الشيخ جعفر النقدي .. بوصلة الانتماء

الأدب الحسيني

2019-03-07

511 زيارة

 

قدِم إلى مدينة النجف الأشرف فتىً في الرابعة عشرة من عمره قادماً من مدينة ميسان في جنوب العراق يحدوه الأمل أن يجد له مكاناً في هذه المدينة التي تعجّ بالعلماء الأعلام والمراجع الكبار والشعراء الأفذاذ, وكان قد تعلم في مدينته القراءة والكتابة وبعض العلوم الأولية ثم غادرها لطلب العلم الذي كان ولا زال لواؤه يرفرف على قبة سيد العلماء والمتعلمين وأمير البلغاء والمتكلمين الإمام أمير المؤمنين (ع) باب مدينة علم رسول الله (ص).

وقد ساعدته حالة والده المادية الجيدة وحثه له على الالتحاق بالحوزة العلمية على القدوم إلى هذه المدينة المقدسة في سن مبكرة ولكن العامل الأساس الذي دفعه على مغادرة مدينته هو الرغبة التي تعتمل في داخله لطلب العلم والاندماج بحلقات الدروس العلمية.

امتلك هذا الفتى من المؤهلات والمميزات العلمية والفكرية والأدبية ما جعله ينال مكانة متميّزة ويتبوّأ مركزاً علمياً وأدبياً كبيراً في مركز العلم والأدب وعاصمة الفكر والشعر, فقد دفعه ولاؤه الخالص وعقيدته الصافية وحبه للعلم إلى التميّز شعراً ونثراً وفكراً وعلماً, وقد عكس هذا الحسّ الديني المخلص على تآليفه وكتاباته وأشعاره فتنفّس بها وتنفّست به فخرجت ممهورة بطابع العقيدة الخالصة والولاء المحض للنبي (ص) والأئمة الأطهار (ع).

الرحلة إلى العلم

ولد جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد تقي بن الحسن بن الحسين بن علي التقي الربعي النقدي في قضاء العمارة محافظة ميسان عام (1303هـ/1886م), وكان العراق آنذاك خاضعاً للدولة العثمانية, وبعد أن تعلم أوليات العلوم الدينية والقراءة والكتابة في العمارة أرسله والده للدراسة الحوزوية في مدينة النجف الأشرف عام (1317هـ) فانضم إلى حلقات دروس العلم فدرس الأصول على يد السيد محمد كاظم الخراساني، والفقه على يد السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي. وإضافة إلى هذين العلمين فقد درس عند الشيخ محمّد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند، والسيّد هبة الدين الشهرستاني.

إلى العمارة مجدداً

بقي النقدي في النجف خمسة عشر عاماً أنهى خلالها دراسة المقدّمات والسطوح والبحث الخارج، وفي عام (1332هـ) توفي والده فعاد إلى مسقط رأسه بعد أن زاره في النجف وجهاء مدينته يطلبون منه الرجوع إليها لحاجتهم إلى رجل دين وفقيه, فاستجاب لطلبهم بإيعاز من أُستاذه السيّد الطباطبائي اليزدي, فمارس في بلدته الوعظ والإرشاد والتوجيه وتعليم المسائل الشرعية والعمل بها بين الناس في مشاكلهم ومعاملاتهم، فبقي في مدينته مدة عشر سنوات, كان له فيها دوراً مؤثراً في الأوساط الاجتماعية وأسس جامعاً لا يزال شاخصاً يحمل اسمه.

مواجهته للتبشير

كانت مدينته في تلك الفترة في أمس الحاجة إليه للظروف العصيبة التي كانت تمر بها جراء الإحتلال الانكليزي وتفشي الجهل والتخلف والأمية وهي من العوامل التي تمهد الطريق للمحتلين لاستغلالها من خلال النشاط التبشيري والعمل على ترك الناس لدينهم, لكنهم فوجئوا بالجبل الأشم الذي أبطل كل مخططاتهم وأفشل ما راموا إليه فما إن وطأت قدما النقدي أرض العمارة حتى بدأ نشاطه الديني والتوجيهي في ترسيخ مفاهيم الإسلام ونشر الوعي في الأوساط الاجتماعية يقول الأستاذ علي الخاقاني وهو يصف فترة إقامة النقدي في العمارة والدور الذي أداه في الإرشاد والصلاح في المجتمع بالقول:

ما أن حل في بلده حتى أخذ يوجه الناس إلى كثير من الأمور التي غفلوا عنها بالخطابة والوعظ والإرشاد فرأى الناس فيه الرجل الصالح والمصلح والقائد المربي، انتفعوا به نفعاً حببه إلى معظم الطبقات وانقاد لرأيه سائر وجوه البلد.

القضاء الشرعي

تولى النقدي القضاء الشرعي وكان قد رفضه في بداية الأمر لكنه وافق بعد أن ألزمه أساتذته من العلماء ووجهاء مدينته بالقبول, وبقي في هذا المنصب إلى عام (1343هـ)، حيث انتقل إلى بغداد ليتولى عضوية التمييز الشرعي الجعفري, ويصف الأستاذ الكاتب عبد الحميد الكنون ــ وكان معاصرا للنقدي ــ المهمة التي قام بها النقدي في القضاء الشرعي فيقول:

والله يشهد أن الشيخ جعفر كان معواناً لكل ضعيف، وسعفاً لكل محتاج، وشفيعاً لكل من لصقت به تهمة التي كانت تلفق عادة أيام الاحتلال ضد أناس أبرياء من قبل خصوم مغرضين

مؤلفاته

لم يدم طويلاً بقاء النقدي في بغداد فقد آثر العودة إلى النجف ووجد في نفسه شغفاً إلى التدريس والتأليف فترك عضويته وتوجّه إلى النجف الأشرف وانشغل بالتدريس والتأليف فزخرت تآليفه بعلمية واسعة وتنوّع أدبي ثر ويلاحظ ذلك من عناوين كتبه. فمن مؤلفاته:

1 ــ منن الرحمن في شرح قصيدة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان للبهائي.

2 ــ قطف الزهر في تراجم شعراء القرن الثالث عشر والرابع عشر.

3 ــ مواهب الواهب في إيمان أبي طالب.

4 ــ الأنوار العلوية والأسرار المرتضوية: في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)

5 ــ وسيلة النجاة في شرح الباقيات الصالحات: شرح ديوان عبد الباقي العمري.

6 ــ الحجاب والسفور.

7 ــ الإسلام والمرأة.

8 ــ خزائن الدرر: في ثلاثة مجلدات.

9 ــ إرشاد الطلاب إلى علم الإعراب.

10 ــ تنزيه الإسلام.

11 ــ نور الأنوار: في الأدعية والمناجاة

12 ــ ذخائر العقبى.

13 ــ تاريخ الإمامين الكاظمين (ع).

14 ــ أباة الضيم في الإسلام.

15 ــ الروض النضير في شعراء وعلماء القرن المتأخر والأخير.

16 ــ ذخائر القيامة في النبوة والإمامة.

17 ــ الحسام المصقول في نصرة ابن عم الرسول.

18 ــ غرة الغرر في الأئمة الإثني عشر.

19 ــ حياة زينب الكبرى: تُرجم إلى الفارسية بعنوان زندگانى زينب كبرى.

20 ــ الدروس الأخلاقية.

21 ــ عقد الدرر: أرجوزة في الحساب في مائة بيت.

22 ــ الأنوار القدسية في التوجه إلى رب البرية: في الأدعية والأعمال العبادية.

23 ــ ضبط التاريخ بالأحرف: كتابٌ في قواعد إنشاء التاريخ بحروف الجمل.

24 ــ نزهة المحبين في فضائل أمير المؤمنين.

26 ــ زهرة الأُدباء في شرح لامية شيخ البطحاء.

27 ــ فاطمة بنت الحسين (ع)

28 ــ غزوات الأمير(ع)

كما كتب قصائد كثيرة أغلبها في مدح ورثاء النبي (ص) وأهل بيته الأطهار (ع) اختار بعضها الأستاذ علي الخاقاني ونشرها في كتابه (شعراء الغري)

قالوا فيه ..

