الدولة العمارية الشيعية.. صرح في تخوم التاريخ

الأدب الحسيني

2020-11-21

78 زيارة

عاشت طرابلس في عهد دولة بني عمار الشيعية عصراً ذهبياً لم تعهد له مثيلاً على مدى تاريخها الطويل، فقد أصبحت في القرن الحادي عشر أعظم مدينة على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط تحفّها أساطيلها التي كانت تتنقل في البحر المتوسط، وتستقر على سواحلها كأروع ما تشمخ به مدينة تعيش أبهى أدوارها الفكرية والحضارية.

توالت على هذه المدينة العريقة في تاريخها العديد من الدول، فطرابلس القديمة والتي هي الآن في موضع يسمى بـ (الميناء)، كانت مدينة عظيمة أنشأها الفينيقيون، وأقدم ما عرف من تاريخها يعود إلى سنة (359) قبل الميلاد حيث كانت خاضعة في ذلك العصر للحكم الفارسي، وكانت تتألف من ثلاثة أحياء تمثل المدن الفينيقية وهي (صور وصيدا وأرواد)، ثم احتلتها جيوش الإسكندر، ثم الرومان قبل دخول الجيوش الإسلامية إليها وإلى بلاد الشام.

بقيت طرابلس في نطاق المدن الشامية حتى عهد أحمد بن طولون فوقعت تحت سيطرة الخلافة العباسية في بغداد، ولكن الإخشيديين استعادوها وضمّوها إلى نفوذ حكمهم في مصر في عهد محمد بن طغج الإخشيدي ثم آلت مع باقي المدن إلى حكم الفاطميين عندما اعتلوا الحكم ففصلوها عن دمشق وأصبحت تابعة للخلافة الفاطمية في القاهرة.

وفي عهد الفاطميين ازدهرت طرابلس وأصبحت مدينة عظيمة، و(بلغت شأناً رفيعاً) كما يصفها الإصطخري (1)، والمقدسي (2)، كما وصفها ناصر خسرو بأنها (مدينة شيعية) (3)، وبقيت طرابلس تابعة للخلافة الفاطمية حتى استقل بها بنو عمار وهم أسرة شيعية اثني عشرية تنتمي إلى قبيلة (كتامة) المغربية الأفريقية التي كان لها دوراً كبيراً في قيام الدولتين الإدريسية والفاطمية، فتولى رجالها مراكز قيادية مهمة في المغرب ومصر والشام. ونجد في وصف ابن الأثير أنها بلغت من التطور الحضاري والرقي والازدهار إلى الغاية ولم تصل إلى مستواها أية مدينة، يقول ابن الأثير: (وكانت طرابلس في عصر بني عمار من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجملاً وثروة). (4)

التأسيس

أسس هذه الدولة أبو طالب الحسن بن عمار الذي لقِّب بـ (أمين الدولة)، والذي كان قاضياً عليها من قبل الفاطميين فاستقل بها عام (462 هـ / 1070 م) وهي بداية دولة بني عمار وتولي مؤسِّسها الحكم، غير أن علاقة هذه الأسرة بطرابلس تعود إلى ما قبل هذا التاريخ، فقد عرفت طرابلس الشام ــ كما يُطلق عليها ــ اسم (أبو محمد الحسن بن عمار) جد هذه الأسرة والذي ظهر كشخصية بارزة فيها عام (381 هـ) أيام الخليفة الفاطمي (العزيز بالله)، وقد مهّد الحسن بن عمار السبل لانتقال أفراد أسرته إلى الشام، فوجّه قريبه (أبو تميم سليمان بن جعفر بن فلاح الكتامي) إلى دمشق، فقام هذا الأخير بتولية أخيه (علي) على طرابلس عام (386 هـ)، وهي السنة التي توفي فيها الحسن بن عمار.

والملاحظ أن هذه الأسرة تعتز كثيراً باسم عمار حتى يكاد الدارس لها يقع في الاشتباه بين الأسماء لولا الكنية التي تميِّز بينهم، فمن أعلامهم الذين برزوا قبل قيام دولتهم ممن تولى القضاء في طرابلس: (أبو الكتائب أحمد بن محمد بن عمار) الذي كان معاصراً للعالم الجليل أبي الفتح الكراجكي وقد ألف له الأخير كتاب (عدة البصير في حج يوم الغدير).

ولا يعرف على وجه التحديد ظروف انتقال بني عمار إلى الشام، ولا الأسباب التي أدت إلى انتقالهم إليها، غير أن هناك روايات تشير إلى أن مؤامرات حِيكت ضدهم من قبل حاشية البلاط من الديالمة والأتراك، فأدّت إلى التقليل من شأنهم والحط من قدرهم لدى الفاطميين فكان ذلك وراء هجرتهم تدريجياً، ومما يؤكد ذلك هو موقف بني عمار المحايد من الصراع بين الفاطميين والسلاجقة، وهذا الموقف كان غريباً عليهم فقد كانوا من أشد الجنود إخلاصاً للفاطميين والذراع الضارب لهم في حروبهم.

مع ابن الفرات

حكم بنو عمار طرابلس لمدة أربعين سنة تقريباً (462 ــ 502 هـ / 1070 ــ 1109 م)، وامتدت حدود دولتهم من بيروت وحتى أنطاكية، وأول من تولى حكمها هو أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار وهو من علماء الشيعة ألف الكثير من الكتب، وقد عُرف بسداد الرأي ورجاحة العقل وقد أنشأ دار العلم، وقد وصفه ابن الفرات بقوله: (ثم تغلب عليها قاضيها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار، ولم يزل بها إلى أن توفي في سنة أربع وستين وأربعمائة كما هو مذكور في ترجمته، وكان ابن عمار هذا رجلاً عاقلاً فقيهاً سديد الرأي وكان شيعياً من فقهائهم وكانت له (دار العلم) بطرابلس فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفا).

وما دمنا بصدد الحديث عن الحسن بن عمار فهناك خطأ تاريخي وقع فيه ابن الفرات بشأن ابن عمار حيث ينسب له ما ليس له، ويلصق به ما ليس فيه فيقول ما نصه: (وهو ــ أي الحسن بن عمار ــ الذي صنف كتاب (ترويح الأرواح ومفتاح السرور والأفراح المنعوت بجراب الدولة) (5)

وقبل أن نذكر صاحب هذا الكتاب الحقيقي لا بد أن ننوّه إلى أن ابن الفرات قد نسيَ كلمة مصباح في بداية عنوان الكتاب فإن اسم الكتاب هو (مصباح ترويح الأرواح ومفتاح السرور والأفراح) والمنعوت بـ (جراب الدولة)، كما ينبغي أن ننوّه إلى مضمون الكتاب لكي يقارن القارئ بين المؤلِف والمؤلَف، فهذا الكتاب من كتب الفكاهة والهزل وقول الباطل فكيف يؤلفه (رجل عاقل فقيه متديِّن من العلماء) كما وصفه ابن الفرات نفسه ؟

ولمعرفة ماهية هذا الكتاب وصاحبه نترك الحديث لياقوت الحموي حيث يقول في ترجمة الهازل الملقب بـ (جراب الدولة): (أحمد بن محمد جراب الدولة: كان طنبورياً أحد الظرفاء والطياب كان في أيام المقتدر وأدرك دولة بني بويه فلذلك سمى نفسه بـ (جراب الدولة) لأنهم كانوا يفتخرون بالتسمية في الدولة، وكان يلقب بالريح، وله أيضا كتاب (ترويح الأرواح ومفتاح السرور والأفراح) لم يصنَّف في فنه مثله اشتمالاً على فنون الهزل والمضاحك). (6)

وهنا تنبلج نصف الحقيقة حيث يبقى السؤال ما هو وجه العلاقة بين هذا الكتاب وابن عمار ؟

وتتضح خيوط هذا الخلط في مقدمة ابن خلدون حيث يقول: (وكذلك وجد بخط أحمد بن محمد بن عبد الحميد عمل بما يحمل إلى بيت المال ببغداد أيام المأمون من جميع النواحي نقله من ــ جراب الدولة ــ : غلات السواد .. كسكر .. دور دجلة .. حلوان .. الأهواز .. فارس) ثم يفصل ابن خلدون ارتفاع الواردات لحكومة المأمون بأسرها. (7)

وهنا نجد أن (جراب الدولة) هو اسم كتاب مهم بل من أهم الكتب الاقتصادية التي تهم الدولة الإسلامية من حيث الإلمام بهذا الجانب، وهذا الكتاب هو من تأليف القاضي ابن عمار كما يقول الدكتور مصطفى جواد في بحث له حول دولة بني عمار حيث يقول: (وقد وجدنا من الغريب قول المؤرخ المصري ابن الفرات في ذكر أمين الدولة أبي طالب الحسن بن عمار: (وهو الذي صنف كتاب ترويح الأفراح ومفتاح السرور والأفراح المنعوت بجراب الدولة) !

أما أولاً: فلأن كتاب (ترويح الأرواح) من كتب الفكاهة والهزل والباطل وهذا قاضي وأمير وذو ديانة متينة

وأما ثانياً: فلأن جراب الدولة عند المطلعين على التاريخ الإسلامي جاء في حالتين: أولاهما كونه لقباً للإنسان الذي ألف (ترويح الأرواح والأخرى كونه اسماً لكتاب ألفه القاضي ابن عمار المذكور في اقتصاديات الدولة الإسلامية وشؤونها الأخرى وقد أخذ ابن الفرات المصري اسم الكتاب الهزلي ولقب مؤلفه فجعلهما اسماً لكتاب القاضي ابن عمار وهذا من أشنع الغلط وأفظعه)، والآن وضح الالتباس وانكشفت الحقيقة في قول الدكتور المحقق الكبير مصطفى جواد.

حرب الصليبيين

ازدهرت طرابلس في عهد بني عمار ازدهاراً اقتصادياً وعلمياً وأدبياً لم تشهد له مثيلاً، فقد اشتهرت في ذلك الوقت بصناعة الورق وكانت أساطيلها في حركة مستمرة تنقل منها وإليها البضائع المختلفة، وقد تولى إمارتها أربعة أمراء هم أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار الذي حكم طرابلس لمدة سنتين (462 ـ 464هـ)، ثم تولى بعده ابن أخيه جلال الدولة علي بن محمد بن عمار الذي استمر حكمه إلى عام (492 هـ)، ثم جاء بعده أخوه عمار بن محمد بن عمار المعروف بفخر الملك والملقب بذي السعدين وبقي حتى عام (501 هـ)، وأخيراً ابن عمه محمد بن الحسن بن عمار المعروف بذي المناقب قبل أن تسقط طرابلس بيد الصليبيين عام (502 هـ / 1109 م).   

ولكن طرابلس لم تكن لقمة سائغة للصليبيين، فقد سجلت أروع صفحات المجد في حروبها معهم وخاصة في عهد فخر الملك عمار بن محمد بن عمار الذي لقب بملك الساحل، حيث أنشأ اسطولاً حربياً لمقاتلة الصليبيين وخاض معهم معارك كبيرة رغم تفوق العدو بالعدة والعدد.

وقد زخرت التواريخ ببطولات هذا الأمير وسجلت له صفحات مشرقة من كفاحه ودفاعه عن بلاد المسلمين، يقول ابن الأثير: (إن حملة ميرة بحرية خرجت من اللاذقية لإنجاد الصليبيين المحاصرين لطرابلس فأخرج إليهم فخر الملك أسطولاً فجرى بينه وبين القادمين قتال شديد ظفر فيه المسلمون بقطعة من الروم فأخذوها وأسروا من كان بها) (8)

ومن صور البطولة التي سجلها له التاريخ موقفه عندما احتل الصليبيون مدينة (جبيل)، فقد كان لهذا البطل موقف يجعله في مصاف أبطال التاريخ المعدودين يقول ابن الأثير: (وحين ملك (صنجيل) الفرنجي مدينة جبيل وأقام على طريق طرابلس حصناً مقابلها ومراصد لها، خرج فخر الملك ومعه ثلاثمائة فارس من فرسان طرابلس الأشداء فأحرق ربضه ووقف صنجيل على بعض سقوفه المذهبة المحترقة ومعه جماعة فانخسف بهم ومرض ومات).

وكان لبطولات فخر الملك صدى واسعاً في البلاد فمدحه الشعراء ووثقوا أمجاده وانتصاراته المتلاحقة على الروم والدفاع عن بلاد المسلمين وأكثر من تغنّى بهذه البطولات من الشعراء هو ابن الخياط (أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي) المتوفى سنة (517هـ) والذي زخر ديوانه بمدائح بني عمار وكان منها رائعته التي يقول في مطلعها:

أعطى الشبابُ من الآرابِ ما طلبا      وراحَ يختالُ في ثوبَيْ هوىً وصبا

ومنها يصف شجاعة فخر الدولة وجيشه واستبسالهم في الدفاع عن حياض الإسلام:

تـفـيَّـأَتْ ظلَّ فخْرِ المُلكِ وَاغتبطتْ      بحيثُ حُلَّ عقالُ المُزنِ فانـسـكـبـا

حـتـى إذا وردَتْ تـهــفُـو قَـلائـدَها      ألـفـتْ أغـرَّ بـتاجِ المَجدَ مُـعتصِبا

أشمَّ أشـوسَ مـضـرُوبــاً سُـرادقُـهُ      على الممالكِ مُـرخٍ دُونَها الحُـجُـبا

مُمنّعَ الـعـزِّ معـمُـورَ الــفِــنـاءِ بـهِ      مُـظـفَّـرَ الـعَـزمِ وَالآراءِ مُـنـتـجَـبا

مِن مَعشرٍ طالما شبُّوا بـكـلِّ وغىً      نـاراً تـظــلُّ أَعـاديـهمْ لـهـا حـطبا

بـيضٌ تـوقَّدُ في أَيـمـانِـهـمْ شُــعـلٌ      هيَ الصَّواعقُ إذ تسْتوطِنُ السّحُبا

من كلِّ أروعَ مضّاءٍ إِذا قـصُـرتْ      خُطى المُحامينَ في مكرُوهةٍ وثبا

وقد بقي ابن عمار خمس سنين يقاتل الصليبيين، ولما رأى أن أعدادهم تتزايد وخطرهم يستفحل ذهب إلى بغداد يطلب الإمدادات من السلاجقة لكنهم خذلوه فرجع يقاتل الروم رغم قلة جيشه حتى سقوط طرابلس.

حضارة تفوق التصور

لم تشهد طرابلس منذ تأسيسها على يد الفينيقيين حضارة شُيّدت على أسس متينة من العلوم والمعارف كما شهدته في عهد دولة بني عمار، ورغم أن ذلك ليس بغريب على دول الشيعة التي أرست أعمدة الحضارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل والتي جعلت نصب أعينها منذ تأسيسها الاهتمام بالعلم وإقامة الدور والمراكز الثقافية، وكان رجال الشيعة في طليعة كل علم وأرباب كل فن، إلا أن دولة بني عمار فاقت كل التصورات في هذا الجانب، فقد كانت دولتهم عبارة عن دار للعلم كما وصفها المؤرخون حتى ليخيل لدارسي تلك الفترة أن هذه الدولة لم تهتم بأي جانب أو شأن من شؤون الدولة سوى العلم مع أن تأريخها يعد إضافة إلى موقعه العلمي الذهبي رمزاً خالداً للمسلمين في الدفاع عن البلاد الإسلامية ضد هجمات الصليبيين كما يعد من أرقى فترات نموها الاقتصادي والاجتماعي.

إن المشاريع العلمية والإنمائية التي أقيمت في عهد دولة بني عمار قياساً بعمر هذه الدولة الذي لم يتجاوز الأربعين عاماً والتي تخلّلتها حروبهم مع الصليبيين تعد إنجازاً عظيماً لا يمكن أن يتم إلا في دول عظيمة وبفترة أطول بكثير من عمر دولة بني عمار، فرغم أن الصليبيين سعوا إلى إزالة كل معالم هذه الدولة بعد استيلائهم على طرابلس ومحو كل أثر لها إلا أن بعض آثار هذه الدولة لا تزال باقية وشاهدة على جهودهم في سبيل الارتقاء بهذه المدينة حتى أصبحت على أيديهم أعظم مدينة على ساحل البحر المتوسط.

ومن مشاريعهم التي لا تزال شاخصة إلى الآن (نهر قاديشا) الذي يؤمّن للمدينة ريّاً منظّماً وقد نظمه أبو علي بن عمار ومنع فيضانه وأمّن الأقنية منه للري ويعرف هذا النهر الآن بنهر (أبو علي)، ومن الصناعات التي اشتهرت طرابلس بها في ذلك الوقت هو صناعة الورق التي راجت لكثرة النسخ.

دار العلم

الحديث عن الجانب العلمي في دولة بني عمار شيق لا يُملّ حيث لا تفارق القارئ حالة الانبهار والإعجاب بتلك الدولة ومحبة حكامها للعلم الذي يصل إلى حد التولّع، يقول الدكتور مصطفى جواد: (كما كانت حلب في عهد سيف الدولة الحمداني مركزاً للشعر والأدب والعلم، كذلك كانت طرابلس في عهد الحسن بن عمار، وقد ازدهرت المدينة في عهده فأصبحت مركزاً للحياة الفكرية في بلاد الشام، وأنشأ مدرسة كبيرة ومكتبة، ومن هذه المكتبة انتشر العلم في أنحاء المدينة حتى قال المؤرخون: (إن طرابلس جميعها دار علم) وكان في هذه المكتبة مائة وثمانون رجلا لا عمل لهم إلا نسخ الكتب يتناولون مقابل صناعتهم مرتبات، ولها أناس مخصصون للبحث عن الكتب وشرائها لجمعها في هذه المكتبة، والفضل الأعظم بل الفضل الأول في هذا لأبي طالب الحسن بن عمار).

استقطاب العلماء

سعى بنو عمار لاستقطاب العلماء من البلاد الإسلامية إلى طرابلس وأجزلوا لهم العطاء ووفروا لهم كل ما يحتاجونه لكي يتفرّغوا للتدريس ونشر العلم فقط، ومن أبرز العلماء الكبار الذين وفدوا إلى طرابلس: أبو الفتح الكراجكي صاحب كتاب (كنز الفوائد) وقد ألف في طرابلس كتابه (عدة البصير في حج يوم الغدير) وأهداه لأبي الكتائب عمار القاضي، والكراجكي هو أستاذ ابن بابويه القمي، ومن علماء الشيعة الكبار أيضاً في دولة بني عمار أبو عبد الله أحمد بن محمد الطليطلي، والقاضي عبد العزيز ابن نحرير المعروف بـ (ابن البراج), وخيثمة بن سليمان القرشي الطرابلسي, وابن أبي الخناجر الطرابلسي, والحسين بن بشر الطرابلسي, وأبي الفضل أسعد بن أحمد بن أبي روح.

وكان لكل من هؤلاء حلقات علمية تعقد للتدريس وقد تولى ثلاثة من هؤلاء العلماء الأعلام النظر على دار العلم وهم: الحسين بن بشر الطرابلسي, ثم أسعد بن أبي روح, وأخيرا أحمد بن محمد الطليطلي, أما أبرز من زار دار العلم في طرابلس من الأعلام فقد زارها الفيلسوف أبو العلاء المعري, والخوارزمي, وأبو علي الفارسي وغيرهم الذين وجدوا في دار العلم في طرابلس ما لم يجدوه في باقي البلاد في هذه المكتبة التي وصفها (ستيفن رنسيمان) بأنها: (أروع مكتبة في العالم). (9)

ثلاثة ملايين كتاب !

اختلفت أقوال المؤرخين حول عدد الكتب التي تحتويها مكتبة طرابلس وتباينت الأرقام ما بين مكثرٍ ومقل لكن تلك الأقوال اجتمعت على سعة تلك المكتبة وعظمتها فمنهم من ابتعد عن التحديد واقترب من الوصف مثل ابن القلانسي (10) وابن الأثير (11) الذين قالا عند ذكر هذه المكتبة وما تحتويه خزائنها من الكتب: (ما لا يحد عدده ولا يحصى فيذكر).

أما أشهر الأقوال في عدد الكتب فهو ما ذكره الأب أغناطيوس الخوري عن رواية ابن أبي طيء التي يقول فيها: (إن عدد الكتب بلغ (3,000,000)  ثلاثة ملايين كتاب، ويذكر الأستاذ محمد كرد علي نفس العدد في رواية عن المؤرخ ابن الفرات المصري.

وقد اتفقت الكثير من أقوال المؤرخين والباحثين والمستشرقين على هذا العدد منهم: (آرنولد وغروهمان وغيبون)، ولم يخالج المستشرق الفرنسي (كاتريمر) أدنى شك في هذا العدد من الكتب في مكتبة طرابلس كما نقل عنه فيليب دي طرازي وأحمد زكي.

وقال شوشتري: (إن مكتبة طرابلس كانت تحتوي أكبر عدد من الكتب عرف أن مكتبة ما حوته حتى ذلك الزمن، ألا وهو ثلاثة ملايين كتاب وهذا الرقم يعني أنه كان بها ثلاثة أرباع ما تحويه مكتبة (بودليان) الآن أو أكثر من نصف ما تحويه جميع مكتبات الهند وباكستان في العصر الحاضر). (12)

وقد أجرى الأستاذ (عمر عبد السلام تدمري) إحصائية لأعداد الكتب الموجودة في مكتبات العالم الإسلامي في ذلك الوقت ومقارنة مكتبة طرابلس مع هذه المكتبات المشهورة وهي:

1ـ مكتبة سابور في بغداد

2ـ مكتبة الحكم في قرطبة

3ـ خزائن القصور بالقاهرة

4ـ دار الحكمة بالقاهرة

5ـ مكتبة مراغة

6ـ مكتبة طرابلس

ثم يقول: (ومن مطالعتنا لهذه الإحصائية يتضح لنا إن عدد مجلدات الكتب في مكتبة طرابلس كان يفوق عدد جميع الكتب في المكتبات المذكورة مجتمعة).

ثم يقول تدمري عن هذه المقارنة التي أجراها إنها اقتصرت على المكتبات الإسلامية فقط، إذ لم تكن هناك مكتبات غيرها لها حجمها في العالم في ذلك الوقت وخاصة في أوربا التي كانت أغنى مكتبة فيها تضم (5000) كتاب فقط وهي مكتبة كنيسة (كنتربري) كما لم يستطع ملك دولة عظمى وهو (شارل الخامس) ملك فرنسا وقتها والذي كان يلقب بـ (الحكيم) من أن يجمع أكثر من ألف مؤلف.

ويعلق تدمري على هذه المقارنة المتفاوتة بقوله: (إن مدينة كان عدد سكانها لا يتجاوز خمسين ألف نسمة على أبعد تقدير أثناء حكم بني عمار تحتوي على ثلاثة ملايين كتاب لهي مفخرة حقا لطرابلس العربية الإسلامية الشيعية على مر تاريخها).

التجديد المستمر

بلغ من اعتناء بني عمار بدار العلم وتوسيعها إلى الحد الذي أطلقت هذه التسمية على المدينة برمّتها، فقد أطلق اسم (دار العلم) على مدينة طرابلس من المؤرخين: ابن فضل الله العمري أحمد بن يحيى (700 ــ 749 هـ / 1301 ــ 1349 م ) (13)، وابن الشحنة أبو الوليد محب الين محمد بن محمد (14) وقالا إنها سميت قديماً بذلك.

كما أشار الشاعر شهاب الدين محمود إلى هذه التسمية في قصائده ومنها هذين البيتين من قصيدة طويلة:

وهي أيضاً بـ (دار علم) تسمى   ***    إنما ليـس كالجبالِ الأكامُ

بلدة ســــــــالمت حماها الليالي   ***   وسهت عن ربوعها الأيامُ

وقد أنشأ بنو عمار هذه المكتبة منذ تأسيسهم لدولتهم حيث أنشأها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار أول ملوكهم وجددها بعده ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن عمار والذي تولى بعده.

ويقول كمال الدين ابن العديم عن تجديد المكتبة وبعض ما احتوته من كتب المعري فيقول: (ووقف ابن عمار بها من تصانيف أبي العلاء كتاب (الصاهل والشاحج) ومقداره (40) كراسة و(السجع السلطاني) ومقداره (80) كراسة و(الفصول والغايات) ومقداره (100) كراسة و(السادن) ومقداره (20) كراسة و(إقليد الغايات) ومقداره (10) كراريس و(رسالة الإغريض) وهو بعض من ديوان الرسائل لأبي العلاء المعري. (15)

شراء الكتب مهما بلغ الثمن

حرص أمين الدولة خلال فترة حكمه التي لم تدم أكثر من سنتين على اقتناء الكتب النادرة فكان يبعث من يشتريها من سائر الأقطار بأثمان باهظة وإيداعها في المكتبة، كما كان يحث العلماء على التأليف ويستقطب طلاب العلم إلى مدينته حتى أصبحت طرابلس عبارة عن جامعة علمية كبيرة تدرس فيها مختلف العلوم فكانت في عهد جلال الملك الذي جاء بعده تبعث الحكام والقضاة والخطباء والعلماء إلى البلاد التابعة لها مثل جبيل وعرقة وأنطرطوس وجبلة كما تم في عهده بناء جامع كبير في طرابلس.

وذكر المؤرخون في وصف مكتبة طرابلس إنها احتوت على جميع أنواع وفروع المعرفة الإنسانية من طب وفلك وتنجيم وهندسة وفلسفة وأدب وتاريخ وحديث وفقه وشعر، كما احتوت على خمسين ألف نسخة من المصاحف الشريفة، وقال محمد سليم الجندي: (إن التفاسير التي ضمّتها المكتبة بلغت ثمانين ألف تفسير). (16)

جيش النساخين ونوادر الكتب

أرصد بنو عمار لهذه المكتبة مبالغ كبيرة تُصرف على العاملين عليها من المترجمين والمجلدين والوراقين والنساخين الذي يبلغ عددهم (180) ناسخاً والتجار الذين كانوا يبحثون عن الكتب النادرة في مختلف البلاد، ومن الكتب النادرة التي كانت تضمها المكتبة إضافة إلى كتب أبي العلاء المعري التي ذكرها ابن العديم كتاب (النحو) لسيبويه, و(الإيضاح) لأبي علي الفارسي, و(اللمع) لابن نصر السراج, و(الجمل) لابن خالويه, و(عيون الأدلة في معرفة الله), و(التبصرة في معرفة المذهبين الشافعية والإمامية), و(البيان في خلاف الإمامية والنعمان), و(المقتبس في الخلاف مع مالك بن أنس), و(النور في عبادة الأيام والشهور), و(البيان في حقيقة الإنسان), و(الفرائض), و(البراهين) وكتب أخرى من تأليف أبي الفضل أسعد بن أحمد بن أبي روح الذي كان متولياً لمكتبة طرابلس.

كما ضمّت المكتبة كتب ابن البراج، ومنها: كتاب (روضة النفس)، ومن الكتب أيضاً التي ضمتها المكتبة والتي تشتت عناوينها في بطون التواريخ: (عدة البصير) للكراجكي, و(المسائل الطرابلسية) لإبراهيم بن الحسن الأباني الطرابلسي, و(التصريح) لابن بركات الراشدي, إضافة إلى عدد كبير من الدواوين.

كما احتوت المكتبة على الكثير من الكتب المترجمة عن اليونانية والرومانية والفارسية، فقد عرف ذلك العصر بعصر الترجمة في البلاد الإسلامية وكان لطرابلس اليد الطولى في هذا المجال.

المصير المؤلم

أن مما يؤلم بعد الحديث عن هذه المكتبة العظيمة وما ضمته من نفائس الكتب ودرر العلم وهذه الحركة العلمية التي شهدتها طرابلس في أروع دور حضاري لها عبر تاريخها الطويل، هو الحديث عما آلت إليه هذه المكتبة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا ولنترك الحديث عن مصير هذه المكتبة لمحمد ماهر حمادة حيث يقول:

(في سنة (502 هـ / 1109 م) دخل الصليبيون مدينة طرابلس بعد أن قاوم بنو عمار حصارهم عشر سنوات متتالية، وقد اندفع الجنوبيون في شوارع المدينة يقتلون وينهبون ويحرقون، وعندما وصلوا إلى دار العلم دخلها الكاهن المنقطع لخدمة الكونت (برترام بن ريموند الصنجلي)، وأخذ يطوف في أرجائها فوجدها ملأى بالكتب، ويبدو أنه دخل القاعة المخصصة للمصاحف الشريفة فأراد أن يتصفح أحدها فوجده قرآناً كريماً، فألقى به أرضاً وتناول نسخة ثانية فإذا بها قرآن كريم أيضاً فألقى به، وهكذا كلما التقط نسخة وجدها قرآناً كريماً وظل يفعل الشيء نفسه حوالي عشرين مرة، فلما وجد أن جميع النسخ التي تصفحها كانت قرآناً كريماً اعتقد بجهله أن المكتبة كلها لا تضم سوى المصاحف الشريفة أو التفاسير، ولذلك غضب وتأججت في نفسه الروح الصليبية وحقدها وقال غاضباً: (هذه مكتبة مملوءة بالمصاحف، أحرقوها) فنزل الكونت برترام عند رغبته وهكذا نفذ أمر ذلك الكاهن المتعصِّب الجاهل وأميره الصليبي وأشعلت النيران في دار العلم التي أتت على جميع ما احتوته هذه المكتبة الثمينة حتى أصبحت أثرا بعد عين).(17)

إحراق مصنع الورق

يقول سيد أمير علي: (لم يقتصر الاحراق في طرابلس على المكتبة بل تعداه إلى مدرسة الحكمة ومصنع الورق أيضاً). (18)

ويصف (ابن القلانسي) ما جرى على طرابلس وأهلها من قبل الصليبيين فيقول: (إنهم ملكوها بالسيف ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر علمها وما كان منها في خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصى فيذكر).

وقال السلامي: (إن مدينة طرابلس كانت مملوءة حينذاك بالعلماء من المسلمين ففني منهم خلق كثير بعد أن فشا الجوع فيها والضائقة والقتل)، وهكذا كانت نهاية هذه الحاضرة الإسلامية الشيعية المشرقة بعد أن تركت في تاريخ طرابلس سجلاً حافلاً بالإنجازات العظيمة ولو قدّر لها أن تبقى لكان لها شأناً آخر.

الهوامش

.....................................................

1 ــ المسالك والممالك

2 ــ أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم

3 ــ رحلة ناصر خسرو

4 ــ الكامل في التاريخ

5 ــ تاريخ ناصر الدين بن الفرات المصري تحت عنوان (ذكر بعض أخبار طرابلس والشام) ج 8 ص 76 ــ 77 

6 ــ معجم الأدباء

7 ــ  فصل إن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها من أصلها ص 98

8 ــ الكامل في التاريخ ج 10 ص 267

9 ــ تاريخ الحروب ج 2 ص 113

10 ــ المذيل في تاريخ دمشق

11 ــ الكامل في التاريخ  

12 ــ مختصر الثقافة الإسلامية

13 ــ مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

14 ــ روضة المناظر في علم الأوائل والأواخر

15 ــ الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري  ص 557

16 ــ الجامع في أخبار أبي العلاء وآثاره

17 ــ المكتبات في الإسلام ص 134 نقلا لما جاء في كتاب المكتبات العربية في العصر العباسي

 18 ــ مختصر تاريخ العرب  ص 288

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً