اختزالات الذات ..

اللوحة تحمل توقيع التشكيلي العراقي علي النجار الذي يعد احد اقطاب الفن التشكيلي العراقي لجيل الستينات من القرن العشرين، لكنه أقلهم ضجيجا ومغالاة بفنه واسلوبه الفريد، فلم ينضم إلى جماعات فنية مع ابناء جلدته من الجيل الستيني و لم يصدر بيانات فنية تندد بالعالم وتطالب بفهم مغاير للفن وأدوار جديدة للفنان، وكان مكتفيا بكونه معلّما للرسم في إحدى مدارس بغداد ورساماً للوحات تجريدية متقشفة تدل على اختلافه عن اقرانه وعن المشهد التشكيلي العراقي .  

اللوحة اعلاه احدى ابداعات النجار النادرة وهي تمثل مجموعة من العلاقات ذات الاتصال الشكلي مع التنوع في طبيعة المفردة المتصلة مع مجاوراتها من المفردات التي يبنى منها العمل فهناك أشكال محورة ومختزلة هندسية دائرية ومربعة واسطوانية توزعت على سطح العينة على وفق آلية القصد البنائي للشكل.

اتجه النجار في اللوحة إلى ضبط وتقسيم المساحات بتوازن لافت يؤكد فيه أهمية ديناميكية الخطوط والشد البصري للأشكال والسطوح المجاورة، حيث الأشكال الخطية التي تبدو في حركة متراصة لاعتمادها على وحدة أساسية تتكرر متجمعة مع وحدات أخرى متشابهة لينتج عنها بناء بإيقاعات متعددة تمنح الاشكال تنوعاً ديناميكياً مقتصراً على ألوان الاوكر والبني بدرجاته المتفاوتة وبشكل مختزل ويسير مبتعدا عن التفاصيل الشكلية .

اعتمد النجار على الخط والسطح الملون في اغلب اعماله مما جعله يتفرد ويذهب في منطلقات أسلوبية متميزة في جو يجد في العتمة فيها آفاقه المعبرة عن الأسرار. فالخط عنصر الحركة الأساس، عنصر الربط بين الكتل والسطوح والفضاءات، فهو يساهم مع الإيقاع اللوني المنتظم داخل الكتل اللونية في إيجاد علاقة تبادلية تفسر لنا الحالة الشعورية التي يعيشها الفنان في أثناء عملية الخلق الفني .. فأحياناً نرى أن الخط يأخذ لديه مساراً ينحني الى الداخل أو الخارج دون أن يشكل زوايا حادة فيشكل مع الكتل اللونية حالة من الشعور بالابتهاج ، لأن مسار الخط والمساحات اللونية أوجدت حالة من التكوينات البصرية في اللوحة، تكشف عن صورة ذهنية تبعث بإيحاءات تلامس مواطن السرور بالنفس. وعكس ذلك حين يأخذ مسار الخط زوايا وضربات حادة فيخفت الضياء في الإيقاع اللوني وتنتاب المتلقي حالة من الحزن بسبب ما يراه في جو اللوحة.        

أن الموضوع الذي عالجه النجار استوحاه من الجسم البشري مما وهبه الكثير من حرية الاختزال الذي غض النظر فيه عن تفاصيل التشريح الأكاديمي والمنظور الواقعي والقواعد التقليدية في الفن، وهذا ما نهجته المدرسة التكعيبية في تخليها عن كل المفاهيم الواقعية فتحول الشكل فيها إلى سطوح تعتمد التحليل والتركيب، ويحق للفنان أن يصور لوحته بأي مادة كانت، إذ ركزت على التقنية في عملية هدم الأشكال الواقعية، وكل ذلك كان متصلا اتصالا عضويا بالشكل أكثر من صلته بالمضمون وهنا يتأكد الدور الكبير الذي لعبه الاختزال في اللوحة.

استطاع النجار في هذه اللوحة تغيير ما تعلمه والانقلاب عليه من خلال إعادة بناء منظومة المعرفيات التي تلقاها من الحياة والفن بصياغات أكثر معاصرة بعد ان كشفت لديه وجهات نظر مختلفة ومتضادة تنال الثوابت في الفن.

كان لاستفادة النجار من الأساليب الفنية الغربية وخصوصا الأسلوب التكعيبي لمسايرة ذوق العصر وتحقيق رضا داخلي في كسر الإيقاع الأسلوبي الفردي، اذ أصبح الشكل الهندسي للنجار بمختلف وسائل المعالجة التي تبناها مكون بارز في اللوحة، ولا يوجد هناك أسلوب فني حديث آخر استطاع أن يفرض وجوده على الفنان أكثر من هذا الأسلوب.

اعتمد الفنان على أرادته في بحثه عن حلول متناغمة لمشاكل التنسيق والإيقاع اعتماداً على سلطة الذات المطلقة، فهو لم يتبع قاعدة غير الوسائل الذاتية التي تعتمد الحدس في تكوين العلاقات واختيار الشكل الذي يعبر عن أسلوبه، وهذا أتاح له الحرية في اغلب اعماله التي تحتاج الى الابداع حدسي.

علي النجار فنان بحسه وعطائه التشكيلي حيث افلح بإرساء معالمه ليقدمه ببصمة واضحة وهوية وروحية عراقية خالصة جعلته يرتقي بالإبداعية، فالميزة الأساسية التي يتميز بها الفنان هي المعايشة والمكابدة الصادقة للحياة، محاولا أن يعكسها بجمالية تعبيرية متمايزة وأسلوب معاصر، وهذا نتيجة انه يحمل أسئلة في ذاته تضيف تفردا لأعماله التي قد تصل بالمتلقي الى حد الاندهاش لحظة مشاهدتها، وذلك لإمكانية الفنان العالية في تنفيذ اللوحة بكتلها الموزعة بدراية والالوان وترابط اجزاء الموضوع وتضادها.

ولو اطلعنا على لوحات الفنان الاخرى عن كثب لوجدنا فيها أساس بنائي هندسي يرشدنا لمعرفة الأسلوب والرؤية الفكرية له،  فكان جسم الإنسان بكل تعرجاته الوجودية والفكرية محل اختيار لفكرة رسمه،  فالإنسان كتعبير جوهري هو أساس لعبته الفنية ويظهر هذا جليا في ابداعاته من خلال تركيزه المتواصل للاهتمام بهذا الكائن دون غيره.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

المرفقات