ترك النقدي بصمة واضحة ومؤثرة على الساحتين العلمية والأدبية وبقي صوته في طليعة الأصوات الولائية لأهل البيت ونشر فضائلهم.

يقول عنه الشيخ آقا بزرك الطهراني في كتابه (الذريعة إلى تصانيف الشيعة): عالم خبير متبحّر، وأديب شاعر معروف.

وقال عنه السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي في (شرح إحقاق الحقّ): العلّامة المفضال، فخر العلماء والأُدباء في عصره… شاعر آل الرسول ومادحهم، ومن مشايخنا في الرواية.

وقال عنه السيد جواد شبر في (أدب الطف): عالم خبير متبحر وأديب واسع الاطلاع ومؤلفاته تشهد بذلك لقد طالعت كتابه (منن الرحمن في شرح قصيدة الفوز والامان) بجزئيه فوجدته مشحوناً بالأدب والعلم وفيه ما لذ وطاب ولو لم يكن له إلا هذا المؤلف لكان أقوى شاهد على سعة اطلاعه.

وقال عنه الشيخ محمد السماوي في الطليعة من شعراء الشيعة: فاضل مشارك في جملة من العلوم وأديب حسن المنثور والمنظوم

وقال عنه رضا كحالة في معجم المؤلّفين: عالم، أديب، شاعر.

شعره

أعتقد أن من يطالع مؤلفات النقدي العلمية والفكرية والتاريخية والعقائدية لا يمكن أن يتخيل أن هذا المحقق الكبير والباحث الفذ يمكن أن يكون له شعر يضاهي دواوين كبار الشعراء, كما لا يمكن أن يتخيل من يقرأ شعر النقدي أن تكون له هذه الموسوعة المتنوّعة من المؤلفات, بل ليحسب القارئ للوهلة الأولى أن صاحب الديوان لم يهتم بأمور أخرى غير الشعر لما حفلت به قصائده من أسلوب لغوي عالٍ وخصائص فنية شاعرية فتصدرت قصائده المجلات والصحف العراقية والمصرية والسورية واللبنانية مثل الاعتدال والمرشد والعرفان والهدى والاستقلال والنجف.

فما يراه القارئ في شعر النقدي وما يلمسه من مؤلفاته يتجلى له هذا العلم الشاخص في عالمي العلم والأدب, فهو العالم والباحث والمحقق والفقيه والأديب والشاعر الملتزم بمبادئ الدين وقضايا الإنسان الجوهرية والذي سخر شعره لقول الحق متّخذاً منه رسالة سامية في الدعوة إلى القيم العليا وفي مقدمة القضايا العظيمة التي سخر لها شعره هي قضية أهل البيت (ع), فهم سادة المسلمين وحلفاء الإيمان وأهل التقوى وحجج الله:

هُمْ دعـــــــــــاةُ الحقّ في آثارِهم   ***   قد سعى من قـــــالَ بالحقِّ صوابا

عن مزاياهمْ سلِ المحـــرابَ والــــــــــــــحربَ بل والعربَ والخيلَ العرابا

والأحــــاديثَ التي فـــي فضلِهم   ***   بثها المختـــــــــــارُ سلهـا والكتابا

واسألِ الإيمــانَ عــــنهم والهدى   ***   وعلوماً كشفوا عــــــــــنها النقابا

من جميعِ الخــــــلقِ في يومِ بلى   ***   بولاهم طـــــــــــــوّق الله الرقـابا

هُمْ أمانُ الأرضِ فيهم عن بني الـــــــــأرضِ طرّاً يدرأ اللهُ العـــــــــــــذابا

وهمُ الأسمــــــــــاءُ فيهم قد دعا   ***   من دعا اللَهَ دعـــــــــــاءً مستجابا

من بهم لاذَ فقد فـــــــــــازَ ومَن   ***   راحَ عنهم حائداً ضـــــــلَّ وخابا

ويقول من قصيدة في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)

ما للعقولِ إلى ثنـــــــــــــاكَ بلوغُ   ***   يا ليتَ شعري ما يقـــــولُ بليغُ

في كلِّ يومٍ من عـــــــلاكَ سبيكةٌ   ***   تبدو فيأخذها الحجى و يصـوغُ

ويقلّدُ الدنيــــــــــــــــا بخيرِ قلادةٍ   ***   زهراء ما لسوى المحبِّ تسوغُ

أنى وخيرُ المرسليـــــــــــن تقرُّباً   ***   من ربّهِ بكَ زادَه التبليـــــــــــغُ

تعسَ المُداجي كيف يخفـى مدحُه   ***   أضحى لها طولَ الزمـانِ نبوغُ

يرجو ليخيــفها فإن هي أشـرقتْ   ***   شبه الثعالبِ ينثني ويــــــــروغُ

في هذه الأبيات يشير النقدي إلى فضائل أمير المؤمنين التي لا تخفى مهما حاول الحاقدون تغييبها فهي كالشمس لا يحجبها الظلام وفي أبيات أخرى يؤكد هذه الحقيقة حيث يقول:

وولائِي لآلِ طه وإنشـــــــــــــــائي بمدحِ الوصيِّ نظماً بديعا

أقدمَ المؤمنينَ عهداً بديـــــــــــــــــنِ الله والعابد الإلهِ رضيعا

الإمامُ الذي له رُدّت الشمـــــــس وبانت بعدَ الغروبِ طلوعا

قاتلَ المشركينَ مَن بمواضيـــــــه غدا معطسُ الطغامِ جديعا

ملجأ اللاجئينَ مَن بأياديــــــــــــهِ أقامَ المحمولَ والموضوعا

أما في رثاء سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) فهو يصب أوار حزنه في كلماته ويلبسها صبغة الحزن:

حســـــــدت أمية هـــــاشماً بنبيها   ***   خيرِ البريةِ سيدِ الأمجـــــــادِ

ويزيــــــــدُها قد رامَ يمـحو ذكرَه   ***   ويبدِّلُ التوحيــــــــدَ بالإلحـادِ

وبنهضةِ السبــــــطِ الشـهيدِ وقتله   ***   قام الهدى واسم النبيِّ الهادي

فعلى جميعِ بني الهدى أن يلبسوا   ***   في يومِ مصرعِهِ ثيــابَ حدادِ

وفي قصيدة أخرى يصور الفاجعة العظمى لمصرع الإمام الحسين (ع) وسقوطه من على ظهر جواده:

هوى للثرى من ســـــــــرجِهِ فتزلزلتْ   ***   له السبعة الأفلاك وارتجتِ الحُجبُ

قضى نحبه ظامي الحشا بعدما ارتوى   ***   بفيضِ دمـاءِ القومِ صارمُه العضبُ

وما انكشفتْ من قبلِهِ الحربُ عن فتى   ***   بمصرعِـهِ مـنه العـدى نابَها الرعبُ

وفي سيدة الصبر العظيم زينب الحوراء (ع) يقول:

وإلى العقيــلة زينب الكبرى ابنة الــــــــــــــــكرّار حيــــــــدر بالولاية أنتَمي

هي رَبّـــة القَدر الرفيع رَبيـــــبة الـــــــــــــــخِدر المنيع وعِصمةُ المستَعصِم

مَن فـي أبيـــــــــــها الله شَرّفَ بيته   ***   وبجَدّها شَرَفُ الحـــطيمِ وزَمزَمِ

مَن بيتُ نشـــــــــأتها به نشأ الهدى   ***   وبه الهداية للصـــــــراط الأقومِ

ضُربَت مَضاربُ عِزّها فوق السُها   ***   وسَمَت فضائلها سُمــــوّ المرزمِ

فَضلٌ كشمس الأفــق ضاء فلو يشأ   ***   أعداؤها كتمــــــــــــــانَه لم يُكتَمِ

كانت مَهابتُها مَهـــــــــــــابة جدّها   ***   خيرِ البريّة والرســـــولِ الأعظمِ

كانت بلاغتُـــــــها بلاغة حيدر الـــــــــــــــكرّار إن تَخطـــــــــب وإن تتكلّمِ

قد شابَهَت خير النســـــــاء بهَديها   ***   ووقارِها وتُقىً وحُســـــــــنِ تكرّمِ

