مفهوم الخلافة بين الإمام الكاظم والسلطة العباسية

الأدب الحسيني

2019-04-01

354 زيارة

الحديث عن الامام الكاظم (ع) متعدد الجوانب، متشعب الأغراض, خاض فيه الباحثون والكتاب كثيراً، فكانوا كمن يغترف غرفة من بحر، أو يحصي حبات الرمل في القفر, فمناقبه أجل من أن توصف أو تحصى، وقد اعترف بها القريب والبعيد، والموالي والمعادي، وسنقتصر في حديثنا هذا على سياسة السلطة العباسية القمعية التعسفية التي مارستها ضده، وما تعرض له من اضطهاد وظلم وسجن حتى استشهاده بالسم في سجن هارون العباسي.

الكاظم وريث علوم الإمامة

ولد الإمام الكاظم (ع) في الإبواء، وهي منطقة بين مكة والمدينة في السابع من صفر سنة (128هـ)، ونشأ كما نشأ أبوه وجده من أئمة أهل البيت (ع) وهم يتوارثون مقاليد العلم ووراثة النبوة، ورافق أباه الإمام الصادق (ع) وهو يبعث في الشريعة روحها بالعلم بتزعمه المدرسة العلمية العظمى التي أنشأها والتي لم يشهد التاريخ الإسلامي لها مثيلا، فاستقى منه علومه وورث منزلته في الأمة، كما شاركه في أيام المحن التي جرت عليه والظلم والإضطهاد الذي  تعرض له حتى استشهاده بالسم على يد المنصور.

الطواغيت الأربعة

عاصر الإمام الكاظم (ع) أربعة من طواغيت بني العباس هم: أبو جعفر المنصور، ومحمد المهدي، وموسى الهادي، وأخيراً هارون الرشيد الذي سقاه السم فمضى شهيداً محتسباً وسنستعرض هنا بإيجاز السياسة التي اتبعها هؤلاء تجاه الإمام الكاظم، ومواقف الإمام من هذه السياسة.

مع المهدي

تباين مفهوم الخلافة عند الإمام الكاظم وعند الهادي العباسي كما تباين بين الأئمة المعصومين والخلفاء العباسيين وفي حوار دار بين الإمام الكاظم والهادي العباسي تتضح معالم هذا التباين الكبير والفرق الشاسع في الرؤيتين فقد ذكرت المصادر أن المهدي العباسي استدعى الإمام الكاظم (ع) وعرض عليه أن يرد فدكاً إليه، فرفض الإمام (ع) قبولها، ولما ألحّ عليه المهدي قال (ع): لا أقبلها الّا بحدودها, ولما سأله المهدي عن حدودها, قال (ع): الحد الأول: عدن, فتغير وجه المهدي, لكن الامام واصل كلامه قائلاً: والحد الثاني: سمرقند.. فأربد وجهه, ولكن الإمام لم يعبأ به الامام ووواصل حديثه بلهجة الواثق: والحد الثالث أفريقية.. ولم يمهله المهدي حتى سأله باضطراب واضح: والحد الرابع ؟ فقال (ع) وهو لا يزال محتفظاً بهدوئه ولهجته المطمئنة: سيف البحر ما يلي الخزر وأرمينية.. (1)

فلم يتمالك المهدي وهو يسمع الحد الرابع إلا أن قام والغضب يعلو وجهه وقد فهم مقصود الإمام من هذه الحدود وقال له: لم يبق شيء فتحول إلى مجلسي.. فأجابه الإمام بلهجة المنتصر:

لقد أعلمتك بأني إن حددتها لم تردها.

مفهوم الخلافة عند العباسيين

أول ما يُلاحظ من هذه المحاورة بين خليفة عباسي وإمام من ائمة أهل البيت (ع) هو البون الشاسع والنظرة المتناقضة لمفهوم الخلافة عند الجانبين، فهذا المفهوم عند العباسيين لم يختلف من خليفة إلى آخر الّا باختلاف وتعدد الوسائل القمعية والوحشية التي قامت عليها سياستهم الدموية، وقد امتلأت كتب التاريخ بجرائمهم وموبقاتهم، وأدنى مراجعة لتاريخهم الأسود تبرز منها أبشع وأسوأ صفحة من صفحات التاريخ الاسلامي، فمفهوم الخلافة عند العباسيين لا يعدو مفهوم السلطة والتملك والتجبّر والقتل والتشريد والاستبداد والاستيلاء على مقاليد الحكم بشتى الوسائل ورفع شعار (الملك عقيم) والإنهماك في الملذات والسكر والترف على حساب الجياع.

ولم تقتصر الجرائم التي ارتكبها العباسيون على أهل البيت (ع) وشيعتهم، وإن كان النصيب الاوفر من هذه الجرائم قد أُرتكبت بحقهم، بل طالت جميع المسلمين، بل وحتى من يتخوّفون منه على الحكم من العباسيين أنفسهم، يقول الخوارزمي عن المنصور: (الذي لم يتورع عن قتل ابن أخيه، وعمه عبد الله بن علي) بل وحتى من ساعدهم في الوصول إلى الحكم ومهد لهم الطريق لذلك فقتل المنصور (أبا مسلم مؤسس دولته)، وسجل التاريخ لهارون قولته المشهورة لابنه المأمون: (والله لو نازعتني هذا الامر لأخذت الذي فيه عيناك, فإن الملك عقيم) (2).

ونجد المأمون قد استثمر هذه المقولة التي تماهت تماماً مع نزعته الدموية فلم يتوّرع عن قتل أخيه الأمين، ولو كان الأمين هو المنتصر لفعل كما فعل أخوه.. هذا هو مفهوم الخلافة عند بني العباس, الوصول الى السلطة بشتى الوسائل وحكم الناس بالقهر والجور والاستبداد وهتك الحرمات.

أما أخلاقياتهم فقد بلغت من المخازي ما يندى له جبين القارئ وهو يطلع على تهتكهم وسكرهم واستخفافهم بالدين وكل القيم الإنسانية والأخلاقية حتى صار بلاطهم ماخوراً للدعارة والإنحلال الخلقي.

هذا مفهوم الخلافة عند بني العباس، ولنرَ ما هو هذا المفهوم عند الامام الكاظم (ع) ؟

مفهوم الخلافة عند أهل البيت

لو رجعنا إلى تاريخ أهل البيت (ع) نجد هذا المفهوم مشتركاً عند كل الأئمة المعصومين في المبادئ والأهداف ومتجلياً في أقوالهم وأفعالهم على السواء, نجده في حديث أمير المؤمنين (ع) مع ابن عباس عندما رآه يخصف نعله وهو في طريقه لحرب الجمل، فينكر ابن عباس أن يكون هذا الفعل في هذا المقام، فيبادره الإمام بالسؤال: ما قيمة هذه ؟ فيكون جواب ابن عباس بأن لا قيمة لها، فيأتي جواب الامام (ع) ليبين المفهوم الحقيقي للخلافة، ويوضح أهدافها السماوية التي تجسّد الخير والإحسان وإصلاح الإنسان وخلق مجتمع فاضل فيقول له:

(والله انها أحب اليّ من أمرتكم، الّا أن أقيم حقاً وأدفع باطلاً).

إذن فالخلافة هي أخس من النعل إذا لم يُعمل فيها بطاعة الله وإقامة العدل وأداء الحقوق، ونجد هذا المفهوم أيضاً في الشروط التي وضعها الإمام الحسن (ع) على معاوية والتي تنهاه عن سفك دماء الإبرياء، وتأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الشروط، ويتجلّى هذا المفهوم بأروع صوره في نهضة الامام الحسين (ع) بقوله: (ما خرجت أشراً ولا بطراً، وانما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (ص)، أريد أن آمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وقد تجلّى هذا المفهوم في سلوك الائمة (ع) كلهم ومنهم الإمام موسى بن جعفر (ع).

فالخلافة لم تكن في مفهوم أهل البيت (ع) سلطة بقدر ما هي مسؤولية وواجب تجاه الامة وقيادتها وفق أحكام الإسلام الحقة التي جاء بها خاتم النبيين (ص) وصونها من الزيغ والإنحراف، وهذا الأمر لا يتأتى لأحد سوى للأئمة الذين أختصهم الله بوحيه، ونص عليهم الرسول (ص) وقرنهم بالكتاب وهذا ما قصده الإمام الكاظم (ع) في جوابه للمهدي.

وهذه المحاولة من المهدي إما ان تكون ساذجة، فما قيمة فدك أمام الامبراطورية العباسية التي حدد الإمام أركانها الأربعة والتي اغتصبها العباسيون من العلويين وغدروا بهم وحكموا بالجور والظلم، فالإمام كان أزهد الناس في الدنيا وما فيها فضلاً عن فدك، وإما ان تكون لإحتواء الإمام واستمالته للسلطة، وهذا ما لا يكون أبداً، ففكره وأخلاقه ينافيان سياستها الجائرة.

سجن الإمام في زمن المهدي

وقد أثار منهج الإمام وسيرته هذه حفيظة العباسيين فبقي (ع) طيلة حكم المهدي تحت الرقابة الشديدة، وقد استدعاه المهدي إلى بغداد أكثر من مرة وسجنه، وعزم على قتله فكان الإمام ينجو بدعاء يدعوه, وفي إحدى المرات التي سجن المهدي فيها الإمام الكاظم (ع) رأى في نومه علي بن أبي طالب (ع) فقال له: يا محمد (فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) ففزّ مرعوباً وأطلق سراح الامام الكاظم)، (3)

لكنه لم ينقطع عن فساده في الأرض وقطع أرحامه فشدد من مراقبته على الإمام حتى هلك.

الهادي وواقعة فخ

وجاء بعده موسى الهادي الذي زاد في ظلمه وإجرامه بحق العلويين ففي عصره عاش الإمام (ع) حادثة فخ الأليمة وما جرى على أهل بيته من المآسي فكان (ع) يتلوّى ألماً من وقع هذه الحادثة وعبّر عنها بقوله (ع): (لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ).

مع هارون

وأما السنين التي قضاها الإمام في عصر هارون فكانت أسوأ ما مر عليه في حياته، فقد سخّر هارون أجهزته وجواسيسه لمراقبة الإمام ورصد حركاته وسكناته، وكثرت العيون والجواسيس حوله.

فهو يعلم قبل غيره ما يشكّله الإمام من مصدر خطر عليه، وما يحتله من حب وتقدير في نفوس الجماهير التي تكوّن قاعدة شعبية واسعة فصمم على اعتقال الإمام والتخلص منه بنفسه، فذهب إلى المدينة في طريقه إلى الحج فأمر جلاوزته بالقبض على الإمام وأمرهم أن يتوجهوا به إلى البصرة وأمر عيسى بن جعفر المنصور الذي كان والياً من قبله بسجنه.

محاولات قتل الإمام

بقي الإمام سنة في سجن عيسى حتى أمره هارون بقتله، لكن عيسى امتنع وكتب إليه كتاباً مضمونه: (أنه لا يستطيع قتل رجل يقضي ليله بالعبادة ويصبح صائماً)، وطلب منه أن يرسل من يتسلّم الإمام منه أو يخلّي سبيله، فأرسل هارون من تسلم الإمام من عيسى ليودعه عند الفضل بن الربيع، فقضى الإمام عنده مدة طويلة لا يصرف وجهه عن المحراب، ثم أمره هارون بقتل الإمام فأبى الفضل بن الربيع فكتب إليه بتسليمه إلى الفضل بن يحيى البرمكي، فتسلّمه منه ووضعه تحت المراقبة الشديدة، ثم وسّع عليه وأكرمه، فبلغ ذلك هارون فأمر الفضل بقتله فأبى الفضل، فاغتاظ هارون وأمر السندي بن شاهك بضرب الفضل بين يديه مائة سوط، وأراد قتله فتوسط يحيى بن خالد البرمكي والد الفضل في تخليص ابنه منه عند ذلك سلّم هارون الإمام الكاظم إلى السندي بن شاهك.

السندي بن شاهك والمحاولات الدنيئة

ضيّق السندي على الإمام ، وقد جرت أثناء سجنه (ع) محاولات دنيئة كثيرة من قبل هارون للإنتقاص من قدر الإمام، وأخرى لإخضاعه وانتزاع إعتراف منه بشرعية الخلافة العباسية، لكن كل هذه المحاولات كان مصيرها الفشل الذريع، ومن هذه المحاولات إرسال جارية بارعة الجمال من قبل هارون إلى الإمام وهو في سجنه لإغرائه بها، ولما ذهب هارون ليتفحص الأمر وجدها ساجدة خلف الإمام وهي تقول (قدّوس, قدّوس)، فقال هارون: سحرها موسى بن جعفر!!

هذا خليفة المسلمين الذي يصفه بعض ممن يحسب على الكتاب والمؤرخين بالورع والزهد يصف الهداية والصلاة بالسحر !!

أليس هذا بكفر صريح ؟ ألا يشبه قوله هذا قول الوليد بن المغيرة عندما سمع القرآن فنسبه للسحر فنزلت فيه هذه الآيات:  

(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّ نَظَرَ ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ، فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ)

ألا ينطبق هذا الموقف على ذلك الموقف ؟

محاولة انتزاع العفو الفاشلة

كما حاول هارون بعد أن صار فضل الإمام الكاظم (ع) وعبادته حديث الناس أن يبرر فعلته الشنعاء بأطلاق سراح الإمام بمجرد أن يسأله العفو فيكون ذلك اعترافاً من الإمام بالذنب، ومن ثم يستطيع هارون التشهير بالإمام، ولكن هارون نسي أو تناسى أن هذه النفس الأبية لا يمكن أن تخضع وتطلب العفو إلا من بارئها.

فبعد أن مكث الإمام (ع) مدة طويلة في السجن قيل له: لو كتبت إلى فلان ليكلم هارون فيك ؟ فقال (ع): (حدثني أبي عن آبائه أن الله أوصى إلى داود: ما أعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني إلّا قطعت عنه أسباب السماء وأسخت الأرض من تحته). (4)

والعجيب ممن يطلب ممن قرن الله طاعته بطاعته أن يطلب من يتوسط له عند طاغية كهارون!

فهل نسي هذا وسيده هارون أن الكاظم هو سليل الإباء ووريث الوحي والنبوة ؟

الإمام مهوى القلوب

وانتشرت معاجز الإمام ومناقبه وكراماته حتى في بيوت سجّانيه، فكان مصدر قلق للسلطة وهو في سجنه، وأصبح الكثير من عرفوا ببغضهم لآل علي بن أبي طالب موالين للإمام لما رأوا من تقواه وورعه مثل أخت السندي وخادمه بشار والمسيب بن زهرة الذي إذا أراد المنصور شراً برجل أمر بتسليمه إليه، فإنه لما أوكل إليه حبس الإمام الكاظم (ع) أصبح من مواليه وصار يناديه بــ (سيدي)، كل تلك الأمور تجري أمام هارون أو تنقل إليه عن طريق العيون فيزداد غيظاً وغماً.

النهاية والإلتحاق بالنبي وآله

ماذا بقي بعد إن تغلغل حب الإمام إلى الكثير من رجال دولته وقادة جيشه بل وحتى غلمانه وجواريه إلّا الحد من هذه السلطة الروحية والخلافة الإلهية التي يتمتع بها الإمام ليحافظ هارون على سلطته القمعية وخلافته المزيفة، وليس من سبيل إلى ذلك سوى قتل الإمام، فسوّلت له نفسه الخبيثة تلك الجريمة النكراء بدس السم إلى الإمام، فاستدعى السندي بن شاهك وأمره بدس السم إلى الإمام في الطعام فاستجاب السندي لأمر سيده فدس إليه السم فبقي (ع) ثلاثة أيام ثم قضى نحبه ملتحقاً بالرفيق الأعلى مع آبائه الطاهرين.

محمد طاهر الصفار

....................................................................

1 ــ سيرة الائمة السيد هاشم معروف الحسني ج 2 ص 328

2 ــ الصدوق عيون أخبار الرضا ج 1 ص 91

3 ــ الأربلي كشف الغمة ج 3 ص 3

4 ــ تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 357

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً