تأمُلٌ في دعاء اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك

(اَللّهُمَّ زَيِّنِّي فيهِ بالسِّترِ وَ الْعَفافِ، وَاسْتُرني فيهِ بِلِباسِ الْقُنُوعِ و َالكَفافِ، وَاحْمِلني فيهِ عَلَى الْعَدْلِ وَ الْإنصافِ، وَآمنِّي فيهِ مِنْ كُلِّ ما اَخافُ بِعِصْمَتِكَ ياعصمَةَ الْخائفينَ(

 

الزينة

قال تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ)[الصافات – 6]، الزينة هي ما يزين به الشيء ليزيد جماله، أي الظهور بالمظهر الحسن الجميل، فهنالك أمور تزيد من جمال الشكل، فتقول لمن قام بطلاء داره أو سيارته أو غيرهما أنه زينه، وكذلك الإنسان عندما يقوم بتجميل نفسه يقال إنه تزين، وأصل الزينة محببة شرعاً، قال تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)[الأعراف – ٣٢]؛ وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام : (ان الله جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده)[الكافي ج6 ص438]، ولكن الشريعة الإسلامية جعلت للزينة ضوابط وحدود للحفاظ على كيان الإنسان وجوهره، وكذلك للحفاظ على السلوك العام في المجتمع بلا إفراط أو تفريط.

 والزينة لا تقتصر على الأشكال والمظاهر؛ بل تشمل روح الإنسان التي يظهر جوهرها ببعض الصفات، فعندما تظهر الصفات الحسنة يقال أنه تزين بحسن الخلق أو بالكرم أو بالعلم أو بالحلم أو غيرها من الصفات الحسنة، والعكس بالعكس فعندما تظهر الصفات السيئة يقال أنه قد شان نفسه.

 

زينة الرجل

البعض يتصور أن الزينة أمر خاص بالنساء؛ كلا بل وردت الكثير من الروايات الشريفة على إستحباب الزينة للرجل، وهي التجمل والظهور بمظهر حسن، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: (إن الله يحب الجمال والتجمل، و يكره البؤس والتباؤس، فإن الله عز وجل إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى عليه أثرها، قيل : وكيف ذلك؟ قال عليه السلام: ينظف ثوبه، ويطيب ريحه، ويحسن داره، ويكنس أفنيته، حتى أن السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر، ويزيد في الرزق)[البحار ج76 ص282]، ولكن هنالك ضوابط في لباس الرجل قد جعلتها الشريعة السمحاء، -وقلنا هذه الضوابط هي للحفاظ على الإنسان وجوهره وسلوكه- فمنها : أن لا يكون لباس شهرة؛ لأنه يحرم على المؤمن لبس ما يظهره في شنعة وقباحة وفظاعة عند الناس، لحرمة هتك المؤمن نفسه واذلاله اياها، ومنها : لا يجوز التشبه بأعداء الله فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام (إنه أوحى الله إلى نبي من أنبيائه قل للمؤمنين: لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي)[وسائل الشيعة ج 3 ص 279]، ومنها : ويحرم على الرجل لبس الذهب أو الحرير.

 

 

 

زينة المرأة

يستحب للمرأة التزين وخصوصاً أمام زوجها؛ ولكن على أن لا تظهر المرأة زينتها أمام الأجنبي، والأجنبي هو غير الذين ذكرتهم الآية الكريمة (...وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ...)[النور -31] وكذلك جسد المرأة عدا الوجه والكفين يحرم إظهار شيء منه أمام الأجنبي، ومن الزينة هو الظهور أمام الأجنبي بالملابسة الفاتنة أو الضيقة، وكذلك وضع مساحيق التجميل البارزة وإظهارها أمام الأجنبي، وكذلك طلاء الأظافر والحُلي والمجوهرات، بل يشترط حتى في الحذاء والجورب والحجاب أن لا تكون ملفتة للنظر وجاذبة، وكذلك العطر أن لا يكون يشمه الأجنبي ويكون جاذباً، وأيضاً أن لا يكون لباس شهرة او تشبه بأعداء الله.

 

اعتراض الجهلة

البعض يعترض على أن الإسلام قد قيد المرأة بهذه القيود، وفي الحقيقة هذا إعتراض الجهلة؛ لأن الإسلام جاء ليعز المرأة ويرفع من شأنها بعد ان كانت وضيعة في زمن الجاهلية، فكانت تباع وتشترى وتورث، فجاء الإسلام ليجعل منها العنصر الأهم في هذه الأرض ويجب الحفاظ عليها، ويجب أن يتكفل الزوج بمعيشتها ويوفر لها ما يناسب مكانتها، كما قد جعل بذل الروح دونها شهادة. وللأسف بدئت تعود تلك الأمور في زماننا، فالنساء أصبحت تباع وتشترى في بعض البلدان، والبعض يغطي شراءه لها بعنوان عقد عمل.

 

زينة الستر والعفاف

الستر هو ما حجب وأخفي عن النظر، والعفاف هو الكف عما لا يحل، فإن من أجمل ما يتزين به المؤمن هو الستر والعفاف، فعنوانهما عام وواسع، فهما ليسا خاصين بالنساء؛ فالرجل أيضاً ينبغي عليه التزين بالستر والعفاف.

فالستر أن يستر الإنسان نفسه ويستر على غيره، فيغطي عيوبه، ولا يظهر عيوب الآخرين، وكذلك العفاف يشمل عفة البطن وعفة الفرج وعفة الملبس وعفة الخُلق، قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ..﴾[النور – 33] وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: (أيّها الناس إنّ الله يحبّ من عباده الحياء والستر...)[مستدرك الوسائل ج8 ص463] ، وإستفاضت الروايات الشريفة في مدح العفة والعفاف والتي يرى منها وجهة نظر الإسلام للعفاف ولماذا أكد عليه، وكذلك ليعلم المعترض على تقييد المرأة ببعض القيود، والتأكيد على عفتها، نكتفي بما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في غرر الحكم : (العفاف يصون النفس وينزهها عن الدنايا، العفاف زينة الفقر، زكاة الجمال العفاف، من عفّت أطرافه حسنت أوصافه، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة، طوبى لمن تحلّى بالعفاف، ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممّن قدر فعفّ، إذا أراد الله بعبدٍ خيراً أعفّ بطنه وفرجه) ينبغي للمؤمن الوقوف عند تلك النصوص قليلاً والتأمل فيها وفي أبعادها وتأثيرها على حياته بل على شخصه وشخصيته. فتأمل.

 

 

(وَاسْتُرني فيهِ بِلِباسِ الْقُنُوعِ و َالكَفافِ)

ومن أهم الأمور التي يطلب الؤمن الستر فيها هي القناعة والكفاف فروي عن أمير المؤمنين عليه السلام (على قدر العفّة تكون القناعة)[غرر الحكم ج1 ص451]، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله (طوبى لمن رزق الكفاف ثم صبر عليه)[البحار ج69 ص68] فمن لا يقنع بمالٍ أو غيرها من أمور الحياة لا يقنع بجميع مال الدنيا، وعدم القناعة هو الذي سيجره إلى الحرام، وكذلك من لا يكف نفسه عن رغباتها فستفضحه بشهواتها، فينبغي على المؤمن القناعة والكفاف بما تيسر له، وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام (الرضا بالكفاف يؤدّي إلى العفاف)[غرر الحكم ج2 ص484]، فيظهر من هذه الرواية الشريفة أن المقطع الأول من الدعاء متوقف على المقطع الثاني، فالقناعة والكفاف هما اللذان يحققان الستر والعفاف.

 

(وَاحْمِلني فيهِ عَلَى الْعَدْلِ وَ الْإنصافِ)

قال تعالى: ﴿إنّ اللّه يأمر بالعدل والاحسان﴾[النحل – 90]، وروي عن الإمام الرضا عليه السلام : (استعمال العدل والاحسان مؤذن بدوام النعمة)[البحار ج72 ص26]، فبلا عدل لا يكون هنالك استقرار في الحياة كما يصرح بذلك أمير المؤمنين عليه السلام (العدل حياة) فلا عدل يعني لا حياة، فالواقع المؤلم الذي نعيشه اليوم هو نتيجة عدم وجود العدل، وإن كانت تهتف به الشعارات، فلذا عندما يظهر ولي نعمتنا الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يظهر على أساس العدل؛ لأن الغاية من إقامة حكومته هو عودة الحياة إلى الناس بعد أن أعدمتها يد الظلم والجور.

يعتقد البعض أن العدالة فقط في الحكم، كلا بل العدالة تدخل في جميع جوانب الحياة، فالعدالة في الدين، والعدالة  في التعامل مع الآخرين، والعدالة في العمل، والعدالة في الأسرة، والعدالة مع النفس، وهذه الأخيرة أهمها؛ لذا في هذا الدعاء قد خصصها بعد ذكر العدل بقوله (والانصاف) لأنه يبدء من النفس ثم مع الآخرين كما يشير إلى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام (غاية العدل أن يعدل المرء من نفسه)[غرر الحكم ج1 ص469].

 

(وَآمنِّي فيهِ مِنْ كُلِّ ما اَخافُ بِعِصْمَتِكَ ياعصمَةَ الْخائفينَ) تأملها ليطمأن قلبك.

 

فالخلاصة:

ان الزينة من الأمور المحببة شرعاً وجعلت لها ضوابط لتنظيم حياة الإنسان وسلوكه والحفاظ على المجتمع. ان الزينة تشمل الرجل والمرأة، وأن الزينة مادية ومعنوية. ان من أفضل الزينة هو الستر والعفاف، وهما لا يتحققان إلا بالقناعة والكفاف. ان العدل هو روح الحياة، فلا حياة بلا عدل، وأول العدل هو أن يعدل الإنسان مع نفسه.

 

إبراهيم السنجري

مؤسسة الإمام الحسين عليه السلام للإعلام الرقمي

 

المرفقات