تفسير سورة الفاتحة .. الحلقة الثانية

معارف القرآن الكريم

2018-11-30

1449 زيارة

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ( ٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ( ٧)

قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) الخ، امّا الهداية فيظهر معناها في ذيل الكلام على الصراط وأمّا الصراط فهو والطريق والسبيل قريب المعنى، وقد وصف تعالى الصراط بالاستقامة ثمّ بيّن أنّه الصراط الّذي يسلكه الّذين أنعم الله تعالى عليهم، فالصراط الّذي من شأنه ذلك هو الّذي سئل الهداية إليه وهو بمعنى الغاية للعبادة أي: أنّ العبد يسئل ربّه أن تقع عبادته الخالصة في هذا الصراط.

بيان ذلك: أنّ الله سبحانه قررّ في كلامه لنوع الانسان بل لجميع من سواه سبيلاً يسلكون به إليه سبحانه فقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ) الانشقاق - ٦ وقال تعالى:( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) التغابن - ٣، وقال:( أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) الشورى - ٥٣، إلى غير ذلك من الآيات وهي واضحة الدلالة على أنّ الجميع سالكوا سبيل، وأنّهم سائرون إلى الله سبحانه.

ثمّ بيّن: أنّ السبيل ليس سبيلاً واحداً ذا نعت واحد بل هو منشعب إلى شعبتين منقسم إلى طريقين، فقال:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) يس - ٦١.

فهناك طريق مستقيم وطريق آخر ورائه، وقال تعالى( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة - ١٨٦، وقال تعالى:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) غافر - ٦٠، فبيّن تعالى: انه قريب من عباده وأن الطريق الأقرب إليه تعالى طريق عبادته ودعائه، ثمّ قال تعالى في وصف الّذين لا يؤمنون:( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) فصلت - ٤٤ فبيّن: أنّ غاية الّذين لا يؤمنون في مسيرهم وسبيلهم بعيدة.

فتبيّن: أن السّبيل إلى الله سبيلان: سبيل قريب وهو سبيل المؤمنين وسبيل بعيد وهو سبيل غيرهم فهذا نحو اختلاف في السبيل وهناك نحو آخر من الاختلاف، قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ) الاعراف - ٤٠ ولو لا طروق من متطرّق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو، وقال تعالى:( وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ ) طه - ٨١. والهويّ هو السقوط إلى أسفل، فهناك طريق آخر آخذ في السفالة والانحدار، وقال تعالى:( وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) البقرة - ١٠٨، فعرّف الضلال عن سواء السبيل بالشرك لمكان قوله: فقد ضلّ، وعند ذلك تقسّم الناس في طرقهم ثلثه أقسام: من طريقه إلى فوق وهم الّذين يؤمنون بآيات الله ولا يستكبرون عن عبادته، ومن طريقه إلى ألسفل، وهم المغضوب عليهم، ومن ضلّ الطريق وهو حيران فيه وهم الضالّون، وربّما أشعر بهذا التقسيم قوله تعالى:( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ .

(والصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلاث اعني: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالّين فهو من الطريق الأوّل الّذي هو طريق المؤمنين غير المستكبرين إلّا أنّ قوله تعالى:( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) المجادلة - ١١. يدلّ على أنّ نفس الطريق الأوّل أيضاً يقع فيه انقسام.

وبيانه: أنّ كلّ ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى:( وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) البقرة - ١٠٨. وفي هذا المعنى قوله تعالى( أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ) يس - ٦٢. والقرآن يعدّ الشرك ظلماً وبالعكس، كما يدلّ عليه قوله تعالى حكايةً عن الشيطان لما قضي الأمر:( إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ابراهيم - ٢٢. كما يعدّ الظلم ضلالاً في قوله تعالى( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) الانعام - ٨٢ وهو ظاهر من ترتيب الاهتداء والامن من الضلال أو العذاب الّذي يستتبعه الضلال، على ارتفاع الظلم ولبس الإيمان به، وبالجملة الضلال والشرك والظلم أمرها واحد وهي متلازمة مصداقاً، وهذا هو المراد من قولنا: إنّ كلّ واحد منها معرّف بالآخر أو هو الآخر، فالمراد المصداق دون المفهوم.

