هل يشترط أن يكون الإمام أكبر اخوانه ؟

لم يكُن إختيارُ الأئمّةِ عليهم السّلام لأكبرِ أبنائِهم لمقامِ الإمامةِ مِن أنفسِهم، بل هوَ إختيارٌ منَ اللهِ، وتعيينٌ وتنصيبٌ مِن قِبَلِ اللهِ تعالى، والأئمّةُ (ع) قد إختارَهم اللهُ في سابقِ علمِه، لا يتغيّرونَ ولا يزيدونَ ولا ينقصونَ، ولم يكُن إختيارُ الأكبرِ بشكلٍ مُطلقٍ، وإنّما الأكبرُ بعدَ وفاةِ الإمامِ، وأيضاً بشروطٍ كالعلمِ والفضلِ والوصيّةِ والسّلامةِ منَ العاهات.

فمثلاً: الإمامُ زينُ العابدين (ع) ليسَ هوَ الأكبرُ بينَ إخوةِ أبيه، فعليٌّ الأكبرُ – على المشهورِ – أكبرُ منه، ولكنَّه الأكبرُ بعدَ رحيلِ الإمامِ الحسين (ع).

وهكذا الإمامُ الكاظمُ (ع) لهُ إثنانٍ منَ الإخوةِ أكبرُ منه: إسماعيل – الذي توفّيَ في حياةِ أبيه – وعبدُ اللهِ الأفطحُ – الذي توفّيَ بعدَ تسعينَ يوماً مِن وفاةِ الإمامِ الصّادقِ (ع) بلا عقبٍ – فلم يكُن الإمامُ الكاظمُ (ع) أكبرَ إخوتِه، لا في حياةِ أبيهِ ولا بعدَ وفاةِ أبيه، ولكن بما أنّ عبدَ اللهِ الأفطح كانَ جاهلاً وذا عاهةٍ، فلا يستحقُّ الإمامةَ، وإن كانَ أكبرَ إخوته.

وكذلكَ الإمامُ الحسنُ العسكريّ (ع) كانَ أخوه السّيّدُ محمّد سبعُ الدّجيلِ أكبرَ منهُ سنّاً، ولكنّهُ توفّيَ فجأةً في حياةِ أبيه، فصارَ الإمامُ العسكريّ (ع) أكبرَ إخوتِه بعدَ وفاةِ أبيهِ الإمامِ الهادي (ع).

إذن: علامةُ الأكبريّةِ ليسَت علامةً مطلقةً، بل هيَ علامةٌ للأكبرِ بعدَ وفاةِ الإمامِ السّابقِ، وبشروطٍ أيضاً.

أو يُقالُ: بأنّها علامةٌ أغلبيّةٌ، يعني في أغلبِ الأئمّةِ (ع) يكونُ الإمامُ فيهم هوَ الأكبر.

روى الكُلينيّ بسندِه عن إبنِ أبي نصرٍ قالَ : قلتُ لأبي الحسنِ الرّضا عليهِ السّلام : إذا ماتَ الإمامُ بمَ يُعرَفُ الذي بعدَه ؟ فقالَ للإمامِ علاماتٌ منها أن يكونَ أكبرَ ولدِ أبيه، ويكونُ فيهِ الفضلُ والوصيّةُ، ويقدمُ الرّكبُ فيقولُ : إلى مَن أوصى فلانٌ ؟ فيقالُ : إلى فلانٍ ، والسّلاحُ فينا بمنزلةِ التّابوتِ في بني إسرائيل ، تكونُ الإمامةُ معَ السّلاحِ حيثُما كان . (الكافي للكُلينيّ: 1 / 284) .

قالَ العلّامةُ المجلسيّ: " أن يكونَ أكبرَ ولدِ أبيه " أي إذا كانَت الإمامةُ في الولدِ ، والحاصلُ أنَّ هذهِ العلامةَ بعدَ الحُسينِ ومعَ ذلكَ مقيدٌ بما إذا لم يكُن في الكبيرِ عاهةٌ كما سيأتي. (مرآةُ العقولِ: 3 / 204).

وقالَ المازندرانيّ: قولُه (مِنها أن يكونَ أكبرَ ولدِ أبيه) المُرادُ أنّهُ أغلبيٌّ ، أو المرادُ أنّهُ كذلكَ إذا كانَ الإمامةُ في الولدِ ، أو السّؤالُ والجوابُ عَن إمامٍ بعدَه (عليه السّلام) فلا يردُ النّقضُ عكساً بالحسينِ (عليه السّلام) . (شرحُ الكافي للمازندراني: 6 / 104) .

و روى الكُلينيّ بسندِه عن أحمدَ بنِ عُمر ، عن أبي الحسنِ الرّضا عليهِ السّلام قالَ : سألتُه عنِ الدّلالةِ على صاحبِ هذا الأمرِ ، فقالَ : الدّلالةُ عليه : الكبرُ والفضلُ والوصيّةُ ، إذا قدمَ الرّكبُ المدينةَ فقالوا ، إلى مَن أوصى فلانٌ ؟ قيلَ : فلانٌ بنُ فلان ، ودوروا معَ السّلاحِ حيثُما دارَ ، فأمّا المسائلُ فليسَ فيها حُجّةٌ . (الكافي للكُليني: 1 / 285) .

وروى الكُليني بسندِه عَن هشامٍ بنِ سالم ، عن أبي عبدِ اللهِ عليهِ السّلام [ قال ] : إنَّ الأمرَ في الكبيرِ ما لم تكُن فيه عاهةٌ . (الكافي للكُليني: 1 / 285) .

قالَ المازندرانيّ: قوله : ( ما لم تكُن فيه عاهةٌ ) أي آفةٌ بدنيّةٌ أو عقليّةٌ ، فإنّ منصبَ الإمامةِ يتنزّهُ عنِ النّقصِ في الأعضاءِ والعقول . (شرحُ الكافي للمازندراني: 6 / 106) .

وقالَ العلّامةُ المجلسي: ( ما لم يكُن بهِ عاهةٌ ) أي آفةٌ بدنيّةٌ ، فإنَّ الإمامَ مُبرّأٌ مِن نقصٍ في الخلقةِ يوجبُ شينَه، أو دينيّةٌ كعبدِ اللهِ الأفطحِ فإنّهُ كانَ بعدَ أبي عبدِ الله عليهِ السّلام أكبرَ ولدِه لكِن كانَ فيه عاهتانِ : الأولى أنّهُ كانَ أفطحَ الرّجلينِ أي عريضَهُما ، والثّاني أنّهُ كانَ جاهلاً بل قيلَ فاسدَ المذهبِ . (مرآةُ العقول: 3 / 207) . 

وعليهِ فنقولُ: إنّ كونَ الإمامةِ للأكبرِ، تُعدُّ علامةً لمعرفةِ الإمامِ الحقِّ المُنصّبِ مِن قِبلِ اللهِ تعالى، بإضافةِ شروطٍ أخرى، كالعلمِ والوصيّةِ والخلوِّ منَ العاهة.

فعلامةُ الأكبريّةِ ليسَت مُستقلّةً بنفسِها، وإنّما لا بدَّ أن ينضمَّ إليها علاماتٌ أخرى، كالوصيّةِ والعلمِ والفضلِ والخلوِّ منَ العاهةِ وعندَهُ السّلاح.

المرفقات