المنبر الحسيني نبراس الإصلاح (ج1) المنبر والعقيدة الإسلامية

يُعتبر المنبر مظهراً إعلامياً شعبياً لتكوين رأي عام، ورسالة عالمية لنشر الأهداف، كالعدل، والحرية، والسلام، وهو إحدى صور الخطاب الإعلامي الإسلامي، ولسان صادق للتعبير عن الحالة الاجتماعية والسياسية للأُمّة، ومن خلاله ينشط التحرّك الجماهيري.

 ويمثّل الجمهور الحاضر للمنبر القاعدة الشعبية التي تتجاوب مع المفاهيم الإسلامية الحركية، والتي تتناول أهداف النهضة الحسينية كخط إسلامي، وكتجربة إنسانية فريدة، وقد لعب دوراً بارزاً في تشكيل العقل الجمعي، ومن أمثلة ذلك:

أوّلاً: تصدي المختار الثقفي لثأر الإمام الحسين عليه السلام، وارتقائه المنبر الحسيني، وانطلاق ثورته منه.

ثانياً: منبر التوّابين وما مثّله من ثورة صادقة؛ إذ ضحّوا واستُشهدوا في سبيل قتل قتلة الإمام الحسين عليه السلام.

ثالثاً: منبر عبد الله بن عفيف حين واجه الخلافة الأُموية، واستُشهد إثر ذلك...

وهناك أمثلة كثيرة غيرها قد ارتبطت بقضية الإمام الحسين عليه السلام، واستخدم أصحابها المنبر الحسيني منطلقاً لهم، وأثاروا الرأي العام والعقل الجمعي، بالإضافة إلى تناول القضايا المحلية والعالمية، وصياغة الوعي الاجتماعي وفق منظومة القيم والأخلاق الإسلامية.

وقد يقفز أحياناً لطرح قضايا اجتماعية، واتخاذ مواقف سياسية لشحن وتعبئة الجمهور، ومن أمثلة ذلك:

 خطب النبي عليها السلام؛ إذ تواردت وفق معانٍ عامّة منها: (الصلاة، التشـريع، التعليم والوعظ، التقريع والعنف)، وقد استهل النبي عليها السلام دعوته العامّة بخطبة دعا بها قومه؛ إذ قال: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم، والله الذي لا إله إلّا هو إنّي لرسول الله إليكم خاصّة، وإلى الناس كافّة، والله لتموتنّ كما تنامون، ولتُبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنّها الجنة أبداً أو النار أبداً»[2].

في هذه الخطبة تأكيد على دعوته أوّلاً، وعرض بعض حقائقها وتعاليمها ثانياً[3].

ويُعتبر الخطيب محور حركة المنبر، والقطب الرئيس في تشكيل عواطف الناس وتعبئتهم، ورسالة إعلامية للجماهير، والداعي للحرية والعدل والتضحية، وذلك من أجل الوصول إلى الأهداف النبيلة التي وظّفها الإمام الحسين عليه السلام في نهضته الخالدة، فيعتبر خير وسيلة لشحن عواطف الأُمّة، وتغذيتها بإرادة المقاومة والتحدّي أمام الصعوبات، عبر خطاب تبليغي ذي تأثير معنوي في وجدان وعاطفة الأُمّة، ومن خلال إذكاء مشاعر الغضب ضدّ الظلم والطغيان والفساد، وإلهاب عواطف الجماهير، وبث روح الوعي والحماس فيها.

لقد شكّل المنبر ركناً مهما في منظومة الشعائر الدينية الحسينية، ومن أهم الأسباب التي دعت للخوض في هذا البحث؛ الرغبة في تغطية قضية المنبر، وبخاصة المنبر الحسيني، وكشف الغطاء عن مميزاته وعلاقته بالإصلاح وتعبئة الجماهير، ممّا جعله وسيلة من وسائل التوعية المؤثرة والفعّالة.

المبحث الأوّل: المنبر والعقيدة الإسلامية

المطلب الأوّل: المنبر في اللغة والاصطلاح

يُعرف المنبر لغة بأنّه مشتق من النبر...

النبر: مصطلح صوتي، وهو مصدر الفعل (نبر ينبر نبراً)، ومنه النبرة: وهي ارتفاع الصوت مع الحدّة فيه، والمَنْبر (بفتح الميم وسكون النون) اسم آلة على وزن (مَفْعل)، أي: الأداة التي يمارس من خلالها النبر، ومن هنا جاءت دلالته الاصطلاحية مشتركة بين المكان واسم الآلة، وباختصار يُشار إلى المنبر لغة بأنّه: ما يدل على الرفع والعلو، ورجل نبار، أي: فصيح جهير؛ ولذا سمي بالمنبر؛ لأنّه مرتفع ويرفع الصوت عليه[4].

أمّا في الاصطلاح: «فهو المحل المرتفع الذي يرتقيه الخطيب أو الواعظ، يكلّم منه الجموع، سُمّي به لارتفاعه، ولازمه رفع الصوت عليه لإسماع الحاضرين، وقد كُسرت الميم على التشبيه بالآلة»[5].

فالمنبر هو مرقاة يرتقيها الخطيب أو الواعظ في المسجد، قال رسول الله عليها السلام:

«ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»[6]. ولسمو المنبر وارتفاعه كانت تقترن به الأعمال الصالحة بجميع معطياتها فكراً وأُسلوباً وسلوكاً، ومثّل منبر الرسول عليها السلام هذه الأعمال الصالحة في الفكر والسلوك والرقي نحو الكمال الإنساني والحضارة.

اتخذ المنبر صيغاً وأشكالاً مختلفة عبر تقادم العصور وتعاقب الأجيال؛ إذ له جذور تاريخية بعيدة، لكنّه يتفاوت بالأُسلوب والشكل بحسب اختلاف الزمان والمكان والأشخاص قوةً وضعفاً، وقد اتخذ أشكالاً مختلفة كالكرسي، والتخت، والعرش، والصخرة المرتفعة، والمكان المرتفع وغيرها، وبقيت جهة العلو والارتفاع عن السامعين غالباً هي القاسم المشترك بين هذه الأشكال.

والخطيب كان يتخذ من هذه الأشكال منبراً في العصور التاريخية الماضية، ليخطب عليه، ففي عهد النبي سليمان عليه السلام رُوي أنّ منبره كان من العاج المرصّع بالذهب والأحجار الكريمة، كأنّه تحفة فنية يمثّل به جانب القوة والعظمة والأُبهة التي طلبها سليمان من الله عز وجل ليغيظ بها الكفار، قال تبارك وتعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي)[7]. وقد أخذ المنبر دوره الرئيس عند حكماء اليونان وفلاسفتهم، واتخذ له جميع الصور والأشكال حتى عصر السيد المسيح عليه السلام، فاتخذ من الارتفاع الطبيعي للأرض والصخور العالية منبراً يدعو من فوقه بني إسرائيل إلى الله عز وجل، وبقي المنبر على هذه الصورة حقبة طويلة عند العرب، بل إنّ هناك من العرب مَن اتخذ ظهور بعض الحيوانات منابر لوعظ الناس وتوجيههم، كما فعل قس بن ساعدة الأيادي وغيرهم، وقد كان منبر رسول الله عليها السلام أمراً وسطاً، لا يدل على الأُبّهة والترف، ولم يقم على الارتفاع الطبيعي من الأرض، بل مثّل جانب الزهد في تركيبته، حيث اتخذ عليها السلام أعواداً من سعف النخيل وجريده، وبنى منبره الذي قامت عليه أُسس الحضارة الإسلامية، التي غزت العالم، وأخذت بالنمو والازدهار، وتوسع نفوذها في الآفاق[8].

ولا شك في أنّ النبي عليها السلام بصفته الخطيب الأوّل في العصر الإسلامي، كان يؤدّي خطبه بتعاليم عامّة، في أُسلوب عقلي وعاطفي وجداني يقترب إلى الشعر، أو في حديث وعظي تعليمي تشريعي يلقيه في المحافل، أو في المساجد، كما أنّه كان يخطب في الجيوش قبل أن تسير إلى القتال، ففي غدير خم، إذ غادرت قوافل الحجيج مكّة حتى وصلوا منطقة الجحفة، وهي مفترق طرق القوافل، هبط الأمين جبرائيل يحمل بلاغ السماء في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)[9].

من خلال لهجة الخطاب القرآني الكريم التي اتخذت شكل الإنذار، تُكتشف خطورة البلاغ الذي يتوجّب على النبي عليها السلام إعلانه للأُمّة؛ إذ كان يوماً صائفاً شديد الحر، حتى أنّه ظُلّل للنبي عليها السلام بثوب على شجرة (سمرة) اتقاء لهيب الشمس، صلّى النبي عليها السلام في تلك الظروف، ثمّ قام خطيباً، فأخذ بيد علي بن أبي طالب ليرفعها عالياً، ويهتف في تلك الحشود قائلاً: «مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه»، قالها أربع مرّات، «اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه... وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله، وأدر الحق معه حيث دار، أَلا فليُبلغ الشاهد الغائب»[10].

وعند مبايعة أمير المؤمنين بالخلافة، أقبل عليه الناس، وبعد إلحاحهم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس، إنّ الأمر أمركم، فاختاروا لأنفسكم مَن أحببتم، وأنا سامع مطيع لكم. قال: فصاح الناس من كلّ ناحية، وقالوا: نحن على ما كنّا عليه بالأمس، فابسط يدك حتى يبايعك الناس. قال: فسكت علي، وقام طلحة إلى علي فبايعه، وضرب بيده على يد علي...» [11].

وقام الإمام الحسن عليه السلام بعد شهادة أبيه عليه السلام وبيعة الناس له خطيباً على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس، في هذه الليلة نزل القرآن، وفي هذه الليلة رُفع عيسى بن مريم، وفي هذه الليلة قُتل يوشع بن نون، وفي هذه الليلة مات أبي أمير المؤمنين، والله لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنة، ولا مَن يكون بعده، وإن كان رسول الله عليها السلام ليبعثه في السرية، فيقاتل جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وما ترك صفراء ولا بيضاء إلّا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، كان يجمعها ليشتري خادماً لأهله»[12].

واتخذ الإمام الحسين عليه السلام نفس الصورة في واقعة الطفّ، فكان إذا ركب ناقته عرفوا أنّه يريد أن يخطب[13].

 وفي ليلة العاشر من المحرّم بعد أن جمع الحسين عليه السلام أهله وأصحابه، ألقى عليهم خطابه التاريخي، الذي عبّر فيه عن موقفه تجاه أعدائه، فقال عليه السلام بعد أن أثنى على الله تعالى أحسن الثناء والحمد: «أمّا بعدُ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً، أَلا وإنّي أظن يومناً من هؤلاء الأعداء غداً، وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ، ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً خيراً، وتفرّقوا في سوادكم وفي مدائنكم، فإنّ القوم إنّما يطلبونني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري»[14].

لقد رفع الإمام الحسين عليه السلام في خطبته هذه عن أصحابه وأهل بيته مسؤولية الجهاد، وفتح أمامهم أبواب الحياة، وجعل لهم الاختيار بين الموت والسلام، وأخبرهم بتقرير المصير[15].

ومن أصدق استعمالات المنبر الإعلان عن صدور القوانين والسنن الإلهية، وتوجيه الناس وإرشادهم بواسطة الأنبياء والأوصياء والعلماء، وهذا ما يقتضيه المنبر بحسب الطبع الأولي له، وقد اتخذ المنبر أفضل مراحله في زمن بعض الأنبياء؛ إذ جمع بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، كما في زمن نبي الله سليمان، ونبينا محمد عليها السلام، والأوصياء من بعده[16].

المطلب الثاني: أنواع المنابر

تنقسم المنابر إلى ثلاثة أنواع[17]:

1 ـ المنبر الجامع

هو الذي يمثّل الدين والدولة فيما إذا اتّحدا وتطابقا في النظرية والعمل، كما حصل في عصـر الرسول عليها السلام وأمير المؤمنين عليه السلام، وهو الأمثل؛ لأنّه يطبق رؤية الشارع المقدّس، ويحقق العدالة الاجتماعية؛ وذلك لوجود سلطة (تشريعية، قضائية، تنفيذية) تطبّق فيه جماعة وفرادى أحكام الله تعالى، وهو نفس المنبر الخاص من حيث السياق العام الذي سيأتي ذكره، لكنّه يمتاز منه بوجود عنصر التطبيق الجماعي علانيةً، وارتفاع التقية، وتحقيق العدالة في المجتمع.

2 ـ المنبر العام

هو الذي يمثّل الدولة على وجه التحديد، وما تحتاج إليه لأغراضها الخاصة، بتعبيره عن آرائها وتوجهاتها، ويمثّل وجهة إعلامية لها.

وهذا المنبر ليس له علاقة بالدين إلّا من حيث المظاهر والصور، لا الجوهر؛ إذ يرتقيه عادة وعّاظ السلاطين، وأصحاب المصالح والانتفاعيون، وأوضح نموذج لهذا المنبر هو ما بعد عصر الرسول عليها السلام، حيث عصر الدولة الأُموية والعباسية، ومَن ينهج نهجهم إلى ظهور الحجة عجّل الله تعالى فرجه، فيستعمل في المناسبات الخاصّة والأحداث المهمّة للدولة، وهو ظاهراً يدعو الناس للتقوى والعمل الصالح، لكنّه في الواقع يدعوهم للانحراف وإماتة روح التحرّر فيهم.

3 ـ المنبر الخاص

وهذا المنبر ليس له علاقة بالدولة، ولا يُمثّل آراءها وتوجهاتها، إنّما يحاول بث الآراء الإسلامية السليمة؛ ليثبت جوهر الإسلام، ويحدّد معالمه، ويبيّن سبيل تحرير المسلمين من أيدي الظالمين، ومن أهم المتمسكين بهذا المنبر هم الفقهاء العدول، وأعلام الدين المتورعون، من أصحاب المبدأ والثبات، وهو أداة صالحة للتعبير عن التعاليم الإسلامية الحقّة، والنهوض بدور التوعية والإصلاح، وتعميق الشعور بالمسؤولية تجاه المبادئ الإسلامية، قولاً ومضموناً، ومن أبرز مصاديقه هو المنبر الحسيني الذي يُعتبر فرعاً منه.

المطلب الثالث: المراحل المضيئة والمظلمة من المنبر الإسلامي

مرّ المنبر الإسلامي بمراحل حمل في طياتها متناقضات، وتكمن خطورته فيما يُطرح عليه، فهو تارةً يكون سبباً لرقي وتقدّم الشعوب، وتارةً يكون سبباً لانهيارها، لا لذات المنبر، بل لما يعرض عليه من أفكار وتوجّهات، ومدى صلتها بالله عز وجل وواقع الشعوب، فهو القاعدة الإعلامية للدولة، وأصبح من لوازمها وشؤونها الرئيسة، بلحاظ كون الخطيب هو لسان صاحب الدولة وما يمثّله، فإن كان صاحب الدولة يمثّل الله عز وجل في أرضه، كان خطيبه لسان خير، ومع الله عز وجل، وإن كان يمثّل الشيطان ويتبعه، كان لسان خطيبه شرّاً، ومع الشيطان، وقد مرّ المنبر بمراحل مهمة [18]، منها المضيئة، ومنها مظلمة.

المرحلة الأُولى: الرسول عليها السلام والمنبر

كان المنبر في عصره يمثّل منصّة قيادية لا يعلوها إلّا ذو مؤهّلات وكفاية خاصّة، مشتملاً على الاستقامة في الفكر والسلوك، والإخلاص في المبدأ والعقيدة، وكانت معطيات الدعوة الرسالية متجسّدة بشخص رسول الله عليها السلام آنذاك؛ إذ كان منبره عليها السلام لا يرتقيه إلّا هو، أو مَن ينوب عنه في الفكر والسلوك والعقيدة، والإخلاص لله عز وجل، ومصداق ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وخير دليل قوله عليها السلام: «علي منّي وأنا منه، ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو علي»[19]، بما في ذلك المنبر وارتقاؤه ومسؤولية التبليغ؛ لأنّ المدينة أصبحت مركز التبليغ والوحي، وعاصمة الرسالة؛ وذلك لأنّ عناصر النفس الرسالية متكاملة، وليس فيها جنبة شرك أو رجس؛ مما يؤهلها أن تكون مؤثرة في النفوس، وأكثر وقعاً على القلوب، فكان عليها السلام يسعى لإحياء الشعوب، والنهوض بها لحمل الدين الجديد، الذي يهدف إلى التكامل الفردي والاجتماعي، ولا أقل من إيجاد أُمّة واعية متفهمة ذات وحدة سلوكية، على الرغم من وجود ديانات مختلفة كاليهود والنصارى، الذين عاشوا في ذمّة الإسلام.

وأيّ نتاج قد تحقق في هذا العصر! فقد قلب موازين العالم، واهتزّت من أجله الدول العظمى، فدعاهم لتصحيح المعتقد والسلوك، بعد ما نقل الجزيرة العربية من الظلام إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الظلم إلى العدل، ومن العبودية إلى الحرية.

هكذا أنشأ عليها السلام أكبر دولة لتحرير المستضعفين في العالم، فمنبرهُ كان يجلس عليه رسول الله عليها السلام، وتتناثر منه كلمات الإله، ومن الجدير أن يُقبّل ويُصان من الأيادي الآثمة والنفوس الانتهازية.

الخلفاء الثلاثة والمنبر

بعدما كان المنبر فيّاضاً تنهال شلالات الفكر الصافي من موارده العذبة، والأنوار المضيئة تسطع من مشاكي جنباته، أخذت هذه الإشعاعات بالضعف والأفول تدريجياً؛ وذلك لانفصال مادة العلم الإلهي عن المنبر، والانشغال بعمليات التصفية الداخلية للمعارضين للسلطة الحاكمة، إذ كانوا يشغلون المنبر لتثبيت منصبهم السياسي، وإثبات الأولوية لحكمهم، وذلك بصعودهم على منبر رسول الله عليها السلام، عن ابن عباس قال: «قعد أبو بكر على منبر رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يوم سُمّي خليفة رسول الله عليها السلام، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، ثمّ مدّ يده، ثمّ وضعهما على المجلس الذي كان النبي (صلّى الله عليه وسلّم) يجلس عليه من منبره، ثمّ قال: سمعت الحبيب وهو جالس على هذا المجلس يتأول بهذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)[20]، ثمّ فسّرها، فكان تفسيره لنا أن قال: نعم، ليس من قوم عُمل فيهم بمنكر، ويفسد فيهم بقبيح، فلم يغيّروه ولم ينكروه إلّا حقَّ على الله أن يعمهم بالعقوبة جميعاً، ثمّ لا يُستجاب لهم، ثمّ أدخل أصبعيه في إذنيه فقال: إن لا أكون سمعته من الحبيب فصمتا»[21].

خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام في مسجد الرسول عليها السلام

روى عبد الله بن الحسن عليه السلام بإسناده عن آبائه عليهم السلام، أنَّه لمّا أجْمَعَ أبو بكر على منع فاطمة عليها السلام فدكاً، وبلغها ذلك، دخلت على أبي بكر، فقالت بعد أن افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله عليها السلام: «الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثَّناء بما قدّم، من عموم نعم ابتدأها، وسُبوغ آلاءٍ أسْداها... حتى قالت: وأشهد أن لا اله إلّا الله، وأشهد أنّ أبي محمداً عليها السلام عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتبله، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علماً من الله تعالى بمآيل الأُمور، وإحاطةً بحوادث الدهور، ومعرفةً بمواقع المقدور، ابتعثه الله تعالى إتماماً لأمره، وعزيمةً على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه»[22].

المرحلة الثانية: عصر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والمنبر

تسلّم الإمام علي عليه السلام الخلافة على المسلمين بعد توارد الأضداد عليه، فتوجّه عليه السلام إلى الأُمّة الإسلامية، بل إلى العالم أجمع للقيام بعمليات إصلاحية، والنهوض بهم من جديد، بعدما تفشّت الأطماع والطبقية، وظهرت القوميات والقبائل، وكثر الانتهازيون، كما لو كانت الدعوة في بادئ أمرها، إلّا أنّ الأحزاب تكالبت عليه، وكان من أهمها: (الناكثون، والقاسطون، والمارقون).

فكان منبره عليه السلام عطاءً فياضاً، ومنهلاً عذباً مستمراً، ينهل منه المحبّون والصادقون والمخلصون، على الرغم من المحن والصعوبات التي لاقاها، فأغنى الحضارة الإسلامية بمناهج شملت حقوق أعلى منصب في القيادة الإسلامية وواجباته، حتى أصغر مسلم في البلاد، وما له وما عليه، وأفاض عليه السلام بمعلومات كثيرة، وفتح مجالات وآفاقاً معرفية واسعة سبقت عصره بقرون، فأخذت الموسوعات تكتب عن أمير المؤمنين عليه السلام بشكل مكثّف، إلّا أنّها بقيت عاجزة عن الإحاطة بما قدّم للإسلام.

وفي عهده عليه السلام عاد المنبر لبناء الإنسان المسلم، وارتقى سُلّم المجد كعهد الرسول عليها السلام، وأصبح مناراً يقتدي به المؤمنون، فكان منبره عليه السلام شعلة تتوقد نوراً، وتعلو شموخاً، وتهلّل فرحاً، وتفيض علوماً، فهذا نهج البلاغة الذي هو بذرة من منبره عليه السلام خير دليل على ذلك؛ إذ أصبح دستوراً للبلغاء والعظماء، ومرجعاً للعلماء والمفكرين، ومصدراً يستعين به أهل الاكتشاف والبحث والتنقيب عن الأوائل والأواخر، وما يحيط بالعالم، وما يكون فيه وما يمكن عمله، فكان بحق (دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق)، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على عظمة المنبر ورقيه، ورجوعه إلى مكانته الطبيعية التي وُضِع لها، والغاية التي قام من أجلها؛ إذ المكان بالمكين[23] .

المرحلة الثالثة: عصر الإمام الحسن عليه السلام والمنبر

في أمالي الشيخ المفيد بالإسناد إلى هشام بن حسان، قال: «سمعت أبا محمد بن علي عليه السلام يخطب الناس بعد البيعة له بالأمر، فقال: نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسوله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله عليها السلام في أُمّته، والتالي كتاب الله فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوّل علينا في تفسيره لا نتظنى تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فإنّ طاعتنا مفروضة؛ إذ كانت بطاعة الله عز وجل ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ) »[24].

فكان عليه السلام يحاول في خطبته أن يُبيّن فضل أهل البيت عليهم السلام من خلال كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليها السلام، ويحثّ الناس على اتباعهم ليُرشَدوا، ويُطرّز خطبته بآيات من الذكر الحكيم المحذّرة للناس، ويُشير إلى الحوادث قبل وقوعها[25].

المرحلة الرابعة: عصر الإمام الحسين عليه السلام والمنبر

قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[26].

لا شك أنّ من أعظم الواجبات هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنّ سلامة المجتمع هي بالدعوة إلى المعروف ومواجهة المنكر، الذي يمكن أن يُسهم في إسقاط حياة الناس فكرياً وعقدياً، معنوياً ومادياً، سياسياً وأمنياً، اجتماعياً واقتصادياً.

عندما طرح الإمام الحسين عليه السلام مسألة الإصلاح، أعلن عنها من خلال هذه الفريضة التي تُعتبر الركيزة أو القاعدة لكلّ مُصلح يُريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد جعل لها منهجاً تتفتح به عقول الناس، وتعمل به أجسادهم، وتطبّقه جوارحهم، حتى لا يكون الفرد في عداد العاصين، ويكون من الذين قد ساهموا في أن يُعصى الله في أرضه، فعن الإمام الحسين عليه السلام: «اعتبروا أيّها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار؛ إذ يقول (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ)، وقال: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ)، وإنّما عاب الله ذلك عليهم؛ لأنّهم كانوا يرون من الظَّلَمَة المنكر والفساد، فلا ينهونهم عن ذلك؛ رغبةً فيما كانوا ينالون منهم، ورهبةً ممّا يحذرون، والله يقول: (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) »[27].

المطلب الرابع: المنبر الحسيني أهدافه ومزاياه

أ ـ أهداف المنبر الحسيني

ويمكن تلخيص أهداف المنبر كمنعطف حضاري، وغاية إنسانية أفرزتها النهضة الحسينية بما لها من آثار إيجابية للإنسان والمجتمع بما يلي:

«1ـ صياغة وعي الإنسان كشخصية إسلامية رسالية، وأُنموذج أخلاقي قادر على التوفيق بين رؤيته العقائدية الإيمانية وبين ضرورات العصر الحديث.

2ـ يُعتبر مظهراً إعلامياً شعبياً لتكوين رأي عام، ورسالة عالمية لنشر أهداف النهضة الخالدة (كالعدل، والحرية، والسلام)، وهو أحد صور الخطاب الإعلامي الإسلامي، ولسان صادق للتعبير عن الحالة الاجتماعية والسياسية للأُمّة.

3ـ وسيلة لشحن عواطف الأُمّة وتغذيتها بإرادة المقاومة والتحدّي أمام الصعوبات، عبر خطاب تبليغي ذي تأثير معنوي على وجدان وعاطفة الأُمّة، من خلال إذكاء مشاعر الغضب ضدّ الظلم والطغيان والفساد، وإلهاب عواطف الجماهير، وبث روح الوعي والحماس فيها.

4ـ طرح المفاهيم الإسلامية، وتوعية الأُمّة بحقوقها وحرياتها الأساسية.

5ـ تحقيق وحدة الكلمة والصفوف بين مختلف الحركات الدينية والتيارات السياسية، فرسالة المنبر قائمة على الوحدة الإسلامية والوطنية، بما يحقق الغايات الإنسانية والأهداف النبيلة للفرد والأُمّة.

6ـ العمل على إعلاء كلمة الله من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة للعدالة الاجتماعية والسياسية، ولبث روح العدل والمساواة، والحرية العالمية.

7ـ تجسيد مفهوم التضحية والعطاء والبذل؛ من أجل بقاء الدين وحفظ رسالة الإسلام، وضمان بقاء خطوط المقاومة في حالة استنفار معنوي يوماً بعد يوم، حتى ظهور القائم بالأمر الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه»[28].

ب ـ مزايا المنبر الحسيني

لم يكن المنبر الحسيني خاصّاً بالمسلمين أو الشيعة، بل هو لعامّة البشـرية، فخطابه عقلي، رسالي، سماوي، إنساني، وقد ركّز في صورته ومعناه على ظلامة الإمام الحسين عليه السلام، وعِظم مأساته، وعمق نهضته، وهو صورة حيّة من صور الإسلام في توجهه وبنائه، وهو يتحد مع المنبر الخاصّ في المبنى والتوجه، والموضوع والغاية عموماً، لكنّهما يفترقان في زمان معين أو مكان محدد، فالمنبر الخاص قد يتقيد بزمان خاص (كصلاة العيدين، أو الجمعة، أو غيرهما)، وبأحكام وآداب خاصّة حسب مقتضى الظرف العام، في حين أنّ المنبر الحسيني يتحرر من هذه الخصوصيات، ولا يتقيد بزمان أو مكان، فأيام السنة كلّها محاضرات وخطب.

«وأوّل مَن ثبّت معالم هذا المنبر هو الإمام زين العابدين عليه السلام في خطبته الشهيرة على منبر الدولة الأُموية وجامعها في الشام، ممّا هزّ أركان الحكم الأُموي، وأظهر زيف ادعاءاتهم، وبيّن فضل أبيه الحسين وجدّه أمير المؤمنين عليهما السلام، حتى أثار مشاعر الناس، وهكذا بدأ المنبر الحسيني يتفاعل مع المسلمين، فأخذ أهل البيت عليهم السلام يحثّون الناس على نظم الشعر في الإمام الحسين عليه السلام وإقامة المآتم، ودفع الناس على البكاء عليه، كما أخذ على عاتقه تربية الأجيال جيلاً بعد جيل وتوعيتهم، وكشف زيف التاريخ الإسلامي وما دُسّ فيه من الكذب، وتشويه الحقائق وإظهارها ناصعة البياض، وقد جسّد واقعاً يحُاكي الناس بكافة السبل والآفاق، حتى عصرنا الحاضر، وكان دائماً يلبي حاجات المؤمنين، ويسهم في بناء الشخصية الإنسانة»[29].

 وقد تميّز المنبر الحسيني بعدّة مزايا منها:

«1ـ يستخدم المنبر الحسيني الأُسلوب الخطابي في عرض العقائد والأفكار والآراء، وهو يمتاز بسلاح البيان وأداة الكلام... ولذا؛ ورد في الحديث الشريف: إنّ من البيان لسحراً[30]...

2ـ يكلّم الخطيب الجماهير بصورة حيّة، ويخاطبها بشكل مباشر وجهاً لوجه، وهما يتفاعلان معاً... وقد ثبت بالتجربة أنّ المستمعين يفضلون الاستماع إلى محاضرة الخطيب مباشرة مع النظر إلى وجهه وحركاته...

3ـ يخاطب المنبر الحسيني عقول الجماهير وقلوبها وعواطفها، فيؤثر فيها تأثيراً مشهوداً، فهو يليّن القلوب ويرققها عند الموعظة...

4ـ إنّ  المنبر الحسيني هو اللسان المعبّر عن مبادئ الحسين عليه السلام، والمدافع عن مواقفه وأهدافه؛ فهو يستعرض خلفيات الثورة الحسينية ودوافعها وأهدافها، كما يستقرئ معطياتها ونتائجها وتداعياتها، ويستجلي المواقف البطولية الواعية لسيد الشهداء عليه السلام، وأهل بيته عليهم السلام، وأنصاره، في الدفاع عن الحق والوقوف في وجه الباطل.

5ـ يمتاز المنبر الحسيني بأُسلوب خاصّ، فالخطبة الحسينية تحتوي على مزيج من العلوم والمعارف المتنوعة: (التفسير، الحديث، الفقه، الكلام، الأخلاق، التاريخ، الأدب، القصة، النادرة، النكتة)، كما تشتمل على فكرة وعاطفة وعظة وعبر، فالمنبر الحسيني يعرض على مستمعيه معلومات منوّعة... لا يغني عنها كتاب أو مقالة أو محاضرة، وغير ذلك...

6ـ يعتمد المنبر الحسيني بالدرجة الأُولى على علم أهل البيت عليهم السلام وفكرهم لمعرفة المصدرين الرئيسيين للشـريعة الإسلامية، وهما: القرآن الكريم، وسنة الرسول عليها السلام، لأنّ أهل البيت عليهم السلام أعلم الناس بكتاب الله... قال رسول الله عليها السلام: ... إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي[31]... لأنّهم ثقات في النقل، ومأمونون عن التحريف ومعصومون من الخطأ، وهم حملة علم الرسول عليها السلام...

7ـ المنبر الحسيني هو لسان أهل البيت عليهم السلام، ولهذا أخذ على نفسه بيان سيرة النبي عليها السلام وأهل بيته المعصومين عليهم السلام؛ حتى يقتدي بهم المؤمنون، ويتأسّى

المطلب الخامس: عصر ما بعد ثورة الإمام الحسين عليه السلام (الأُمّة والمنبر)

يمثّل هذا العصر مرحلة انتقالية في توجيه بعض المجتمعات إلى التفكير الجدّي؛ لإزالة التخريب في المجتمع الإسلامي؛ لذا توالت الثورات على الدولة الأُموية في عصـر ما بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وبعدما أعلن عليه السلام نهجه، نهج المؤمنين الأحرار الغيارى على مبدأهم وعقيدتهم، فقال: «مثلي لا يبايع مثله»[33]، فأعطى بموقفه هذا شعار التحرر والخلاص، ودفع الظلم وإماتة الفساد، والنهوض بالصلاح والإصلاح؛ لأنّ فيه طريق الله عز وجل ورضاه، حتى لو كان ببذل الأموال والبنين، بل حتى الأنفس، فرسم عليه السلام الطريق الواضح للأجيال، وسلكه بنفسه عليه السلام ليعبّده للآخرين، ورفع شعاره عالياً على منبر السيوف والرماح، بقوله: «إنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً، وإنمّا خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي، أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»[34]، فكان يمثّل جدّه في امتداده ونهج رسالته. وما إن قام الإمام الحسين عليه السلام بنهضته الإصلاحية، واستُشهد معه أهل بيته وأصحابه عليهم السلام، حتى حصلت صدمة كبرى للمجتمع الإسلامي آنذاك، وخرجت الثورات طالبةً بثأر الإمام الحسين عليه السلام بنفس الخطوط التي رسمها عليه السلام، فصار الفرز في المجتمعات ضمن الضوابط والمقاييس التي وفّرتها قضية الإمام الحسين عليه السلام، وسرى الفرز إلى المنبر أيضاً، ولبس ثوب الثورة الحسينية؛ لأنّه أصبح أداة كشف عن واقع المجتمعات والأنظمة، وقد اتخذ المنبر بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام عدّة مسارات حتى وصل إلى وقتنا الحاضر، وها هو اليوم يشع من جديد ليكون باعثاً للأمل في الخلاص من الظلم، في سبيل إحياء مبادئ الحرية والسلام[35].

الإمام زين العابدين عليه السلام والمنبر

وما بداية كلام الإمام زين العابدين عليه السلام في الشام، عندما أراد أن يرتقي المنبر ليُدلي بخطبته، إذ قال عليه السلام: « يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد، فأتكلّم بكلمات لله فيهنَّ رضاً ولهؤلاء الجلساء فيهنَّ أجر وثواب»[36]، فمثّل منبرهم بالأعواد، مؤكداً على انحراف المنبر الأُموي عن الغاية التي وُضع لها، فقال عليه السلام: بعد الثناء والحمد: «أيّها الناس، أُحذركم من الدنيا وما فيها... فإنّها دار فناء وزوال... حتى قال: يا يزيد، محمد هذا جدّي أم جدّك؟ إن قلت: إنّه جدّك فقد كذبت وأثمت... وإن قلت: إنّه جدّي فلِمَ قتلت والدي الحسين وسبيت عياله؟ وما إن نزل عن المنبر حتى احتووه الناس بالاعتذار»[37].

العقيلة زينب عليها السلام والمنبر

لقد تعرضت العقيلة عليها السلام لأصناف الأخلاق التي جعلت من المجتمع الكوفي بهذا المستوى المتردي، مما أدّى إلى شعورهم بالندم، والبكاء على ما كسبته أيديهم من ظلم آل النبي صلى الله عليه وآله؛ وذلك من خلال خطابها الذي ألقته؛ إذ قالت عليها السلام: «أتبكون؟ إي والله، فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، فلقد فزتم بعارها وشنارها، ولن تغسلوا دنسها عنكم أبداً...»[38].

ثورة التوّابين والمنبر

بعد واقعة الطفّ الأليمة كان معظم أهل الكوفة يشعرون بالذنب؛ نتيجة لمِا حلّ بالإمام الحسين عليه السلام وعياله، وقد تنامى هذا الشعور باتخاذ مواقف جديدة، وهو العمل على الأخذ بالثأر، فظهرت حركة التوّابين، فاختار المجتمعون سليمان بن صُرد رئيساً للحركة، وخطب فيهم خطبةً أمرهم فيها أن يتهيأوا للحرب، ويجمعوا آلاتهم، ويبذلوا كلّ ما لديهم من أجل الأخذ بثأر الإمام الحسين عليه السلام، فقال: «...اشحذوا السيوف، وركّبوا الأسنة... حتى تدعوا حين تدعوا وتستنفروا »[39]، ويتضح ممّا تقدّم أنّ خطبة سليمان بن صُرد أعطت كلّ أتباع هذه الحركة التوجيهات الهامّة لتحقيق أهدافها.

ثورة المختار الثقفي والمنبر

بعد حصار جيش المختار لابن مطيع ثلاثة أيام، خرج الأخير متخفّياً في جنح الظلام، ودخل المختار قصر الإمارة في اليوم الرابع من الحصار، فقال: «الحمد لله الذي وعد وليه النصر وعدوّه الخسـر، وجعله فيه إلى آخر الدهر وعداً مفعولاً، وقضاءً مقضياً، وخاب مَن افترى... أَلا ادخلوا أيّها الناس، فبايعوا بيعة هدى، فوالذي جعل السماء سقفاً مكفوفاً والأرض فجاجاً سبلاً، ما بايعتم بعد بيعة أمير المؤمنين علي وآل علي بيعة أهدى منها»[40].

ثورة عبد الله بن عفيف الأزدي والمنبر

«عندما صعد ابن زياد المنبر وألقى خطبته ومجّد يزيد بن معاوية، ونال من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فلم يفرغ من مقالته حتى وثب عليه عبد الله بن عفيف، فقال له: يا بن مرجانة، إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك، والذي ولاك وأبوه، يابن مرجانة، أتقتلون أبناء الأنبياء وتتكلّمون بكلام الصديقين؟!... فوثب عليه الجلاوزة  فأخذوه»[41].

 المطلب السادس: الحكم الأُموي والمنبر

«وعصر الدولة الأُمويّة، إذ لم يوسع شيئاً في دائرة الحضارة الإسلامية وتطويرها في بناء الإنسان المسلم وكماله فكرياً وعقائدياً، بل لا ثمرة عملية له؛ لأنّه يمثّل حالة ركود خلال مدّة من الزمن.

 في عصر (الدولة الأُمويّة) التي أماتت الروح الإسلامية، وأعادت الناس إلى جاهلية ثانية، ولكن بإطار جديد ومنظّم ومغلّف بصبغة إسلامية خارجية، حيث إنّ الناس قبل نهضة الإمام عليه السلام، كانوا يعيشون بأوضاع وحالات مختلفة من سبات وركود، تحت تأثير التضليل الإعلامي الأُموي الفاسد، وأصحاب دنيا وأطماع، ومَن يركنون إلى الظالمين بحجج شرعية واهية، فأخذ زبانية النظام الأُموي باستضعاف الناس ومطاردة الفئة المؤمنة، والتضييق على أولياء الله عز وجل في كلّ مكان؛ لإجبارهم على الانخراط في صفوف الجاهلية الثانية، وطاعة الحاكم الظالم، وحصلت البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد بعد أبيه على الرغم من اشتهاره بالانحراف والفسق، بل عدم إيمانه بالإسلام ديناً ومعتقداً»[42].

 وكانت أهداف المنبر عندهم ثلاثة أُمور رئيسة:

1ـ قاعدة إعلامية تدعم هدفهم في التسلّط على رقاب المسلمين، ومن أمثلة ذلك معاوية بن أبي سفيان في خطبته لأهل الكوفة، وعلى منبرها، حيث قال في مطلعها: «إنّي والله، ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا... ولكن قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم كارهون»[43].

2ـ الفساد والإفساد وبثّ الأفكار المنحرفة والأحاديث الموضوعة على رسول الله عليها السلام؛ لتشويه معالم الإسلام، وجعله يؤيد ما يرومونه في الحياة، وإبراز وعاظ السلاطين ودورهم في خدمة سلطانهم وملكهم، وكان من أبرز مظاهر ذلك شراء ذمم بعض الصحابة والخطباء، وإغداق الأموال عليهم، كأبي هريرة وغيره؛ لوضع أحاديث عن الرسول عليها السلام تناسب حكمهم، وتؤيّد مطالبهم.

3ـ قتل المعارضين لحكمهم وسياستهم، وأخذ الثأر بالخصوص من آل محمد عليهم السلام، ومواليهم وأتباعهم، والضغط عليهم وتشريدهم؛ وذلك بإلقاء الشبهات الكاذبة والافتراءات حولهم، وتصويرهم بصورة الخوارج.

لم ينتهِ مسلسل الإجرام الأُموي، إذ امتدّ إلى وقتنا الحاضر، ينشر جرائمه المخزية عبر التاريخ، ومن إفرازات عصـرنا هو داعش الذي يُكمل ما بدأ به بنو أُميّة من قتلٍ وهتكٍ وقطع رؤوس، متخذاً من الإسلام الذي هو منه براء ذريعة، وها هو يطالعنا كلّ يوم بالعديد من الفتاوى المثيرة للجدل، التي تتسبب بالقتل والدمار، كما أعلن هذا مؤسس دولتهم معاوية بن أبي سفيان كما مرّ سابقاً[44].

 

 

الكاتبة : أزهار عبد الجبار حسن

مجلة الإصلاح الحسيني – العدد الخامس عشر

مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

________________________________________

[2] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج1، ص118.

[3] اُنظر: حاوي، إيليا، فن الخطابة وتطوره عند العرب: ص72.

[4] اُنظر: ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج5، ص380.

[5] البستاني، فؤاد، المنجد: ص785.

[6] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص 554. ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل: ج2، ص276.

[7] ص: آية35.

[8] اُنظر: الموسوي، السيد كمال الدين، المنبر وأثره في بناء الإنسان: ص9ـ10.

[9] المائدة: آية67.

[10] الأميني، عبد الحسين، الغدير: ص132ـ133.

[11] الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج1، ص77.

[12] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج18، ص256ـ257.

[13] اُنظر: الموسوي، السيد كمال الدين، المنبر وأثره في بناء الإنسان: ص9.

[14] العسكري، مرتضى، معالم المدرستين: ج3، ص311.

[15] اُنظر: أسد حيدر،  الحسين في نهضته: ص196ـ 199.

[16] اُنظر: الموسوي، السيد كمال الدين، المنبر وأثره في بناء الإنسان: ص10.

[17] اُنظر: المصدر السابق: ص40ـ45.

[18] اُنظر: المصدر السابق: ص11.

[19] المحب الطبري، أحمد، الرياض النضرة: ج3، ص133.

[20] المائدة: آية105.

[21] المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال: ج3، ص682.

[22] المرندي، أبو الحسن، مجمع النورين: ص12ـ 128.

[23] اُنظر: الموسوي، السيد كمال الدين، المنبر وأثره في بناء الإنسان: ص19ـ 24.

[24] المفيد، محمد بن محمد، الأمالي: ص349.

[25] اُنظر: المصدر السابق.

[26] آل عمران: آية104.

[27] الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج1، ص204.

[28] الرضي، أحمد، الموكب الحسيني تاريخه وأهدافه، مجلة النبأ: العدد 66، ص19.

[29] الموسوي، السيد كمال الدين، المنبر وأثره في بناء الإنسان: ص46ـ52.

[30] المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال: ج3، ص233.

[31] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص500.

[32] المقدسي، محمد باقر، دور المنبر الحسيني في التوعية الإسلامية: ص58ـ71.

[33] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص325.

[34] القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين: ج1، ص11.

[35] اُنظر: الموسوي، كمال الدين، المنبر وأثره في بناء الإنسان: ص26ـ40.

[36] اُنظر: العسكري، مرتضى، معالم المدرستين: ج3، ص202.

[37] قليط، أروى قصير، خطب المسيرة الكربلائية: ص110ـ115.

[38] الحسني، نبيل، دور الخطاب الديني: ص174.

[39] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص428.

[40] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج6، ص54.

[41] الحسني، السيد نبيل، دور الخطاب الديني: ص200ـ 201.

[42] اُنظر: الموسوي، كمال الدين، المنبر وأثره في بناء الإنسان: ص13ـ 18.

[43] أبو الفرج الإصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين: ص45.

[44] اُنظر: الموسوي، كمال الدين، المنبر وأثره في بناء الإنسان: ص26.

 

المرفقات