الإمام الصادق .. قدوة الإنسان .. والإنسان القدوة

 

كانت الفترة التي عاشها الإمام جعفر الصادق (ع) من أشد وأقسى الفترات التي مرّت بها الأمة الإسلامية، إذ شهدت تلك الفترة إضافة إلى انتقال السلطة بالسيف من الأمويين المتجبّرين إلى العباسيين المتسلطين, الكثير من الفتن والحركات السياسية وتنازع الأهواء واضطراب الأفكار وظهور البدع والتيارات المنحرفة وتلاطم الأمواج وتفشي الظلم والإرهاب والانحلال.

وقد لقيَ الإمام الصادق (ع) من هاتين الحكومتين الجائرتين الكثير من الظلم والاضطهاد والتعسّف فكان عرضة للأخطار من قبل الخلفاء الأمويين والعباسيين على السواء لما يتمتع به من مؤهلات علمية وفكرية وأخلاقية تتجه إليها الأنظار وتهفو لها القلوب وهذا بحد ذاته يشكل مصدر قلق للحكام المتغطرسين، فواجه (ع) الكثير من المشاكل والمصاعب من قبلهم إضافة إلى تعرّضه للأذى من قبل المتزلفين لهم من الجلاوزة الذين يكيدون لآل محمد ويتربصون بهم الدوائر ويحيكون لهم الدسائس وهو (ع) في عصره عميد البيت النبوي وسيد الشجرة الهاشمية والمبرَّز من آل محمد.

الدور الأموي

ولد الإمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) في ليلة الجمعة في السابع عشر من ربيع الأول عام (82هـ) فقام بتربيته جدّه الإمام علي بن الحسين (ع) سيد الهاشميين في عصره وأعلم الأمة في زمانه, وبعد وفاة جده تفرّد بتربيته أبوه الإمام الباقر (ع) فنشأ في حجر الرسالة وترعرع في ربوع الوحي.

أدرك الإمام الصادق (ع) ثلاث سنين من خلافة عبد الملك بن مروان وعاصر بعده الخلفاء الأمويين كلهم حتى سقوط دولتهم سنة (132هـ) وقد لقيَ الناس الكثير من الظلم أيام الأمويين الذين بنوا دولتهم على البطش والتنكيل وأرسوا دعائمها على سفك الدماء وكان لأهل البيت (ع) النصيب الأوفر من هذا الظلم.

نشأ الإمام الصادق (ع) وسط مجتمع لا يتصل بآل البيت إلّا عن طريق التكتم والحذر لشدة المراقبة التي تحوطها به السلطة الأموية فكان طلاب العلم يتصلون بمدرسة أبيه (ع) وجده (ع) وهم في غاية الحذر والخوف لأن جزاء ذلك الاتصال هو القتل والسجن إلى الأبد.

كل هذه الأدوار شاهدها الإمام الصادق (ع) وهو يعيش وأهل بيته في دائرة ضيقة محاطاً بالرقابة متعرّضاً للاتهامات التي يحيكها ضدّه المتزلفون كما كان يشاهد بين آونةٍ وأخرى مصارع زعماء الشيعة وأعيان أل محمد من بني عمومته وسجن آخرين ومطاردة البقية منهم في أرجاء البلاد، كما كان يطرق سمعه لمدة تسعة عشر عاماً شتم جدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وانتقاص آله على المنابر حتى ولاية عمر بن عبد العزيز سنة 99 هـ فمنع السب ثم أعاده بنو أمية بعد موت عمر.

لقد أدى تمادي الخلفاء الأمويين في ظلمهم الناس وسفكهم الدماء وخاصة من آل محمد إلى قيام العديد من الثورات ضدهم ولكنها كانت تقمع بوحشية وقد قامت ثورة الثائر العلوي زيد بن علي (ع) في عهد الإمام الصادق (ع) فكان (ع) يؤبّنه ويلعن قاتليه مما حدى بالخليفة الأموي هشام بن عبد الملك إلى التضييق على العلويين فقتل من قتل وامتلأت بالآخرين السجون ورغم ذلك كانت مشاعر الناس تتوجه نحو آل محمد (ص) فكانت هناك اجتماعات سرية تسعى إلى انقلاب على السلطة الغاشمة وتحويلها لأهل البيت (ع) وبانتشار الدعاة لهذه الفكرة وحصول خلاف بين الأمويين أنفسهم اضطربت الدولة ودبّ في جسمها الضعف وأحاطت بها عوامل الانهيار.

المدرسة الإلهية

كان الإمام الصادق (ع) يرى ما يصيب الدين الإسلامي من وهن وتشويه وانتهاك فانبرى لفتح مدرسته المحمدية ليقوم بما يتوجب عليه من توجيه الناس والجهر بالحق وبث الأحكام وتعاليم الدين فكان بيته كالجامعة يزدان على الدوام بالعلماء الكبار في الحديث والتفسير والحكمة والكلام حتى عد من حضر مجلسه أربعة آلاف من العلماء. وكان يؤم مدرسته طلاب العلم ورواة الحديث من الأقطار النائية لرفع الرقابة إذ كانت الدولة الأموية تعيش أيام شيخوختها فتوافد الطلاب من الكوفة والبصرة وواسط والحجاز على تلك المدرسة العظيمة فنهلوا منها وارتشفوا من معينها النبوي.

نالت تلك المدرسة شهرة عظيمة لما تمتعت به من حركة علمية وفكرية فكان زعيمها الإمام الفذ يبث من أنواره الإلهية في صدور الطلاب ليوزّعوه بدورهم في الأقطار فكان كالشمس تنشر أشعتها في كل مكان وقد أسس الإمام أول المدارس الفلسفة في الإسلام فلم يكن يحضر حلقته العلمية أولئك الذين أصبحوا مؤسسي المذاهب الفقهية فحسب, بل كان يحضرها طلاب الفلسفة والعلوم الأخرى كالكيمياء والفلك والرياضيات وغيرها.

ويعتبر هذا الجانب من أعظم الجوانب وأهم الأدوار التي قام بها (ع) في التاريخ الإسلامي الذي شهد في تلك الفترة الكثير من الأحداث السياسية والتحولات الفكرية فأقام صرحاً فكرياً على قواعد دينية ومناهج علمية في الوقت الذي يواجه سياسة الضغط وحملات العنف ويعالج روح الأمة ويتجه إلى أوضاع أبنائها وبقيت مدرسة الإمام (ع) رغم سياسة الأمويين التي حاولت محو هذه المدرسة أعظم جامعة دينية علمية فكرية تمد الأمة بالعلماء الأعلام وتخرج الدعاة إلى دعوة الحق.

وقد حفظت لنا مصادر التاريخ صورة لمكانة الإمام الصادق العلمية في عصره ومدى انتشار علمه في الأقطار الإسلامية حتى كان اسمه في الحديث والرواية من إمارات الصحة وعلامات العلم, ففي كل مسجد من مساجد المسلمين راح الرواة المحدثون ينهلون من فيضه وكلٌّ يقول: حدثني جعفر بن محمد حتى قال أحدهم: أدركت في جامعة الكوفة تسعمائة شيخ من أهل الدين والورع كلهم يقول: حدثني جعفر بن محمد.

بقي الإمام الصادق (ع) زعيماً لهذه المدرسة في عهد العباسيين وبقيت على استقلال نهجها ووضوح مناهجها فكانت قذى في عيون السلطة العباسية كما كانت للسلطة الأموية وبدأ العداء يكبر تدريجياً حتى جاء عصر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين الذي أرسى دعائم ملكه على أشلاء الأبرياء وجعل بينه وبين أي خطر يهدده بحراً من الدماء ولم يكن لتفوته ما لجعفر بن محمد من المنزلة الرفيعة وكان يحس أن الإمام الصادق هو أكبر خطر يهدده فكانت له محاولات عديدة للإيقاع بالإمام وإدانته حتى يتمكن من قتله لكنها كانت تذهب أدراج الرياح وأخيراً تمكن من أن يدس له السم فمات (ع) شهيداً عام 148هـ.

شخصيته (ع)

كان الإمام الصادق (ع) أعظم شخصية في عصره وأعلم الأمة وأفضلها وهو أولى الناس بحفظ الدين وقد أعطى منهجه الذي سار عليه دروساً للأمة وعلمها كيف يكون المصلح الذي تقتدي به الأمة وكيف يستقل بمؤهلاته النفسية ويفرض نفسه على المجتمع بقيمه الروحية لا بالتزام القوة، فكانت شخصيته تفيض روعة فهي محور حركة علم ودين وفقه وأخلاق وكان لشخصيته الفذة أثرها الكبير على كل من عرفه, فانتزع كلمات الثناء حتى من فم ألد أعدائه فهذا المنصور الخليفة العباسي يقول فيه: (إن جعفراً كان ممن قال الله فيه: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا).

