الشريعة الإسلامية من جامعة بغداد، ثم واصل دراسة الدكتوراه بنفس الجامعة فنالها بدرجة امتياز فعيّن أستاذا في جامعة بغداد، وأصبح عميداً لجمعية الرابطة الأدبية في النجف.

غادر العراق إلى الكويت بسبب الضغوطات من قبل السلطة البعثية في العراق، ومن الكويت سافر إلى لندن، ثمّ عاد إليها مرّة أُخرى، ثم استقر في سوريا حتى وفاته فدفن بمقبرة السيّدة زينب (عليها السلام) وله قبر شاخص هناك

له بحوث ودراسات كثيرة مطبوعة منها: (البحث النحوي عند الأصوليين)، (القياس حقيقته وحجّيته)، (الانتفاع بالعين المرهونة)، (الإيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة)، (المنظومة الفكرية للشخصية المثالية)، (الاستحسان، معناه وحجيته)، (محنة الأهوار والصمت العربي)، (جميل بثينة ــ رواية شعرية تقع في 900 بيت)، (ديوان شعر).

كتبت عنه دراسة بعنوان (سيد النخيل المقفى)، وترجم له في العديد من المصادر والتراجم منها: (شعراء الغري) و(معجم رجال الفكر والأدب)، و(إتمام الأعلام)، و(معجم المؤلفين) وغيرها

شعره

من أبرز شعره قصيدة (بغداد) المشهورة التي شارك فيها في المهرجان الكبير بمؤتمر الأدباء الذي عُقد في بغداد عام 1965 وكان مطلها:

بغدادُ، ما آشْتَبَكَتْ عَلَيْكِ الأعصُرُ     إِلَّا ذَوَتْ، ووريقُ عُمركِ أخضرُ

مَرّتْ بكِ الدنيا، وصُبحُكِ مُشمِسٌ     وَدَجَـتْ عَــلَيْكِ ووجْهُ ليلكِ مُقْمِرُ

وَقَسَتْ عَلَيْكِ الـحـــادثـاتُ فراعَها     إنَّ آحتمالَكِ مــن أذاهــا أكـــبَــرُ

أما فيما يخص أهل البيت (عليهم السلام) فقال من قصيدة في أمير المؤمنين (عليه السلام) تبلغ (40) بيتاً:

يـا قــبَّـةَ الـكـرّارِ حسبُكِ في الدنى      مجداً على هـامِ الــسـنـينِ مديدا

أن ضـمَّ جـنـبـاكِ الإمامَ المرتضى      وحوى ترابُـــكِ طيبَه المحمودا

فـكـسـيـتِ من نورِ الإمامةِ مطرقاً      وعبقتِ مــن أرقِ الشهادةِ عودا

أأبــا الـهـداةِ الـطـيـبـيـنَ مـنــابــتـاً      والـمـصـطفينَ من الأنامِ جدودا

الناشرينَ من الــرســالــةِ عـطرَها      والرافعينَ لواءهــا الــمـعـقـودا

أنتَ الذي ما مرَّ ذكرُكَ في الورى      إلا وصــارَ شــجـاعُهم رعديدا

كيفَ اســتــطــاعَ بأن يمرَّ مـخاتلاً      لـيـخــرّ منكَ وأنـتَ أنتَ وريدا

كــلا فـــإنّــــكَ لا تُــراعُ وإنّـــمــا      قابلتَ في محرابِكَ الــمـعــبودا

ولـربّــمـا شـغـلَ الكميُّ فكـــان أن     بلغَ الجبانُ بغدرِه الــمـقــصودا

فقضيتَ في سيفِ الجنايةِ ضـارعاً      للهِ صــفّــاً فــي الــدعاءِ ودودا

وتـركـتَ بــعـدَكَ مـنـبــراً ذا مـقلةٍ      تذري الدموعَ ومسجداً مفؤودا

وقال من قصيدة في أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً تبلغ (23) بيتاً:

أبا حسنٍ وإن أعيا خــيــالــــي      فــقـصَّــرَ دون غـايــتِهِ الـنشيدُ

فليسَ لأنَّ أجـنـحـتــي قــصـارٌ      وأن مثارَ عـاطــفـتـي جـــلــيدُ

وأن هــوىً تــرعرعَ وهوَ بذرٌ      بـظـلّــكــمُ سـيـذبـلُ وهو عـودُ

وأن يــراعــةً غــنَّــتْ هــواها      ستخرسُ حين تزحمُها الرعودُ

ولـكـن كـان مــرمــانـــا سماءً      قــريــبُ مــنـالـهــا أبــداً بـعيدُ

يراكَ الـفـكـرُ مــنـه قــيــدَ باعٍ      فـيـحـسـبُ أن مـطـلـــبَه زهيدُ

وهل أجلى من الإصباحِ شيءٌ      وقد شــقَّ الــسـمـاءَ لــه عمودُ

فـيمعنُ في لحوقِكَ حيثُ يلظى      فـيـجـمـــــرُ ثم يدركـه الخمودُ

فـأنـتَ بـعـيـنِ شـامـــخِه سماءٌ      وأنتَ بعينِ خــاشــعِــه صعيدُ

وقال من قصيدة (ضفاف الغدير):

ظـمئ الشعرُ أم جفاكَ الشعورُ      كيفَ يظما من فيهِ يجري الغديرُ

كيفَ تعنو للجدبِ أغراسُ فكرٍ      لـعـلـيٍّ بــهــا تــمــتُّ الــجــذورُ

نـبـتـتْ بـيــنَ (نـهــجِهِ) وربيعٍ      من بــنـيـهِ غــمرُ العطاءِ البذورُ

وسـقـاهـا نــبعُ النبيِّ وهـل بعـ     ـدَ نميرِ القرآنِ يــحـلـو نــمــيرُ؟

فزهتْ واحــةٌ ورفّـتْ غصونٌ      ونـمـا بـرعــمٌ ونــمــــتْ عطورُ

وأعدّتْ سلالَها لـلـقـطــافِ الـ     ـغــضِّ مــنّــا قــرائـــحٌ وثــغـورُ

هـكـذا يــزدهــي ربــيــعُ عليٍّ      وتــغـنـي عـلـى هــواهُ الـــطيورُ

شربتْ حبَّه قلوبُ الـقـوافــــي      فانـتـشـــتْ أحرفٌ وجنَّتْ شطورُ

وتــلاقــى بـهـا خـيالٌ طروبٌ      ورؤىً غـضَّـــةٌ ولــفـظٌ نــضـيرُ

ظامئ الشعرِ ههنا يولدُ الشعـ     ـرُ وتنمو نــســورُه وتــطــيــــــرُ

هـهـنـا تـنـشـرُ البلاغةُ فرعيـ     ـها فـتـسـتــافُ من شذاها الدهورُ

هدرتْ حوله بــكــوفـانَ يوماً      ثمَّ قرَّتْ ومــا يـــزالُ الــهــديـــرُ

وسيبقى يهزّ سمعَ الـلـيــــالي      مــنـبـرٌ مـــن بــيـــانِــــهِ مسحورُ

وقال من قصيدة (محجّة الشهداء) وهي في الإمام الحسين (عليه السلام) وتبلغ (50) بيتاً:

ذكرى الـــبطولةِ، لــيـلـهــا كــنهارِها      ضــاحٍ تــؤجّ بــهِ الــدماءُ وتلهبُ

ايــهـاً أبــا الأحــرارِ أيَّ كـــــريـــمةٍ      تبني الخلودَ، وليسَ مـنــكَ لها أبُ

أنتَ الــذي أعـطيتَ ما أعــيا الورى      تصديقُه، ووهبتَ ما لا يـــوهـــبُ

ووقــفتَ حيث أراحَ غــيرُكَ نــفــسَه      والحقُّ بينكما يــهـيــبُ ويـــرغبُ

فصمدتَ للتيَّارِ تــــشــمــــــخُ هادراً      ســيَّــانَ أغـلــبُ مــوجَه أو أغـلَبُ

حتى إذا الــتــاريـــــخُ أرهفَ سمعَه      ليعيدَ مَن صـنـعـوهُ فــيــمــا يـكتبُ

دوّى بآذانِ الزمــانِ هــديــــــرُكَ الـ     ـصافي وضاءتْ من سناهُ الأحقبُ

ومشتْ على مهجِ السعيرِ قوافــلُ الـ     ـأحـرارِ تـكرعُ من لظاهُ، وتطـربُ

وتـركـتَ لــلأجــيــــالِ حين يلــزُّها      عمه السرى ويضيقُ فيها المـهربُ

جئتَ الضحايا من بـــنـيـــكَ تــريهمُ      أنَّ الــحـقـوقَ بـمـثـلِ ذلـــكَ تُطلبُ

مــولايَ أنــتَ لــكـــلِّ جيــلٍ صاعدٍ      قـبـسٌ يــنـيـرُ لـه الـســرى ويحبِّبُ

ولأنــتَ إن زلّــتْ بـه قــــدمُ الهوى      صــوتُ الـضـمـيــــرِ يردّه ويؤنِّبُ

ولنا بيومِكَ، وهوَ في أقصى المدى      كــفٌّ مــلـــوِّحــةٌ، وعــيـــنٌ ترقبُ

وقال من قصيدة (وفد الطفوف):

إيه بنتِ الحسينِ يا مـوجــةَ الحز     نِ ويا مبعثَ الأسى كيفَ يُبدا

أنتِ يا مَن شهدتِ فـجـرَ الـمآسي      بابنِ خيرِ الورى إبـاءً وأهدى

وشهدتِ الإباءَ طـبـعاً على الحر      وقـد رامَــه الأرقّــــــــاءُ عبدا

حـيـثُ آلــتْ لـلـمـحوِ شرعةُ طه      وتــداعــى كــيــــانُــها فتردّى

حيثُ أحيتْ أميَّةُ الــهــبــلَ الأعـ     ـلى وأبدتْ نسراً إلـــهــاً وودّا

وأقــامــتْ خــلـيـفــةَ اللهِ في الأر     ضِ يــزيـــداً اللهُ أكبرُ وغــدا

قامَ سبطُ الرسولِ كي يظهرُ الديـ     ـنَ وكي يملأ الــبصائرَ رشدا

ومـشــتْ خــلــفَــه الكماةُ البهاليـ     ـلُ وكلّاً تخالُ في الروعِ جُندا

فالكميُّ الشجاعُ فــالــفارسُ المعـ     ـلمُ فالــمـلـبــدُ الــذي لن يحدّا

فـقـضـوا تـحــتَ رايةِ الحقِّ حتى      رفــعـوا لــلإبـــاءِ والعزِّ بندا

وأشادوا لـلـــــعدلِ خــيــرَ بــنــاءٍ      ملأوهُ فــضـائـلاً لــن تــعــدّا

وقال من قصيدة في رثاء السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليه السلام):

في الشامِ في مثوى أمـيــةَ مرقدُ      ينبيكَ كيفَ دمُ الشهادةِ يـخـلُــدُ

صـرحٌ مـن الايـمـانِ زهوُ أميةٍ      وشموخُ دولـتـهـا لـديــهِ يَسـجدُ

رقدتْ به بنتُ الحسينِ فأوشكتْ      حتى حـجـارةُ ركــنِـه تـتـــوقّدُ

كـانـتْ سـبـيّــةَ دولةٍ تبني على      جثثِ الـضـحـايا مجدَها وتـشيِّدُ

حتى إذا دالتْ تـسـاقـطَ فـــوقها      بـأسُ الـحديدِ وقامَ هذا المسـجدُ

هيّا استفيقي يا دمشقُ وأيـقظي      وغـداً على وضرِ القمامةِ يرقدُ

واريهِ كيفَ تربَّعتْ في عـرشِهِ      تلكَ الدماءُ يضوعُ فيها المشهدُ

مَن راحَ يعدلُ ميلَ بدرٍ أمـسَـهُ      فُـلّــتْ صــوارمُه ومالَ به الغدُ

ستظلُّ هندٌ في جــحـيمِ ذحولِها      تجترُّ أكــبــادَ الـهـدى وتــعربدُ

ويظلُّ مجدُكِ يا رقــيَّــةَ عــبرةً      لـلـظـالـمـينَ على الزمانِ يجدَّدُ

يذكو به عطرُ الأذانِ ويـزدهي      بجلالِ مـفـرقــهِ الـنـبــيُّ محمدُ

ويكادُ من وهجِ التلاوةِ صخرُه      يندى ومِن وضحِ الهدى يتورَّدُ

وعـلـيـهِ أسـرابُ الملائكِ حوّمٌ      وهـمـومُ أفــئـــدةِ الموالي حشّدُ

وبهِ يـطـوفُ فمُ الخلودِ مُؤرِّخاً      بــالــشــامِ قـبـرُ رقـــيَّــةٍ يتجدَّدُ

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار