الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 21/جمادى الاولى/1441هـ الموافق 17 /1 /2020 م :

منبر الجمعة

2020-01-17

832 زيارة

ايها الاخوة والاخوات نتعرّض في هذه الخطبة الى فضيلة اجتماعية واخلاقية مهمة وبيان آثارهما على الفرد والمجتمع في الحياة الدنيا والآخرة ونتعرض الى الرذيلة المقابلة لها وآثارها السيئة في الدنيا والاخرة ألا وهي فضيلة الصدق وآثاره في الحياة الدنيا.

نلتفت الى هذه الاوصاف والمكانة والمنزلة لهذه الصفة وهي الصدق فهو يعتبر في مقدمة الفضائل النفسانية والاخلاق الرفيعة فهو زينة اللسان والكلام ومبعث الاستقامة والصلاح ومبدأ مهم للتماسك الاجتماعي ومؤشر للرقي الحضاري وسبب للنجاح في الدنيا والنجاة في الاخرة ولذلك هذه الفضيلة موضع تمجيد في الشرائع السماوية واعتناء العقلاء والحكماء..

بل اذا تأملنا في بعض الاحاديث الشريفة التي بيّنت منزلة الصدق نجد ان هذه الفضيلة في الواقع تعدّ معياراً وميزاناً نختبر منهُ وعي الانسان المسلم وعيهُ لجوهر الاسلام ولحقيقة الاسلام وتعتبر ايضاً معياراً لصدق الايمان..

التفتوا الى هذا الحديث المهم عن الامام الصادق (عليه السلام) : (لا تَغْتَرُّوا بِصَلاتِهِمْ وَلا بِصِيَامِهِمْ فَإِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا لَهِجَ بِالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ وَلَكِنِ اخْتَبِرُوهُمْ عِنْدَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأمَانَةِ).

على الرغم من اهمية الصلاة والصوم في نظر الشريعة الاسلامية إلا انهما لا يُعدّان لوحدهما مقياساً ومعياراً نختبر منهُ صدق الايمان لدى الانسان المسلم فكثير ممن يلازم الصلاة والصوم لانهُ اعتادهما ولكن ايضاً في نفس الوقت نراهُ استسهل واستهان بالكذب، يكذب في علاقاته الاجتماعية يكذب في عملهِ يكذب في عهوده ومواثيقهِ وفي كثير من الامور مع انهُ مُكثر للصلاة والصوم..

اذا اردنا ان نختبر انفسنا هل نحن صادقون في ايماننا واعون لحقيقة وجوهر الاسلام والايمان علينا ان نختبر انفسنا في هاتين الصفتين صدق الحديث واداء الامانة.

طبعاً الصدق حينما يعرّفهُ العلماء الصدق بالمعنى الاعم والادق هو التطابق والتوافق بين الكلام والواقع ولكنهُ يشمل ايضاً الفكر المعتقد النيّة القصد العمل الاخلاق هذه مجالات واسعة يدخل فيها الصدق.

احياناً قد يكون انسان صادق في لسانهِ لكنهُ ليس بصادق في عملهِ.. قد يكون انسان صادق في كلامهِ لكن لا يكون صادق في اخلاقهِ ودعوته يدعو الى شيء وهو لا يلتزم بهِ، قد يكون صادق في ظاهرهِ لكنهُ كاذب في نيتهِ وعزمه لذلك الصدق بالمعنى الاوسع والادق وفق الايات القرانية والاحاديث الشريفة تشمل جميع هذه المجالات.

لنستعرض بعض الاثار الاجتماعية والفكرية والعبادية على الالتزام بفريضة الصدق لنعرف من خلال هذه الاهمية مدى اهمية الالتزام بهذه الفضيلة.

الامر الاول: ان الصدق يعزز الثقة بين الناس في العلاقات الاجتماعية وحتى يُعطي الائتمان والاطمئنان في العلاقات الاقتصادية، حينما يكون الانسان صادقاً والمجتمع صادق تكون هناك ثقة بين الناس، عندما يكون الانسان صادقاً في كلامه واخباره وفي الوقائع التي ينقلها وفي غير ذلك من الامور حينئذ ستكون هناك ثقة بين الناس وتتماسك العلاقات الاجتماعية التي تؤدي الى التماسك الاجتماعي والتعاون الوثيق والتفاهم والانسجام..

نحن جميعاً حتى نستطيع ان ننجح في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية نحتاج الى هذه الفضيلة لأنها تعزز الثقة وتؤدي الى التعاون، لا تقوم قائمة لأي مجتمع سواء كان متديناً او غير متدين هذه الفضيلة يحتاجها الفرد المتديّن وغير المتديّن، المجتمع المتديّن وغير المتديّن ايضاً، لا يمكن ان يزدهر ويتطور ويترقى المجتمع وتنتظم اموره وتستقر الاّ من خلال هذه الفضيلة وسنبين لكم ما هي الاثار المعاكسة التي للكذب والتي لا توفّر لنا هذه الامور..

في المعاملات الاقتصادية في النجاح الاقتصادي ان لم يكن هناك صدق في المعاملة الاقتصادية وصدق في العمل لا يمكن ان يكون هناك نجاح اقتصادي، كذلك ان لم يكن هناك صدق في الاخبار وفي نقل الوقائع والاحداث حينئذ لا يمكن ان نثق بالمعلومات والاخبار التي تُنقل الينا او الحقائق التاريخية التي تُنقل الينا فإذن أول اثر مهم هو تعزيز الثقة بين افراد المجتمع والذي ينعكس في العلاقات الاجتماعية والتماسك الاجتماعي والنجاح الاقتصادي ايضاً.

وكذلك في مجال نقل الاخبار والوقائع والحقائق التاريخية وغير ذلك من الامور، كيف يحصل لنا الاطمئنان بالشهادات من الاخرين؟ كيف يحصل لنا الاطمئنان بالوعود والعهود والمواثيق والالتزامات ان لم يكن هناك صدق بين افراد المجتمع فيما بينهم في هذه الامور والتي تعزز استقرار المجتمع في جميع مجالات الحياة.

من الامور الاخرى المهمة ان الانسان الصادق يحظى بمحبة الاخرين واحترامهم وتقديرهم الاجتماعي وتُصان كرامته الاجتماعية، اذا كان كذلك فإن الناس يحاولون ان يكسبوا هذا الشخص ويتقربوا اليه ويتعاونوا معه وبالتالي هذا الانسان الصادق يستطيع حينئذ ان يحقق له مطالب الحياة واحتياجاته المختلفة ويستطيع ان يكوّن لهُ افراداً من المجتمع يقفوا معهُ في المِحن والشدائد والمصاعب يسندونهُ في هذه اللحظات الصعبة، واذا كان انساناً كاذباً بالعكس سيؤدي الى نفور الناس منهُ ولا يتقربون اليه.

ايضاً في المجال العبادي يشعر هذا الانسان الصادق بمحبة الله تعالى لهُ ومنزلته عنده وبالتالي يعزز طاقتهُ الروحية التي يحتاجها في حياته العبادية وغير ذلك.

ايضاً يؤدي الى المزيد من افعال الخير والبر والاحسان الى الاخرين فاذا كان افراد المجتمع صادقين في جميع مجالات حياتهم هذا يوفّر تعاون اكبر ويوفّر مجال للخير والاحسان والبر الى الاخرين وتتعزز هذه القيم الاجتماعية..

ولذلك اخواني علينا ان نلتفت الى هذه النقطة نحن بحاجة في الوقت الحاضر حتى نفتح لأنفسنا ومجتمعنا ووطننا باباً واسعاً نخرج بهِ من هذا الواقع المأساوي الذي نمرّ به..، نحتاج الى الحاكم الصادق المسؤول الصادق الذي يكون صادقاً في التزاماته ووعوده ويكون صادقاً في التكليف الذي كُلّف بهِ في رعايتهِ لرعيتهِ في مختلف المجالات.

نحتاج الى الإعلام الصادق الذي ينقل لنا الاخبار الصادقة حتى نثق باخباره وينقل لنا الوقائع كما هي متثبتاً من صحتها..

نحتاج الى المحلل الصادق في تحليله سواء كان محللاً سياسياً اجتماعياً تاريخياً..

نحتاج الى الكاتب والمؤرخ الصادق في نقلهِ لوقائع التاريخ واحداث التاريخ واحداث الشعوب والامم وهذه نقطة مهمة حتى نتلقى كتابة التاريخ بقبول وانقياد.. حتى نستفيد من تجارب التاريخ والامم والشعوب وقادة الاصلاح.. لابد ان يكون كاتب ومؤرخ التاريخ صادقاً في نقله للوقائع والاحداث التاريخية ونستفيد منها ونتعلم من احوال الامم التي ان كانت صالحة نقتدي بها وان كانت ليست كذلك فنبتعد عن قيمها..

ونحتاج الى الحقائق في نقل العقائد ونقل ما كانت عليه احوال الامم في عقائدها وافكارها وثقافاتها حتى لا يزيّف التاريخ ولا تُضلل الامم والشعوب..

نحتاج ايضاً الى الطبيب الصادق في عمله والمهندس الصادق في عمله والموظف الصادق في عمله الذي يصدق في تكليفه و وظيفته وخدمته للناس..

نحتاج الى المعلم الذي يصدق في تعليمه للطلبة بأن يعطي حقه..

ونحتاج الى الفلاح والعامل والمواطن الصادق في كل ذلك..

نحتاج الى الصدق في تعاملاتنا الاجتماعية في الوفاء بالوعود والالتزامات في كل هذه المجالات الوعود والالتزامات في مجالات كثيرة في الحياة..

متى ما كُنا صادقين في مجالات الحياة المتعددة حينئذ نستطيع ان نتطور ونزدهر.. واما اذا كان الامر بالعكس ونلاحظ عكس هذه الفضيلة هي رذيلة الكذب التي هي من الآفات الاجتماعية الخطيرة ومن ابشع العيوب النفسية والقبائح الاخلاقية حتى صارت مصدراً للكثير من الاثام والشرور..

التفتوا اخواني أيّ الامور الآن من هذه العيوب الاخلاقية ومذام الصفات وهذه من الكبائر..، هناك احصاء جرى في احدى الزيارات يُعرف من خلاله أي هذه الذنوب والعيوب والآثام اكثر انتشاراً فَوُجدَ ان الغيبة هيَّ الاكثر انتشاراً ثم الكذب يأتي بالصفة الثانية وانتشارها في المجتمع..

لاحظوا اخواني لا يقول احدنا انا اصلي واصوم واؤدي العبادات والزيارات فأنا مُبرئ من الكذب ومُبرّئ من خيانة الامانة ومُبرّئ من الغيبة.. لاحظوا الحديث الذي ذكرناه قبل قليل يقول الكثير اعتاد الصلاة والصيام ولكن انظروا هل هو صادق في حديثه وهل هو يؤدي الامانة؟؟ حينئذ نقول هذا صادق وهذا انسان مؤمن واعي..

ورد عن الامام العسكري (عليه السلام) : (جُعلت الخبائث كلها في بيت وجُعل مفتاحه الكذب)، اخواني الكذب هذه الصفة الذميمة احياناً انسان يكذب في نقلهِ للاخبار واحياناً انسان يكذب في نقل الوقائع التاريخية وهكذا في مختلف المجالات في مجال العمل والثقافة والعقائد والفكر وهذه في الواقع تؤدي الى الكثير من الشرور والاثام..

كم من الكذب أدّى الى القتل؟ كم من الكذب ادّى الى الافساد بين الناس؟ كم من الكذب ادّى الى حصول القطيعة بين العوائل وادّى الى خراب البيوت وادّى الى كثير من المشاكل الاجتماعية؟

الكذب ايضاً اعتياده يؤدي ويجر الى النفاق والتفتوا الى الحديث الذي ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (اربع من كُنّ فيه كان منافقاً ومن كانت فيه خلّة منهن كانت فيه خلّة من النفاق حتى يدعها اذا حدّث كذب واذا وعد أخلف واذا خاصم فَجَر).

كم مِنّا يُخلف الوعد الذي يعدهُ ويخلف العهد الذي عاهدهُ، وكم مِنّا حينما يتحدث يكذب لا يبالي خصوصاً اذا لاحظنا ان بعض انواع الكذب يستهين بها الناس وهو الكذب في الهزل واحياناً المُزاح وكذلك ما يُسمى بالكذب الصغير..

الامام السجاد (عليه السلام) حذر من هذه الاستهانة والاستخفاف حيث ان الامام السجاد (عليه السلام) كان يقول لوُلدهِ : (اتقوا الكذب الصغير منه والكبير، وفي كل جدّ وهزل فإن الرجل اذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير).

لذلك ايها الاخوة والاخوات لابد ان نراجع انفسنا في مدى التزامنا بهذه الفضيلة وخصوصاً اخواني الخطورة في ذلك اذا تحولت رذيلة الكذب الى ظاهرة اجتماعية حينئذ يكون هناك خطر عظيم وخاصة اذا اعتادت عليه بعض الشخصيات المهمة والخطيرة في المجتمع حينئذ يكون الخطر الاعظم.

المجتمع الذي يتعامل بصدق في احاديثه وفي معاملاته الاقتصادية وفي نقله للأخبار والوقائع وفي غير ذلك من موارد الصدق يكون مجتمعاً متطوراً مزدهراً مستقراً والمجتمع الذي ينتشر ويكثر فيه الكذب في الواقع له اثار خطيرة.

نسأل الله تعالى ان يوفقنا ان نكون من الصادقين ويجنبنا الكذب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

حيدر عدنان

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً