برَّ الوالدين في رسالة الحقوق للأمام زين العابدين عليه السلام

نفحات إسلامية

2019-01-03

6430 زيارة

أ.م نغم هادي حسين  م. زينة علي صالح

كلية الآداب/ جامعة القادسية

مقام الأم مقدَّس ومقام الأب عظيم...قال تعالى في كتابه: "وقضى ربك إلاَّ تعبدوا إلاّ أيَّاه وبالوالدين إحساناً" . قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، ما حقّ الوالد؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أن تُطيعه ما عاش" فقيل: ما حقُّ الوالدة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "هيهات هيهات، لو أنّه عدد رمل عالج، وقطر المطر أيّام الدنيا، قام بين يديها، ما عدل ذلك يوم حملته في بطنها. (النوري, 1988, ص203) ، أن للوالدين مقاماً وشأناً يعجز الإنسان عن ادراكه، ومهما جهد القلم في إحصاء فضلهما فإنَّه يبقى قاصراً منحسراً عن تصوير جلالهما وحقّهما على الأبناء، وكيف لا يكون ذلك وهما سبب وجودهم، وعماد حياتهم وركن البقاء لهم.

لقد بذل الوالدان كل ما أمكنهما على المستويين المادي والمعنوي لرعاية أبنائهما وتربيتهم، وتحمّلا في سبيل ذلك أشد المتاعب والصعاب والإرهاق النفسي والجسدي وهذا البذل لا يمكن لشخص أن يعطيه بالمستوى الذي يعطيه الوالدان.

ولهذا فقط اعتبر الإسلام عطاءهما عملاً جليلاً مقدساً استوجبا عليه الشكر وعرفان الجميل وأوجب لهما حقوقاً على الأبناء لم يوجبها لأحد على أحد إطلاقاً، حتى أن الله تعالى قرن طاعتهما والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده بشكل مباشر فقال: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً".

لأن الفضل على الإنسان بعد الله هو للوالدين، والشكر على الرعاية والعطاء يكون لهما بعد شكر الله وحمده، "ووصينا الإنسان بوالديه أن أشكر لي ولوالديك إليَّ المصير". وقد اعتبر القرأن عقوق الوالدين والخروج عن طاعتهما ومرضاتهما معصية وتجبراً حيث جاء ذكر يحيى ابن زكريا بالقول: "وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصيا".

 

 

 

المبحث الاول: رسالة الحقوق للامام زين العابدين عليه السلام

رسالة شاملة لحقوق الإنسان وتنظم العلاقة بين الإنسان وخالقه ونفسه وأعضاء بدنه وأسرته ومجتمعه وحاكمه, (العطار,2011) وهي من المؤلفات المهمة في دنيا الإسلام (رسالة الحقوق) للإمام الأعظم زين العابدين عليه السلام، فقد وضعت المناهج الحية لسلوك الإنسان، وتطوير حياته، وبناء حضارته، على أسس تتوفر فيها جميع عوامل الاستقرار النفسي، ووقايته من الإصابة بأي لون من ألوان القلق والاضطراب، وغيرهما مما يوجب تعقيد الحياة.

هذه الرسالة تعتبر أوّل رسالة قانونية جامعة دوّنت في التأريخ البشري، وهي من الذخائر النفيسة ألذي ترتبط ارتباطا وثيقا بالإنسان وحقوقه كلّها وتشتمل علي شبكة علاقات الإنسان الثلاثة، مع ربِّه ونفسِه ومجتمعه.وترسم حدود العلائق والواجبات بين الإنسان وجميع ما يحيط به.

لقد نظر الإمام الحكيم بعمق وشمول للإنسان، ودرس جميع أبعاد حياته وعلاقاته مع خالقه، ونفسه، وأسرته، ومجتمعه، وحكومته، ومعلمه وغير ذلك، فوضع له هذه الحقوق، والواجبات، وجعله مسؤولاً عن رعايتها وصيانتها ليتم بذلك إنشاء مجتمع إسلامي تسوده العدالة الاجتماعية والعلاقات الوثيقة بين أبنائه من الثقة والمحبة، وغيرهما من وسائل التطور والتقدم الاجتماعي.

لم يسبق نظير لمثل هذه الحقوق التي شرعها الإمام العظيم، سواء في ذلك ما شرعه العلماء في عالم الفكر السياسي أم الاجتماعي وغيرهما مما اقروه لحقوق الإنسان، وروابطه الاجتماعية، وأصوله الأخلاقية، وأسسه التربوية. أن رسالة الحقوق، تشتمل علي خمسين مادة، وهي حقوق عامّة وخاصّة، وهذه الحقوق هي:

  • حقوق الله.
  • حقوق الجوارح: حق اللسان، حق السمع، حق البصر، حق اليد، حق الرجل، حق البطن، حق الفرج.
  • حقوق الأفعال: حق الصلاة، حق الحج، حق الصوم، حق الصدقة، حق الهدي.
  • حقوق الأئمَّة: حق سائسك بالسلطان، حق سائسك بالعلم، حق سائسك بالملك.
  • حقوق الرعية: حق الرعية، حق الرعية بالسلطان، حق الرعية بملك اليمين، حق الزوجة.
  • حقوق الرّحم: حق أمك، حق أبيك، حق ولدك، حق أخيك.
  • حقوق الآخرين: حق المنعم على مولاه، حق المولى الجارية عليه نعمتك، حق ذي المعروف، حق المؤذن، حق الإمام في الصلاة، حق الجليس، حق الجار، حق الصاحب، حق الشريك، حق المال، حق الغريم الطالب، حق الخليط ، حق الخصم، حق الخصم المدعي عليك، حق الخصم المدعى عليه. حق المستشير، حق المشير، حق المستنصح، حق الناصح، حق الكبير، حق الصغير، حق السائل، حق المسؤول، حق من سرك الله به وعلى يديه، حق من ساءك القضاء على يديه بقول أو فعل، حق أهل ملتك عامة، حق الذمة.

ما المقصود بـ (الحقوق) في رسالة الحقوق

على الرغم مما تحمله مفردة (الحق) من معنى واضح، إلا أن ورودها واستعمالها في علوم كثيرة جعلها تأخذ الطابع الاصطلاحي في كل علم من تلك العلوم. وكان الجانب الحقوقي الفقهي الأقرب من بقية الجوانب التي سلطت رسالة الحقوق اهتمامها عليه، في علاقة جدلية مع مفهوم (الحكم). يقول السيد مرتضى الشيرازي في بيان المقصود من مفهوم (الحق) الوارد في رسالة الحقوق .

ماذا يعني الحق؟ وماهي النسبة بين الحق والواجب؟ ثم ما هو واجبنا تجاه منظومة الحقوق، على ضوء ما ذكره سيد الساجدين في رسالة الحقوق وغيرها؟ فالحق له إطلاقان:

  1. ما يقع في مقابل (الواجب)، بل في مقابل (الحكم)، أي هناك(حكم) وهناك(حق). فيطلق ويراد به ما هو قسيم للحكم، كحق الشُفعة وكحق الأخذ بالخيار، كخيار المجلس أو خيار الشرط وغيرهما. وكذلك حق القَسم للمرأة، أو حق حيازة المباحات، وحق التملك، أو الحق في الزواج، أو الحق في الحصول على فرصة عمل، وهكذا وهلم جرا.. الى سائر الحقوق.
  2. الأعم من (الواجب) ومن (الحكم). فيطلق الحق ويراد به (الواجب)، كما لو قلنا ان الصلاة واجبة، أو الصوم واجب، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وموجز القول: أن المراد من الحق في الآية الشريفة، وفي سائر الآيات المشابهة لها: هو مطلق الحقوق بالمعنى الفقهائي، أو القانوني المصطلح عليه، إضافة الى كافة الواجبات ونظائرها (أي حتى المستحبات فان لها درجة ومرتبة من مراتب صدق هذا العنوان)."  وبناء على تفسير السيد مرتضى الشيرازي للحق والحكم، فإن الحق والحكم يمكن أن ينطبقا من حيث المصاديق الخارجية على بعضهما البعض:

(1) أما أن كل حق هو حكم، لأن الحقوق كالأحكام مجعولة من المشرع أو المقنن. ولا يمكن أن نتصور حقا ليس له مشرّع على الإطلاق. كل ما في الأمر أن المشرِّع يختلف، فقد يكون العقل وقد يكون الدين وقد يكون التقليد وقد يكون القانون أو غير ذلك.

(2) وأما أن كل حكم هو حق، فإن الحق إنما كان حقا لكونه في مصلحة المكلف وإرفاقا به. وهذا بنفسه ثابت ووارد في الحكم أيضا، فإنه أيضا موجود ومشرع في مصلحة المكلف وإرفاقا به. (الحمامي,2016)

المبحث الثاني: حقوق الوالدين في رسالة الحقوق للامام زين العابدين عليه السلام

في رسالة الحقوق المباركة نجد أن للوالدين حقوق لهم على الابناء. حيث انه للأم حق معين وللأب حق أخر, وسيتم تناول تلك الحقوق بشيء من التفصيل وهي كالاتي:

أولا: حق الأم:

حظيت الأم بنصيب وافر من اهتمام المشرّع الحكيم، وظفرت بعناية خاصة بتأكيده حقها، وإفرادها بالذكر‌، سواء‌ كان‌ ذلك في نطاق الوحي القـرآني الشـريف، أو ضمن إطار السنة المعصومة‌ المطهرة‌، «ووجه الفضل ظاهر لكثرة مشقتها وزيادة تعبها» إن وصايا الكتب السماوية، والأحاديث والروايات المتواترة جميعاً تصور تلك التضحية النبيلة الواهبة التي تتقدم بها الأم، تلك البذرة التي تغدو قشراً خالياً لتنمو منها النبتة الخضراء وتكبر، ولا يجازيها أبداً إحسان من الولد مهما أحسن في القيام بأداء حقها, (عادل,2001) ويكفي لذلك بياناً قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا…}(الأحقاف/15), كما يوضح هذه الحقيقة قول‌ الإمام‌ زين‌ العابدين عليه السلام التي في رسالة الحقوق، وهو ما يمكن أن يكون فيه شرح‌ لمضمون‌ هذه‌ الآية الكريمة، حيث تطرق فيه عليه السلام لذكر مـا تـعانيه الأم من أجل ولدها‌ من‌ مـشقة، وتـمنحه إياه من إيثار، فهي تحمله «حيث لا يحتمل أحد أحداً»، وتعطيه‌ «من‌ ثمرة‌ قلبها ما لا يعطي أحد أحداً»; فما أعظم أن تكون الجنة تـحت قـدميها. (حيدر, 2014)

فحق الأم على لسان الإمام علي بن الحسين عليه السلام بأفضل تعبير وأكمل بيان، فيختصر عظمة الأم وشموخ مقامها في كلمات، ويصوِّر عطاها بأدق تصوير وتفصيل فيقول الامام عليه السلام:

"فحقّ أُمِّك أن تعلم أنَّها حملتك حيث لا يحمل أحدٌ أحداً، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يُطْعِم أحدٌ أحداً، وأنَّها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة بذلك فرحةً موبلة (كثيرة عطاياها )، محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمِّها، حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الأرض فَرَضِيَتْ أن تشبع وتجوع هي، وتكسوك وتعرى، وترويك وتظمأ، وتظللك وتضحى، وتنعمك ببؤسها، وتلذذك بالنوم بأَرِقهَا، وكان بطنها لك وعاء، وَحِجْرَها لك حواء، وثديها لك سقاءاً، ونفسها لك وقاءاً، تباشر حر الدنيا وبردها لك دونك، فتشكرها على قدرِ ذلك ولا تقدر عليه إلاّ بعون الله وتوفيقه".

بهذه العبارات المضيئة والتعابير الدقيقة، يستثير الإمام زين العابدين(ع) الضمير والرحمة في قلب الإنسان تجاه من (حملته كرهاً ووضعته كرهاً) سورة الاحقاف الاية 15، وتذكره بالمشاق العظيمة التي تحملتها الأم في سبيل فلذة كبدها، لذلك قال الرسول الأعظم(ص): (حق الوالد أن تطيعه ما عاش، وأما حق الوالدة فهيهات هيهات.. لو أنه عدد رمل عالج وقطر المطر أيام الدنيا قام بين يديها ما عدل ذلك يوم حملته في بطنها)، لأن الأم بطبيعة الحال، تتحمل النصيب الأوفر من العناية والرعاية لولدها لما تجود به من حنان وعطف بلا حدود، فنتيجة لتلك التضحيات اللامتناهية كان للأم حقها العظيم على الأبناء. وبخاصة إذا كانت طيبة ومؤمنة، لتأثيرها البالغ في جنينها، فتجعل منه إنساناً سوياً ومستقيماً، وحتى أثناء الرضاع تسري أخلاق الأم إليه. قال تبارك وتعالى: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) سورة مريم الاية 32، ومهما قلنا ومهما نقدم من توصيات في حقوق الأم، تتضاءل العبارات، وتعجز الكلمات أمام الواجب تجاه صانعة الأجيال على مر العصور. (عادل,2001)

وتبرز هنا، أهمية حق الأم من خلال التفصيل والبيان الذي تقدم به الإمام, بحيث جعله أكبر الحقوق في رسالته المباركة، وأكثر في بيانه، وحثَّ على برّها ووصّى الولد بالشكر لها كما هي الوصية الإلهية: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن, أن أشكر لي ولوالديك إليَ المصير".

فما أعظم حقوق الأم، وما أكثر ألطافها وآياديها على ولدها، فهي صانعة حياته ولولا عواطفها وحنانها لما عاش، ولما استمرت له الحياة، فقد تعاهدته بروحها منذ تكوينه، وتحملت أعباء الحمل وأخطار الولادة، وبعد ولادته تذوب في سبيله، وتبذل جميع طاقاتها للحفاظ عليه، والسهر من أجله، وتبقى تخدمه بإخلاص، وترعاه بعطف وحنان، إلى أن يكبر ويأخذ طريقه في الحياة، فإذا فارقها أو نأى عنها فكأن الحياة قد فارقتها.

ما أعجز الإنسان عن أداء حقوق أمه، ولو قدم لها جميع الخدمات والمبرات لما أدى أبسط شيء من حقوقها.

فقد قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ والدتي بلغها الكِبَر، وهي عندي الآن، أحملها على ظهري، وأُطعمها من كسبي، وأُميط عنها الأذى بيدي، وأصرف عنها مع ذلك وجهي استحياءً منها وإعظامًا لها، فهل كافأتها؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: " لا، لأنّ بطنها كان لك وعاءً، وثديها كان لك سقاءً، وقدمها لك حذاءً، ويدها لك وقاءً، وحجرها لك حواءً، وكانت تصنع ذلك لك وهي تمنّى حياتك، وأنت تصنع هذا بها وتحبُّ مماتها". (النوري,1988, ص180)

ثانيا: حق الأب:

ليس في الكون عند الآباء أغلى وأثمن من بر أولادهم بهم، على الرغم من كونه وفاء لبعض ما لهم من ديون، وسعادتهم بأداء الحق إليهم، كسعادة العالم باكتشاف اختراع ضخم. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): (إن للولد على الوالد حقاً؛ وإن للوالد على الولد حقاً؛ فحق الوالد على الولد أن يطيعه في كل شيء إلاّ في معصية الله سبحانه، وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويحسن أدبه، ويعلمه القرآن)، وقال الإمام السجاد (ع): (وحق أبيك أن تعلم أنه أصلك وأنه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوة إلاّ بالله).

إن الأوامر في الاسم والحقوق إنما تنبثق من نبع واحد وترتكز على ركيزة واحدة، ألا وهي نبع العقيدة في الخالق عز وجل، ومن تلك العقيدة الراسخة تنبع كل التصوّرات الأساسية للعلاقات الكونية والحيوية والإنسانية التي تقوم عليها التشريعات الاجتماعية والقانونية، وهذه السمة تتضح في منهج آية الإحسان (وقضى ربك ألا تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحساناً) سورة الاسراء الاية 23.

إن دور الأب لا يمكن إلغاؤه، لإسهامه في مجال صياغة الابن، وبالذات إذا كان الأب عملاقاً في الصفات الطيبة، وقوياً في شخصيته، فإذا تجذرت في الأب الخصال النبيلة، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من كيانه، فالنتيجة تكون انتقال هذه الصفات إلى الأبناء بقوة. حتى تقضي تماماً على نقاط الضعف الموجودة فيهم. ومن هنا حتى لو كانت الأم على قدر من الذكاء والفطنة وكرم الأخلاق فإنها لا تستطيع إحياء نقاط القوة التي أماتها الأب، إلاّ إذا كانت تتمتع بخصال وراثية متميزة، ومتزينة بالشخصية القوية والفذة.

وبذلك كان أداء حق الوالد جزءاً بسيطاً من رد الجميل، وفي هذا قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) لبعض بنيه: (يا بني إن الله رضيني لك ولم يرضك لي فأوصاك بي ولم يوصني بك، عليك بالبر فإنه تحفة كبيرة).

إن الولد بضعة من أبيه؛ يرث أخلاقه كما يرث صفاته الجسدية والعقلية، إضافة إلى إحاطته بشعور العزة والحماية والصيانة له من والده، والذود عنه. وفوق ذلك كله، يشرف الابن بشرف أبيه، وما إلى ذلك من نعم الوالد التي لا يعين على أداء حقها إلاّ الخالق. (عادل,2001)

فلا يقل حق الأب أهمية وجلالاً عن حق الأم، فهو يمثل الأصل والابن هو الفرع، وقد أمضى حياته وشبابه وأفنى عمره بكد واجتهاد للحفاظ على أسرته وتأمين الحياة الهانئة لأولاده، فتعب وخاطر واقتحم المشقات والصعاب في هذا السبيل.  وفي ذلك يقول الإمام زين العابدين عليه السلام : "وأمَّا حق أبيك فتعلم أنَّه أصلك وإنَّك فرعه، وإنَّك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مِمَّا يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، واحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوة إلا بالله". (القبنجي,2002)

وعلى الإنسان أن يدرك جيداً كيف يتعاطى مع والده كي لا يكون عاقاً وهو غافل عن ذلك، فعليه تعظيمه واحترامه واستشعار الخضوع والاستكانة في حضرته.

فحق الأب على ولده عظيم جدًا، فهو أصله ولولاه لم يكن، ويجب عليه رعاية حقوقه، والقيام بشؤونه، وما يحتاج إليه لاسيما عند كبره وعجزه فإنه يتأكد عليه تقديم جميع المساعدات والخدمات ليؤدي بذلك بعض حقوقه. عن الامام  الرضا عليه السلام: "عليك بطاعة الأب وبرِّه، والتواضع والخضوع والإعظام والإكرام له، وخفض الصوت بحضرته، فإنّ الأب أصل الابن، والابن فرعه، ولولاه لم يكن بقدرة الله، ابذلوا لهم الأموال والجاه والنفس، وقد روي أنت ومالك لأبيك، فجعلت له النفس والمال, تابعوهم في الدنيا أحسن المتابعة بالبرّ، وبعد الموت بالدعاء لهم والترحّم عليهم، فإنّه روي أنّ من برّ أباه في حياته ولم يدع له بعد وفاته سمّاه الله عاقًّا". (النوري, 1988, ص201)

ونظم محمد بن الوليد الفقيه عواطف الام وعواطف الأب في هذه الأبيات.

لو كان يدري الابن أية غصة........... يتجرع الأبوان عند فراقه

أم تهيج بوجده حيرانة.................. وأب يسح الدمع من آماقه

يتجرعان لبينه غصص الردى.......... ويبوح ما كتماه من أشواقه

لرثى الأم سل من أحشائها.............. وبكى لشيخ هام في آفاقه

ولبدل الخلق الأبي بعطفه............ وجزاهما بالعذب من أخلاقه

المبحث الثالث: برَّ الوالدين بعد الموت.

لا يقتصر بر الوالدين على حياتهما بحيث إذا انقطعا من الدنيا انقطع ذكرهما، بل إن من واجبات الأبناء إحياء أمرهما وذكرهما من خلال زيارة قبريهما وقراءة الفاتحة لروحيهما والتصدق عنهما على الدوام, وإقامة مجالس العزاء لهما.

كما أن عليهم حق البرِّ لهُمَا في جملة أمور ذكرها رسول الله (ص) لرجل من أصحابه فقال: يارسول الله هل بقي لأبوي شي‏ء من البرّ أبرهما به بعد وفاتهما؟

قال رسول الله صل الله عليه وعلى اله وسلم: "نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنقاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلاّ بهما".

وفي حديث للإمام الصادق عليه السلام : "يصلي عنهما، ويتصدق عنهما، ويحج‏ُ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله ببرِّه وصلاته خيراً كثيراً".

حيث لا يتم بـر الولد بوالديه حتى يواظب على صلتهما بعد موتهما، فليس‌ من‌ الوفاء‌ لهما أن ينقطع عن ذكرهما وإيصال ما ينفعهما من عمل صالح بعد خروجهما من دار‌ الدنيا، بل حفظ ما لَهُ صلة بـهما، حتى وإن كان ذلك براً بصديق‌ لأحدهما.

ويلفت عناية المستقرئ لهذه المفردات أن البار لا يكتب له بره حتى يدوم ذلك منه في حالي الحياة والموت لهما. أما العاق فقد يكتب باراً إذا‌ ندم عـلى عقوقه في حياة والديه، ووصلهما بعد موتهما بما يكون براً بهما وإحساناً لهما. (مجلة الوارث, 2015)

حقوق أخرى للوالدين ( الدعاء والوصية )

لقد ورد في القران الكريم حقّين من حقوق الوالدين:

الأوّل: هو الدعاء لهما ويبدو ذلك على لسان أكثر من نبي يدعو لوالديه كما هو من وصايا الله تعالى للإنسان

حيث قال تعالى على لسان نبي الله نوحٍ (ع) : "ربّ اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً".

وعلى لسان إبراهيم (ع) : "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين".

الثاني: هو الوصية حيث يقول تعالى: "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين وللأقربين بالمعروف حقاً على المتقين".

فالوصية حق على المؤمن وأول ما تؤدى للوالدين بحسب البيان القرآني، وذلك للدلالة على أهمية بر الوالدين ووصلهما على الإنسان في حال حياته وبعد مماته من خلال التركة المادية من أموال وأرزاق، كما لا يبخل عليهما بالنصيحة والإرشاد إلى ما فيه صلاحهما، ولا ينسى طلب السماح منهما لتقصيره تجاههما في الحياة الدنيا.

المبحث الرابع: حد طاعة الوالدين:

لقد رسم الله تعالى للإنسان حدود الطاعة لوالديه عندما قرن عبادته وتوحيده وتنزيهه عن الشرك بالإحسان إليهما والطاعة لهما، وقد جعل رضاه من رضاهما، ووصل طاعته بطاعتهما فقال عزَّ من قائل: "واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة".

وإلى ذلك أشار رسول الله صل الله عليه وعلى اله وسلم عندما قال: "بر الوالدين أفضل من الصلاة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله".

وقد روي أنّ رجلًا هاجر من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأراد الجهاد، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: " ارجع إلى أبويك فاستأذنهما، فإن أذِنا فجاهد، وإلّا فبرّهما ما استطعت" . (النراقي,1428 , ص204)

وفي تفسير الاية: "واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة"

يقول الإمام الصادق (ع) : "لا تمل عينيك من النظر إليهما إلاّ برحمة ورقة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما، ولا يدك فوق أيديهما، ولا تقدّم قدّامهما".

وفي المقابل بيَّن الله تعالى الحد الذي تقف عنده طاعة الوالدين في اياته الكريمة:

"وإنّ جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً".

فعندما يصل الأمر إلى معصية الله والشرك به يتوقف الإنسان عند هذا الحد فلا يطيعهما فيما أمرا لأنَّه بحسب الحديث المعصوم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

ولكن هذا الأمر متوقف فقط على ما يشكل معصية الله دون باقي الأمور لأن سياق الاية يستمر بالتوضيح: "وصاحبهما في الدنيا معروفاً". فلا يعصيهما في باقي الأمور.

وفي كلام لجابر قال: سمعت رجلاً يقول لأبي عبد الله الحسين عليه السلام: "إنّ لي أبوين مخالفين, فقال عليه السلام: برّهما كما تبر المسلمين ممن يتولانا".

فطاعة الوالدين وبرّهما واجب سواء كانا مؤمنين أم لا، فإن من الأمور التي لم يجعل الله فيها رخصة: "بر الوالدين برّين كانا أو فاجرين".

حيث إن ما جعله‌ اللّه‌ عزّ وجل للأبوين من حق لازم‌ في‌ عنق ولدهما، لا ينتفي بانتفاء إسلامهما أو إيمانهما; لان ما للوالدين ثابت لهما بالأصالة، ولا يخرجه عن دائرة اللزوم شيء آخر، وإن كان هو‌ الخروج‌ من ربقة الملة المطهرة‌; وذلك‌ أنهما ينفقان من أرواحهما وأعمارهما على ولدهما بـرين كانا أو فاجرين، وهو ما يستدعي كل ذلك الحق لهما، إلاّ أن يكون طاعة لهما في غير مرضاة اللّه تعالى، فإنه «لا‌ طاعة‌ لهما في معصية الخالق»، كما ورد في نص الإمام الرضا عليه السلام. وقال الإمـام الصـادق عليه السلام: «ثلاث لم يجعل اللّه عزّ وجل لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر‌، والوفاء‌ بالعهد للبر‌ والفاجر، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين». (مجلة الوارث, 2015)

آثار البر الدنيويـّة

  1. يطيل العمر: عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من سرّه أن يُمدّ له في عمره، ويُبسط رزقه، فليصل أبويه، وليصل ذا رحمه". (النوري,1988,ص202), وروي عن أحدهم عليهم السلام، أنّه قال: "وقّر أباك يطل عمرك، ووقّر أمّك ترى لبنيك بنين". ( النوري,1988,ص204)
  2. تخفيف سكرات الموت: عن داود بن كثير الرقي، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: "من أحبَّ أن يخفِّف الله عزّ وجلّ عنه سكرات الموت، فليكن لقرابته وصولا، وبوالديه بارّا، فإذا كان كذلك هوّن الله عليه سكرات الموت، ولم يُصبه في حياته فقرٌ أبدا". (الصدوق,1417,ص473)
  3. يبررك أبناؤك: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم، وعفّوا عن نساء الناس تعفّ نساؤكم".

آثار البر الأخرويـّة

  1. حبّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: عن أبي عبد الله عليه السلام: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتته أختٌ له من الرضاعة، فلمّا نظر إليها سرّ بها، وبسط ملحفته لها، فأجلسها عليها، ثمّ أقبل يحدّثها ويضحك في وجهها، ثمّ قامت فذهبت. وجاء أخوها، فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل له: يا رسول الله، صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل، فقال: لأنّها كانت أبرّ بوالديها منه". (الكليني,1365,ص162)
  2. حجّة مبرورة: عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من رجل ينظر إلى والديه نظر رحمة، إلّا كتب الله له بكلّ نظرة حجّة مبرورة" قيل: يا رسول الله، وإن نظر إليه في اليوم مائة مرّة؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "وإن نظر إليه في اليوم مائة ألف مرّة" .  (النوري,1988, ص204)
  3. رضاهما السبيل إلى الجنّة: قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من أصبح مُرضيًا لأبويه أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة". (النوري, 1988,ص175)
  4. قبول الدعاء: عن الصادق عليه السلام قال: "ثلاثُ دعواتٍ لا يُحجبن عن الله: دعاء الوالد لولده إذا برّه، ودعوته عليه إذا عقّه، ودعاء المظلوم على من ظلمه، ودعاؤه لمن انتَصر له منه".( العاملي,1983,ص130)

المبحث الخامس: حد عقوق الوالدين.

إن نكران الجميل، وعدم مكافأة الإحسان يعتبران من قبائح الأخلاق، وكلما عظم الجميل والإحسان كان جحودهما أكثر جرماً وأفظع إثماً، ومن هذا المقياس نقف على خطر الجريمة التي يرتكبها العاق لوالديه، حتى عُدَّ العقوق من الكبائر الموجبة لدخول النار لأنّ العاق يكون ضميره مضمحل فلا إيمان له ولا خير في قلبه ولا إنسانية لديه. ولذلك حذّر الإسلام من عقوق الوالدين لما له من دلالات ونتائج كما عبّر رسول الله صل الله عليه وعلى اله وسلم :

"كن باراً واقتصر على الجنة، وإن كنت عاقاً فاقتصر على النار".

وقد حدّد تعالى المستوى الأدنى لعقوق الوالدين في كتابه المجيد حيث يقول جلّ وعلا:

"إمَّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما".

وعن هذا الحد يقول رسول الله صل الله عليه وعلى اله وسلم :

"لو علِمَ الله شيئاً هو أدنى من أُفّ لنهى عنه، وهو من أدنى العقوق".

إذن فلا رخصة لولد أن يقول هذه الكلمة من أقوال وأفعال كمن ينظر إليهما بحدةٍ مثلاً وإلى ذلك يشير الإمام الصادق (ع) في قوله:

"من ينظر إلى أبويه نظر ماقِتٍ وهما ظالمان له لم يقبل الله تعالى له صلاة".

وعن أبي عبد الله عليه السلام: "لو علم الله شيئًا هو أدنى من أفٍّ لنهى عنه، وهو من أدنى العقوق. ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحدّ النظر إليهما". (الكليني,1365,ص349)

وقيل للإمام زين العابدين عليه السلام: أنت أبرّ الناس، ولا نراك تُواكل أمّك، قال: "أخاف أن أمدّ يدي إلى شيء، وقد سبقت عينها عليه، فأكون قد عققتها". (النوري,1988, ص182)

آثار العقوق الدنيويـّة

تعجيل العقوبة عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاثة من الذنوب تعجّل عقوبتها، ولا تؤخّر إلى الآخرة: عقوق الوالدين، والبغي على الناس، وكفر الإحسان".

آثار العقوق الأخرويـّة

  1. لا تقبل الصلاة: عن الصادق عليه السلام: "من نظر إلى أبويه نظر ماقت، وهما ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة". (الكليني, , ص349)
  2. لا يرى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "كلّ المسلمين يروني يوم القيامة، إلّا عاقّ الوالدين، وشارب الخمر، ومن سمع اسمي ولم يصلّي عليَّ". (النراقي, ,ص203)
  3. جزاؤه النار: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كن بارًّا واقصر على الجنّة، وإن كنت عاقًّا فاقصر على النار". (النراقي, , ص202) وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من أصبح مسخطًا لأبويه، أصبح له بابان مفتوحان إلى النار". (النوري,1988,ص348)
  4. لا يشمّ ريح الجنّة: عن أبي جعفر عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كلام له: إيّاكم وعقوق الوالدين، فإنّ ريح الجنّة توجد من مسيرة ألف عام، ولا يجدها عاقّ، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جارٍ إزاره خُيلاء. إنّما الكبرياء لله ربّ العالمين". (الكليني, , ص349) وقال الصادق عليه السلام: "إذا كان يوم القيامة، كُشف غطاءٌ من أغطية الجنّة فوجدَ ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام، إلّا صِنفٌ واحدٌ، فقيل له: من هم؟ قال عليه السلام: العاقّ لوالديه". (النوري,1988, ص348)

المبحث السادس: دعاء الإمام زين‌ العابدين عليه‌ السـلام لأبـويه.

من الذي يقرأ دعاء الإمام السجاد (ع) ولا يهتز من أعماقه انتباهاً لحق والديه حيث يقول:

«اللّهم‌ اجـعلني أهـابهما هيبة السلطان العسوف، وأبرهما برّ الأم الرؤوف، واجعل طـاعتي لوالدي وبري بهما أقرّ لعيني من رقدة الوسنان، وأثلج‌ لصدري من شربة الظمآن، حتى أوثـر على هواي‌ هواهما، وأقدّم على‌ رضاي رضاهما، وأستكثر برهما بي‌ وإن قـل، واستقل بري بهما وإن كثر، اللّهم خـفض لهما صوتي، وأطب لهما كلامي، وألن لهما عريكتي، وأعطف عليهما قلبي وصيرني بـهما رفيقاً، وعليهما شفيقاً‌».

سلك معظم الأدعية الواردة عن أهل البيت عليهم السـلام مسلك الهداية والتوجيه والتربية والتعليم، ومنها هذا الدعاء، الذي يفصّل فيه الإمام‌ السجاد‌ عليه‌ السلام بعض أوجه معاملة الولد لوالديه، وما يلزمه أن يأخذ به في‌ مصاحبتهما ومعاشرتهما، وأبـرز مـا في هـذا النـص الشـريف هو أن يؤثر الولد رغبة والديه ورضاهما على رغبة نفسه ورضاها، ولا يستكثر ما يقدمه في سبيل برهما وخدمتهما‌ مهما عظم في ظـاهره، بل يعدّه قليلاً في جنب فـرضهما عليه، غيرَ واف بـما لهـما من حق لديه. (مجلة الوارث,2015)

الخاتمة

أولى الإسلام الحنيف – ضمن دائرة اهتمامه ببناء العلائق الاجتماعية المتينة – فصول علاقة الولد بوالديه كبير اهتمامه، وعميق عنايته، بل خصها من ذلك بما ميّزها عن سواها‌ من‌ مفردات المنظومة الاجتماعية، ووضع لهـا أسـساً وقواعد رصينة تستوعب كل جزئياتها، وتشيد منها نظاماً اجتماعياً وأخلاقياً فاضلاً متكاملاً.

إن المتتبع للنصوص الواردة عن رسول اللّه الأكرم صلى الله عليه وآله‌ وأهل‌ بيته المعصومين عليهم السلام في هذا المضمار (ومن ضمنها رسالة الحقوق للامام زين العابدين عليه السلام)، يجوب أفـقاً واسـعاً حاشداً بالتوجيهات السديدة، والاضاءات الكاشفة الهادية إلى مشارع الحق، وسواء سبيل الرشد والصواب.

ولا تفوتنا الإشارة – وهي جديرة بالذكر – أن‌ القرآن الكريم قد عُني أيّ عناية ببيان هذه الحقيقة، وإبراز مـا لهـا من دور بالغ، وقيمة مثلى، في تكوين الصرح الأخلاقي في هيكل الشريعة الإسلامية المقدسة، وأجلى أوجه تلك‌ الحقيقة‌ في‌ وحي اللّه المبين، أن المولى‌ تبارك‌ وتعالى‌ قد قرن أمر توحيده بأمر بـر الوالدين والإحـسان إليهما في موارد قرآنية عـدة بـلغت أربـعة موارد، كقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…}(الإسراء/22) وضمّ لزوم شكرهما إلى وجوب‌ شكره‌ في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}(لقمان/14)، وذلك واضـح في دلالته على كبير حقهما وحرمتهما في‌ نظر‌ الشـارع‌ الأقـدس.

المصادر

  • الحمامي, نبأ (2016) الامام زين العابدين عليه السلام امام المسلمين ورائد الحقوقين (هذا البحث مستمد من سلسلة محاضرات (دروس في التفسير والتدبر) لسماحة السيد مرتضى الشيرازي المحاضرة(143) و(144), شبكة النبأ المعلوماتية.
  • مجلة الوارث (2015) الوالدان والولد حقوق وواجبات (بر الوالدين) قسم الشؤون الفكرية والثقافية , مكتبة العتبة الحسينية المقدسة.
  • حيدر, علي (2014) حقوقّ الرّحم  ( حق الأم )  في  رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام , حوار ومناظرات بين الشيعة والسنة.
  • القبنجي, السيد حسن (2002) شرح رسالة الحقوق للامام زين العابدين عليه السلام, مؤسة الاعلمي للمطبوعات, ج1, ط1, بيروت لبنان.
  • العطار, ابو محمد (2011) رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين وسيد الساجدين(عليه السلام) اعلان لحقوق الأنسان, موقع كتابان في الميزان.
  • النوري, الميرزا (1988) مستدرك الوسائل,مؤسسة ال البيت عليهم السلام لاحياء التراث, ج15, بيروت لبنان.
  • النراقي. محمد مهدي (1428ه) جامع السعادات, ج 2, ط7 , مطبعة سرور, ايران.
  • الصدوق, الشيخ (1417) الامالي, ط1, مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة.
  • الكليني, الشيخ (1365) الكافي, دار الكتب الاسلامية, طهران, ايران, ج2, ط4, مطبعة الحيدري.
  • العاملي, الحر (1983) وسائل الشيعة الاسلامية, دار احياء التراث العربي , بيروت, لبنان, ج7, ط5.
  • عادل, حيدر (2001) قراءة في رسالة الحقوق للامام زين العابدين عليه السلام, مجلة النبا, العدد63.

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً