150 ــ حسن التاروتي: توفي (1250/ 1835 م)

قال من قصيدة تبلغ (68) بيتا:

هذاكَ أطعمهمْ ببدرٍ مُـمـقراً *** وبـ (كربلا) هذا أغصَّ المشربا

يا من أباحَ حِمى الطفوفِ بعزمةٍ * ما كان في خُلدِ اللقا أن تغلبا

وأعادَ أعطافَ السيوفِ كسيرةً يومَ الضرابِ وفلَّ منها المضربا

الشاعر

حسن بن محمد بن مرهون التاروتي القطيفي، شاعر مجيد يمتاز بشاعرية قوية وأصيلة ولد في جزيرة تاروت في البحرين ونُسب إليها قال عنه الشيخ علي البحراني: (هو من شعراء أهل البيت (عليهم السلام) ومادحيهم له الشعر البليغ الجيد) ... ثم يذكر مطلعي قصيدتيه البائية والعينية ويقول: (إنه أبدع وأغرب فيهما بل قلما يوجد في المراثي مثلهما) (1)

ويقول عنه السيد جواد شبر: (من نوابغ الشعراء، اشتهر بجودة الشعر، جزل اللفظ جيد السبك، ولعلك تعجب إذا علمت بأنه كان يصيد السمك ويمتهن ذلك ويقوت من الزراعة والسقاية ويتحدث الناس عنه بأنه كان مضيافاً سخي النفس كما كان جميل الوجه حسن الصورة ....) (2)

شعره

قال من قصيدته العينية في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) وتبلغ (71) بيتاً:

سلّي أن جهلتِ ولـمَّـا تـعـي *** بأن ابـنَ فاطمةٍ قد نُعي

غـداةَ رأى الدينَ فـي خاملٍ *** يـجـرُّ قـنـاهُ ولـم يـرفـعِ

وداعٍ دعاهُ ائـتـنـا لـلـهدى *** ولـم يـكُ هـيَّـابـةً إذ دُعِـي

ومـن حولِـه تبَّـعٌ إن دعـا *** فـمـا حِـمْـيَـرٌ مـن دعا تُبَّعِ

كـأنَّ الـنجـومَ بـهمْ تهتدي *** إذا حـلّـهـا البدرُ في مطلعِ

فـحلَّ بوادي الندى لم يجدْ *** أخـا ثـقـةٍ فـيـه لـم يـخـدعِ

فما اسطاعَ من بينهمْ مرجعاً وما كان فـي الأمرِ بالمرجعِ

فقالوا: أطعنا يزيداً فكن *** لـه طـائـعاً وامضِ في مهيعِ

فـقـالَ: أطـعـتمْ ولمَّا أطع *** لـه وسـمـعــتـمْ ولـم أسـمعِ

أبى اللهُ يخضعُ جيدي له *** وسـيـفي بكفِّي وجدِّي معي

فباتَ وباتوا ومـن بـيـنـهـمْ *** مـواعـدة الـقرعِ بالأقرعِ

فـوطـا قـلوبَ ذويه عـلى *** لـقـا أروعٍ فـي تقـى أورعِ

فمذ دعتِ الحربُ أقرانَها *** وقـارنتِ العضبَ بالأخدعِ

رأيـتَ أولـئـك من دارعٍ *** يــؤمُّ الــهــيـاجَ ومن أدرعِ

دعوا للرماحِ ألا فاشرعي * وبـيضِ الصفاحِ ألا فاقطعي

ويا خيلنا قد أعدتِ الدجى *** فـغـيـبـي بـه تارةً واطلعي

فوفّـى الذمامَ وأعلى الوفا *** نـفـوسٌ أسـيلتْ على اللمَّعِ

وظلَّ فتىً لم تهله الألوف *** ولا بـالـفروقةِ في المجمعِ

يـردُّ الــكــمـاةَ كـذي لـبـدةٍ *** أغـــارَ بـــســائـمـةٍ رُتَّـعِ

ومنها:

إذا لمعتِ نارُ طورِ الغريِّ *** فأنتَ بوادي طوىً فاخلعِ

وصَلِّ وسلّمْ وصِلْ واستلمْ *** لقدسِ أبي الحسنِ الأنزعِ

ونادِ وقلْ يا زعيمَ الصفوفِ *** ويا قطبَ دائرةِ الأجمعِ

قعدتَ وفي الطفِّ أمُّ الخطوبِ * تقعقعُ في ضَنكِ الموقعِ

جثتْ فجثا بـازاهـا بـنـوكَ *** عـلـى رُكَـبٍ قط لم ترفعِ

فـلـمَّا تضايقَ مدُّ السيوفِ *** كمشتبكِ الأصبعِ الأصبعِ

أبيدوا فـغـصـتْ بهـمْ بقعة *** بها غصَّ منهم فمُ الأبقعِ

أثرْ نقعَها فحسينٌ قصي *** لها رغـبـة العينِ والمسمعِ

فـقُـمْ فـانـتـظارُكَ مـمدودة *** وغـلّـة أحـشـاهُ لـم تـنقـعِ

وقد وترته أكفُّ التـراتُ *** فـأغـرقتِ الرميَ بالمنزعِ

وقال من (بائيته) في أهل البيت (عليهم السلام):

أضــنــتــنــيَ الأعـــبــــاءُ إلا أنـنـي *** مـتـمـسِّـكٌ بـولاءِ أصـحـابِ الـعـبـا

قــومٌ جـعـلـتُ ولاءهــمْ ومـديـحَـهـم *** هـذاكَ مـعـتـصـمـاً وهـذا مـكـسـبـا

أنـــوارُ قــدسٍ حــيـــث لا فــلــكٌ يــدورُ ولا نـدى صـبـحٍ يُـعـاقـبُ غـيـهـبـا

ومـــهــلــلــيــنَ مــكـبِّــريـنَ وآدمٌ *** مــن مــائــه والــطــيـنُ لـن يـتـركّـبـا

نــزلَ الكتابُ عـلـيـهـمُ فـقـضـوا به *** وأبـانَ فـضـلـهـمُ الـعـظـيـمَ وأعـربا

ســـلّـوا لـه سـيـفـاً وقـادوا مـقـنـبـاً *** فـعـلـوا بـمـا فـعـلـوا ونـافـوا مـقـنـبـا

حازوا العلى فاقوا الملا شرعوا الهدى بلوا الصدى نصبوا الحبا لزموا الإبا

مـا لـلـثـنـاءِ عـلـيـهـمُ وبــمــدحــهـمْ *** طـه تــنــوِّهُ والــمــثـــانــي والـنـبـا

سَـلْ عـنـهـمُ الأعـرافَ والأحـقـافَ والأنـفـالَ واسـأل هـل أتـى واسـأل سـبا

يـغـنـيـكَ قــولُ اللهِ عــن ذي مــقـولٍ *** ومــديــحُــه عــمـنْ أطـالَ وأطنبا  

حـسـدوهـمُ نـيـلَ الـمـعـالـي إذ غـدوا *** أعـلى الورى نسباً وأعلى منصبا

ما ذنـبُ أحـمـدَ إذ أتـى بـشـريـعـةٍ *** هـلّا أتـوا أصـفـى الـشـرائـعِ مشربا

ومنها في حديث الغدير:

ورضوا بما قد قالَ في خمٍّ وقد *** نصبَ الحدائجَ ثم قامَ ليخطبا

فـدعـا عـلـيـاً قـائـلاً مـن كـنـتُ مـولاهُ فـذا مـولاهُ طـوعـاً أو إبـا

ما زالَ حتى بانَ من أبـطـيهِما *** بـلـجٌ أراهُ الـجـاحـدَ الـمُتريِّبا

ولووا بـبـيـعـتِـه عـلـى أعناقِهم *** حـبـلاً بآفةِ نقضِهم لن يقظبا

والله لو أوفـوا بـها لـتـدفّـقـتْ *** بـركـاتُـها غـيـثـاً عليهم صيِّبا

لو لم يحلوا عهدَها حـلَّ الـعـهـادِ بـهـا وما اعتاضوا جهاماً خُلبا

من عاذري منهمْ وقد حسدوا بها *** أولى البرية بالنبيِّ وأقربا

ومنها في صفات أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضائله:

الحاكمُ العدلُ الرضيُّ المرتضى العالم العَلَمُ الوصيُّ المجتبى

أسـمـاهـمُ مجداً وأزكى محتداً *** وأعـفُّـهـمْ أمَّاً وأكرمهمْ أبا

وأبـرُّهم كـفّـاً وأنـداهـمْ يـداً *** وأسَـدّهـم رأيـاً وأصدقهمْ نبا

وتقدّموه بها ولم يتقدّموا *** لما رأوا عمرو بن ودِّ ومرحبا

في يوم جدَّلَ ذا وذاكَ بضربةٍ *** لا خـائفاً منها ولا مترقّبا

عدلتْ ثوابَ العالمين وبوَّأتْ *جمعَ الضلالةِ خاسراً ما ثوِّبا

وأبيهِ لولا بسطة من كفِّه *** دخـلوا بها ما أخرجوهُ مجلببا

وتهضموهُ كاظماً حتي قضى في فرضهِ بمهندٍ ماضي الشبا

ومنها في سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام):