وفي هذه القصيدة الطويلة التي تبلغ (53) بيتاً ينتقل النقدي فيها إلى كربلاء فيصور الوقفة الخالدة التي وقفتها هذه السيدة العظيمة في نشر الهدف السامي لثورة أخيها سيد الشهداء فيقول:

ولها بيوم الغــــــــاضــريّة موقفٌ   ***   أنسى الزمانُ ثَبـاتَ كلّ غَشَمشَمِ

حَمَلَت خطوباً لو تَحَــــمّلَ بعضَها   ***   لانهـارَ كــــــــــاهل يذبلٍ ويَلَملَمِ

ورأت مُصاباً لو يُلاقــــي شَجوَها   ***   العَذبُ الفرات كساه طعـم العَلقمِ

في الرُزء شاركت الحسين وبعده   ***   بَقِيت تكافحُ كلّ خطـــــــبٍ مؤلم

كانت لنسوته الثواكل ســـــــــلوةً   ***   عُظمى وللأيتـــــــــــامِ أرفقَ قيّمِ

ومُصابها في الأســــرِ جُدّد كلّما   ***   كانت تُقــــــــــــاسيهِ بعشرِ محرّمِ

ودخول كوفانٍ أبـــــــــادَ فؤادها   ***   لكن دخول الشام جـــــــــاء بأشأمِ

لم أنسَ خُطبتها التي قَلَــمُ القَضا   ***   في اللوح مثــــــــل بيانها لم يُرقمِ

نَزلت بها كالنار شبّ ضــرامها   ***   في السامعين، من الـفؤاد المُضرَمِ

جاءت بها عَلَويّةً وقعت عـــلى   ***   قلبِ ابن ميســـــــونٍ كوقعِ المِخذَم

أوداجه انتَفَخت بهــــــــا فكأنّما   ***   فيها السيوف أصبـــنّه في الغلصمِ

لقد كانت قضية أهل البيت وسيرتهم هي شغله الشاغل فكرس حياته لها وسخر أدبه لنشرها يقول من قصيدة في حق الإمام محمد الجواد (ع)

لكم غَزَلي ومدحـي في إمامِي   ***   أبي الهـــــــــادي محمّدٍ الجوادِ

هو البَرُّ التقيُّ حمـــــى البرايا   ***   وغَيث المجتدي غوثُ المنادي

إمامٌ أوجَبَ البـــــــــاري وِلاهُ   ***   وطاعَتَه على كلِّ العـــــــــــبادِ

دليلُ بني الهــــداية خـيرُ داعٍ   ***   إلى ربِّ السماءِ وخــيرُ هــادي

إمامُ هُدىً مقامُ عـلاه أضحتْ   ***   بهِ الأملاكُ رائــــــحةً غَـوادي

وفي توجهه لزيارة قبر الإمام الهادي (ع) يخفق قلبه بالشوق واللهفة فيقول:

قاصداً مرقدَ قدسٍ فــــــــي العلى   ***   طاولت قبّته الســــــبعَ القبابا

مرقدُ الطهرِ ســــــمِيِّ المرتضى   ***   خيرِ خلقِ اللهِ أصلاً وانـتسـابا

ذا هو الهــــادي أخُ الزاكي ومن   ***   بمساعيه زكــــى نفساً وطـابا

أمنعُ النـــــــــــاسِ جواراً وحمى   ***   وأجلُّ الخلــــقِ قدراً وجــنابا

ذو الخصالِ الغرِّ عنها قـد غدت   ***   تقصرُ الأيــــامُ عداً وحســابا

والكرامــــــــــــاتُ التي آحـادها   ***   نشـــرت بين الورى باباً فبابا

هيَ تهدي حين تــــروى عسـلاً   ***   للمـــــــــحبينَ وللأعداءِ صابا

يصرخُ الناصبُ إذ يـــــسمـعها   ***   قــــائلاً: يــــا ليتني كنتُ ترابا

ويستنهض بقية الله في أرضه بقلب ملؤه الشوق لرؤية الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة:

ما العيدُ إلّا بيـــــــــــــــومٍ فيه أنتَ ترى   ***   تُلقى إليكَ من الدنيــــــــا مقاليدُ

وتملأ الأرضَ قســـــــــــطاً بعدما مُلئت   ***   جوراً وقد حلَّ في أعـداكَ تنكيدُ

يا صاحبَ العصرِ إنَّ العصرَ قد نقصتْ   ***   أخيارُه وبنو الأشـرارِ قد زِيدوا

وصارمُ الغدرِ في أعنـــــــــــاقِ شيعتكم   ***   قد جرّدته الأعادي وهو مغمودُ

الله أكبر يا ابنَ العسكـــــــــــــــريِّ متى   ***   تبدو فيفرحُ ايمــــــــانٌ وتوحيدُ

وتطول نجواه وهو يستذكر المآسي التي جرت على أهل البيت وتسلط الظالمين على شيعتهم فيقول قول المؤمن المطمئن بخروج الإمام المنتظر لينقذ الدين من براثن الأمويين وأسلافهم: 

طالتْ بغيبتكَ الأعــــــــوامُ والحُجَجُ   ***   فداكَ نفسي متى يأتي لنا الـفرجُ ؟

الدهرُ جرَّدَ فينـــــــــــا من مصائبِهِ   ***   عضباً غــدتْ فيه منّا تسفكُ المُهَجُ

وقامَ يشـــــــــمتُ منّا كلُّ ذي عِوَجٍ   ***   مُرُّ العـــــــــداوةِ في أحشاهُ معتلجُ

حتى متى الصبرُ والدنيا قد امتلأتْ   ***   جوراً وقــــد زادَ في آفاقِها الهرجُ

نهضاً فركنُ الـهدى من بعد رفعته   ***   قد هدّمته رعــــــاعُ الناسِ والهمجُ 

وقد ولج النقدي أغراض الشعر الأخرى فطرق باب الحكمة والموعظة فهو شاعر يرى في الشعر رسالة سامية يجب أن يؤديها فامتلك قوة التعبير والقدرة على الاقناع وترك نقاطاً معينة تتوغل في معنى قصده يقول من قصية في عظيم فائدة العلم وفضل التعلم والقراءة:

مؤنسي العلمُ والكتـابُ الجــليسُ   ***   لم يرقني من الأنـــــــــــامِ أنـيسُ

يا نفوسَ الورى دعيني ونفــسي   ***   إنما آفــــــــــــة النفوسِ النـفوسُ

حبَّذا وحدة بها لي تــــــــــــجلى   ***   من زماني المعقـولُ والمحسوسُ

علمتني أن الحيـــــــــــاةَ كتـابٌ   ***   خطه الكون والليـــــــالي دروسُ

نلتُ فيها ما لم ينله رئـيـــــــسٌ   ***   حلَّ في دستـــــــــهِ ولا مرؤوسُ

ثم يردفها بهذه الحكمة المتنبية:

كلُّ نفسٍ ما قدسّتــــــها المزايا   ***   لم يفــــــــدها من غيرِها التقديسُ

وفاته

تُوفّي النقدي عام (1370هـ/1950م) في حسينية آل ياسين بمدينة الكاظمية، وُحملت جنازته إلى النجف حيث دُفن هناك بالصحن العلوي الشريف وكان العلامة المحقق محمد طاهر السماوي قد توفي قبل النقدي بخمسة أيام فكانت الفاجعة كبيرة والخسارة فادحة على العلم والأدب فقال السيد محمد صادق آل بحر العلوم في رثائهما: 

قد دهى الكـونَ رنّةٌ وعـويلُ   ***   ورزايا مثــــــــلها ليــسَ يوجـدْ

الآنَ الأنامُ تنـــــدبُ شــجـواً   ***   شهرَ عـاشورِ ســـبطَ طهَ أحمـدْ

الآنَ الأيامُ جاءتْ بــخـطـبٍ   ***   إثرَ خطبٍ فالعيشُ أضحى منكّدْ

      أبها قد قضى الحسينُ فأرخ   ***   (أقضى جعـفرٌ بهـا ومـــــحـمدْ)     

 

محمد طاهر الصفار

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً