الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 27/محرم/1441هـ الموافق 27 /9 /2019م :

ايها الاخوة والاخوات في هذا الاسبوع عشنا ذكرى استشهاد ورحيل الامام السجاد (عليه السلام) وبهذه المناسبة يحسن هنا ان نتعرض الى بعض ما تركه لنا الامام السجاد (عليه السلام) من كنوز المعارف الالهية التي غفلنا عن اهميتها ودورها المهم في حياتنا الدنيا والاخرة..، أهملناها في تعلمها ودراستها ونشرها وكذلك تطبيقها ألا وهي (رسالة الحقوق)..

من كنوز المعارف الالهية العظيمة التي ليس فقط ينبغي ان نتعلمها بل يجب ان ندرسها ونعتني بها ونطبقها في حياتنا الدنيا ونحرص على تطبيقها هي رسالة الحقوق التي هي شاملة لجميع ما يتعلق بحقوق الانسان والمحيط الذي يحيط به فيحتاج اليها الفرد البسيط ابتداءً من الحاكم والمحكوم والراعي والرعية وكل ما يتعلق بشؤون الانسان في مختلف مجالات حياته..

لذلك اخواني ادعوكم هنا ونحن نعيش ذكرى رحيل الامام السجاد (عليه السلام) احفظوا هذا الحديث دائماً الامام الرضا (عليه السلام) يقول : (رحم الله من أحيا امرنا) ابو الصلت الهروي يسأله : كيف نُحيي أمركم بأي وسيلة نحيي أمركم؟ قال : تتعلمون علومنا وتعلمونها الناس فانهم لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا..

اخواني من الوسائل المهمة في احياء ذكرى الائمة عليهم السلام إقامة المجالس للتذكير بعلومهم والتعريف بعلومهم ايضاً نحن ندرس علومهم ونتعلم علومهم ومعارفهم ونفهم هذه العلوم ونحرص على تطبيقها، من الكنوز العظيمة التي تركها لنا الائمة عليهم منها نهج البلاغة ورسالة الحقوق..

الشيء الاخر اخواني ندقق قليلا ً ما هي تلك الاسباب الاساسية في اغلب مشاكلنا ونزاعاتنا وخلافاتنا في الحياة الدنيا؟ نحن لو ندقق في الأسباب الاساسية والجوهرية هو اهمالنا للحقوق حقوق بعضنا على بعض، حقوق الانسان مع كل موجود حوله، حقه مع الله وحق الله تعالى عليه وحقوقه مع الاخرين..

احد المشاكل الاساسية اخواني نحن نلاحظ على كل واحد منا ان الواحد منا دائماً يطالب برعاية حقوقه من الاخرين ويرتّب المشاكل والنزاع والاثار الاخرى اذا لم تُراع حقوقه من قبل الاخرين ولكن هو هذا الانسان هل يراعي بنفس الدرجة حقوق الاخرين عليه أم لا ؟

الكل منّا يطلب من الله تعالى ان يعطيه كل شيء ولكن هو هل يُراعي الامور ولو بعضها التي يريدها الله تعالى منه، في داخل الاسرة الزوج دائماً يُطالب بجميع حقوقه من الزوجة واذا لم تُراع بعض الحقوق يُرتّب المشاكل والنزاع والكثير من الآثار، الزوجة البعض تطالب الزوج بكل الحقوق وتُرتب المشاكل والآثار السلبية ان لم يراع الزوج هذه الحقوق ولكن هي البعض هل تراعي كل الحقوق التي للزوج؟

لاحظوا اخواني القضية مهمة الحقوق متبادلة ليس عندنا حقوق من طرف واحد دائماً اذا نلاحظ في مسألة الحقوق هي متبادلة بين الطرفين بمعنى آخر كل طرف لابد ان يُراعي حقوق الطرف الاخر والطرف الآخر لابد ان يُراعي حقوق الطرف الأول..

الآباء والاولاد.. الاولاد يطالبون من ابائهم وامهاتهم بجميع حقوقهم ولكن هل الاولاد يراعون حقوق ابائهم وامهاتهم..؟ الواحد منّا يطلب من ابناء مجتمعه ان يراعوا كل حقوقه المادية والمعنوية ولكن هل هو يراعي حقوق الاخرين كما هو يطلب من الآخرين ان يراعوا هذه الحقوق؟ هذه مشكلة اساسية احد المشاكل الاساسية وأحد الامور الاساسية في مشاكلنا وفي نزاعاتنا وفي تخلفنا في ان نعيش هذه الحالة من التعاسة ومن التخلّف والشقاء ومن المعاناة.. احد الامور الاساسية هو ان كل واحد يطلب من الاخرين ان يراعوا حقوقه بأجمعها لكن هو لا يراعي حقوق الاخرين..

لو اننا وازنّا حالة التوازن انا اُطالب الآخرين بهذه الحقوق وعليهم ان يُراعوا الحقوق التي لي عليهم انا ايضاً لو كُنتُ بنفس الدرجة اُلاحظ واُراعي واطبّق حقوق الآخرين عليَّ لما حصلت هذه الامور في حياتنا الدنيا..

لذلك اخواني اُلفت نظركم اهتموا ولو بعض الشيء القليل برسالة الحقوق للإمام السجاد (عليه السلام)، اقرأوها ولو شيئاً يسيراً إضافة الى ذلك علينا حقيقة ان نهتم بهذه الرسالة الالهية للحقوق في مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا ونثقّف الثقافة الجماهيرية في داخل الاسرة والمدرسة والجامعة والدوائر وفي كل مكان وان نعرّف ونعلّم هذه الحقوق في مجالسنا وفي المجالس الحسينية في المجالس حينما نُحيي ذكرى الامام السجاد (عليه السلام) نعرّف الناس بجزء من رسالة الحقوق التي تضمنت جميع ما يحتاج اليه الانسان في الحقوق مع محيطه..

نذكر هنا اخواني مثالين من هذه الحقوق المهمة..

الامام (عليه السلام) في بعض هذه الحقوق يبيّن حقوق التعايش الاجتماعي الصحيح ابتداءً من داخل الاسرة، الامام (عليه السلام) يبين حقوق الزوج على الزوجة وحقوق الزوجة على الزوج وحقوق الابوين، وانا اُلفت نظركم خصوصاً في هذه الايام نلاحظ عدم مراعاة حقوق الابوين حق الاب وحق الام.

ماذا يقول الامام (عليه السلام) واُلفت نظر الأبناء وطبعاً الابناء ليس فقط الشباب احياناً الابن كبير بلغ الاربعين او الخمسين لا يُراعي حقوق ابيه وحقوق امّه.. يقول الامام (عليه السلام)  في بيان حق الأب ( وحق اباك ان تعلم انك لولاه لم تكن)، الامام (عليه السلام) يُلفت نظرنا الله تعالى جعل الاب الواسطة والطريق التكويني وفق ارادته في ان يكون وجودك، الوجود نعمة عظيمة للإنسان انه يكون مخلوق لله تعالى ويكون له نعمة الوجود، ولولا الأب انت اصلا ً لم تكن موجوداً في الحياة الدنيا..

ثم يقول الامام (عليه السلام) : (فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك.. فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، وأحمد الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوة إلا بالله...)

نعمة الوجود ونعمة التربية ونقصد بالتربية ليس فقط تربية النفس وانما التربية بمعنى النمو سواء كان النمو الجسدي والتربوي والتعليمي فالأب اصل النعمة وانما هو سببها فإحسانه عظيم عليك وانت عليك ان ترد له شيء من هذا الإحسان..

ثم في حق الام يقول الامام (عليه السلام) : (فحق أمك: أن تعلم أنها حملتك، حيث لا يحمل أحد أحداً،.. وأنها وقتك بسمعها وبصرها، ويدها ورجلها وشعرها وبشرها، وجميع جوارحها..)

الام تحمّلت من المعاناة وكابدت من المشاق ما لا يتحمله احد في الكون بإزائك فحملتك تسعة اشهر ثم بعد ذلك اتعبت نفسها وجوارحها وكل كيانها في سبيل ان تكبر وتنمو وتصل الى هذه المرتبة..، لا يكون في يوم من الايام تحمل شهادة عليا او يكون لك سلطة او جاه او منصب او موقع في المجتمع او مال كثير وابوك فقير او امّك في حال آخر وتنسى تلك النِعم وتنسى ذلك الإحسان العظيم..

لابد ان تلتفت الى أصل نعمة الوجود ونعمة التربية والنمو الى ان وصلت الى هذه المرتبة وانت ما فيه انما يعود الفضل فيه الى الاب والام، لا تنسى هذا الاحسان ولا تُعجبك نفسك ان وصلت الى ما وصلت من منصب وجاه ومال وقوة وسلطة وغير ذلك من هذه الامور لا تنسى ابويك.. كما تُطالب ابويك بحقوقك عليك ان تلاحظ هذه الحقوق التي لأبويك عليك..

ثم يبين الامام (عليه السلام) حق خازن العلم وراعي العالم..

ونحن نبتدئ السنة الدراسية لهذا العام في المدارس والجامعات لابد ان نُلاحظ هذا الحق، الله تعالى بفضلهِ ومنّهِ جعلَ هذا الاستاذ وهذا المعلم وهذا المدرس جعلهُ خازناً لهذا العلم وحافظاً لهذا العلم.. لا يتصور أحد بذكائهِ وبشطارتهِ وجهدهِ وصلَ الى هذه المرتبة، الله تعالى اعطاك الذكاء ووفّر لك الاجواء حتى وصلت الى هذا المقام فجعلك خازناً وحافظاً للعلم وهذا العلم أمانة في عنقك عليكَ ان توصل هذا العلم الى الآخرين.. الاستاذ كان لهُ استاذ علمّهُ والمعلم كان لهُ معلم علمّهُ والمدرس كان له مدرس علمهُ وكانت له مدرسة واسرة هذه الاجواء التي وُفِرت لهُ الله تعالى منّ عليه بتوفير هذه الاجواء ومن عليه بتوفير معلمين ومدرسين علمّوه ووفروا له هذه الاجواء فأنت الآن خازن لهذا العلم وعليك ان تُعطي لهذا العلم  حقّهُ.. الطالب امانة اؤتمن عندك من قِبلَ اسرته ومجتمعه وبلده ووطنه عليك ان تُعطي هذه الامانة حقّها..

ونحن نبتدأ العام الدراسي وفي كل مكان فيهِ تعليم الامام (عليه السلام) يبين ثلاثة امور :

الاول: ان يُوصل هذا العلم كاملا ً صحيحاً واضحاً بيّناً، هذا الكِتاب الكِتاب الفلاني عليَّ اُوصل ما فيه من العلوم تامّة وكاملة وغير ناقصة واضحة بيّنة واحرص على ان اُوصل هذه العلوم والمضامين واضحة بيّنة لا لبس فيها ولا نقص ولا غموض ولا اشتباه عليَّ ان احرص واتابع الطلبة هل انهم فهموا وحفظوا واتقنوا هذه المادة العلمية.. هذا الحقّ الاول..

الحقّ الثاني : ان اكون رفيقاً ومتأنياً وصابراً فرحلة العلم شاقّة تحتاج ان اُوصل هذه المادة العلمية بما ذكرناه من مواصفات في النقطة الاولى ان اوصلها واجعلها هذا الرفق بالطالب والتأني والصبر في رحلة ايصال هذه المادة العلمية الى الطالب حتى اذا انتهت من السنة الدراسة أو من الرِحلة الدراسية اكون قد اطمئننت من خلال هذه الوسيلة اما الاساليب الاخرى خِلاف ذلك لا نصل منها الى نتيجة.

النقطة الثالثة المهمة التي نُلفت نظر الاخوة الاساتذة والادارات ورئاسات الجامعات وادارات المدارس والأُسر العلم والعلوم التخصصية من غير تأديب وتربية واخلاق وحكمة لا نفع فيها.. تتحول إلى أداة ضرر للفرد والمجتمع..

لابد ان نحرص كما مطلوب مِنّا ان نُوصل مادة الرياضيات والفيزياء والكيمياء والاحياء وبقية المواد الاخرى كاملة تامة واضحة بيّنة لا لبس فيها ولا غموض الى عقل الطالب علينا ان نهتم بالتربية وتأديب الطالب وتخلقّه بالاخلاق الحميدة ولابد ان نعطي قَدَر من الاهتمام والعناية بتأديب الطلبة وترقيهم في المبادئ الاخلاقية كما نعطي اهتماماً بالمادة العلمية التخصصية وإلا ان ركزنا فقط على المادة العلمية من دون ان نعتني بتربية هؤلاء الاولاد وتهذيبهم وتخلقهم ونحرص على ان يكونوا من اصحاب الخُلق الرفيع سينحدر الكثير من الطلبة الى الانزلاق في مزالق المخدرات والفجور والخروج عن المسار الاخلاقي الصحيح وربما يكونون اعضاء ضارين في المجتمع مستقبلا ً..

لذلك هنا الامام (عليه السلام) يؤكد ان في هذه النقطة الثالثة (فإن العلم عِقالهُ الاخلاق والحكمة) لابد ان يكون اعتنائنا بالأمرين معاً، لذلك الذي نرجوه جميع المؤسسات التربوية على اختلاف مسمياتها ان يكون الاهتمام كافٍ بهذين المجالين الاساسيين..

نسأل الله تعالى ان يوفقنا لذلك انه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

حيدر عدنان

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة 

المرفقات