 

إذا عرفت هذا علمت أنّ الصراط المستقيم الّذي هو صراط غير الضالّين صراطٌ لا يقع فيه شرك ولا ظلم البتّة كما لا يقع فيه ضلال البتّة، لا في باطن الجنان من كفر أو خطور لا يرضى به الله سبحانه، ولا في ظاهر الجوارح والأركان من فعل معصية أو قصور في طاعة، وهذا هو حقّ التوحيد علماً وعملاً إذ لا ثالث لهما وماذا بعد الحقّ إلّا الضلال ؟ وينطبق على ذلك قوله تعالى:( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) الانعام - ٨٢، وفيه تثبيت للأمن في الطريق ووعد بالاهتداء التامّ بناءً على ما ذكروه: من كون اسم الفاعل حقيقة في الاستقبال فليفهم فهذا نعت من نعوت الصراط المستقيم.

ثمّ انّه تعالى عرّف هؤلاء المنعم عليهم الّذين نسب صراط المستقيم إليهم بقوله تعالى:( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النساء - ٦٩، وقد وصف هذا الإيمان والإطاعة قبل هذه الآية بقوله( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًاوَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ) النساء٦٥ - ٦٦. فوصفهم بالثبات التامّ قولاً وفعلاً وظاهراً وباطناً على العبوديّة لا يشذّ منهم شاذّ من هذه الجهة ومع ذلك جعل هؤلاء المؤمنين تبعاً لاُولئك المنعم عليهم وفي صفّ دون صفّهم لمكان مع ولمكان قوله:( وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) ولم يقل: فاُولئك من الّذين.

ونظير هذه الآية قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) الحديد - ١٩. وهذا هو إلحاق المؤمنين بالشهداء والصدّيقين في الآخرة، لمكان قوله: عند ربهم، وقوله: لهم اجرهم.

فاؤلئك (وهم اصحاب الصراط المستقيم) أعلى قدراً وأرفع درجة ومنزلة من هؤلاء وهم المؤمنون الّذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم من الضلال والشرك والظلم، فالتدبّر في هذه الآيات يوجب القطع بأنّ هؤلاء المؤمنين و (شأنهم هذا الشأن) فيهم بقيّة بعد لو تمّت فيهم كانوا من الّذين أنعم الله عليهم، وارتقوا من منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم ولعلّه نوعٌ من العلم بالله، ذكره في قوله تعالى:( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) المجادلة - ١١. فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي أرفع النعم قدراً، يربو على نعمة الايمان التامّ، وهذا ايضاً نعتٌ من نعوت الصراط المستقيم.

ثمّ إنّه تعالى على أنّه كررّ في كلامه ذكر الصراط والسبيل، لم ينسب لنفسه أزيد من صراط مستقيم واحد، وعدّ لنفسه سبلاً كثيرة فقال عزّ من قائل:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) العنكبوت - ٦٩. وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى أحد من خلقه إلّا ما في هذه الآية (صراط الّذين انعمت عليهم الآية) ولكنّه نسب السبيل إلى غيره من خلقه، فقال تعالى:( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ ) يوسف - ١٠٨. وقال تعالى( سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ) لقمان - ١٥. وقال:( سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) النساء - ١١٥. ويعلم منها: أنّ السبيل غير الصراط المستقيم فإنّه يختلف ويتعدّد ويتكثّر باختلاف المتعبّدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما يشير إليه قوله تعالى:( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) المائدة - ١٦، فعدّ السبل كثيرةً والصراط واحداً وهذا الصراط المستقيم إمّا هي السبل الكثيرة وإمّا أنّها تؤدّي إليه باتّصال بعضها إلى بعض واتّحادها فيها.

وأيضاً قال تعالى:( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) يوسف - ١٠٦. فبيّن أنّ من الشرك (وهو ضلال) ما يجتمع مع الايمان وهو سبيل، ومنه يعلم أنّ السبيل يجامع الشرك، لكنّ الصراط المستقيم لا يجامع الضلال كما قال: ولا الضالّين.

والتدبّر في هذه الآيات يعطى أنّ كلّ واحد من هذه السبل يجامع شيئاً من النقص أو الامتياز، بخلاف الصراط المستقيم، وأنّ كلاً منها هو الصراط المستقيم لكنه غير الآخر ويفارقه لكنّ الصراط المستقيم يتّحد مع كلّ منها في عين أنّه يتحدّ مع ما يخالفه، كما يستفاد من بعض الآيات المذكورة وغيرها كقوله:( وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) يس - ٦١. وقوله تعالى:( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) الانعام - ١٦١. فسمّى العبادة صراطاً مستقيماً وسمّى الدين صراطاً مستقيماً وهما مشتركان بين السبل جميعاً، فمثل الصراط المستقيم بالنسبة إلى سبل الله تعالى كمثل الروح بالنسبة إلى البدن، فكما أنّ للبدن اطواراً في حيوته هو عند كلّ طور غيره عند طور آخر، كالصّبي والطفوليّة والرهوق والشباب والكهولة والشيب والهرم لكنّ الروح هي الروح وهي متّحدة بها والبدن يمكن أن تطرء عليه أطوار تنافي ما تحبّه وتقتضيه الروح لو خلّيت ونفسها بخلاف الروح فطرة الله الّتي فطر الناس عليها والبدن مع ذلك هو الروح أعني الإنسان، فكذلك السبيل إلى الله تعالى هو صراط المستقيم إلّا أنّ السبيل كسبيل المؤمنين وسبيل المنيبين وسبيل المتّبعين للنبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) أو غير ذلك من سبل الله تعالى، ربّما اتّصلت به آفةٌ من خارج أو نقصٌ لكنّهما لا يعرضان الصراط المستقيم كما عرفت أنّ الايمان وهو سبيل ربّما يجامع الشرك والضلال لكن لا يجتمع مع شئ من ذلك الصراط المستقيم، فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده، والجميع على الصراط المستقيم أو هي هو.

وقد بيّن الله سبحانه هذا المعنى، أعني: اختلاف السبل إلى الله مع كون الجميع من صراطه المستقيم في مثل ضربه للحقّ والباطل في كلامه، فقال تعالى:( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ ) الرعد - ١٧. فبيّن: أنّ القلوب والأفهام في تلقّي المعارف والكمال مختلفة، مع كون الجميع متكئةً منتهيةً إلى رزق سماويّ واحد، وسيجئ تمام الكلام في هذا المثل في سورة الرعد، وبالجملة فهذا أيضاً نعتٌ من نعوت الصراط المستقيم.

وإذا تأملّت ما تقدّم من نعوت الصراط المستقيم تحصّل لك أنّ الصراط المستقيم مهيمنٌ على جميع السبل إلى الله والطرق الهادية إليه تعالى، بمعنى أنّ السبيل إلى الله إنّما يكون سبيلا له موصلاً إليه بمقدار يتضمّنه من الصراط المستقيم حقيقةً، مع كون الصراط المستقيم هادياً موصلا إليه مطلقاً ومن غير شرط وقيد، ولذلك سماه الله تعالى صراطاً مستقيماً، فانّ الصراط هو الواضح من الطريق، مأخوذ من سرطت سرطاً إذا بلعت بلعاً، كأنّه يبلع سالكيه فلا يدعهم يخرجوا عنه ولا يدفعهم عن بطنه، والمستقيم هو الّذي يريد أن يقوم على ساق فيتسلّط على نفسه وما لنفسه كالقائم الّذي هو مسلّط على أمره، ويرجع المعنى إلى أنّه الّذي لا يتغيّر أمره ولا يختلف شأنه فالصراط المستقيم ما لا يتخلّف حكمه في هدايته وإيصاله سالكيه إلى غايته ومقصدهم قال تعالى:( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) النساء - ١٧٤. اي لا يتخلّف أمر هذه الهداية، بل هي على حالها دائماً، وقال تعالى:( فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ) الانعام - ١٢٦. أي هذه طريقته الّتي لا يختلف ولا يتخلّف، وقال تعالى:( قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) الحجر - ٤٢. أي هذه سنّتي وطريقتي دائماً من غير تغيير، فهو يجري مجرى قوله:( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا ) الفاطر - ٤٣.

وقد تبيّن ممّا ذكرناه في معنى الصراط المستقيم اُمور.

احدها: أنّ الطرق إلى الله مختلفة كمالاً ونقصاً وغلائاً ورخصاً، في جهة قربها من منبع الحقية والصراط المستقيم كالاسلام والايمان والعبادة والاخلاص والاخبات، كما ان مقابلاتها من الكفر والشرك والجحود والطغيان والمعصية كذلك، قال سبحانه( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) الاحقاف - ١٩.

وهذا نظير المعارف الالهيّة الّتى تتلقّاها العقول من الله فإنّها مختلفة باختلاف الاستعدادات ومتلوّنة بألوان القابليّات على ما يفيده المثل المضروب في قوله تعالى:

 ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) سورة الرعد الآية 17.

وثانيها: أنّه كما أنّ الصراط المستقيم مهيمنٌ على جميع السبل، فكذلك اصحابه الّذين مكنّهم الله تعالى فيه وتولّى أمرهم وولّاهم أمر هداية عباده حيث قال:( وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النساء - ٦٩. وقال تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) المائدة - ٥٥. والآية نازلة في أمير المؤمنين علي عليه ‌السلام بالاخبار المتواترة وهوعليه‌ السلام اوّل فاتحٍ لهذا الباب من الاُمّة وسيجئ تمام الكلام في الآية.

وثالثها: إنّ الهداية إلى الصراط يتعيّن معناها بحسب تعيّن معناه، وتوضيح ذلك أنّ الهداية هي الدلالة على ما في الصحاح، وفيه أنّ تعديتها لمفعولين لغة أهل الحجاز، وغيرهم يعدّونه إلى المفعول الثاني بإلى، وقوله هو الظاهر، وما قيل: إنّ الهداية إذا تعدّت إلى المفعول الثاني بنفسها، فهي بمعنى الإيصال إلى المطلوب، وإذا تعدّت بإلى فبمعنى إرائة، الطريق مستدلّا بنحو قوله تعالى:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) القصص - ٥٦. حيث إنّ هدايته بمعنى إرائة الطريق ثابتة فالمنفىّ غيرها وهو الإيصال إلى المطلوب قال تعالى:( وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) النساء - ٦٨. وقال تعالى:( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) الشورى - ٥٢.

فالهداية بالإيصال إلى المطلوب تتعدّى إلى المفعول الثاني بنفسها، والهداية بإرائة الطريق بإلى، وفيه أنّ النفي المذكور نفي لحقيقة الهداية الّتي هي قائمة بالله تعالى، لا نفي لها أصلاً، وبعبارة اُخرى هو نفي الكمال دون نفي الحقيقة، مضافاً إلى أنّه منقوض بقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون:( يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) غافر - ٣٨. فالحق انّه لا يتفاوت معنى الهداية باختلاف التعدية، ومن الممكن أن يكون التعدية إلى المفعول الثاني من قبيل قولهم دخلت الدار.

وبالجملة فالهداية هي الدلالة وارائة الغاية بارائة الطريق وهي نحو إيصال إلى المطلوب، وإنّما تكون من الله سبحانه، وسنته سنّة الأسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ويتحقّق به وصول العبد إلى غايته في سيره، وقد بيّنه الله سبحانه بقوله:( فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) الانعام - ١٢٥. وقوله:( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ) الزمر - ٢٣. وتعدية قوله تلين بإلى لتضمين معنى مثل الميل والاطمينان، فهو إيجاده تعالى وصفاً في القلب به يقبل ذكر الله ويميل ويطمئن إليه، وكما أنّ سبله تعالى مختلفة، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل الّتي تضاف إليه فلكّل سبيل هداية قبله تختصّ به.

وإلى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت - ٦٩. إذ فرق بين أن يجاهد العبد في سبيل الله، وبين أن يجاهد في الله، فالمجاهد في الأوّل يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في الثّاني فانّه إنّما يريد وجه الله فيمدّه الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاصّ به، وكذا يمدّه الله تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتّى يختصّه بنفسه جلت عظمته.

ورابعها: ان الصراط المستقيم لما كان أمرا محفوظاً في سبل الله تعالى على اختلاف مراتبها ودرجاتها، صحّ أن يهدي الله الانسان إليه وهو مهديّ فيهديه من الصراط إلى الصراط، بمعنى أن يهديه إلى سبيل من سبله ثمّ يزيد في هدايته فيهتدي من ذلك السبيل إلى ما هو فوقها درجة، كما أنّ قوله تعالى: إهدنا الصراط (وهو تعالى يحكيه عمّن هداه بالعبادة) من هذا القبيل، ولا يرد عليه: أنّ سؤال الهداية ممّن هو مهتد بالفعل سؤال لتحصيل الحاصل وهو محال، وكذا ركوب الصراط بعد فرض ركوبه تحصيل للحاصل ولا يتعلّق به سؤال، والجواب ظاهر.

وكذا الإيراد عليه: بأن شريعتنا أكمل وأوسع من جميع الجهات من شرائع الاُمم السابقة، فما معنى السؤال من الله سبحانه أن يهدينا إلى صراط الّذين أنعم الله عليهم منهم ؟ وذلك أنّ كون شريعة أكمل من شريعة أمر، وكون المتمسك بشريعة أكمل من المتمسك بشريعة أمر آخر ورائه، فإنّ المؤمن المتعارف من مؤمني شريعة محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) (مع كون شريعته اكمل وأوسع) ليس بأكمل من نوح وابراهيمعليهم‌السلام مع كون شريعتهما أقدم وأسبق، وليس ذلك إلّا انّ حكم الشرائع والعمل بها غير حكم الولاية الحاصلة من التمكّن فيها والتخلّق بها، فصاحب مقام التوحيد الخالص وإن كان من أهل الشرائع السابقة أكمل وأفضل ممّن لم يتمكّن من مقام التوحيد ولم تستقرّ حياة المعرفة في روحه ولم يتمكّن نور الهداية الإلهيّة من قلبه، وإن كان عاملا بالشريعة المحمّديّة (صلّي الله عليه و آله و سلّم) الّتي هي أكمل الشرائع وأوسعها، فمن الجائز أن يستهدي صاحب المقام الداني من أهل الشريعة الكاملة ويسأل الله الهداية إلى مقام صاحب المقام العالي من أهل الشريعة الّتي هي دونها.

ومن أعجب ما ذكر في هذا المقام، ما ذكره بعض المحقّقين من أهل التفسير جواباً عن هذه الشبهة: أنّ دين الله واحد وهو الاسلام، والمعارف الاصليّة وهو التوحيد والنبوّة والمعاد وما يتفرّع عليها من المعارف الكلية واحد في الشرائع، وإنّما مزيّة هذه الشريعة على ما سبقها من الشرائع هي أنّ الأحكام الفرعيّة فيها أوسع وأشمل لجميع شئون الحياة، فهي اكثر عناية بحفظ مصالح العباد، على أنّ أساس هذه الشريعة موضوع على الاستدلال بجميع طرقها من الحكمة والموعظة والجدال الأحسن، ثمّ إنّ الدين وإن كان ديناً واحداً والمعارف الكلّيّة في الجميع على السواء غير أنّهم سلكوا سبيل ربّهم قبل سلوكنا وتقدّموا في ذلك علينا، فأمرنا الله النظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه هذا.

أقول: وهذا الكلام مبنى على اصول في مسلك التفسير مخالفة للاصول الّتي يجب أن يبتني مسلك التفسير عليها، فإنّه مبني على أنّ حقائق المعارف الاصلية واحدة من حيث الواقع من غير اختلاف في المراتب والدرجات، وكذا سائر الكمالات الباطنيّة المعنويّة، فأفضل الأنبياء المقرّبين مع أخسّ المؤمنين من حيث الوجود وكماله الخارجيّ التكوينيّ على حدّ سواء، وإنّما التفاضل بحسب المقامات المجعولة بالجعل التشريعيّ من غير أن يتّكي على تكوين، كما أنّ التفاضل بين الملك والرعيّة إنّما هو بحسب المقام الجعليّ الوضعيّ من غير تفاوت من حيث الوجود الانسانيّ هذا.

ولهذا الأصل أصل آخر يبنى عليه، وهو القول باصالة المادّة ونفى الاصالة عما ورائها والتوقّف فيه إلّا في الله سبحانه بطريق الاستثناء بالدليل، وقد وقع في هذه الورطة من وقع لأحد أمرين: إمّا القول بالاكتفاء بالحسّ اعتماداً على العلوم المادّيّة وإمّا إلغاء التدبّر في القرآن بالاكتفاء بالتفسير بالفهم العاميّ.

وللكلام ذيل طويل سنورده في بعض الابحاث العلميّة الآتية إن شاء الله تعالى.

 

وخامسها: انّ مزيّة اصحاب الصراط المستقيم على غيرهم، وكذا صراطهم على سبيل غيرهم، إنّما هو بالعلم لا بالعمل، فلهم من العلم بمقام ربّهم ما ليس لغيرهم، إذ قد تبيّن ممّا مرّ: انّ العمل التامّ موجود في بعض السبل الّتي دون صراطهم، فلا يبقى لمزيّتهم إلّا العلم، واما ما هذا العلم ؟ وكيف هو ؟ فنبحث عنه إن شاء الله في قوله تعالى:( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) الرعد - ١٧.

ويشعر بهذا المعنى قوله تعالى:( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) المجادلة - ١١، وكذا قوله تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) الفاطر - ١٠، فالّذي يصعد إليه تعالى هو الكلم الطيّب وهو الاعتقاد والعلم، وأمّا العمل الصالح فشأنه رفع الكلم الطيّب والإمداد دون الصعود إليه تعالى، وسيجئ تمام البيان في البحث عن الآية.

 

تفسير الميزان/ ج1

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً