مبعث الرسول (ص) في الشعر العربي

حظيَ شعر المديح النبوي بمكانة متميّزة في الشعر العربي لما فيه من دعوة إلى التحلّي بالأخلاق العظيمة والاقتداء بالفضائل الحميدة التي كان يتحلّى بها سيد الخلق محمد (صلى الله عليه وآله) وقد اقترن الشعر العربي بالدين الحنيف منذ أن صدح النبي الأكرم بالدعوة إلى الإسلام ومن هنا جاءت المدائح النبوية بالأدب الأصيل وحملت خصائص الأدب الملتزم كونها تتعلّق بأعظم شخصية عرفها الوجود فتميّزت بالنَفَس الصادق والشعور الخالص الذي لا يخالطه رياء ولا يشوبه ريب لأن دوافعه كانت سامية خالصة حيث نرى صيغة التقرّب إلى الله والتوسّل به والتشفع لديه بسيد الرسل بين ثنايا القصيدة ممزوجة بالعاطفة الصادقة والشعور الطافح بالحب والاعجاب بالشمائل المحمدية العظيمة.    ولو رجعنا إلى تاريخ هذه المدائح النبوية لوجدنا إن قصيدة الأعشى كانت أقدم قصيدة في مدح الرسول ثم تتابع الشعراء في مدحه وكان منهم: كعب بن زهير، حسان بن ثابت، عبد الله بن رواحة، النابغة الجعدي كما كان عمه أبو طالب من أبرز من مدحوا الرسول الكريم ودعوا الناس إلى اتباع دعوته فكانت هذه القصائد هي نواة هذا الأدب السامي ثم جاء بعدهم رعيل من الشعراء اشتهروا في مدح الرسول وتغنّوا بسيرته العطرة وكان في مقدمة هذا الرعيل الكميت بن زيد الاسدي, والسيد الحميري وأصبح هذا الأدب مادة خصبة للشعراء عبر العصور كونه ينهج بهم نهجاً خاصاً في التأدّب كما تطور هذا الأدب حسب الظرف التاريخي والجغرافي فالشاعر عندما يكون قريباً من قبر الرسول فانه يوقف شعره على ذكر سيرة الرسول والتغني بفضائله وأخلاقه الكريمة واختيار المشاعر والخصائص التي اختص بها (ص).  أما إذا كانت دياره بعيدة عن أرض النبوة فإنه ينهج في قصيدته جانب التشوّق لزيارة قبر الرسول ولثم ترابه, كما اختصت قصائد أخرى بمولده الشريف فسميت بالمولديّات وأخرى بالمشفعّات وهناك نوع آخر من هذه المدائح تسمى بالمعجزات وقد تناولت هذه القصائد المعجزات التي ظهرت على يده الشريفة منها انشقاق إيوان كسرى وخمود نار فارس وغيض بحيرة ساوة وقصة الإسراء والمعراج التي كانت منبعاً ثرياً استمد منه الشعراء عبر العصور شعورهم بالتغني بهذا الشرف العظيم وهذه المعجزة الخالدة يقول ابن سهل الاندلسي: اسرى إلى السبعِ الطباقِ براقُه   ***   والأرض واجفةٌ تخافُ فراقَه سبحانَ من أدنى سُراه فساقه   ***   شخصاً على ملكِ الملوكِ كريما صلوا عليه وسلموا تسليما أما محمد بن يحيى الأندلسي فإنه يترسّم خطوات الرسول (ص) في قصيدته ويرسم تتابع أحداث الإسراء والمعراج إظهاراً لقدسيتها ومكانتها في النفوس: سرى وجنحُ ظلامِ الليلِ منسدلُ   ***   والنجمُ لا يهتدي في الأفقِ ساربُه يسمو لكلِّ سماءٍ منه منفردٌ   ***   عن الأنامِ وجبرائيلُ صاحبُه لمنتهىً وقفَ الروحُ الامينُ به   ***   وامتازَ قرباً فلا خلقٌ يقاربُه لقابِ قوسينِ أو أدنى فما علمتْ   ***   نفسٌ بمقدارِ ما أولاهُ واهبُه أراهُ أسرارَ ما قد كان أودعه   ***   في الخلقِ والأمر باديه وغائبُه وآبَ والبدرُ في بحرِ الدجى غَرِقٌ   ***   والصبحُ لما يؤب للشرقِ آيبُه ويشير أبو زيد الأندلسي إلى هذه المكانة المقدسة للرسول الأكرم والتي لم يدانيه فيها أحد بقوله: سرى نحو مولاه وجبرائيل صاحبٌ   ***   فناهيكَ من قدسين في حضرةِ القدسِ سما صعداً فوقَ السماواتِ كلّها   ***   إلى مستوى ما حله قبله أنسي أما السيد حيدر الحلي فيتناول في قصيدة طويلة هذه الرحلة القدسية للرسول الأكرم بأجواء مفعمة بالهيبة والجلال يقول في مطلع قصيدته: أي بشرى كست الدنيا بهاءَ   ***   قم فهنّي الأرض فيها والسماءَ طبّقَ الأرجاءَ منها أرجٌ   ***   عطّرتْ نفحةَ ريّاهُ الفضاءَ بعثة أعلنَ جبريلٌ بها   ***   قبلَ ذا في الملأ الأعلى نداءَ قائلاً: قد بُعث النورُ الذي   ***   ليسَ يخشى أبدَ الدهرِ انطفاءَ فهنيئاً فُتحَ الخيرُ بمن   ***   ختمَ الرحمنُ فيهِ الأنبياءَ ويسترسل السيد حيدر في قصيدته ويركز على عظمة مبعثه الشريف فيقول: سيّد الرسلِ جميعاً أحمدٌ   ***   من بعلياهُ أتى الذكرَ ثناءَ (مبعثٌ) قد ولدته ليلة   ***   للورى ظلماؤها كانت ضياءَ بوركت من ليلةٍ في صبحِها   ***   كشفَ اللهُ عن الحقِّ الغطاءَ ويقول السيد رضا الهندي في داليته مشيراً إلى هذه البعثة الشريفة: حباكَ إلهُ العرشِ منه بمعجزٍ   ***   تُبادُ الليالي وهو باقٍ مؤيّدُ نبيٌّ براهُ اللهُ نوراً بعرشهِ   ***   وما كان شيءٌ في الخليقةِ يوجدُ وتستمر مسيرة الشعراء عبر العصور لتعكس قصائدهم عبارات الإكبار والإجلال لهذه البعثة الشريفة التي تحتاج إلى بحث موسع لكثرة الشعراء الذين تناولوا مبعثه (ص) الشريف واتسعوا في الحديث عنه. محمد طاهر الصفار

gate.attachment