يحيى الحصكفي .. شراع لا يأبه بالريح

الأدب الحسيني

2019-06-02

248 زيارة

 

في عصر يعج بالانقسامات السياسية وتطغى عليه الفتن والحروب والثورات والانتفاضات وسوء الأوضاع الأمنية التي كانت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم كانت هناك ملامح نهضة علمية وأدبية تنمو وتبرز يقودها الفقهاء والعلماء والأدباء والخطباء والشعراء في سبيل المحافظة على كيان الأمة من الانهيار.

فقد دبّ الضعف والوهن في كيان الدولة العباسية نتيجة الفساد الإداري والخلقي لدى الخلفاء وأتباعهم وقد آلت حياة الترف والمجون التي عاشوها وسياسة الظلم والقهر التي مارسوها والانحياز المذهبي إلى حدوث المجاعات والنكبات واندلاع الثورات وانقسام الكيان الاسلامي إلى إمارات ودويلات

ورغم هذا الاخفاق السياسي الكبير إلا أن الحركة العلمية والفقهية والأدبية كانت تعيش مراحل الازدهار وكانت حلقات الدروس تعج بالعلماء وطلاب العلم وخاصة في بغداد التي كانت محط أنظار مريدي العلم وطلابه وهو ما حدى بالحصكفي إلى ترك مدينته (سيلفان) في تركيا والتوجّه إلى بغداد لتلقي العلم والأدب حتى حصل على مبتغاه ولم يرجع إلى بلاده إلا عالماً وفقيهاً وكاتباً وشاعراً وخطيباً ليتصدر منبرها في هذه العلوم.

الحصكفي

ولد أبو الفضل أو أبو الوفا معين الدين يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد الخطيب الحصكفي الكاتب والأديب سنة (460هـ/1067م) في طنزة وهي بلدة صغيرة تابعة لديار بكر الواقعة (جنوب شرق تركيا)

وجاء لقبه الحصكفي نسبة إلى (حصن كيفا) وهي قلعة حصينة شاهقة بين جزيرة ابن عمرو وميافارقين كما قال ابن خلكان, وميافارقين هي (مدينة سيلفان التركية حالياً) وهذا اللقب (الحصكفي ) هو تركيب من جزئين وقد نسب إليه لنشأته بها ولكنه غادر هذه المدينة لأنه لم يجد مبتغاه فيها وهو الدراسة والتعليم فسافر إلى بغداد وحضر حلقات الدروس العلمية والأدبية فيها والتي كانت مكتظة بالطلاب والعلماء فحضر دروس الخطيب أبي زكريا التبريزي واطلع على الأدب ثم درس الفقه وبرع فيه ثم غادر بغداد متوجها إلى ميافارقين وهناك اتجهت إليه الأنظار كفقيه وخطيب وشاعر وكاتب ليصبح المفتي الأول لميافارقين ويتصدر فيها الخطابة.

قالوا فيه ..

ذكره السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة ج 10 ص 296 ــ 298 ونص على تشيّعه ونقل أقوال المؤرخين التي أكدت ذلك كما أكدت على إمامته في اللغة والشعر والكتابة ومن هذه الأقوال:

ابن الأثير في الكامل: له شعر حسن ورسائل جيدة مشهورة وكان يتشيّع.

ابن كثير في تاريخه: إمام زمانه في كثير من العلوم كالفقه والأدب والنظم والنثر ولكن كان غالياً في التشيع.

السمعاني في الأنساب: أحد أفاضل الدنيا وكان إماماً بارعاً, فاضل الدنيا, وكان إماما في قول الشعر, جواد الطبع, رقيق القول, اشتهر ذكره في الآفاق بالنظم والنثر والخطب, وعُمِّر العمر الطويل وكان غالياً في التشيع ويظهر ذلك في شعره وكتب إلي الإجازة بجميع مسموعاته بخطه في سنة (551هـ). ثم ذكر السمعاني بعضا ممن روى عنه

ياقوت الحموي في معجم الأدباء: كان فقيهاً نحوياً كاتباً شاعراً .... وبرع في النظم والنثر وإنشاء الخطب ثم رحل إلى ميافارقين فسكنها وولي بها الخطابة والإفتاء وله ديوان شعر وديوان رسائل.

ابن خلكان في وفيات الأعيان: صاحب ديوان الشعر والخطب والرسائل ... رحل عن بغداد راجعا إلى بلاده ونزل ميافارقين واستوطنها وتولى بها الخطابة وكان إليه أمر الفتوى واشتغل عليه الناس وانتفعوا بصحبته وكان يتشيع وهو في شعره ظاهر وله الخطب المليحة والرسائل المنتقاة ولم يزل على رياسته وجلالته وإفادته إلى أن توفي.

العماد الأصبهاني في الخريدة: كان علامة الزمان في علمه، ومعرّي العصر في نثره ونظمه، له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم .......

ثم قال: وكنت أحب لقاءه واحدث نفسي عند وصولي إلى الموصل وانا شغف بالاستفادة كلف بمجالسة الفضلاء والاستزادة أن أراه فعاق دون لقائه بعد الشقة وضعفي عن تحمل المشقة.

ابن الجوزي في المنتظم: هو إمام فاضل في علوم شتى وكان يفتى ويقول الشعر اللطيف والرسائل المعجبة المليحة الصناعة وكان ينسب الى الغلو في التشيّع

كما ذكره بنفس هذه الأقوال القاضي جمال الدين يوسف بن أحمد الأنصاري في التذكرة والذهبي في سير النبلاء والشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب.

وقفة مع تهمة الغلو

وصفته المصادر بأنه كان غالياً في التشيّع رغم أنه لا يوجد في سيرته ما يدل على غلوه والغريب إن هذه الصفة (الغلو) قد أقحمها المؤرخون وتناقلوها أحدهم عن الآخر دون أن يعطوا لذلك دليلا وكأنهم يروون نصاً مقدّساً !

وقد استقصينا سيرته وشعره فما كان فيهما ما يدل على الغلوِّ لكن بعض المؤرخين عد تفضيل أئمة أهل البيت على غيرهم غلوّاً فنسبوا الحصكفي إلى الغلوّ لأنه مدحهم وفق ما أنزل الله تعالى فيهم من الفضل ووفق ما قال فيهم رسول الله (ص) من أنهم (ع) الأوصياء بعده.

لقد نسبوه إلى الغلو لأنه قال:

يا أهلَ بيتِ المصطفى وعدّتي   ***   ومن على حبّــــــهمُ اعتمدُ

انتمْ إلى الله غداً وسيـــــــــلتي   ***   وكيف أخشى وبكمْ أعتضدُ

وليّكم في الخـــــــلدِ حيٌّ خالدٌ   ***   والضدُّ في نــارِ لظىً مُخلّدُ

وهذه الأبيات من قصيدة تبلغ أكثر من مائة بيت قال السيد الأمين في أعيان الشيعة في ترجمة حياة الحصكفي إنه نُسب إلى الغلو بسببها. رغم أنه ليس فيها ما يشير إلى الغلو ولو كان فيها غلواً لما ذكرها شمس الدين أبو البركات محمد الباغندي الشافعي في كتاب (جواهر المطالب في مناقب الامام أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام) ولما ذكرها أيضا ابن الجوزي في المنتظم.

وقد ذكر الأمين أن هذا الكتاب (جواهر المطالب) موجود (النسخة المخطوطة) في المكتبة الرضوية من أوقاف الشيخ أسد الله بن محمد مؤمن بن خاتون العاملي سنة (1067)

وقال: وقفت على قصيدة طويلة نحو مائة بيت في مدح أهل البيت للشيخ العلامة يحيى بن سلامة الحصفكي ذكرها ابن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم فاخترت منها هذا القدر. ثم ذكر بعضها

ثم يقول الأمين: وقد أورد منها سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص 34 بيتاً ومنها ومن مثلها عدّه السمعاني غالياً في التشيّع بزعمه ونذكر منها هنا ما يزيد على ما ذكره الباغندي.

شعره

ذكر السيد الأمين من هذه القصيدة أكثر من خمسين بيتاً منها:

وسائلٍ عن حبِّ أهلِ البيتِ هلْ   ***   أقرُّ إعلاناً به أمْ أجـــــحدُ

هيهاتَ ممــزوجٌ بلحمي ودمـي   ***   حبّهمُ وهو الهدى والرَشدُ

حيدرةٌ والحسنـــــــــــــانِ بعدَه   ***   ثم عـــــــــليٌّ وابنه محمدُ

وجعفرُ الصادقُ وابــــنُ جعفرٍ   ***   موسى ويتلـوهُ علـيُّ السيِّدُ

أعني الرضا ثم ابنه مــــــحمدٌ   ***   ثمَّ عليُّ وابنــــــــه المسدَّدُ

والحسنُ التالي ويتلو تـــــــلوه   ***   محمدُ بن الحسنِ الــــمفتقدُ

ويبدو أن ألسنة الناس قد أصابته في حياته قبل ألسنة المؤرخين بعد وفاته بسبب حبه وولائه وتشيعه لأهل البيت (ع) ولكنه لا يعبأ لما يقولون ما دام متيّقناً من عقيدته ويظهر ذلك جلياً من خلال هذه الأبيات:

فإنهم أئمتي وســــــادتي   ***   وإن لحاني معـشرٌ وفندّوا

أئمةٌ أكرمْ بهــــــــمْ أئمةً   ***   أسماؤهم مســرودةٌ تُطرّدُ

هُمْ حججُ اللهِ على عـبادِه   ***   بهمْ إليهِ منهــــجٌ ومَقصدُ

هُمْ النهار صـــوَّمٌ لربِّهم   ***   وفي الدياجي ركّعٌ وسُجّدُ

وكيف يلتفت إلى قول العاذل والمبغض من تولى سادة الخلق الذين أنزل الله فيهم قرآنا بمدحهم واصطفاهم على عباده:

قومٌ أتى فـي (هل أتى) مدحهمُ   ***   وهل يشــــــــكُّ فيهِ إلَا مُلحِدُ

قومٌ لهم فضـــــــلٌ ومجدٌ باذخٌ   ***   يعرفُه المشــــــركُ والموحِّدُ

قــومٌ لهم في كـلِّ أرضٍ مشهدٌ   ***   لا بلْ لهم في كلِّ قلبٍ مشهدُ

قومٌ مـــــــنىً والمـشعرانِ لهمُ   ***   والمروتانِ لهمُ والـــــــمسجدُ

قومٌ لهم مكة والأبـــــــطحُ والــــــــــــــخيفُ وجمعٌ والبــقيعُ الغرقدُ

ما صدّق النــاسُ ولا تـصدّقوا   ***   ونسّكوا وأفطـــــروا وعيّدوا

ولا غزوا وأوجبــوا حـجّاً ولا   ***   صلوا ولا صاموا ولا تعبّدوا

لو لا رسول اللهِ وهــــو جدّهمْ   ***   يا حبّــــــــــذا الوالدُ ثم الولدُ

ولسيد الشهداء (ع) مكانة خاصة في نفس الحصكفي فهو لا يكاد يذكر يوم الطف حتى تشب في قلبه نار الحزن والأسى:

ومصرعُ الطـــــــــفِّ فلا أذكره   ***   ففي الحشى منه لهيـــــبٌ يَقِدُ

يرى الفراتَ ابنُ الرسـولِ ظامياً   ***   يلقى الردى وابن الدعيِّ يَرِدُ

حسبُكَ يا هذا وحســـبُ مَن بغى   ***   عليهمُ يومَ المعـــــــادِ الصَّمدُ

يا أهل بيت المصطفى وعــدّتي   ***   ومن على حبّهمُ اعـــــــــــتمدُ

أنتمْ إلى اللهِ غداً وسيـــــــــــلتي   ***   وكيف أخشى وبــكمْ أعتــضدُ

وليّكم في الخــــــــــلدِ حيُّ خالدٌ   ***   والضدُّ في نــــارِ لظىً مُـخلدُ

ومن شعر الحصكفي في أهل البيت قصيدة وصفها العماد الأصفهاني بأنها: (قصيدة شيعية شائعة، رائقة رائعة) وقد ذكرها في كتابه (خريدة القصر) وقال عنها إن الحصكفي قالها في ميافارقين ونقلها إليه في بغداد الفقيه عبدالوهاب الدمشقي يقول الحصكفي فيها:

يا خائفاً عليَّ أسبـــــــابَ العِـدى   ***   أما عرفتَ حِصـني الحصينا

إني جعلتُ في الخطوب مـوئلـي   ***   محمداً والأنــــــــزع البطينا

أحببتُ ياسينَ وطاسيـــــنَ ومـن   ***   يلومُ في ياسيـــــن أو طاسينا

سرُّ النجاةِ والمناجـــــــــاةِ لمــن   ***   أوى إلى الفلـــكِ وطورِ سينا

وظن بي الأعداء إذ مـدحتـــــهمْ   ***   ما لم أكن بمثلهِ قميـــــــــــنا

يا ويحهم وما الـــــــذي يريـبهمْ   ***   مني وحتى رجـــموا الظنونا

رفدُ مديحِ قدرِ وافـى رافــــــــداً   ***   فلمْ يجــــــــــنّوا ذلكَ الجنونا

وإنما أطـــــــــــــلبُ رفداً باقــياً   ***   يوم يكون غيريَ المغبـــــونا

يا تائهين في أضــــــاليلِ الهوى   ***   وعن سبيلِ الرشدِ نــــــاكبينا

تجاهكم دار الســــــــلام فابتغوا   ***   في نهجِها جبريـــــلَها الأمينا

لِجوا معي البابَ وقـــولوا حطة   ***   تغفر لنا الذنوبُ أجـــــــمعينا

ذروا العنا فان أصحــــابَ العبا   ***   هُمُ النبا إن شئتـــــــــمُ التبيينا

ديني الولاءُ لستُ أبغــــي غيرَه   ***   ديناً وحسبي بالـــــــولاءِ دينا

هما طريقانِ فإمـــــــــــــا شأمة   ***   أو فاليمين (فاســـلكوا) اليمينا

سجنكم سجّين إن لم تتبــــــــعوا   ***   عَليّنا دليــــــــــــــــــلُ عِليينا

ومن شعره ما ذكره ابن شهرآشوب المناقب من أبيات يذكر فيها فضيلة صعود الإمام أمير المؤمنين (ع) على كتف النبي (ص) ليكسر هبل وقد ضمّنها للتوسّل بالنبي والوصي إلى الله أن لا يدخله النار:

يا ربِّ بالقدمِ التي أوطـــــأتها   ***   من قابِ قوسينِ المحلَّ الأعظما

وبحرمةِ القدمِ التي جعلت لها   ***   كتفُ المؤيّدِ بالرســــــــالةِ سُلّما

اجعلهما ربي إليكَ وسيـــلتي   ***   في يومِ حشرٍ أن ازورَ جـــهنما

وقد أعجب السيد جواد شبر بهذه الأبيات الثلاثة فأردفها عند ذكرها في أدب الطف ببيتين فقال: أقول وأنا أروي هذا الشعر وبعد البيتين الأولين:

ثبّتْ على متنِ الصراطِ تكرماً   ***   قدمي وكُنْ لي محسناً ومكرِّما

واجعلهما ذخــري فمن كانا له   ***   أمِنَ العذابَ ولا يخافُ جهنما

ومن روائع شعره قوله في التسليم لأمر الله والرضا بما ما كتبه له:

إذا قلّ ما لي لم تجدنيَ ضارعاً   ***   كثير الأسى مغرىً بعضِّ الأناملِ

ولا بطراً إن جـــــــدّد الله نعمةً   ***   ولو أنّ ما آوى جميــعُ الأنامِ لي

وقال في عزة النفس:

والله لـــــو كانت الدنيا بأجمعها   ***   تُبقي عليـنا ويأتي رزقها رغدا

ما كان من حق حرٍّ أن يذلَّ لها   ***   فكيف وهي متاع يضمحلُّ غدا

وقال في فضل العلم على المال:

مَن كان مرتـــــــــدياً بالعقلِ متّزراً   ***   بالعلمِ ملتفعاً بالــــــــفضلِ والأدبِ

فقد حوى شرفَ الدنيا وإن صَفِرتْ   ***   كفَّاه من فـــــــضةٍ فيها ومن ذهبِ

هو الغنيُّ وِإن لمْ يــــــمسِ ذا نشبٍ   ***   وهو النسيبُ وإن لم يمسِ ذا نسبِ

وقال في الحذر من عواقب الدنيا وينصح فيها بالتزود من العمل الصالح:

غريقُ الذنوبِ أسيـرُ الخطايا   ***   تنبَّه فدنيــــــــــــــاكَ أمُّ الدنايا

تَغرُّ وتـــــــــــــعطـي ولكنها   ***   مكدِّرة تستردُّ العطــــــــــــايا

وفي كل يوم تُســــــرِّي إليك   ***   داءً فجسمكَ نـــــــهبُ الرزايا

أما وعظتك بأحــــــــــــداثها   ***   وما فعـــــــــلتْ بجميعِ البرايا

ترى المرءَ في أسرِ آفاتِـــها   ***   حبيساً على الهمَّ نصبَ الرزايا

وإطلاقه حيــــــــن ترثي له   ***   وحسبـــــكَ ذا أن تلاقي المنايا

ويا راحلاً وهو ينوي المقام   ***   تزوَّد فان الليـــــــــــالي مطايا

مؤلفاته

ترك الحصكفي في كل باب من العلوم التي درسها في بغداد كتاباً فإضافة إلى ديوان (الشعر) الضخم فله ديوان (خطب) وديوان (رسائل) وكتاب (المرادفات في القرآن) وكتاب (عمدة الاقتصاد في النحو). وقد وُصف بأنه (كان شاعراً مُكثِراً، وشعره مُشبَّع بالصناعة اللفظية مع حفاظه على بلاغة أعماله).

توفي الحصكفي سنة (553هـ/1156م) بميافارقين. (سيلفان حاليا) التابعة لقضاء ديار بكر (آمد)

 

محمد طاهر الصفار

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً