الإمام الكاظم .. صوت الإسلام

واجه الإمام الكاظم (ع) العديد من التحديات خلال فترة إمامته وعلى جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والفكرية وبرز دوره العظيم في مواجهة هذه التحديات ومنها ما واجهه (ع) من قبل الذين حاولوا توهين الدين وتوجيه وبث الشبهات حول المذهب الحق وقد تنوعت توجهات هؤلاء بين أتباع المذاهب والأديان الأخرى.

فقد تصدى الإمام لتيار الانحراف الفكري الذي طغى على المجتمع والذي تمثل بظهور فرق ضالة ساعدت السلطة العباسية على نشر أفكارها, كما تصدى للمتربصين بالتشيع وعلى رأسهم العباسيون إضافة إلى تصديه لمباهلة الأديان الأخرى حول الإسلام.

وقد دلت مناظراته (ع) مع جميع هؤلاء على أنه (ع) والأئمة الأطهار قد خصّهم الله تعالى بعلم لم يخص به غيرهم, وفضلهم بمزايا لم تتوفر في أي من الناس سواهم فهم أوصياء الرسول وحفظة دينه وهم أولوا الأمر الذين نوّهت عليهم الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ).

وكما ذكرهم ووصفهم أمير المؤمنين (ع) بقوله:

(هم موضع سره، وملجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمته، وكهوف كتبه، وجبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه).

ومراجع الضمائر الأربعة في أمره، وعلمه، وحكمته، وكتبه عائدة إلى الله تعالى.

مناظرات الإمام الكاظم مع الحكام العباسيين

من أهم ما واجهه الإمام (ع) محاولات الخلفاء العباسيين لتحريف الدين وزرع الشبهات حول القرآن وإطلاق الأحكام الخاطئة والتأويلات الباطلة على الآيات الكريمة ودعم الحركات والتيارات المنحرفة والمعادية للشيعة كما حاولوا تبرير سياستهم الفاسدة وأعمالهم المخزية بهذا التحريف كما فعل المهدي والهادي والرشيد العباسي.

المهدي العباسي وشرب الخمر

من هذه المهازل التي حاول العباسيون تبرير مفاسدهم بها أن المهدي سأل الإمام عن حكم الخمر وهل هي محرّمة في القرآن أم لا ؟ وحاول أن يثير من خلال سؤاله شبهة حول ذلك ويجد من الإمام قولا يوافق قوله لكي يسكت الألسن التي ضجت بسياسته الماجنة ولياليه الحمراء فقال له: فإنّ الناس إنّما يعرفون النهي عنها، ولايعرفون التحريم ؟ !!

هذا كلام من تسنم أعلى منصب قيادي في الإسلام ولقب بـ (أمير المؤمنين) وهو يجهل أن شرب الخمر حرام ! ولكن أصحيح أنه يجهل ذلك أم أراد شيئاً آخر من خلال سؤال الإمام ؟ وهل أصبح تقياً وورعاً فجأة وهو من عرفه التاريخ والناس والقريب والبعيد بالمجون واللهو والانغماس في الملذات ومعاقرة الخمر وإحياء ليالي الرقص والغناء حتى قبل أن يصل إلى الخلافة فقد كان هذا ديدنه عندما كان وليا للعهد في زمن أبيه المنصور.

ولكن إذا أردنا أن نقول أنه يعلم أن الخمر حرام وتجاهل ذلك فستكون المصيبة أعظم كما يقال.

فهو بهذه الحالة يريد أن يحمّل القرآن والدين تبعات آثامه وفسقه وفجوره إضافة إلى انتزاع قول من الإمام يوافق قوله لكي يتذرع به في شرب الخمر بعد أن ضج الناس منه وكثرت شكواهم من مفاسده وموبقاته, كانت محاولة منه لعله يجد تساهلا من الإمام في الدين كما وجده عند وعاظ السلاطين من المتقوتين على سحت موائده لكي يشهر ذلك وينتقص من الإمام (ع) لكنه صعق وهو يسمع جواب الإمام:

ــ بل هي محرّمة في كتاب الله عزّ وجل.

هاله هذا الجواب الذي لم يتوقعه فقد تعود على الأجوبة التي تلائم نفسيته المريضة من قبل فقهاء البلاط المتزلفين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم ولم يتورعوا عن تحريف الأحكام والسنن من أجل إرضاء الخليفة وتبرير نزواته وشهواته.

لم يحدث أن اعترض عليه وهو (الخليفة) أحد من الناس مهما كان ذلك الشخص ومهما كان الفعل الذي يفعله فكل أفعاله مباحة وسائغة ما دام هناك من يجمّل له أفعاله فانتشر الفساد في قصوره وكثرت موبقاته وتفشت الخلاعة والمجون وكثر الظلم من قبل حاشيته للناس وهو منهمك بمعاقرة الخمر واللهو بالحمام الذي كان شغفا به.

ورغم أن سيرته قد امتلأت بالمعاصي والآثام إلا أن أحدا لم يجرؤ على الاعتراض عليه وانتقاده بل أصبحت هذه المعاصي والكبائر من المباحات بل من المستحبات التي يثاب عليها كما في حادثة غياث بن إبراهيم التميمي وهو أحد المتزلفين للمهدي وقد دخل عليه يوما فوجده يمارس هوايته التي عرف بها وهي اللهو بالحمام فذكر حديث النبي (ص): (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر) ولكنه أضاف عليها ثالثة وهي (أو جناح) ولم يتورع عن تحريف حديث النبي (ص) فضحك المهدي وكرمه !!

ورغم أن النبي قد حرم هذه الثالثة كما في كثير من الأحاديث منها قوله (ص): الحمامات الطيارات حاشية المنافقين. ومنها عن الإمام أمير المؤمنين (ع) قوله: إن النبي (ص) رأى رجلا يرسل طيرا، فقال: شيطان يتبع شيطانا. إلا أن الخليفة عندما يهوى اللهو بالحمام فعلى فقهاء السلطة أن يجيزوه له بل يحبذوه !!

لكن الأمر هنا اختلف تماما مع الإمام الكاظم (ع)

ذهل المهدي لهذا الجواب الواثق ولكنه تماسك وقال:

ــ في أي موضع هي محرّمة في كتاب الله عزّ وجل يا أبا الحسن ؟

فقال الإمام (ع): في قول الله عزّ وجل: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) .

ثم بدأ (ع) يفسر الآية من مظانها ومن منبعها الصحيح فهو (ع) أعلم الناس بالقرآن بل هو القرآن الناطق فقال: فأمّا قوله (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) يعني الزنا المعلن، ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواحش في الجاهلية.

وأمّا قوله عزّ و جل: (وَمَا بَطَنَ) يعني ما نكح الآباء، لأنّ الناس كانوا قبل أن يبعث النبي (ص) إذا كان للرجل زوجة ومات عنها، تزوّجها ابنه الأكبر من بعده إذا لم تكن أمّه، فحرّم الله عزّ وجل ذلك .

وأمّا (الإِثْمَ) فإنّها الخمرة بعينها، وقد قال الله تعالى في موضع آخر: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، فأمّا الإثم الذي ذكر إنه حرام في كتاب الله فهو الخمر والميسر، فإثمهما كبير، كما قال عزّ وجل بشكل صريح وعليه فالخمر محرم في القرآن.

دهش المهدي وهو يستمع هذا الاستدلال ولم يدر ما يقول فتدارك الموقف وقال لعلي بن يقطين وكان حاضرا:

ــ يا علي بن يقطين هذه والله فتوى هاشمية.

وقد سماها هاشمية لكي يتوسع في رقعة النسب فيقحم بني العباس ونفسه فيها وعدم حصرها في العلويين حسداً لهم وبغضا لكنه اصطدم أيضا بجواب ابن يقطين الذي نوه بطريقة غير مباشرة إلى فضل أهل البيت فقال:

ــ الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت.

لقد أراد ابن يقطين بقوله هذا أن الإمام الكاظم وأهل البيت بصورة عامة هم مصدر فخر وشرف واعتزاز لكل من يتصل بهم من رحم أو صحبة

وقد فطن المهدي إلى مغزى جواب ابن يقطين لكنه كتم غضبه وقال على مضض

ــ صدقت.

محمد طاهر الصفار

المرفقات

: محمد طاهر الصفار