ودعوا إلى حربِ الحسينِ مضلّة الأهـواءِ فاتبعوا الـسـوادَ الأغلبا

فأتوهُ لم يرضَ الهوادةَ صاحباً  فيـهم ولا أعطى الـمـقادةَ مصحبا

في فتيةٍ شرعوا الذوابلَ والقنا *** وتدرِّعوا وعـلـوا جياداً شُزَّبا

من كلِّ مخترقِ العجاجِ تخاله *** فيما أثـارَ مـن العجاجةِ كوكبا

ليثٌ قد اتّخذَ القنا غيلاً كما *** كـانـتْ لـه بيضُ الصوارمِ مخلبا

ورأوا طوالَ السمرِ حين تبوَّأت * عطفاً فـظنّوها الحسانَ إلاكعُبا

عشقوا القصارَ البيضَ لمَّا شاهدوا *بدمِ الفوارسِ خدَّهنَّ مُخضَّبا

حفظوا ذمـامَ محمدٍ إذ لم يـروا *** عـن آلـهِ يومَ الحفيظةِ مَذهبا

بأبي بأفـلاكِ الـطـفـوفِ أهـلـة *** كـانت لها تلعُ البسيطةِ مغربا

بقيَ الحسينُ الطهرُ في جيشِ العدا كالبدرِ في جنحِ الظلامِ تحجّبا

يسطو بعضبٍ كالشهابِ فتنثني **من بأسِهِ كالضأنِ وافتْ أشهَبا

عذراً إذا نكصوا فراراً من فـتى *** قد كان حيدرة الكميّ له أبا

هذاكَ أطعمهمْ ببدرٍ مُـمقـراً *** وبـ (كربلا) هذا أغصَّ المشربا

يا منْ أباحَ حِمى الطفوفِ بعزمةٍ * ما كان في خلدِ اللقا أن تغلبا

وأعادَ أعطافَ السيوفِ كسيرةً يومَ الضرابِ وفلَّ منها المضربا

كيفَ افترشتَ عُرى البسيطةِ هل ترى أن الحضيضَ علا فنالَ الأخشُبا

أو زلزلتْ لما قتلتَ وأرسيتْ  بكَ إذ يخافُ على الورى أن يقلبا

لِمَ لا وقاكَ الدهرُ مولاكَ الذي *** مـا فيه من سببٍ فمنكَ تسبَّبا

هـلا تـرى الـدنـيـا بأنَّكَ عينها *** لِـمَ لا وقـت عـنها لئلا تذهبا

ما للردى لم لا تخطّاكَ الردى **والـخطبُ هلّا عن علاكَ تنكّبا

أترى درى صرفُ الزمانِ وريبِه * ما ذاكَ حجّبه المنونُ وغيَّبا

أتـرى لـه تـرةٌ عـلـيـكَ ولـلـردى *** وتـرٌ فـراقـبه وذاكَ تطلّبا

قُلْ للـمـثـقّـفةِ الجيادِ تحطّمي *** وتبوَّأي بالكسرِ يا بيضَ الظبا

والجارياتُ تـجرُّ فضلَ لجامِها *** قد آنَ بعد صهيلِها أن تنحبا

مَن ذا يـؤمُّ هـيـاجَـها؟ مَن ذا يثيرُ عجاجَها؟ مَن ذا يقودُ المقنبا؟

لا يطلبُ الوفد الثرى وعلى الثرى مثواكَ قد ملأ الترابَ المُتربا

يا محكماتُ البيِّناتِ تشاكلي * قد أمسكَ الداري الخبيرُ عن النبا

قد أظلمَ النادي وضلَّ عن الهدى *** سار نحى منهاجِه وتشعَّبا

مِن أينَ للساري النجا ودليلُه ** في الهالكينَ ونجمُه الهادي خبا

رزءٌ متـى استنهضتُ سلواني له ** والصبرُ ذاكَ أبا، وهذا أنّبا

وحصانُ خدرٍ ما تعوَّدتِ الأسى من قبلِ أن يلجَ الحصانُ المضربا

قامتْ تـردِّدُ رنَّةً لـو أنَّـهـا *** في الـقاسياتِ الصمِّ كانت كالهبا

منهلّـة العـبـراتِ لو لا أنَّها *** جمرٌ لقامَ بها الكلا واخصوصبا

تدعو وقد طافتْ بمصرعِ ماجدٍ *** أبتِ المعالي أن تراهُ مُترِبا

محمد طاهر الصفار

......................................................

1 ــ أنوار البدرين ص ٣٤٩

2 ــ أدب الطف ج 6 ص 214

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار