أقوى خمسةُ أسبابٍ للإلحاد!

السيد علي الحسيني

في مقطعٍ مُصوّرٍ اِنتشرَ على وسائلِ التّواصلِ، ظهرَ عالمُ الأحياءِ التّطوّري وأيقونةُ الإلحادِ المُعاصرِ ريتشارد دوكنز (ولدَ : 1941م ) مُجيباً عَن سؤالٍ عُنوِنَ بهِ المقطعُ :( ما هيَ أفضلُ خمسةِ أسبابٍ على عدمِ وجودِ إلهٍ ؟ )، وقَد رأيتُ في هذا المقالِ أن أعرضَها مثلما جاءَت في المقطعِ، وأعلّقَ على كلِّ واحدٍ مِنها:

الهروبُ إلى الأمامِ:

1ـ يقولُ دوكِنز : " المُلحدُ لا يتحمّلُ عِبء تقديمِ دليلٍ على عدمِ وجودِ الشّيءِ بَل العكس ، المُؤمنُ هو مَن يتحمّلُ عِبءَ تبيانِ وجودِ الشّيء ... لِذا فالسّببُ الأهمُّ على عدمِ وجودِ إلهٍ هوَ أنّهُ لا يوجدُ أسبابٌ تدعمُ وجودَ الإلهِ "إِنتهى.

التّعليقُ:

     في هذهِ النّقطةِ، يستخدمُ دوكينز مغالطةَ " الإحتكامِ إلى الجهلِ " فيتّخذُ مِن " غيابِ الدّليلِ " ، دليلاً، يقولُ الفرنسيّونَ : " الجهلُ ليسَ دليلاً على شيءٍ إلّا على أنّنا نجهلُ"(1)!

     ويُفسّرُ الفيلسوفُ البريطاني أنتوني جون باتريك – كيني، لماذا الإلحادُ غيرُ مُبرّرٍ مُطلقاً، فيقولُ: إظهارُ أنّكَ تعرفُ يتطلّبُ جُهداً أكبرَ مِن إظهارِ أنّكَ لا تعرِف، ويضيفُ: هذا أيضاً لا يُخلّصُ اللا أدري منَ الورطةِ، فالمُتقدّمُ للإختبارِ يُمكنُه تبريرُ عدمِ معرفتِه بإجابةِ أحدِ الأسئلةِ؛ لكِن هذا لا يمنحُه القُدرةَ على النّجاحِ واِجتيازِ الإختبار(2)

     والمفارقةُ أن دوكنز الذي قدّمَ هُنا "خمسةَ أسبابٍ" على عدمِ وجودِ إلهٍ! يقولُ في مُناظرتِه معَ جورج بيل : " لن تجدوا أيّ عالمٍ مِن أيّ اِتّجاهٍ عقليّ يُمكنُ لهُ أن يُبرهنَ لكُم على عدمِ وجودِ أيّ شيءٍ، ليسَ باِستطاعتي أن أُثبتَ عدمَ وجودِ إله"(3)

التّطوّرُ بديلاً عنِ التّصميم!

2ـ يضيفُ دوكنز : " حُجّةُ التّصميمِ القائلةِ بأنّ الأشياءَ تبدو وكأنّها صُمّمَت بشكلٍ جميلٍ كالموزِ والتّفاحِ والبشرِ والكنغرِ وإلخ وهيَ تبدُو وكأنّها مُصمّمةٌ لأنّها ناتجُ عملِ الإنتخابِ الطّبيعيّ الدّارويني فهوَ الذي يجعلُها تبدو وكأنّها مُصمّمةٌ ، هوَ يُنتجُ نُسخاً شبيهةً جِدّاً بالتّصميمِ ".

التّعليقُ:

داروِن نفسُه، لَم يكُن يرى ثُنائيّةَ: ( إمّا التّصميمَ – أو نظريّةَ التّطوّر) على أنّها مانعةُ جمعٍ، وثُنائيّةٌ إستقطابيّةٌ، وحينَ ذُكرَ ذلكَ لدُوكينز أثناءَ مُناظرتِه معَ الكاردينال جورج بيل، ردَّ: هذا غيرُ صحيحٍ!، فأرجعهُ الكاردينال للصّفحةِ [92] مِن سيرةِ داروِن، لمَ ينبِس دوكِنز ببنتِ شفة(4) وهذا الجزءُ مِن كلامِ الكاردينال_ للأسفِ_ لمَ يُسجِّل في كتابِ: حوارات سدني(5)  وحينَ سألتُ المُترجمَ عَن ذلكَ، برّر: أنّهُ قَد ترجمَ المُناظرةَ مُحرّرةً على موقعِ دُوكينز نفسه!

يؤكّدُ هُنا دوكنز : (بأنّ الأشياءَ تبدو وكأنّها صُمّمَت ) وفي مكانٍ آخرَ بعدَ أن يقولَ أنّنا أكثرُ الأشياءِ تعقيداً في هذا الكونِ يُعرّفُ علمَ الأحياءِ والبيولوجيا: " دراسةُ الأشياءِ المُعقّدةِ التي تُعطي مظهراً بأنّها قَد صُمّمَتْ لهدفٍ"(6)  فما الذي يجعلهُ يتركُ ما تبدو عليهِ الأشياءُ وما تُوحي بهِ غيرُ "الإلحادِ الدّوغمائي"؟!

دوكنز لا يُفرّقُ بينَ الآليّةِ التي تعملُ مِن خلالِها الطّبيعةُ ، والفاعليّةُ وراءَ هذهِ الآليّةِ وأنَّ العلمَ الطّبيعيّ معنيٌّ بدراسةِ الأسبابِ والعللِ القريبةِ المادّيّةِ المُرتبطةِ بالإجابةِ عَن سؤالِ "كيف"؟ ولا علاقةَ لهُ بالأسبابِ البعيدةِ والعِلّةِ (الفاعليّةِ والغائيّةِ) المُجيبةِ عَن سؤالِ مَــن ولِماذا ؟

كتبَ لينوكس: الفكرةُ القائلةُ أنَّ مفهومَ اللهِ والتّطوّرِ البيولوجي يُلغي كلٌّ مِنهُما الآخرَ تعني أوّلاً : أنَّ اللهَ والتّطوّرَ يندرجانِ تحتَ فئةٍ تفسيريّةٍ واحدةٍ ، ولكنَّ هذا خطأٌ بيّنٌ ، هذهِ الفكرةُ تنطوي على خطأٍ تصنيفيٍّ، فنظريّةُ التّطوّرِ تدّعي كونَها آليّةً بيولوجيّةً ، ومَن يُؤمنُ باللهِ يعتبرونَهُ فاعِلاً يُصمّمُ ويخلقُ الآليّاتِ ، إنَّ فهمَ آليّةِ عملِ سيّارةِ فورد لا يعُدُّ بذاتهِ حُجّةً تُبيّنُ أنّ مستِر فورد نفسَه غيرُ موجودٍ فوجودُ الآليّةِ لا يُعتبرُ في ذاتِه حُجّةً تُثبتُ عدمَ وجودِ فاعلٍ صمّمَ هذهِ الآليّةَ .

     ولئِن أصرَّ على إحلالِ الإنتخابِ الطّبيعي محلَّ التّصميمِ الذّكي فيما يبدو بظاهرِه مُصمّماً،(يعني في الحياةِ على هذا الكوكبِ وحسب) فـإنَّ الضّبطَ الدّقيقَ في الكونِ كما ينصُّ، يقولُ عالمُ الفلكِ البريطاني إدوارد هاريسون (ت2007م): يقدّمُ دليلاً مبدئيّاً بديهيّاً على وجودِ تصميمٍ إلهيّ، فلتحسِم إِختياركَ : إمّا صُدفةٌ عمياءُ تتطلّبُ كثرةً منَ الأكوانِ أو تصميمٌ يتطلّبٌ كوناً واحِداً(7).

التّجربةُ الدّينيّة:

3ـ  " والأسبابُ الأخرى مثلَ زعمِ البعضِ أنّهم يمتلكونَ تجربةً شخصيّةً أو تجربةً ذاتيّةً عنِ الله، حسناً: نحنُ نعرفُ سهولةَ اِنخداعِ النّاسِ وسهولةَ تعرّضِهِم للهلوسةِ وسهولة توهّمِهم وسهولةَ رُؤيتِهِم للأحلامِ " إنتهى.

التّعليقُ:

مِن حقِّ دوكنز أن يقولَ: إنَّ هذهِ التّجربةَ الشّخصيّةَ معَ اللهِ لا تُلزِمُ إلّا صاحبَها، تماماً كالشّعورِ بالعطشِ أو الألمِ أو السّعادةِ.. وغيرِها مِن مشاعِر،  لكنَّ تكذيبَها كما تكذيبِ المشاعرِ وسائرِ التّجاربِ الشّخصيّةِ أمرٌ غيرُ واردٍ، بَل قبيحٌ، نعَم، قَد لا يكونُ الآخرونَ مُلزمينَ بإحضارِ المُسكّناتِ وأنتَ تُخبرُهم عَن وجعِ ضرسكَ، أو أن يستشعرُوا معكَ الطّمأنينةَ والسّعادة، لكِن، تخيَّل _بدلاً عَن ذلكَ_ أن يُقالَ لكَ وأنتَ في تلكَ الحالِ فِعلاً: أنتَ تكذِب، أو هذا مُجرّدُ وهمٍ وهلوسةٍ!

ما أُريدُه بإيجازٍ: أنَّ المشاعرَ والتّجاربَ الشّخصيّةَ لا تُكذّبُ، ليسَ لحقّانيّتِها أو صِدقِها بالضّرورةِ؛ إنّما لأنّها تخضعُ لمعاييرِ التّصديقِ والتّكذيبِ، سيّما تلكَ التي لا يعرفُ غيرَها دوكِينز!، ومعَ هذا، عليكَ أن تُحقّقَ في مقولةِ: لا مُلحدينَ في الخنادِق !

مِن أينَ جاءَ الإلهُ ؟!

4ـ  ويواصلُ مُتسائِلاً  :"¬¬¬¬ حُجّةُ المُسبّبِ الأوّلِ تُفنّدُ نفسَها بنفسِها لأنّكَ إن اِفترضتَ أنَّ الإلهَ هوَ المُسبّبُ الأوّلُ ستواجهُ صعوبةً كبيرةً في أن تُفسّرَ مِن أينَ جاءَ الإله ؟ "

التّعليق:

والجوابُ وتماهياً معَ سؤالِه : جاءَ مِن إلهٍ آخرَ قبله ، وحينَ يعاودُ السّؤالَ يعودُ الجوابُ ذاتُه: خلقهُ إلهٌ آخرُ، وهكذا دواليكَ، إلى أن ننتهي إلى إلهٍ خالقٍ غيرِ مخلوقٍ ، مُوجِدٍ غيرِ مُوجَدٍ ، عِلّةٍ غيرِ معلول ، سببٍ لا سببَ لهُ ، موجودٍ وجودُه عينُ ذاتِه والذّاتيّ لا يُعلّلُ وكُلُّ ما بالغيرِ لابُدَّ أن ينتهِيَ إلى ما بالذّاتِ.

     ويجدرُ الإهتمامُ في هذا السّياقِ ما قالهُ ماكغراث، مِن أنَّ الغايةَ الأسمى منَ العلومِ الطّبيعيّةِ هيَ السّعيُ مِن أجلِ " النّظريّةِ المُوحّدةِ العُظمى – نظريّةُ كُلِّ شيءٍ " فـلِـمَ نظريّةٌ كهذهِ تُعدُّ بتلكَ الأهمّيّةِ؟ لأنّها تُفسّرُ كُلَّ شيءٍ دونَ الحاجةِ إلى أن يكونَ مَطلوباً تفسيرُها بذاتِها ، وينتهِي المسارُ التّوضيحيُّ ههُنا فتنتفِي الحاجةُ إلى التّراجعِ اللّانهائي بُغيةَ التّفسيرِ(8).

رهانُ باسكال:

5ـ يختمُ دوكِنز: "رهانُ باسكال القائلُ بأنّهُ مِن مصلحتِكَ الرّهانُ على وجودِ إلهٍ لأنّكَ إن لَم تفعَل ستذهبُ إلى الجحيمِ ، هذهِ حُجّةٌ سخيفةٌ لأنّها تفترضُ أنّك تعلمُ أصلاً أيُّ إلهٍ هوَ الإلهُ الحقُّ ".

التّعليقُ:

هناكَ الكثيرُ ممّا يُمكنُ أو يجبُ أن يُقالَ بشأنِ رهانِ باسكال ، لكِن بإيجازٍ : رهانُ باسكال ليسَ حُجّةً تُثبتُ وجودَ إلهٍ موضوعيّاً ليُدرجَ هُنا، وإنمّا يُجادلُ بهِ_ براغماتيّاً_ قضيّةُ الإلحادِ وعدمُ وجودِ إلهٍ ويفيدُ أنّها بمنطقِ الرّبحِ والخسارةِ قضيّةٌ مُعرّضةٌ للخسارةِ الأبديّةِ مُقابلَ الإيمانِ الذي لا خسارةَ أُخرويّةَ معهُ على كُلِّ حالٍ .

على أنَّ عُنوانَ حديثِ دوكنز كانَ " عدمُ وجودِ إلهٍ " ذلكَ الإلهُ الذي يُعبّرُ عنِ المبدأِ الأزليّ لسائرِ الموجوداتِ ، لكنّهُ هُنا راحَ يُجادلُ فكرةَ " الإلهِ الحقِّ " مُوهِماً المُتابعَ أنَّ تعدّدَ أسمائِه وصفاتِه بحسبِ الأديانِ والمذاهبِ يعنِي بالضّرورةِ تعدّدَ ذاتِه ، وكأنَّ رهانَ باسكال جاءَ ليُرجّحَ منظوراً دينيّاً مُحدّداً للإلهِ على آخر !

الهوامش:

(1) للتّفصيلِ أكثَر يُراجع كتابُ :  المغالطاتُ المنطقيّة ، للدّكتور عادِل مُصطفى ص239 ط1: القاهرة ، المجلس الأعلى للثقافة ، 2007 م.

(2) أنتوني فلو -  هُناك  إلهٌ - كيفَ غيّرَ أشرسُ مُلحدٍ رأيه ؟  ، ص75 ، ترجمة : د. صلاح  الفضلي.

(3) ريتشارد دوكنز - حواراتُ سدني ص27 ط : دارُ سطور ، الطّبعة الأولى : 2017 ، ترجمةُ : قيس قاسم العجرش .

(4) جاءَ ذلكَ في الدّقيقة [29] منَ المُناظرةِ المَنشورةِ على الإنترنِت والمُترجمةِ بعنوانِ : هَل الإيمانُ بالدّينِ يجعلُ مِن العالمِ مكاناً أفضَل؟ مُناظرةٌ بينَ ريتشارد دوكنز وجورج بيل .

(5) المصدرُ السّابق - حواراتُ سدني ص37 .

(6) دوكينز- صانع السّاعاتِ الأعمى ص21 ، دارُ العين للنّشر ، الطّبعةُ الثّانية : 2002 ،  ترجمةُ : د . مصطفى ابراهيم فهمي.

(7) جون ليونكس_العلمُ ووجود الله ص61 وما بعدها.

(8) ليستر إدغار ماكغراث  - وهم دوكنز ،  الأصولية الملحدة وإنكار الإله ص28

المرفقات