لماذا خلق الله الانسان الكافر مع انه سوف يدخل النار ؟

قلما شاهدنا من هم على غير دين الإسلام، ولم نكترث في الحال التي سيؤول اليها مصيرهم، إذ أن المرتكز في أذهان الموحدين أن حسن العاقبة سيكون من نصيبهم وحكراً عليهم، فعلى هذا الأساس نقول إذن ما هي الغاية من خلق الغالبية من البشر مع الجزم بأن مصائرهم ستكون الى العذاب والشقاء في الدار الآخرة مع إعتقادنا بأن الخالق تبارك وتعالى حكيم، والحكيم لابد أن يكون لفعل مثل ما نحن فيه وجه حكمة، فما هي الحكمة في إدخال أغلب البشرية الى النار وهم الغالبية الساحقة ؟

في الواقع نجد أن هذه الإشكالية قد رتبت على شكل مجموعةٍ منَ المُقدّماتِ، كالتالي :

أوّلاً: اللهُ يعلمُ بأنّ الكافرَ سوفَ يدخلُ النّار. 

ثانياً: اللهُ خلقَ الإنسانَ مِن أجلِ العبادةِ والكافرُ لا يعبدُ فوجودُه لا يُحقّقُ الغايةَ. 

ثالثاً: إذا جمعنا بينَ النّقطةِ الأولى والثانية، وهيَ أنَّ اللهَ يعلمُ بأنّ الكافرَ سوفَ يدخلُ النّار، كما أنّه يعلمُ بأنّه لا يكونُ عابداً تصبحُ النتيجةُ الأولى عدمَ خلقِه منَ الأساسِ. 

رابعاً: الإشكال مبني على أنّ عدمَ خلقِ الكافرِ أرحمُ لهُ مِن أن يُخلقَ ثمّ يدخلُ النّار.

 بالنّسبةِ للنّقطةِ الأولى: يرتكزُ الإشكالُ على وجودِ علمٍ مُسبقٍ للهِ تعالى بدخولِ الكافرِ للنّار، ويكونُ الإشكالُ المُترتّبُ على هذه النّقطةِ صحيحاً إذا كانَ علمُ اللهِ المُسبق هوَ المُتسبّب في دخولِ الكافرِ إلى النّار، بحيثُ يكونُ العلمُ مساوياً للإرادةِ، أمّا إذا كانَ العلمُ غيرَ الإرادةِ بمعنى أنّ علمَه تعالى بدخولِه إلى النّار مُختلفٌ عن كونِ اللهِ مُريداً لهُ ذلك، فحينَها لا يمكنُ ترتيبُ الأثرِ على العلمِ المُسبقِ بحرمانِ الإنسانِ مِن تحديدِ مصيرِه بنفسِه، فبالنّسبةِ للإنسانِ تتساوى فرصُ دخولِ الجنّةِ والنّارِ فلا يمنعُ مِن دخولِ هذهِ التّجربةِ طالما إمكانيّةُ دخولِ الجنّةِ مُتاحة بالنّسبةِ له، وعلمُ اللهِ المُسبقِ ليسَ قدراً حتماً عليهِ بحيثُ يُجبرُه على دخولِ النّارِ رغماً عَن أنفِه؛ وذلكَ لكونِ علمِ اللهِ المُسبقِ ليسَ علّةً أو جُزءَ علّةٍ بالنّسبةِ لعملِ الإنسانِ وإرادتِه.

النّقطةُ الثّانية: هذه النقطة مبنية على إفتراض خاطئٍ وهوَ: أنّ عبادةَ الإنسانِ هي السّببُ المُوجبُ لخلقِه، وعدم عبادتِه تعني إنتفاءَ السّببِ وبالتالي إنتفاءَ خلقِه، وغفلَ السّائلُ عنِ الفرقِ بينَ السّببِ على نحوِ العلّةِ الموجبةِ والسّببِ على نحوِ الغايةِ والهدفِ، ومثالٌ للفرقِ بينَهما يمكنُنا أن نقولَ إنَّ المُهندسَ المسؤولَ عن بناءِ المباني هو السّببُ الموجبُ لوجودِ المدرسةِ، أمّا التعليمُ والدّراسةُ فهيَ الغايةُ والهدفُ منَ البناءِ، وعليهِ فإنّ هناكَ أمرانِ، الأوّلُ: خلقُ الإنسانِ. والثاني: هوَ عبادةُ الإنسانِ. والأوّلُ مُعلّقٌ بإرادةِ اللهِ، والثّاني مُعلّقٌ بإرادةِ الإنسانِ، فمنَ اللهِ الخلقُ ومنَ الإنسانِ العبادةُ، وعدمُ تحقّقِ إرادةِ الإنسانِ لا يعني أبداً عدمَ تحقّقِ إرادةِ اللهِ، فإرادةُ الإنسانِ موقوفةٌ على إرادةِ اللهِ (وهيَ خلقُ الإنسانِ المُريد)، إلّا أنَّ إرادةَ اللهِ غيرُ متوقّفةٍ على إرادةِ الإنسانِ في العبادةِ أو عدمِ العبادةِ. بالتالي لا ربطَ بينَ إنتفاءِ الغايةِ وبينَ خلقِ اللهِ للإنسان.

النّقطةُ الثّالثة: ترتكزُ هذهِ النّقطةُ على وجودِ رابطٍ بينَ النّقطةِ الأولى والثّانية ومِن ثمَّ إستنتاجِ قضيّةٍ ثالثة، إلّا أنَّ هذا الرّبطَ لا يصحُّ لعدمِ وجودِ علاقةٍ بينَ الأمرين، فالنّقطةُ الأولى لها علاقةٌ بعلمِ اللهِ السّابق، والنّقطةُ الثانيةُ لها علاقةٌ بإرادةِ الإنسانِ، ولا ربطَ بينَ علمِ اللهِ وبينَ ما يفعلُه الإنسانُ بإرادتِه، وإنّما يصحُّ الرّبطُ إذا قُلنا أنّ اللهَ خلقَ الإنسانَ ليختبرَه والإنسانُ مخلوقٌ لهُ إرادةٌ، والعلاقةُ بينَ الأمرينِ تكونُ واضحةً، فالخلقُ منَ اللهِ والعملُ منَ الإنسانِ، وبالتالي تكونُ الأولويّةُ هيَ خلقُ الإنسانِ ليخوضَ غمارَ هذا الإختبارِ وليسَ الحُكمَ عليهِ قبلَ خوضِ التّجربةِ. والخطأ الذي وقعَ فيهِ السّائلُ هوَ إعتقادُه بأنّ علمَ اللهِ السّابق هوَ حكمٌ عليهِ قبلَ خوضِ التّجربة، وهذا غيرُ صحيحٍ، فهُناكَ فرقٌ بينَ علمِه السّابق وبينَ كونِ اللهِ مُريداً له دخولَ النّار.

النّقطةُ الرّابعة: وهيَ مبنيّةٌ على حُكمِ العاطفةِ التي ترى تعذيبَ الكافرِ في النّار مِن غيرِ أن ترى الفرصَ التي أضاعَها والأعمالَ القبيحةَ التي فعلها، ولذا نجدُ أنَّ الكافرَ وهو يتعذّبُ في النّارِ لا يقولُ لماذا خلقتَني وإنّما يقولُ ربّنا أخرِجنا لنعمَل صالِحاً، لأنّهم يعلمونَ أنَّ النّارَ التي يتعذّبونَ بها ليسَت إلّا أفعالَهم التي صنعوها بأيديهم، قالَ تعالى: (وَهُم يَصطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخرِجنَا نَعمَل صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعمَلُ ۚ أَوَلَم نُعَمِّركُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) فما أصابَهم مِن عذابٍ هو نتاجُ فعلِهم الإختياريّ والمُتسبّب فيه هو إرادتُهم الخاصّةُ ولم يكُن لعلمِ اللهِ أيُّ دخلٍ بما أصابَهم. وعليهِ مِن واقعِ الشّفقةِ والرّحمةِ بهم بعثَ اللهُ الأنبياءَ والرّسلَ لتحذيرِهم وتنبيهِهم مِن ذلكَ اليومِ، فالرّحمةُ بهم حاصلةٌ ومُتحقّقةٌ عندما بيّنَ لهُم وأرشدَهم وهداهم إلى طريقِ الجنّةِ، أمّا بعدَ وقوعِ النّتيجةِ وانتهاءِ الفُرصةِ لا يكونُ هناكَ موضوعٌ للرّحمةِ منَ الأساس.

