الفكر الاسلامي من توظيف النص الى بناء الواقع دراسة في صور التفكير الديني عند الامام زين العابدين (عليه السلام)

الاستاذ الدكتور صلاح كاظم جابر

تقوم صناعة الحياة الانسانية بكل مفرداتها على عملية تحويل الفكر الى نتاج سلوكي من خلال التفكير بأنماطه المتعددة. الا ان نوعية الحياة تعتمد بشكل مباشر على عملية توظيف هذا التفكير والهدف المبتغى منه. فاذا علمنا ان عملية التفكير لا تنحصر في قلة قليلة من الناس تمتلك الامكانات العقلية والخلفية المعرفية التي تؤهلها لاستقراء الواقع واستشراف المستقبل. صار لزاما علينا ان نعمل على تقييم ومراقبة نوع المعارف التي يمكن ان تشيع في الحياة الاجتماعية بين افرد مجتمع ما. ومدى ملائمتها لواقع هذه المجتمعات, وتلبيتها للتطلعات المستقبلية المرجوة من تحديد اتجاه وسرعة التغير الاجتماعي في حياة الاجيال المتلاحقة.

الفكر الاسلامي تشكل من خلال منظومة متكاملة ارسى مبادئها القران الكريم والسنة النبوية المطهرة. عملت على بناء مجتمع ناهض بل منطلق. قياسا بما يمتلكه من الامكانات الاجتماعية بأنواعها المتعددة في فترة حياة الكاريزما والحواريين (الرسول (ص) والصحابة). الا ان حتمية التغير الاجتماعي وقصر عمر الانسان بالنسبة الى عمر المجتمع. افرز النصف الثاني من القرن الاول الهجري نماذج فكرية عمل الصراع السياسي المسلح على توظيفها لتحقيق ماربه. على حساب التطلعات الاجتماعية التي رسمتها المنظومة الفكرية. باعتبارها المحدد الاساسي لعملية انتاج السلوك الديني في المجتمع المسلم. لقد عملت الفئة الحاكمة على تسييس الدين من خلال دعم انماط محددة من التفكير. تقوم على اعادة قراءة الفكر الديني بطريقة استغلال الفقر المعرفي. لفرض تعاليم دينية تخدم الاغراض السياسية للطامحين الى السيطرة على إدارة الحياة الاجتماعية. بتولي الحكم في الدولة الناشئة. اتخذت من توظيف المال السياسي وسيلة لحرف المسار الديني عما هو مخطط له الهيا في البناء الاجتماعي. الامر الذي ادى الى استبعاد كفاءات التفكير الناقد عن التاثير في حياة المجتمع. بالتالي نكوصه الى مرحلة الملك العضوض التي تجاوزتها بل رفضتها المنظومة الدينية. ان نسبية الحياة الاجتماعية مقرونة بوجود رواسب فكرية وعقلية كاريزمية فيها. لم تجعل مثل هذه المرحلة تخلو تماما من النمط النقدي من انماط تفكير ديني استلهم المنظومة الفكرية الاسلامية بكل ابعادها الدينية. تمثل بأنماط التفكير التي اتبعها الامام السجاد (ع) لمواجهة هذا الانحراف التفكيري. الذي حاولت اعادة بناء المنظومة الفكرية باتجاه تامين مصالح الحاكم المستبد.  

المقدمة

رغم ان التفكير (Thinking) واحدة من العمليات النفسية التي تجري في العقل الانساني الفردي. بالاعتماد على الخبرات والمعارف والقدرات والمهارات الفردية. الا ان دراسة التفكير الديني يعد واحدا من اهم ميادين علم الاجتماع الديني. لارتباطه المباشر بعملية انتاج السلوك الاجتماعي. وتحديد طبيعة الالتزام به كعادة فردية او اتباعه كعادة اجتماعية. ليتحول الى عرف اجتماعي ومن ثم الى قيمة اجتماعية. على اساس ان التفكير يمثل عملية ادراك ووعي المعارف والخبرات المعرفية والاجتماعية والنفسية. التي تحدد الاطر العامة لهذه العملية ونتائجها في الحياة . يعتمد شيوعها على نشر هذه المعارف وشيوع مصادرها. باستغلال ما تمتلكه من مكانة اجتماعية دينية. اذ يعد الدين المصدر الاهم لاثنين من اهم الحاجات النفسية الفردية والاجتماعية العامة للفرد الانساني. فالأولى تمثل الامان التي تمكن الانسان من العيش حتى بزوغ فجر جديد, والثانية تمثل الاطمئنان والذي يعني الشعور بالرضا عن مسيرة الحياة الفردية الانسانية. فيشعر بذلك انها تستحق ان تعاش. لذا فان كل عمليات التفكير لابد ان تنطوي على محاولة لإشباع احدى هاتين الحاجتين او كلاهما. مهما كانت سمته الاجتماعية (دينية, سياسية, اقتصادية, تربوية, اسرية). فاذا كان الفكر من وجهة النظر الابستمولوجية هو مجموعة المفاهيم والاحكام والنتائج التي تعكس قوانين حركة الاشياء وجوانبها وصفاتها المحددة. التي غالبا ما تكون خارج النطاق الحسي المباشر والروابط الاساسية والعلاقات المتداخلة. فهو يشكل بمجموعه الخبرة الاجتماعية التي تكتسبها الاجيال عن طريق التعليم. ليكون التفكير هو اعادة  تأهيل هذه الخبرات والمعارف من خلال المعالجة العقلية لها. بما يجعلها تلائم واقع الحياة الاجتماعية للأجيال اللاحقة, التي لم تشهد حقيقة التطبيقات العملية للفكر الاسلامي. الذي يعرفه محمد اركون. (على انه مجموع المقولات ونماذج العمل التاريخي ومبادئ توجيه السلوك الفردي المتضمنة في نصوص القران الكريم والسنة النبوية المطهرة. بوصفها العناصر الاساسية للتصور الاعتقاد واشكال الادراك ومحاكمة الاشياء في الاسلام). لتنتج بذلك الاطر العامة للتعبير والتوترات التثقيفية واليات الانتقاء بين القبول والرفض لكل من العقلاني والخيالي. الذي يتم به تصوير واقعيته من خلال استثمار المهارات اللغوية. كالوضع بالنسبة الى الحديث النبوي والتفسير غير المنطقي بالنسبة الى المعاني القرآنية ودلالاتها  

المبحث الاول الاطار النظري

اولا - مشكلة البحث

ان القدسية التي تتميز بها شخصية الامام السجاد (ع) عند جميع المسلمين بشكل عام, وعند الامامية الاثني عشرية بشكل خاص. غطت على الكثير من جوانب حياته الاجتماعية بوصفه مفكرا دينيا اولا. واسوة حسنة في السلوك الديني ثانيا. الامر الذي جعل من كل سلوكياته الاجتماعية وكأنها فرض الهي (الطريقة الجبرية). لا عقلاني اختياري واعي (الايمان المعرفي). بالإضافة الى غمط حق الامام عليه السلام في ابداعاته المعرفية بوصفه وارث علم النبوة, وليس مبدعا في الكثير من عمليات التفكير, والتعامل مع عمومية النص وخصوصية التجربة, او الحدث الديني في زمانه الذي امتد من (61-94)هـ. الامر الذي اهله لتوظيف النص في الواقع الاجتماعي بقياس منطقي سليم, ليضع بذلك اسس الطريق القويم في التعامل مع المستحدثات الاجتماعية في الحياة الدينية لكل عصر وزمان.

ثانيا - اهمية البحث تكمن اهمية البحث في صور التفكير الديني عند الامام السجاد (ع) بالنقاط الاتية:-

التعرف على دور البناء المعرفي للكاريزما (الامام السجاد) في اعادة بناء المعنى الديني بما يلائم واقع الحياة الاجتماعية. التعرف على طريقته عليه السلام في سد طرق استغلال عمومية النصوص الدينية بالتفسيرات التي تبتعد عن الاطر المنطقية للدلالة اللغوية للنصوص في المنظومة الاسلامية. التعرف على الوسائل التي استخدمها للحد من استغلال الفئة السياسية للأيمان الديني البسيط لغالبية افراد المجتمع على حساب البناء الاجتماعي بتوظيف المعارف الدينية. التعرف على انتهاجه سبيل اللاعنف في عملية تمثل التغير من خلال العزل الديني للسلطة السياسية المستغلة دون التصادم معها. الذي كلف المسلمين الكثير من الدماء المقدسة.  

ثالثا - اهداف البحث  يمكن اختصار اهداف البحث في النقاط الاتية

بيان الاسس المنطقية التي تعامل بها الامام السجاد مع المنظومة الفكرية بتوظيفه لدلالات النص الديني. بيان اهمية تجنب التقاطع مع السلطة الغاشمة التي عملت على تشتيت وحدة الوعي الديني عند افراد المجتمع المسلم.  بيان اهمية السلوك الديني المعرفي بتحديد نوعية ونمط الالتزام الديني للافراد في المجتمع المسلم  بيان دور الامام السجاد في محاولته اعادة توحيد الوعي الديني بسعيه الى عدم تحويل الاختلاف الى خلاف ومن ثم صراع ديني بين فئات المجتمع المسلم.

رابعا - تحديد المفاهيم

اولا – الفكر الاسلامي (Islamic Thought)

الفكر في اللغة العربية هو النظر والرؤية عن طريق اعمال الخاطر بالتأمل والتدبر في طلب المعاني.[1]

الفكر ايضا هو سمة مجموعة المبادئ والقوانين الاجتماعية المتفق عليها تاريخيا في الحياة الاجتماعية على انها حقائق تشتمل على كل مفردات حياة الانسان من اول الخليقة حتى اخرها.[2]

الفكر في الفلسفة المادية والتجريبية هو النتاج الاعلى للدماغ كمادة ذات تنظيم عضوي خاص. اما في الفلسفة المثالية فهو كل شيء يشتق من المبادئ الروحية التي تفوق المادة وتفوق وعي الافراد بها.[3]  

الفكر في علم الاجتماع هو نتاج اجتماعي مرتبط من حيث اسلوب بدايته ومنهج قيامه بوظائفه ونتائجه بالعمل والقول يعرف على انه احدى الظواهر العقلية التي تنتج من عمليات التفكير القائم على الادراك والتحليل والتعميم ويتميز عن العاطفة بانه يستند الى التجربة الاجتماعية.[4] 

 اما الفكر الاسلامي كما يعرفه محمد اركون فهو مجموعة العناصر الاساسية للتصور والاعتقاد واشكال الادراك ومحاكمة الاشياء.[5] يستند الى مجموعة من المميزات التي تعد اهم مصادر هذا الفكر ومنها:-

القران الكريم وتجربة المدينة كمنظومة دينية تأسيسية تشكل المصدر الاساسي للنصوص التي تعبر عن المبادئ الفكرية للدين كما تعني بدورها عمليات تهذيب السلوك الاجتماعي للمؤمنين من قبل الرسول (ص) مباشرة. الائمة والصحابة. (الحوارين). رهانات الصراع الديني والسياسي. (نشوء الدولة وتوسع الرقعة الاسلامية على حساب الحضارات المجاورة). تمايز اصول الدين (فقه, شريعة). ظهور العلوم الدينية. مكانة الفلسفة والعلوم العقلية. (عقلنة الدين, الاصلاح الديني, وربط الدين بالفلسفة) المخيال والاسطورة. (توجهات التدين الشعبي واثره في نقل الموروث الاسلامي شفاها).[6]

 

ثانيا - التفكير الديني (Religious thinking)

التفكير بمعناه الواسع عملية البحث عن معنى في الموقف او الخبرة.[7] التفكير في علم النفس هو سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير يتم استقباله عن طريق واحدة او اكثر من الحواس الخمسة اللمس والبصر والسمع والشم والتذوق.[8]

التفكير في علم الاجتماع مجرى معين من المعاني والرموز العقلية التي تثيرها مشكلة او يقتضيها موقف للوصول الى نتيجة ما. وله مظاهر عدة كالتجريد والتصور والاستدلال ويتألف من ثلاث مكونات هي العمليات المعرفية والاستعدادات والقدرات الشخصية وقدرات ومهارات التفكير.[9] اما مفهوم الديني فهو كل يمكن نسبته الى الدين من المعارف الانسانية والعمليات الاجتماعية والسلوكيات الفردية والجمعية يستخدم مع اللفظ المذكر في حين يستخدم مفهوم الدينية مع اللفظ المؤنث.[10]

ثالثا - الامام زين العابدين (ع) 

الامام السجاد هو علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) رابع ائمة الشيعة. ولد في المدينة المنورة عام 36ه لقب بالعديد من الالقاب. انحصرت في وصف الاطار التديني. الذي تميز به الامام زين العابدين, وهو الناجي الوحيد من رجال ال البيت الذين رافقوا الامام الحسين في معركة الطف. تولى امامة المسلمين (راس السلطة الدينية). وهو ابن 25 عام واستمر فيها  33 سنة حتى وفاته عام 94 ه في المدينة المنورة عن عمر ناهز 58 سنة. من اشهر اولاده هما الامام زيد بن علي صاحب الشيعة الزيدية والثورة ضد فساد نظم الحكم في الدولة الاسلامية والامام محمد الباقر خامس ائمة الشيعة الاثني عشرية, والامام اشهر من ان يعرف بهذه السطور.[11]   

المبحث الثاني  (قدرات ومهارات التفكير عند الامام السجاد (ع))

تقديم

التفكير عملية معرفية تمثل عنصراً اساسيا في البناء العقلي - المعرفي للفرد. تكمن مهمته الاساسية في السعي لإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات النظرية والعملية. التي تواجه الانسان في الحياة المتجددة باستمرار نتيجة التغيرات الاجتماعية. الامر الذي يدفعه للبحث عن اجابات وتفسيرات ووسائل جديدة تمكنه من تجاوز هذه الصعوبات والعقبات آنيا ومستقبلا. بما يتيح فرصا للتقدم والارتقاء. يتميز التفكير بطابعه الاجتماعي, وبعمله الذي يعتمد بشكل اساسي على ادراك ووجود منظومة معرفية. تساعد القائم به على التأثير بعناصر البناء الاجتماعي جميعها. تلك التي يتألف منها التفكير بالأصل. أي انه يؤثر ويتأثر ببقية العمليات المعرفية التي تقوم عليها العمليات الاجتماعية في المجتمعات. كما يتأثر التفكير بشكل مباشر بالجوانب المتعددة للشخصية كالجوانب العاطفية، والانفعالية والاجتماعية.

وهنا نجد ان التفكير يتميز عن سائر العمليات المعرفية الاخرى بانه اشدها تعقيدا واكثرها قدرة على النفاذ إلى عمق الاشياء والظواهر والمواقف, كذلك الاحاطة بها في الان ذاته. عندها فقط يتمكن الفرد من استثمار الثروة المعرفية. التي يمتلكها فتسمى في هذه الحالة المعرفة الاجتماعية[12]. والمعلومات المتوفرة في انتاج او اعادة انتاج معارف جديدة. عندها تسمى باجتماعية المعرفة[13]. التي تشير بدورها الى مدى تناسبها وتوافقها مع الحياة الاجتماعية. اذا ما اتسمت عملية التفكير بالموضوعية والدقة والشمول عندها تتسم نتائج هذه العملية بطابع العمومية. نتيجة بنائها بطريقة الاختصار والترميز. التفكير انماط متعددة ومتشعبة يكون اعلاها هو التفكير الناقد (Critical thinking). الذي يعرف بانه نتاج عملية تدريب فكري وادراك وتحليل وتركيب وتقويم المعلومات المأخوذة او المشتقة من الخبرة والملاحظة. (لأنه نتاج عملية التنشئة الاجتماعية). بذلك  يمثل النمط البناء من التفكير. بسبب استمراريته في استثمار التراكم المعرفي. ويعمل على بنائه ايضا. اذ يبنى التراكم على الاحكام المتميزة والتقويم الدقيق للموضوعات. يتلخص التفكير بجمع عناصر الموضوع عن طريق الملاحظة الدقيقة, ثم مناقشتها بواقعية لتكون نتائجه عملية اعادة بناء للفكر بما يلائم الواقع الاجتماعي الجديد[14].

اولا- الاحاطة بمعرفة ماهية الافتراضات والمسلمات

يلجأ الفرد الى التفكير الناقد في تعامله مع المواقف والمثيرات المعقدة التي تتطلب امكانات تفكير متفردة، اذ يدخل هذا النمط من التفكير في الكثير من المجالات الدينية والسياسية والفكرية والعلمية والاجتماعية والأدبية والتربوية. لذا فهو يرتكز بالدرجة الاساس على ادراك الفرد لأهمية توظيف المهارات التي يمتلكها في معالجة التعقيد. الذي تتميز به القضايا التي يتعامل معها. هنا نجد ان الامام السجاد ومن منطلق واجبه الديني وما يتميز به من مكانة دينية واجتماعية عند المسلمين جميعا. استثمر هذا النمط من انماط التفكير ليعمل على الحد من الاضرار الدينية والاجتماعية للأفكار الدخيلة على الاسلام المحمدي والراشدي (الاسلام التأسيسي). فما تعرض له الامام من عملية تنشئة اجتماعية ومعرفية في ان واحد. في بيت النبوة والامامة التي تعد المصادر الاساسية لدين الاسلامي اهلته لهذا النمط من التفكير.[15]

يرى مصطفى مليكان في دراسته لطوائف الشبهات الدينية ان الفكر الديني والتفكير في الدين يمكن ان يقسم الى ثلاثة اقسام تعد المكونات الاساسية للدين ذاته. هي التفكير بالعقائد الدينية، والتفكير بالأخلاق الدينية، والتفكير بالعبادات الدينية, وان التغيرات الاجتماعية التي تحدث في واقع الحياة الاجتماعية للمجتمعات بجميع جوانبها السياسية والاقتصادية والتربوية والاسرية والدينية. بوصفها اهم المؤسسات الاجتماعية المكونة للبناء الاجتماعي في المجتمع الاسلامي في عصر الامام السجاد والمجتمعات الاسلامية اليوم. حتما ستتأثر وبشكل مباشر بتغير الافكار الدينية نتيجة ظهور البدع والمخالفات الدينية المسكوت عنها للحفاظ على وحدة واصالة الدين بالدرجة الاساس كاهم مصادر القيم في هذه المجتمعات.[16]

 اذ تؤثر هذه التغيرات بشكل مباشر في بعضها البعض الاخر الامر الذي خلق مازقا سببته الحاجة الماسة للحفاظ على التوجهات الدينية الاجتماعية العامة الموجهة للحياة فيها. التي تقوم بدورها على فاعلية الاسس الدينية. فعندما تعمل العوامل السياسية عملها في تغيير الاتجاهات العامة في المجتمع. يستدعى ذلك طريقة جديدة في التفكير الديني تقوم بإعادة بناء المنظومة القيمية الدينية. بطريقة تمكن من الحفاظ على الاسس الدينية في الحياة الاجتماعية. هذا من جانب. ولتكون هي الاكثر تأثيرا في التوجهات الاجتماعية للافراد والجماعات فيه. على ان يكون سير هذه العملية دون ان تخلق نمطا من التقاطع مع التوجهات السياسية. التي تمتلك سلطة القهر الاجتماعي. كما تمتلك امكانات توظيف الفكر الديني من خلال البدع والانحرافات الدينية سواء عن طريق دعمها, او السكوت عنها. خصوصا تلك التي تبرر حيازة هذه السلطة على اسس دينية من جانب اخر. لأنها في هذه الحالة ستصب في مصلحة الحاكم المستبد بشكل مباشر. الذي يسيطر على المؤسسة السياسية التي تقوم بإدارة الحياة الاجتماعية بكل مفرداتها في المجتمعات قديمها وحديثها المتدينة وكذلك هو الحال في المجتمعات العلمانية ايضا.[17]

كما تمكنه هذه الافكار الدخيلة ذات الطابع الديني من التحكم بالمقدرات المجتمعية دون ان يتعرض للمسالة او حتى المعارضة السياسية المسلحة. من خلال تجريد الثورات من مرجعياتها الاخلاقية والدينية المبررة لقيامها, او غير المسلحة التي تقوم على عزل السلطة السياسية عن واقع الحياة الاجتماعية. هذا هو المنهج الذي سلكه الامام السجاد في تعامله مع السلطة الاموية سعيا لحصر تأثيراتها الاجتماعية في ادنى مستوياتها. بالتالي زعزعة ضمان استمرارهم على راس سدة الحكم.

لقد ظهرت في النصف الثاني من القرن الاول الهجري في حياة الامام السجاد عليه السلام محاولات تحويل الاسلام تدريجياً إلى شكل آخر من الدين يختلف اختلافا جذريا عن الاسلام المحمدي او حتى الاسلام الراشدي. حدث ذلك بظهور منظومات فكرية دينية وظفت مفهوم الألوهية من اجل خدمة المصالح الفردية ورجال السلطة. الامر الذي خلق ما يسميه مصطفى مليكان (الله المؤسسة). فعلى الرغم من ان النص الديني التأسيسي انطوى عند المسلمين على القران الكريم والسنة النبوية المطهرة فقط. واللذان يعدان من الثوابت الاسلامية. الا ان وسائل التفكير الديني المتاحة للكل. عملت على حصر معاني هذه الثوابت النصية بظاهرها اللغوي. من خلال اعادة قراءة المنظومة الدينية لتتوافق مع ما حدث من تغيرات اجتماعية جذرية في المجتمع الاسلامي استندت الى غاية اجتماعية.[18]

 تمثل ذلك في محاولة إنتاج فكر جديد موحّد للجماعة المؤمنة يحكم واقع حياتها الاجتماعية. باستثمار العلاقة الوجودية بين التفكير واللغة. فعمل هؤلاء المفكرين على تحويل الحركة الدلاليّة للنص الديني من نصّ حامل للمعنى ومولّد له. إلى نصّ شاهد على معنى جاهز ومقنن سلفا ومؤيد له. فضلا عن ارتباطه بغايات دنيوية سببها ارتباط المصالح الاقتصادية والسياسية لكل من المفكرين الدينين ورجال السلطة.

ثانيا - القدرة العلمية واللغوية على التفسير

التفسير في اوسع معانيه هو محاولة الوصول الى المعاني الحقيقية للنصوص او الاقوال او الافعال. المؤثرة في ارتباطات الفرد بواقعه الاجتماعي مع الجماعة او المجتمع. او كلا مع بعضه البعض الاخر. ويتم غالبا على مستويين. الاول منهما وهو الشائع الاعتماد على تفسيرات الاخرين ممن سبقوا الفرد القائم بالتفسير. وهو ما يعرف باعتماد قدسية التراث في تأييد صحة وواقعية هذه التفاسير. بالتالي مقبوليتها الاجتماعية التي تضمن المحافظة على طاعة الاتباع.[19]

اما الثاني فيتمثل في استثمار القدرات المعرفية الذاتية العلمية والثقافية بمعناها الابستمولوجي[20] في الوصول الى تفسيرات جديدة تحقق الغاية المرجوة من التطابق مع التراث. الذي سيكون في هذه الحالة (النص التأسيسي متمثلا بالقران الكريم والسنة النبوية المطهرة). اذ تميزت به طرق ووسائل التفسير. التي اعتمدها الامام السجاد في حجاجه مع الافكار والظواهر الدينية منها والاجتماعية والسياسية ايضا. فكان عليه السلام يعزز المعنى المراد تفسير بأكثر من شاهد قراني. تدعيما لثبات المعنى المقصود من النص. باتجاه واحد دون غيره قد يكون الفرد المبدع قد غفل عنه, او تجاهله عمدا لتمرير غايته على من يتميزون بفقر الثقافة الدينية, او التعصب لآراء فرد دون غيره. لا لأحقيتها بالاتباع بل لأنها وافقت هوى او مصلحة على حساب المعاني الدينية الحقيقية. هذا ما استخدمته الجماعات الارهابية والمتطرفة والجماعات التي انشقت عن المسار الديني للجماعة المؤسسة. التي تكون في هذه الحالة جماعة الاسلام المحمدي والراشدي (الامام عليه السلام ومن بقي من الصحابة). رغم ما يطغى على هذه الاخيرة من اختلافات انحصرت تأثيراتها الاجتماعية في الجوانب الدنيوية دون ان تصل الى الجوانب الدينية. فعمل ذلك على تكامل الجماعة وغياب الصراع بين الاطراف المختلفة في فترة الخلافة الراشدة بالتالي وحدة المجتمع واستقراره.[21]

بناء على الرؤية الفكرية والفلسفية التي تميز بها الامام السجاد. التي استلهمها مصطفى مليكان في تعبيره (ان عقائدنا يجب أن تكون تابعة للواقع الموضوعي كالظلّ التابع للشخص، لا أننا نريد من الواقع أن يسير وراء ميولنا وآراءنا). نجد ان المستجدات الاجتماعية التي تمثل عناصر التغير الاجتماعي. تتطلب بالضرورة تفسيرات جديدة للنص, وذلك بسبب عدم ورود هذه المستجدات ضمن الاحداث الاجتماعية. التي عمل النص التأسيسي على تنظيمها من جانب, ومن جانب اخر فان غالبية هذه المستجدات كانت من الاهمية. بحيث افرزت الحاجة الى تحديد الموقف الديني تجاهها. لأنها تؤثر وبشكل مباشر على طبيعة اعتقاد الافراد ونوعية الالتزام الديني الذي يتميزون به. اي انها تخلق نوع من الازمة في الهوية الدينية للفرد المسلم.  ان هذا النمط من القراءة الجديدة للنصوص او الاقوال. تتطلب عملية تحكيم او محاكمة في مناسبتها للتفسير, او اعتماد احدهما دون الاخر. ففي القران الكريم مثلا الكثير من المتشابه الذي يتيح فرصة لاتباع الاهواء والمقاصد والسعي الى تحقيق المصالح الفردية وقد نوه القران الى ذلك بقوله تعالى (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات هن ام الكتاب واخر ومتشابهات.....)[22] اذ ان شؤون الدين تمثل المنهجية الخاصة بالسلوك الديني. التي تعتبر واجبة الاتباع من اجل تحقيق الخلاص الديني الدنيوي والآخروي.[23]

لقد تميز المنهج التفكيري للامام السجاد عليه السلام بعدة مميزات من ناحية تعامله مع التفسير كواحدة من المهارات. التي يجب ان يتميز بها الناس الذين يتصدون لهذه العملية. لأهميتها الدينية والعلمية الموضوعية في التعامل مع مضمونات الحدث والحديث الدينيين. يتميز تفسيره بعدة مميزات اهمها اعادة تلقين الافراد هذه المهارات. من خلال توضيح اسس الحجاج بها, والتعديل الذي يجريه الامام على محل واهمية الشاهد, وهو ما نسميه في الوقت الحاضر في البحث العلمي محاكمة الباحث للاقتباس او الشواهد. التي يعتمد عليها في عملية التحليل والاستنباط. فلم يعرف عنه عليه السلام رفضه لأي تفسير. بقدر ما عرف عنه مناقشة هذه التفسيرات بما يتملكه من ثقافة قرآنية ونبوية. من اجل تقويم السبل المتبعة فيه. وقد تميز الفرزدق في وصف هذه الحالة عند الامام عليه السلام بقوله (هذا الذي لم يقل لا الا في تشهده  ولولا التشهد لكانت لائه نعم). هذا ما اكسب تفسيرات الامام السجاد اهميتها وأحقيقتها في التمثيل وموضوعيتها الدينية عند المسلمين كافة.[24] 

 استلهم محسن كديور ذلك في قوله (أنّ الأئمّة يمثّلون النموذج العملي للإسلام الواقعي).  الاسلام الذي يقوم على (جادلهم بالتي هي احسن)[25]. دون الاعتماد على التقاطع. لما يحدثه من القطيعة واستحالة التوافق بين الرأيين المختلفين. لان قدرة السّلطة السياسيّة على توظيف الخطاب الديني. من أجل ضمان بقائها والقضاء على معارضيها، تبدأ من سلب الإنسان حقّه في الرأي والاختلاف. باسم الحاكميّة الإلهية وبسياط التكفير. لذلك عمل الامام عليه السلام على تحرير القرآن ممن جعلوا تأويله حكرًا على انفسهم, ووسيلة للتسلّط, ومصادرة الحريات الإنسانيّة. اذ ان اهم مميزات التفكير الناقد اعتباره من المسائل التي تقوم عليها العملية التربوية.[26]

  ثالثا - القدرة على التقييم والتقويم

التقييم (Evaluation) هو العملية التي يتم بموجبها تقرير قيمة الشيء او تقدير كميته بالنسبة الى المعايير المحددة سلفا. او هو مقياس مدى توافق الفكرة او القول او العمل مع هذه المعايير او القيم السائدة في الزمان والمكان بالنسبة الى المجتمعات. لذا فهو قياس للأهمية العلمية الواقعية. من خلال اصدار الحكم الموضوعي على العمل المقوم صلاحا او فسادا. يتم ذلك عن طريق تحليل المعلومات المتوفرة وتفسيرها بالاعتماد على المنهجية التي اتبعت في تحصيلها. بالأخذ بنظر الاعتبار الظروف المؤثرة. عندها يكون التقييم غاية عملية تتضمن جانبا نظريا يوصل الى النتائج. التي يمكن الاستفادة منها لاحقا في مواقف اخرى. الى جانب عملية اثراء المعرفة العلمية في هذا الميدان او ذاك. لذا فان التقييم يخضع الموضوع لشرط الشمول اولا. اي تناوله للجوانب المتعددة دون النظر احدها على حساب الاخر. ومنطقية التعامل معه ثانيا. وصحة الاستدلال ثالثا. عندما تفتقر هذه العملية الى احد هذه المراحل فعندها يوسم هذا التقييم بقصر النظر العقلي.[27]

اما التقويم (Amendment) هو عملية اعادة النظر او الدعوة اليه. بالترتيب المنطقي للسبل او المواضع التي تستخدم فيها الحجج او البراهين الاستنباطية المؤيدة بالشواهد لبيان اهميتها الموضوعية. في استنتاج الاحكام والنصوص التي ستكتسب طابعها الديني لاحقا. بالنسبة الى موضوع بحثنا. والى اهمية الدين في الحياة الاجتماعية للمجتمعات المتدينة على وجه الخصوص. لكي تكون عملية الحجاج منطقية وعلى جانب كبير من الاهمية. اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار نسبية المعارف العلمية بالنسبة الى كل من الزمان والمكان. على ان تتم هاتان العمليتان معا وبالتتابع. فلا يصح قيام احدهما دون الاخر. لان ذلك يعد احد اهم معايير الجمود الفكري. كما لا يصح الاخلال بالتتابع. لاستحالة التقويم الموضوعي قبل التعرف على موطن الضعف او الانحراف في الفكرة او القول او العمل. اذ تفقد هذه العملية اهميتها التربوية والتعليمية. بمساعدة الفرد على الوصول الى الدلالات الحقيقية للنص او الفعل. كما يتوجب ان تتم هاتان العمليتان على مستويين يحظيان بنفس الاهمية والتتابع لتشكلا طريقة للمراقبة الفكرية للنفس اولا. ثم لنتاجات الاخرين ثانيا. ينطبق عليهما ما ينطبق على العمليتان السابقتان في اعلاه لانهما غير مستقلين.[28]

كما ان كلا منهما يجب ان يعتمد على طريقة التفكير الناقد (البناء) التي تتطلب بدورها قدرات استثنائية, ومهارات عالية, وثقافة معرفية معتبرة في موضوع التقييم. بالإضافة الى معرفة موضوعية بالقيم المحددة. هذه السمات لا تجتمع في شخصية فردية. الا اذا كانت متفردة في الزمان والمكان (كارزمية). هذا ما مثلته شخصية الامام السجاد عليه السلام, وطريقة تفكيره بل انه تعدى ذلك الى توظيف هذه الطريقة في العملية التربوية الدينية. فلم يعرف عن الامام عليه السلام  تكفيره لاحد  بل عرف عنه البراءة من سلوك هذا السبيل او الاعتقاد بهذه الفكرة. ليشير هذا العمل الى تقييم مصداقية امـور موجودة في اسس التفكير الناقد. بل هي احد اهم مميزاته. اذ ان القبول بوجود المبادئ الفكرية. يحتم على من يتميزون بهذا النمط من التفكير التحقق والتساؤل عن موضوعية الارتباط بين هذه المبادئ وبين ما يبتدع, او يظهر نتيجة عملية التغير الاجتماعي والثقافي في الحياة الاجتماعية. وامكان تغييرها اذ ما اتسمت بشيء من الانحراف او تعديلها لتوفق واقع الحياة الاجتماعية. بعد استقرار هذه التغيرات في البناء الاجتماعي والثقافي للجماعة. فيعمل على تغييرها او اعادة بنائها على اساس ما تحدده القواعد المنطقية التي يمكن التنبؤ بنتائجها. عند حصول الفرد على هذه الملكة في التفكير يلجأ الى التقييم في التفكير الناقد من اجل وضع الاسس الصحيحة لاتخاذ القرارات المناسبة. كما يلجأ الى التقويم لتلافي ما يمكن ان يحدث من اخطاء او انحرافات في مسيرة تقييم النتائج.[29]

هنا لا نجد بدا من الاشارة الى ان التفكير الناقد يغرس في الفرد نمطا من المسؤولية الاجتماعية والمعرفية فضلا عن مسؤوليته الدينية التي تحددها مكانته الدينية والاجتماعية. الامر الذي يخلق عنده دافعا للاطلاع على الاحوال الاجتماعية العامة, والتعرف عليها, وبيان رايه في معالجتها, او الحد من اثارها السلبية على اقل تقدير. هذا ما يعرف في يومنا هذا بمسؤولية المثقف الديني الاجتماعية والعلمية وهنا نجد ان اهمية قول الرسول (ص) ((ما اتى الله احدا من العلماء علما حتى اخذ عليه عهدا بالا يكتمه)). 

رابعا - القدرة على الاستدلال والاستنتاج

الاستدلال في الفلسفة (Inference) هو عملية التفكير التي تتم من خلالها وضع الاستنتاجات في قضية معينة. لذا فانه يمثل في المنطق التقليدي حكما تصدر فيه نتيجة على اساس مقدمة واحدة. يقسم في الفلسفة الى مباشر (ناقص), ومتشابك (كامل). اذ اعتمد على عدة مقدمات. كما يصنف الى واقعي. اذا ما اعتمد على قواعد وقوانين المنطق وخضع للجدل او المناقشة. او يكون زائفا غير متعمد لعدم اعتماده على قواعد وقوانين المنطق. اذ يعمل في هذه الحالة الاخيرة على تحريم النقاش والجدل في قوة البرهان او حقيقيته. لأنه غالبا ما يفضي الى نتائج كاذبة. ليختلف عن الانتهاك المتعمد الذي يعرف بالسفسطة. كما ان الاستدلال هو تتبع جزئيات الشيء او الفكرة للوصول الى التعميمات. التي تعني امكانية الانتقال العقلي (التعقل) من الخاص الى العام, من الفردي الى الشمولي.[30]

اما الاستنتاج (Conclusion) فهو الوصول الى النهايات بالاعتماد على مقدمات متساوية بالكلية. لذا فهو ضرب من الاستدلال الغير مباشر يقوم على اصطناع النظير. الذي يعني بدوره المثال الذي يعكس بشكل مطابق شيئا ماديا او عملية او قانون. يعد القاعدة الاساسية في النظرية او القانون. ليكون اصطناع النظير عملية التوصل الى تمثيل اكثر العلاقات انتشارا وشيوعا بين القاعدة الموضوعية للأحكام والتأملات والاشكال الاخرى من التفكير.[31]

تظهر الشبهة الدينية التي هي ضبابية الموقف الفكري من حقيقة متطلبات الالتزام الديني الحقيقية. تظهر غالبا بسبب ضعف الاستدلال الذي يتعامل فيه المفكر مع القضايا الدينية. عند السعي الى تكييفها الى الواقع الاجتماعي. الذي تعرض للتغيرات الاجتماعية والثقافية. لذا فان الامر يتطلب نمطا من القدرات المتفردة في التفكير. تجلت في قدرة الامام السجاد عليه السلام في التعامل مع هذه الشبهات الدينية ومصادرها. وقد واجهت الامام السجاد العديد من الشبهات الدينية خلال فترة امامته التي امتدت لـ(33 عاما) الا ان اهمها واكثرها حراجة في الموقف الديني كانت كما يأتي:-

الاول - الموقف من عقيدة الجبر فالأولى تشير الى ان كل ما يحدث في واقع الحياة الاجتماعية للناس هو مكتوب عليهم وبأذن الله. اذ جاءت هذه العقيدة اصلا بعد وفاة الرسول الكريم (ص) مباشرة. نتيجة فرض الامر الواقع على المسلمين رغم مخالفته لبعض النصوص الدينية. باتباع تأويلات تسندها المكانة الدينية لبعض الصحابة السابقين. والنظرة الى اهمية الحفاظ على بيضة الاسلام في الدولة الناشئة. لقد تصدى الامام السجاد عليه السلام لهذه العقيدة التي خدمت وبشكل كبير تركيز السلطة, وتحولها الى ملك عضوض في فترة امامة الامام عليه السلام. كما انها وضعت المسلمين في حرج الموقف من خيارين احلاهما مر. الاول كان تفتيت الدين الى شيع متصارعة. والثاني الاستكانة للحاكم المستبد وفقدان الحكم الاسلامي الصالح. ساهم في هذا الحرج بشكل مباشر الاستخدام المفرط للعنف من قبل المؤسسة السياسية للحفاظ على مواقعها السلطوية. وصل الى حد انتهاك المقدسات الاسلامية كضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق. الامر الذي افرز فكرة عقم الثورات المسلحة في ذهن المؤمنين ومن بقي من الصحابة الاوائل على قيد الحياة وكذلك هو الحال بالنسبة الى الامام السجاد.[32]

اما الثاني فهو الموقف من عقيدة الارجاء التي تشير الى ضرورة ترك الحساب الى يوم القيامة على كل افعال المسلم وان زنى او سرق وهي دعوة صريحة لإيقاف الفعل الاجتماعي للحدود الدينية. فضلا عن الدعوة الى ايقاف احد اهم انواع الجهاد في الاسلام. المتمثلة في قول الرسول الكريم (ص) ((ان اعظم الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر)). هذا النمط من الجهاد هو ما دأب الامام السجاد على ممارسته تحت وطأة الظروف الاجتماعية التي عاشها في فترة امامته.[33]

فكانت مواجهته لهذه العقائد نوع من الثورة الفكرية السلمية التي حاول من خلالها الابقاء على أفكار الاسلام المحمدي والراشدي. الذي حافظ على بيضة الاسلام من الاعداء الخارجيين وحافظ على قيمه في داخل المجتمع المسلم. فالأعداء إنّما يستهدفون الأفكار والقيم في محاولاتهم اعادة ترتيب نسق القيم الاجتماعية في المجتمعات المتدينة او الدينية بشكل خاص. فكان موقفه في مجلس الحاكم المستبد وطريقته في سرد الوقائع الاجتماعية الدينية. بتركيزه على التعريف بنفسه. العامل الاساسي في تبخّر كلّ الدعايات المظلّلة التي روّجتها السياسة الأمويّة. عن السبايا من ال البيت. على اعتبار انهم من الخوارج. فقد وضع من حضر من مسلمي الشامفي حرج الافتقار الى المعرفة الدينية, والاصغاء لطرف دون التحقق من اقواله (يا ايها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...))[34] وحرج السكوت على التمويه والتضليل الذي استخدمته في تبرير الافعال والاقوال التي يزعمها هذا الطرف او ذاك. فقد قال عليه السلاممستنتجا ((إنّ القدَرَ والعمل بمنزلة الروح والجسد ... والله فيه العون لعباده الصالحين)). على اساس استدلاله بـ((أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، وإنّما بعثهم بالكلام. ولا استحقت الجنّة بالسكوت. ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت. ولا توقّيت النار بالسكوت. ولا يجنّب سخط الله بالسكوت. إنّما كلّه بالكلام ! وما كنت لأعدل القمر بالشمس! إنّك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت)).[35]

ثالثا - الموقف من المشبهة والمجسمة يتمثل الموقف الفكري للامام السجاد عليه السلام من المشبهة والمجسمة. في موقفه من الاخذ بظاهر النصوص وان تعارضت مع البنية العقلية والعلمية الموضوعية. الناتجة من الافتقار الى القدرة على التفكير الناقد بالدرجة الاساس. ومن الافتقار الى المعرفة الدينية الموضوعية. واعتماد نمط من المعارف الزائفة التي لا تصمد امام النقد. فكان ان رفض مثل هذه العقيدة على شكل دعاء يشبه القسم. الذي اشهد فيه عليه السلام الرسول الكريم (ص) في قبره عليه. اذ وقف عند القبر وقال ((إلهي بدت قدرتك ، ولم تبد هيبة جلالك، فجهولك، وقدّروك بالتقدير على غير ما أنت به مشبّهوك. وأنا بريء, يا الهي من الذين بالتشبيه طلبوك، ليس كمثلك شيء, يا إلهي, ولن يدركوك. فظاهر ما بهم من نعمة دليلهم عليك، لو عرفوك, وفي خلقك, يا إلهي, مندوحة عن أن يتأوّلوك, بل ساووك بخلقك، فمن ثمّ لم يعرفوك. واتّخذوا بعض آياتك ربّاً، فبذلك وصفوك, فتعاليت, يا إلهي, عمّا به المشبّهون نعتوك)).[36]

رابعا - الموقف من اثارة فتنة وخلافة الشيخين

يوسم علم الامام السجاد في الكثير من الاحيان بالعلم اللدني. لأنه استطاع التمييز بوعيه المقاصد الخبيثة لبعض السائلين, وبعضهم ممن يوسم بالعلم. حول بعض القضايا الدينية التي مضت من تاريخ الامة الاسلامية في صدرها الاول. رغم ان بعضهم الاخر عرف عنه تمتعه بامتلاك المعرفة الدينية. الا ان اغراضه الدنيوية التي كانت تصب في مصلحة الحاكم المستبد. الذي اعتمد على دعم سياسة فرق تسد, والسعي الى خلق الفتن. عن طريق طلب الاجابة من الامام حول موقف الدين من الشيخين. الا ان هذا الوعي والقدرة على الاستدلال واستنتاج مقاصد السائل دفعت بالامام الى الاجابة عن هذه المسألة حول منزلة الشيخين عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بانه ((أشار بيده الكريمتين إلى قبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ثمّ قال : بمنزلتهما منه الساعة)) وفي نصّ آخر ((كمنزلتهما منه اليوم، وهما ضجيعاه)). وثبت عنه قوله عليه السلام ((اذهب، فأحِبَّ أبا بكر وعمر، وتولّهما، فما كان من إثم ففي عنقي)). كما نقل عنه ((عن حكيم بن جبير ، قال : قلت لعلي بن الحسين : أنتم تذكرون, أو تقولون. إنّ عليّاً قال : (( خير هذه الأمّة بعد نبيّها, أبو بكر، والثاني عمر، وإن شئت أن اُسمّي الثالث سمّيته)) فقال علي بن الحسين (( فكيف أصنع بحديث حدّثنيه سعيد بن المسيّب عن سعد بن مالك [ ابن أبي وقاص ] أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خرج في غزوة تبوك فخلّف عليّاً ، فقال له أتخلّفني ؟ فقال ((أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ؟ إلّا أنّه لا نبي بعدي)). قال : ثم ضرب علي بن الحسين على فخذي ضربة أوجعنيها، ثمّ قال فمن هذا هو من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بمنزلة هارون من موسى.؟)). وفي نصّ آخر (( فهل كان في بني إسرائيل بعد موسى مثل هارون.؟ فأين يذهب بك يا حكيم.؟)) ففي الوقت الذي لا يواجه الإمام حكيم بن جبير بالتكذيب فيما نسب إلى الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام. الا انه واجهه باستدلالات اثارت في نفسه الشكوك والتساؤلات عن حقيقة ما يعرف. وهذا دأب الامام في الحجاج. فلم يعرف عنه انه سب احد او كفره او كذبه بل استند حجاجه الى الآية الكريمة ((وجادلهم بالتي هي احسن)) ؟ لذا يقال عن الاخلاق التي تميز بها بانها اخلاق قرآنية.[37] 

خامسا - الصلاة مع المخالفين  لقب الامام السجاد بانه زين العابدين خير الساجدين في زمانه. وهو اعلمهم بشؤون الدين. ومع ذلك كان يصلي خلف الامام الذي عينته السلطة الحاكمة. اذ كانت للصلاة عنده منزلة لا تضاهى وخصوصا الصلاة مع الجماعة. فلما نقل الى الامام بان انصاره كانوا يشوشون على الامام في الصلاة بالحديث مع بعضهم البعض او بانتقاده. تدارك الإمام عليه السلام الموقف وأفتاهم بـ((أوّلاً ما يجب ان يلتزم به العامّة من الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر)). كما انه امتنع عن الادلاء باي تفصيل في حكم هذه المسألة فقهيا على مذهب أهل البيت عليهم السلام ((وهو أنّ المؤمن إذا حضر صلاة الجماعة، ولابدّ أن يحضر ، لأنّه لا يمكنه الانعزال. بل هو الأولى بالمسجد من غيره، فعليه أن يقتدي بإمام الصلاة، ويصلّي بصلاته)). وفي بعض النصوص التي نقلت عنه عليه السلام ((إنّها أفضل الركعات)). بل انه يرى في بعض النصوص الاخرى ((أنّ الصلاة معهم كالصلاة مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم)). حيث قدم الامام وحدة الصف السلم على خصوصية المذهب. لقد عد الامام ترك الجماعة او التشويش على امامها مخالف لفقه الأئمّة. لان مثل هذا العمل الاستفزازي لا يصدر عن عاقل يخالف الإمام عليه السلام هو واقف في صفّ الجماعة.[38]

الخاتمة

ان دراسة وتصنيف نوعية التفكير الديني التي تميز بها الامام السجاد عليه السلام. لا تهدف الى ايجاد نوع من التماثل والتطابق بين منهجية الامام في التفكير, وما توصلت اليه الابحاث النفسية من اهمية انواع التفكير. بل تعدتها الى قياس تاثير ذلك النمط من التفكير الذي نشأ عليه الامام عليه السلام. الى ما هو معروف من انماط التفكير التي اثبتت فاعليتها في الحياة الفردية والاجتماعية والتربوية. كما ان الدراسات ذاتها اثبتت امكانية تعليم هذا النمط من التفكير. وان كان يستند بالدرجة الاساس الى الموهبة. الا ان التثقيف الديني وتوسيع القاعدة الاجتماعية للمعرفة الدينية. يمكن ان يغرسا هذا النمط من انماط التفكير عند السلمين بشكل عام وعند اتباع ال البيت بشكل خاص.      (والله من وراء القصد)

 النتائج لذا يمكن تلخيص نتائج البحث بالنقاط الاتية:-

 لعب تفكير الامام السجاد عليه السلام بأهمية القضايا الدينية وصعوبة تغيير الاعتقادات دورا مهما في تحديد طبيعة ردود افعاله حول المسائل التي لا تتوافق مع المقاصد الاسلامية الحقيقية فسعى الى التعليم والتثقيف بدلا من التخطئة والتكفير لكي يكون العدول نجو جادة الصواب دافعا ذاتيا فيكون اكثر ثباتا وفاعلية. ان كل انماط الانتقاد او الرفض التي صدرت عن الامام عليه السلام جاءت بطريقة لا تثير الحفيظة والتعصب عند الاخر بل جاءت لتوضح الامثل من بين السلوكيات التدينية.  الامام السجاد في تفكيره العميق صور خير الامثلة والطرق التي يمكن ان يقتدى بها في عمليات التعليم الديني المنفتحة على العصر والحداثة وهذا ما يسعى اليه جميع المفكرين الاسلاميين اليوم في ايجاد سبل تلائم الاسلام مع عصر الحداثة وما بعدها الذي نعيشه. ان مكانة وقدسية الامام السجاد عليه السلام تفرض ايلاء طريقته في التفكير الديني كأساس لتعلم طريقة التفكير النقدي التي لا تخفى فوائدها الدينية والدنيوية وما احوج مجتمعاتنا الاسلامية اليها اليوم. ان وظيفة الفكر والتفكير عند الامام السجاد هي نقل الثقافة النظرية الى واقع موضوعي من خلال السلوك الفعلي على اساسها ليسهم ذلك في اعطاء الصورة الامثل للأسوة الحسنة التي كانت عنصرا مهما في نشر الدين الاسلامي السمح بقوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة ........)[39].

 

[1] مجموعة من الباحثين, المنجد في اللغة والاعلام, دار المشرق, بيروت, ط43, د ت, ص 591

[2] خليل احمد خليل, مفاتيح العلوم الانسانية, دار الطليعة, بيروت, 1989, ص 317, 319

[3] مجموعة من العلماء السوفيت, الموسوعة الفلسفية, ترجمة سمير كرم, دار الطليعة للطباعة والنشر, بيروت, ط3 1981 ص332-336

[4] احمد زكي بدوي, معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية, مكتبة لبنان, ط2, بيروت, 1986 ص 425

[5] محمد اركون, تاريخية الفكر العربي الاسلامي, ترجمة هاشم صالح, مركز الانماء القومي,  بيروت, ط2 1996 ص 15, 16

[6] المصدر نفسه.

[7] نقلا عن, اوان كاظم عزيز, التفكير الناقد وعلاقته ببعض سمات الشخصية, رسالة ماجستير غير منشورة قسم علم النفس, جامعة تكريت  2005 ص 17

[8] المصدر نفسه

[9] المصدر السابق

[10] صلاح كاظم جابر. مبادئ دراسة الاجتماع الديني العراقي. ملزمة منهجية لطلبة المرحلة الرابعة في قسم علم الاجتماع, بكلية الآداب, جامعة القادسية, 2016 ص 65

[11] محمد امين غالب الطويل, تاريخ العلويين, مطبعة الترقي, اللاذقية, 1924,ص 126-136 

[12] المعرفة الاجتماعية هي مجموعة المعاني والمعتقدات والاحكام والمفاهيم والتصورات الفكرية التي تتكون لدى الانسان نتيجة محاولاته لفهم الظواهر والاشياء تعمل مفردات البناء الاجتماعي على توجيهها نحو موضوعات محددة تدخل في اطار البيئة الاجتماعية والطبيعية كما تتسم الخصوصية المجتمعية. (جورج جيروفيتش الاطر الاجتماعية للمعرفة ترجمة خليل احمد خليل. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت ط3 2008  

[13] اجتماعية المعرفة هي الدور الذي تمارسه عناصر البناء الاجتماعي في تحديد انتقاء الفرد لنوع محدد من المعارف الاجتماعية ليتعلمها ويقتنع بحقيقتها فتعمل كمرشح للمعرفة (جورج جيروفيتش مصدر سابق)

[14] خالد جمال حمدي الدليمي, أثرُ استخدام أنموذجي ميرل وريجيليوث الموسع في تحصيل طلاب الصف الرابع العام وتنمية تفكيرهم الناقد في مادة التاريخ, اطروحة دكتوراة غير منشورة  كلية التربية / ابن رشد, جامعة بغداد 2005 ص 12-27

[15] نهى عارف علي الدرويش, بناء برنامج محوسب لتعليم التفكير الناقد وقياس أثره في تطوير مهارة تقويم الذات لدى طلبة الجامعة,  أطروحة دكتوراة, كلية التربية ( ابن رشد ) – جامعة بغداد 2006 ص 9-11

[16] نقلا عن, مجموعة من المفكرين, الفكر الديني وتحديات الحداثة, وقائع المؤتمر الثاني لمؤسسة الدراسات الإسلامية في ايران, ترجمة احمد القبانجي, دار الفكر الجديد, العراق النجف, 2007, ص 9- 24

[17]  عبد الكريم سروش, المثقف الديني والتراث, نقلا عن المصدر نفسه  ص 175- 204

[18] مصطفى مليكان, مصدر سابق ذكره

[19]  صلاح كاظم جابر, مصدر سابق ص 75

[20] الثقافة بمعنها الابستمولوجي هو كم المعارف التي يكتسبها الفرد للإجابة عن سؤال كيف فهو تعريف كارل منهايم للمثقف في كتابه الايدلوجيا واليوتبيا.

[21] صلاح كاظم جابر, التحليل الثقافي للأسس الفكرية للتطرف الديني بين التجربة والمعرفة الدينيتين, بحث القي في الندوة العلمية بكلية الآداب, جامعة القادسية 2018

[22] ال عمران الاية 7

[23]  مصطفى مليكان, مصدر سابق

[24] الموسوعة الكبرى للمذاهب والاديان, مركز الشرق الاوسط الثقافي, بيروت, د.ت ص 111- 117

[25] النحل الاية 125

[26] محسن كديور, القراءة المنسية مراجعة لنظرية (العلماء الأبرار) القراءة الأولى للمذهب الشيعي عن أصل الإمامة, نقلا عن مجموعة من المفكرين, مصدر سابق ص 103 – 170

[27] احمد زكي بدوي, مصدر سابق  ص142

[28] غاستون باشلار, العقلانية التطبيقية, ترجمة بسام الهاشم, دار الشؤون الثقافية العامة, 1987 ص 127-154

[29] سعيد موسى علوان العبيدي, مهارات التفكير الناقد في الرياضيات لدى طلاب مدرسة الموهوبين, رسالة ماجستير, غير منشورة كلية التربية /ابن الهيثم, جامعة بغداد, 2002 ص 25-35

[30] مجموعة من العلماء السوفيت, مصدر سابق

[31]  المصدر نفسه, ص 564

[32] صلاح كاظم جابر, اللاعنف في فكر الامام السجاد بين المسكوت عنه والاصلاح الفكري, مجلة القادسية للاداب, 2016 ص 135-150

[33]  نقلا عن, محمد رضا الحسيني الجلالي, الامام السجاد في مجال الفكر, والامام السجاد في الاسر والعقيدة شبكة رافد (انترنت)

[34] الحجرات الاية 6

[35] المصدر السابق

[36] المصدر نفسه.

[37] المصدر السابق.

[38] المصدر نفسه.

[39] الاحزاب الاية 21

المرفقات