وحتى ممن خالفه في الرأي فهذا أبو حنيفة يقول فيه: (ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد).

وقد أبهر الإمام (ع) بعلمه حتى الزنادقة فهذا عبد الكريم بن أبي العوجاء يقول: (ما هذا ببشر وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ويتروّح إذا شاء فهو هذا) ــ وأشار إلى الصادق (ع) ــ

وهذا مالك بن أنس يقول: (ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق (ع) علماً وعبادةً وورعاً).

أما من الكتاب المعاصرين فهذا الدكتور أحمد أمين يقول: (وأكبر شخصيات ذلك العصر في التشريع الشيعي بل ربما كان أكبر الشخصيات في ذلك في العصور المختلفة الإمام جعفر الصادق وعلى الجملة فقد كان الإمام جعفر من أعظم الشخصيات في عصره وبعد عصره).

طابع مدرسته (ع) وأشهر من تخرّجوا منها

كانت مدرسة الإمام الصادق (ع) أكبر جامعة إسلامية أنتجت ثروة علمية وخرّجت عدداً كبيراً من رجال العلم وأنجبت خيرة المفكرين وصفوة الفلاسفة وكبار العلماء وكان طابع هذه المدرسة هو استقلالها الروحي وعدم خضوعها للسلطة, إذ لم تفسح لها المجال بالتدخل في شؤونها لذلك لم يتسنّ للأمويين والعباسيين استخدامها في مصالحهم الخاصة أو التعاون معها في شؤون الدولة فقد كان من المستحيل ذلك لأن هذه المدرسة قد أنشِئت لمحاربة الظالمين فكراً وعقيدة ومنهجاً فلم تركن لهم ولم تربطها بهم أية رابطة من روابط الألفة والانسجام, بل على العكس من ذلك فقد كانت الهوة السحيقة التي تفصل بينهما تتسع يوماً بعد يوم.

وبهذا النهج الذي سارت عليه والطابع الذي اختصت به فإنها قد أصبحت عرضة للخطر فكان النزاع بينهما يشتد والعداء يتضخم وقد صمدت هذه المدرسة أمام أشرس الهجمات وأبشعها والتي كانت تقوم بها السلطة لمحو آثار هذه المدرسة الإلهية ورغم ذلك فقد واصلت نشاطها وأنجبت أعلام الأمة من المدرسة الإمامية إضافة إلى استفادة أتباع المدراس الأخرى منها كأبي حنيفة النعمان بن ثابت إمام المذهب الحنفي وقد اشتهر قوله: لولا السنتان لهلك النعمان. وكان قد لازم الإمام الصادق (ع) في المدينة لمدة سنتين متواصلتين، ومالك بن أنس إمام المالكية وفضيل بن عياض وسفيان بن عيينية وعبد الملك بن جريح وغيرهم.

فمن أصحاب الفقه الذين كان لهم اليد الطولى في خوض غمار المعارك الكلامية ومحاربة السلطة الفاسدة ومقارعة أهل الإلحاد والزندقة ومناظرة أهل العقائد الفاسدة والآراء الشاذة والمنحرفة ومقابلة الظلمة في شدة الإنكار عليهم وتوجيه الانتقاد لهم فأشهرهم وأفضلهم أبان بن تغلب, ومحمد بن علي النعمان المعروف بـ (مؤمن الطاق), وهشام بن الحكم.

أما في العلوم الأخرى فقد برز جابر بن حيان أول من تكلم في الكيمياء ووضع فيها الكتب وترجمت بعض مصنفاته إلى جميع اللغات وألف خمسمائة رسالة في الكيمياء في ألف ورقة وقد اعترف في مسائله بأنه أخذ هذا العلم عن جعفر الصادق، وهناك الكثير من الأسماء الكبيرة التي برزت على الساحة العلمية والفكرية تخرجت من هذه المدرسة.

المذاهب المنحرفة عن عصره (ع)

امتاز العصر الذي عاشه الإمام الصادق (ع) إضافة إلى كثرة حركاته السياسية وما صاحبتها من فتن, ظهور تيارات فكرية جارفة وهزات إلحادية قوية وتطوّر غريب في النزاعات والاتجاهات وحدثت عصبيات جاهلية مذمومة فكان للإمام الصادق الدور الأكبر في مقارعة تلك التيارات والفرق فجادل أهل الباطل وباحث الفلاسفة والدهريين وأهل الكلام والجدليين والغلاة فأبطل مقالاتهم الفاسدة وسفسطتهم الفارغة وأوضح اعوجاج مذاهبهم والتواء سبلهم ولولا قيام الإمام (ع) بتلك المهمة وموقفه المحامي عن الشريعة الذائد عنها لأخذت تلك الأفكار بعقول الناس ومُحيت الشريعة من نفوسهم وقد أملى الإمام الصادق (ع) على تلميذه المفضل بن عمرو احتجاجاته على الزنادقة وأرباب المدارس الفلسفية والكلامية وهو ما يعرف بكتاب (توحيد المفضل).

موقفه (ع) من السلطة

كان من رأي الإمام الصادق (ع) عدم الاتصال بالسلطة ومقاطعتها ونهى أصحابه عن عقد البيعة للعباسيين وكان ينصحهم في التجافي عن شؤون الدولة في عصره وقد عرض عليه الخلافة أبو سلمة الخلال وزير أل محمد في دعوة العباسيين قبل وصول الجند إليه فأبى (ع) قبولها ولم يقتنع أبو سلمة بهذا الرد وحاول إقناع الإمام بكل صورة لكنه فشل وعندما أقبلت الرايات كتب أبو سلمة إليه: إن سبعين ألف مقاتل وصلوا إلينا فانظر أمرك. فأجابه (ع): إن الأمر للسفاح وبعده للمنصور.

كما أنه (ع) لم يستجب لما دعاه إليه أبو مسلم الخراساني قائد الثورة في بلاد فارس والذي كتب له: إني قد اظهرت الكلمة ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى مولاة أهل البيت فإن رغبت فلا مزيل عنه. فأجابه الإمام الصادق (ع): ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني.

فهو بنظره الصائب ومنهجه السديد وعلمه بما وراء الحدث لا يرى أن يستجيب لدعوة لا ترتكز على ما يُؤمَّلُ منها تحقيق أهداف الأمة الإسلامية وإصلاح الأوضاع الفاسدة لعمله بأن هؤلاء الذين أظهروا الولاء لم يكونوا مخلصين في ذلك وإنما هناك غايات في نفوسهم أرادوا منه أن يوافقهم عليها فرفض أن يكون أداة لغيره فكان ينظر إلى الأمور بعين الناقد البصير.

نبذة من اخلاقه (ع) وآدابه

ليس أدل من الآية الكريمة (وإنك لعلى خلق عظيم) على مدى ما تتمتع به هذه السلالة العظيمة من الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة فهذا الخُلق الذي ورثوه عن جدهم (ع) لم يحمله سوى الأنبياء ولو أردنا استعراض الحوادث التي دلت على ذلك لاحتجنا إلى فصل مطوّل لكننا نختصر في نبذة قصيرة بعض الأخلاق التي حملها الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) فهي خير مثال وقدوة للإنسان والمجتمع.

قال أحد أصحابه: رأيت عند أبي عبد الله (ع) ضيفاً فقام يوماً في بعض الحوائج فنهاه أبو عبد الله عن ذلك وقام بنفسه إلى تلك الحاجة وقال (ع): نهى رسول الله عن أن يستخدم الضيف.

ومن تعاليمه في الأخلاق: ألا من كان منا فليقتد بنا وإن من شأننا الورع والاجتهاد وإداء الأمانة إلى البر والفاجر وصلة الرحم وإقراء الضيف والعفو عن المسيء ومن لم يقتد بنا فليس منا، لا تسفهوا، فإن أئمتكم ليسوا بسفهاء.

وقال لولده موسى الكاظم (ع): يا بُني إفعل الخير إلى كل من طلبه منك, فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه وإن لم يكن له بأهل كنت أنت أهله، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحوّل إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل منه.

وهناك الكثير من الأقوال الحكيمة آثرنا الاكتفاء بما ذكرناه خوف الاطالة.

الامام الصادق (ع) القدوة

لقد كانت حياة الإمام الصادق (ع) قدوة في كل شيء. فهو قدوة لطلابه يقبل عليهم بوجهه الملائكي ويفيض عليهم من أنوار علمه وهو قدوة للعالم العامل إذ لم يقعده الضغط السياسي الذي استعمله الحكام لإخضاع تلك الروح الكبيرة التي كانت أكبر من عروشهم وهو قدوة للسياسي فقد كان يجهر بالحق ويرشد الناس ويحذرهم من مخالطة الظلمة وينهى عن إعانتهم.

هو قدوة للفقيه إذ لم يسخر فقهه للجانب السلطوي في سبيل تحقيق مآربها وإضفاء الصبغة الشرعية للظلمة والفساق على حساب العقيدة، وهو قدوة للإنسان الذي يطمح إلى التكامل. لقد كان قدوة في كل حركاته وسكناته وقدوة في سلوكه وفي مجالسته لأصحابه.

خاتمة واستنتاج

لم تعرف الأمة الإسلامية داعياً إلى الإصلاح أعظم من الإمام الصادق (ع) في عصره وبعد عصره، قد برز ذلك جلياً في دوره في الحفاظ على أصالة الفكر الإسلامي وفي الذود عن كيان الأمة وهو في ذاته (ع) هدف للسلطة وغاية للحكام الطغاة الذين يسعون إلى القضاء على شخصيته لما تمثله من قوة روحية وثقل ديني.

وفي خضم هذا المعترك السياسي المتلاطم بأمواج الفتن والحركات السياسية والفكرية والتيارات استطاع الإمام أن يحصّن الإسلام بسده المنيع فأسس تلك المدرسة العظيمة التي استطاعت أن تطلق الفكر الإسلامي من الجمود إلى التحرر وتوسع دائرة المعرفة بنشر العلوم الإسلامية.

نستطيع أن نلخص مواقف الإمام (ع) الخالدة في بعض النقاط لكي تتضح لنا أهم المعالجات التي قام (ع) بها لتقويم أود المجتمع وتضميد جراح الأمة:

1 ــ من أبرز سماته (ع) هي النهي عن الظلم ومحاربة الظالمين وقد نهى أصحابه عن التعاون معهم والركون إليهم وهذا الموقف هو الذي يثير في نفوس الحكام الظالمين الخوف والقلق.

2 ــ بيّن في قوله (ع): (الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم), أن الفقيه يجب أن يكون ورعاً لا يظهر التسامح مع الظالمين على حساب العقيدة والأحكام فيكون سفك الدماء تأويلاً وسلب الأموال وانتهاك الحرمات اجتهاداً, وقد حذّر الناس بقوله هذا من هؤلاء الفقهاء المتزلفين الذين يسبغون أبراد القدسية على السلطة الظالمة دعماً لنفوذها وصيانة لسلطانها.

3 ــ كان (ع) يجاهر بالحق وله في ذلك مواقف كثيرة ويسعى إلى فضح سيرة الظالمين الذين تسلطوا على رقاب الأمة ويكشف حقيقة ظلمهم وواقع فسادهم الذي تلبس بالإسلام وتستر بشعاراته.

4 ــ أدار (ع) إمامته على قواعد الإصلاح والإرشاد وإقامة مجتمع ديني مستقل بروحيته عن أغراض السياسة والملك ولا يتصل بالسلطة.

5 ــ كان (ع) لا يرى أن يستجيب لدعوة لا تثمر أهدافاً إصلاحية وقد عُرف بنظره الصائب ومنهجه السديد أن الذين دعوه إلى النهوض بالأمر من أولياء العباسيين لم يكونوا مخلصين بل كانوا أصحاب غايات ومطامح فرفض دعوتهم.

6 ــ استطاع (ع) أن يوجّه الأمة إلى الشعور بالمسؤولية وإفهامها نظم الإسلام الصحيح وتطبيقه بين أفرادها عن طريق العلم وحرية التفكير والحوار فعالج مشاكل ذلك المجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة.

7 ــ استطاع (ع) أن ينشر روح الإسلام بين أصحابه من خلال خُلقه العظيم وصفاته الحميدة ودعوته للألفة والأخوة بينهم.

8 ــ كان (ع) آية في الإخلاص والصبر والحكمة والكرم والحلم والشجاعة.

لقد تفرد الإمام الصادق (ع) بشخصية لم يجد لها التاريخ مثيلاً في ذلك العصر وما بعده فكان وحده أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر حتى قال فيه عبد الله بن المبارك:

أنتَ يـا جعفــرُ فوقَ المدحِ والمــدحُ عناءُ

إنَّما الأشرافُ أرضٌ ولـهمْ أنـــتَ سـمــاءُ

جازَ حـدَّ المــدحِ من قد ولدتــه الأنبـيــاءُ

 

محمد طاهر الصفار

المرفقات

: محمد طاهر الصفار