وتلخيصُ كل ما تقدم في أننا نقول : أنَّ اللهَ أوجدَ الإنسانَ وكلّفَه بلزومِ طريقِ الحقِّ وتجنّبِ طريقِ الباطلِ، ثمّ زوّدَه بكلِّ الإمكاناتِ التي تؤهّله لهذهِ المهمّة، بالتالي الإنسانُ هوَ الكائنُ الوحيدُ الذي يمكنُه أن يختارَ لنفسِه ما يحبُّ أن يكونَ عليه في الدّنيا والآخرة، وإذا مثّلنا الدّنيا بقاعةٍ كبيرةٍ يجتمعُ فيها جميعُ الطّلبةِ مِن أجلِ الإمتحانِ، حينَها نفهمُ أنَّ العدالةَ ستكونُ القيمةَ الحاكمةَ فلا يجوزُ التّمييزُ بينَ المُمتحنينَ بَل يجبُ أن تتساوى أمامَهم الفُرصُ، ولا يحقُّ للمُشرفِ أن يمنعَ البعضَ لعلمِه المُسبقِ بفشلِهم في الإمتحانِ، لأنَّ حينَها يصبحُ ترتيبُ الأثرِ على العلمِ المُسبقِ ظلماً يتناقضُ معَ العدالةِ، كما يتناقضُ معَ الحِكمةِ الأساسيّةِ مِن عقدِ هذا الإمتحانِ منَ الأساسِ، فلو كُنّا نعلمُ يقيناً أنّ أحدَ المُمتحنينَ سوفَ يرسبُ في الإمتحانِ فإنَّ ذلكَ لا يُعطي المُشرفَ المسوّغَ القانونيّ بمنعِه مِن دخولِ قاعةِ الإمتحانِ، كما لا يكونُ مرضياًّ من وجهةِ نظرِ الطّالب نفسِه، وعليهِ فإنَّ العدالةَ تقتضي جعلَ الفُرصةِ أمامَه مفتوحةً وهوَ الذي يُقرّرُ ما يريدُ إن كانَ نجاحاً أو فشلاً. 

وفي المُحصّلةِ لابُدَّ أن نؤكّدَ على أنّ فعلَ الإنسانِ في هذهِ الدّنيا مُتعلّقٌ بإرادتِه، وبالتّالي هوَ المسؤولُ عَن كُلِّ ما يصدرُ منهُ إن كانَ خيراً يثابُ عليهِ وإن كانَ شرّاً يحاسب عليهِ، أمّا علمُ اللهِ المُسبق بما يفعلُه الإنسانُ فلا علاقةَ لهُ بنفسِ حدوثِ الفعل منَ الإنسانِ، فكونُ اللهِ عالماً به لا يعني أنَّ اللهَ هو الذي يفعلُه نيابةً عنِ الإنسانِ، فاللهُ لا يتدخّلُ بالتّصرّفِ في إرادةِ الإنسانِ واختيارِه إعتماداً على علمِه المُسبقِ، فلو تنبّأ أحدُهم بسقوطِ مبنىً منَ المباني في يومٍ مُحدّدٍ وفي وقتٍ مُحدّدٍ، ثمَّ سقطَ بالفعلِ في نفسِ الوقتِ الذي حدّده فهَل هذا يعني أنّ علمَه السّابقَ هو الذي أسقطَ المبنى؟ وهَل يسمحُ لهُ علمُه المُسبقُ بالتدخّل في عملِ المُهندسِ المُشرفِ على المبنى؟ بالطّبعِ إنَّ العلمَ المُسبقَ لا علاقةَ لهُ بحدوثِ الفعلِ في الخارجِ ولا أثرَ له، كما لا يُعطي صاحبَه المُبرّرَ بالتّدخّلِ في عملِ الآخرينَ، فلو قُلنا مثلاً أنّ اللهَ كانَ يعلمُ بأنَّ فلاناً سيرتكبُ جريمةَ قتلٍ، فهذا لا يعني أنّ علمَه المُسبقَ هو الذي حرّكَ القاتلَ وجعلَه يرتكبُ الفعَل، مُضافاً إلى ذلكَ ليسَ منَ الحكمةِ التدخّلُ بمنعِه عَن فعلِه طالما كانَت الحياةُ عبارةً عن قاعةِ الإمتحانِ، والإنسانُ لم يُخلَق في الدّنيا إلّا لاختبارِه وامتحانِه، وعلم المُشرفِ بمُجرياتِ هذا الإمتحانِ وما فيه وما يترتّب عليه لا يُبرّر تدخّله بالتّصرّفِ في إختياراتِ المُمتحنين.

المرفقات