المرأة الرّساليّة الواعية ... السيّدة خديجة بنت خويلد "عليها السلام"

في العام العاشر من مبعث النبي الاكرم "صلى الله عليه واله" وفي العاشر من شهر رمضان المبارك من ذلك العام، توفّيت زوجته"صلى الله عليه واله" السيِّدة خديجة، أي في السّنة الثّالثة قبل الهجرة ، بعد خروج المسلمين من شعب أبي طالب بأشهر، بسبب مرضٍ ألمّ بها، لتنتهي بذلك خمسة وعشرون عامًا من الكفاح والتّضحية قضتها في سبيل الرّسالة، ومؤازرة نبي الاسلام محمد "صلى الله عليه واله" ، وكان ذلك بعد ثلاثة أيّام من وفاة أبي طالب عمّ النبي الاكرم محمد، ما دفع النبيّ "صلى الله عليه واله" إلى تسمية هذا العام بعام الحزن، لفقده اثنين من أشدّ المناصرين للرّسالة الإلهية.

ويؤكد اغلب المؤرخين ان السيدة خديجة قبل زواجها، لم تكن امرأةً عادية في مكّة المكرمة، بل كانت من أشرافها، ومن كبار تجّارها، لها تجارتها الكبيرة الواسعة مع بلاد الشّام، وقد بلغت في الشّأن والموقع حتى لُقِّبت بسيّدة نساء قريش[1].

وقد عاشت السيّدة خديجة مع الرسول الاكرم "صلى الله عليه واله" حياةً تأسّست على تبادل المودّة والرّحمة والمشاركة، فقد شاركته تأمّلاته وأسئلته ونقده للسّائد والموروث وللممارسات الجاهليّة والعبادات الباطلة والأوهام الزائفة آنذاك، التي لم تلق قبولاً في عقله، بسبب ما أحاطه الله به من رعاية وعناية لم تكن لغيره من البشر، وحيث انها تفاعلت معه في كل شيء، فلم تكن السيدة خديجة "عليها السلام" على هامش اهتماماته.

هناك حقيقه تاريخية، ان السيدة خديجه أمّنت لرسول الاعظم محمد "صلى الله عليه واله" كلّ سبل الرعاية، عندما قرّر أن يخلو بنفسه في غار حراء، للتعبّد والتأمّل والتفكّر، بعيداً عن الجوّ العامّ جوّ لهوٍ وعبادةٍ للأصنام وحبٍّ للمال وتنافسٍ إلى حدِّ التّناحر.  ويذكر اغلب المؤرخون ان السيّدة خديجة "عليها السلام" كانت تقطع مسافة كثيرة تصل حوالي خمسة كيلومتر مشياً على قدميها، وتصعد الجبل العالي حتى تؤمن للنبي الاكرم محمد "صلى الله عليه واله " الطعام والشَّراب.

وإنَّ ما ميَّز الاثر التاريخي للسيدة خديجة "عليها السلام"، هو صبرها وإيمانها واستعدادها للتضحية بكلّ شيء، فهي التي بذلت كلّ مالها من أجل الاسلام ونبيه، كما انها اختارت بإرادتها أن تعيش مع  الرسول الاكرم محمد "صلى الله عليه واله" حياة صعبة لا تعيشها أمثالها ممن يمتلكن ما تملك من مال وشرف وجمال.

وعندما استنفرت قريش كلّ قدراتها وإمكاناتها لمواجهة النبي الاكرم محمد ورسالته، وقفت السيدة معه وداوت جراحه وآلامه، وتعرّضت هي ايضا لأذى الهجران والقطيعة من نساء قريش، بسبب إيمانها ومساندتها للنبي الاكرم محمد "صلى الله عليه واله" .

وعليه صمدت السيدة خديجة معه، حين صعّدت قريش من ضغوطاتها، لتصل إلى أشدّ المراحل حراجةً؛ الا وهو الحصار، ما عرف في المصادر التاريخية بحصار" شعب أبي طالب"، يوم قرّر زعماء قريش معاقبة بني هاشم، عشيرة  النبي الاكرم محمد "صلى الله عليه واله" ، على مساندتهم ووقوفهم معه، وتحالفوا على وثيقة ملزمة لكلّ قريش تنصّ على أن لا يبيعوهم ولا يشتروا منهم ولا يزوِّجوهم ولا يتزوَّجوا منهم ولا يكلِّموهم ولا يؤووهم، حتى يسلّموا لهم  النبي الاكرم محمد "صلى الله عليه واله" ، أو يرفعوا أيديهم عن نصرته وحمايتهم له[2].

وتؤكد الروايات التاريخية ان السيّدة خديجة في حينها كانت عند أهلها، لكنّها أبت إلا أن تلتحق إلى الحصار، وعانت هناك ما عاناه المسلمون، بذلت السيِّدة خديجة كلّ ما تملك من مالها، حتى لم يبق معها شيء منه لشراء الطّعام للمحاصرين، حتى قال حينها النبي الاكرم محمد "صلى اله عليه واله" : "ما نفعني مال قطّ مثل مال خديجة"[3].  يبدو ان الحصار الذي استمرّ ثلاث سنوات على المسلمين في شعب ابي طالب، كان له أثر كبير في اعتلال صحّة السيدة خديجة، ومن ثم وفاتها.

ويتبين لنا من ذلك، ان السيِّدة خديجة كانت مثالاً للمرأة الرساليَّة، لم تعف نفسها من المسؤوليَّة ومن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تتراخَ في أيّ مرحلة من مراحل الدعوة الاسلامية، وهي بذلك استحقّت الكرامة من الله "عزوجل"، كرامة السّبق للإسلام والإيمان، فكانت ممن قال الله  "عزوجل "عنهم ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾[4]. وكما ورد في الحديث النبوي، أنّ جبرائيل "عليه السلام" نزل على  النبي الاعظم ليبلغه أن يَقرأَ على  السيدة ام المؤمنين خديجة السّلام من ربّها، وأن يبشِّرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب[5].

وكانت لخديجة منزلة كبيرة وموقع مميّز في قلب النبي الاكرم محمد "صلى الله عليه واله" حيث يؤكد ارباب التاريخ ان عائشة قالت للنبي الاكرم يوماً ما : ما أكثر ما تذكرها! قد أبدلك الله "عزَّ وجلَّ" بها خيراً منها. فقال النبي الاكرم "صلى الله عليه واله" :"ما أبدلني الله عزّ وجلّ خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي النَّاس، وصدّقتني إذ كذَّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني النّاس"[6].

وقد ارتأت المشيئة الربانية أن يكون من نسل ام المؤمنين خديجة "عليها السلام"  السيدة الزَّهراء والأئمة "عليهم السلام" ممن أذهب الله عنهم الرِّجس وطهَّرهم تطهيراً. حيث يؤكد الإمام جعفر الصَّادق "عليه السلام"  على ذلك عندما قال: "إنَّ الله تعالى جعل خديجة وعاءً لنور الإمامة" [7].

جعفر رمضان

 

[1] للمزيد من التفاصيل حول ذلك الموضوع ينظر. عبد الحميد محمود طهماز ،السيدة خديجة أم المؤمنين وسباقة الخلق إلى الإسلام، (دمشق: دار القلم، 1996).

 

[2] للمزيد من التفاصيل حول بنود الوثيقه ينظر. بو نعيم الأصبهاني ، دلائل النبوة، تحقيق: محمد رواس قلعه جي - عبد البر عباس،(بيروت : دار النفائس،1986)،ج 1.

[3] محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (طهران: احياء الكتب الإسلامية)، ج 16 ، ص 16

[4] سورة الواقعة، الآية 10-12

[5] للمزيد من التفاصيل عن ام المؤمنين خديجه ينظر. عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن الخثعمي السهيلي ،الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ، تحقيق: مجدي بن منصور بن سيد الشورى، (بيروت: دار الكتب العلمية)، ج1، ص278 – 279.

[6]محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي ، سير أعلام النبلاء، تحقيق: حسان عبد المنان،(بيروت: بيت الأفكار الدولية )، ج 2، ص 82 ؛ بو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني ،  الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض،(بيروت: دار الكتب العلمية،1415) ، ج 4، ص 275

[7] علي بن الحسين المسعودي، إثبات الوصية،(قم المقدسة : مؤسسة انصاريان للطباعة والنشر،2006)، ص 144

 

المرفقات