435 ــ محمود سبتي (1311 ــ 1336 هـ / 1893 ــ 1917 م)

قال مخمّساً بيتي الشاعر عبد الباقي العمري في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

يا مَـن إذا ذكـرتْ لـديـــه (كربلا)     

لـطـــمَ الـخـدودَ ودمـعُـه قد أسبلا

مهما تـمـرَّ عـلـى الـفراتِ فقلْ ألا

بـعـداً لـشـطكَ يـا فـراتُ فـمـرَّ لا      تـحـلـو فـإنّـكَ لا هنيٌ ولا مري

أيـذادُ نـســلُ الـطـاهـرينَ أباً وجَدْ     

عـن وِردِ مـاءٍ قد أبيحَ لـمَـنْ وَرَدْ

لو كنتَ يا مـاءَ الفراتِ من الشهدْ

أيسوغُ لي مـنكَ الورودُ وعنكَ قد      صدرَ الإمامُ سليلُ ساقي الكوثرِ

الشاعر

محمود بن كاظم بن حسن بن علي بن سبتي السهلاني الحميري المعروف بـ (محمود سبتي)، أديب وشاعر وخطيب، وهو ابن الخطيب والشاعر الكبير كاظم سبتي، ولد في بغداد وقد أرَّخ أبوه عام ولادته بقوله:

أتاني غلامٌ وضيءٌ أغرْ      أضاءَ لعيني ضياءَ القمرْ

حـمـدتُ الإلــهَ وسـمَّـيتُه      بمحمودَ أشكرُ فيمنْ شكرْ

منيرٌ بهِ ظلماتُ الـهمومْ      تـجـلّتْ فأرِّخ (بدرٌ ظهرْ)

نشأ سبتي على أبيه ودرس على يديه الشعر والخطابة فبرع فيهما.

قال عنه السيد جواد شبر: (كان ذكياً فطناً حسن الخلق جميل الصورة بهيّ المنظر، معتدل القد صبيح الوجه، حلو الكلام لطيف الشمائل خفيف الروح، أقبلت عليه القلوب وأحبته النفوس لما جبل عليه من لطف المعاشرة وطيب المفاكهة، وحسن الشكل، توسّم فيه أبوه حدّة الفهم والنبوغ وبرع بنظم الشعر باللغتين الفصحى والدارجة ودرس المبادئ من النحو والصرف وحفظ الشعر الرصين ولمع بين الذاكرين فكانت محافل خطابته تغصّ بالسامعين لجودة إلقائه وعذوبة حديثه فكان محط آمال أبيه ولكن المنية عاجلته وهو في ريعان الشباب وغضارة العمر فقد توفي ليلة الجمعة ٢٦ جمادى الثانية ١٣٣٦ وكانت النجف محاصرة من قبل الانكليز ففتحت الأبواب ودفن في الصحن الحيدري بالقرب من إيوان السيد كاظم اليزدي). (1)

وقال عنه عبد العزيز البابطين في معجمه: (وفي مجمل شعره نفحات عاطفية مؤثرة، ولغته متوسطة تجري على المألوف).

ترجم له الشيخ جعفر باقر محبوبة في (ماضي النجف وحاضرها)، وعلي الخاقاني في (شعراء الغري)، والسيد جواد شبر في (أدب الطف)، والشيخ محمد هادي الأميني في (معجم رجال الفكر والأدب خلال ألف عام)، والسيد محمد علي الحلو في (أدب المحنة) وكاظم عبود الفتلاوي في (مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف).

شعره

قال من قصيدة (يا فَرَجَ الله) وفيها يشكو إلى صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ما آل إليه أمر بعض المنحرفين من دعوة إلى السفور والتبرج وتقليد الغرب والاستهزاء بتعاليم الإسلام الحنيف بدعوى الإصلاح:

يـا فـــــرجَ الله تـــرى نــــادبــاً      يـنـدبـكـمْ في الليلِ بعدَ النهارْ

مُـسـتـنـجدًا فيك تُـرى هل تَرى      قد شُرِّدَ الـعـدلُ وحـلَّ الدمارْ

يَـشـكـيـكَ هـذا الدّهرُ يا سـيّدي      عـلـى الـمـحـبّـينَ تعلّى وجارْ

يستهزئُ ابنُ العصْرِ فينا وهلْ      يملكُ هذا الشّابُ غيرَ الشّنارْ؟

يريدُ إصـلاحـاً لـهـذا الـــورى      فبئسَ إصلاحٌ بنزعِ الـخِـمـارْ

ألـيـسَ شـربُ الخمرِ من شأنِه      وفـعـلـه السّوءُ ولعبُ القمارْ؟

ألمْ يـكـنْ يـرتـادُ دورَ الــخَـنا؟      يقلدُ الـسّـاكـنَ خـلـفَ الـبـحـارْ

قـد جـعـلـونـا يـــا إمـامَ الهُدى      أضحوكةً في اللّيلِ بعدَ النّهارْ

يـضـحـكُ من ديني ومن مِلّتي      ومـن صـلاتـي فـالبِدارَ البِدارْ

اللهَ اللهَ بــديـــنِ الـــرســــــولْ      قد أشرف الدّينُ على الاِنهيارْ

وقال مخمساً بيتي الشاعر الكربلائي الشيخ محسن أبو الحب في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

خـيّــبَ الـدهـرُ فـيـكـمُ لـيَ ظـنّا     

يـومَ نـاديــتـكـمْ وعـنـكــمْ ظعنّا

صاحَ شمرٌ وقد شفى القلبَ منَّا

صـوِّتـي بـاسـمِ مـن أردتِ فإنّا      قـد أبــدنــاهــمُ جـمـيــعاً قتالا

قـد تـركـنـا الجسومَ فوقَ رمالِ     

ورفعنا الـرؤوسَ فـوقَ عوالي

فـاعـولـي بـعـد مـنعـةٍ وجـلالِ  

أنـتِ مـسـبـيـةٌ علـى كـلِّ حـالِ      فاخلعي العزَّ والبسي الإذلالا

وقال مخمساً بيتي الشاعر الشيخ عبدالحسين شكر في رثائه (عليه السلام) أيضاً:

بوجدٍ فقد أضحى فؤاديَ مُضــرِمــــا     

لـمَـن أصـبـحـتْ بـعـد التخدّرِ مغنما

فنادتْ وقـد فـاضـتْ مــدامـعُــها دما

أقلّـبُ طـرفـي لا حـمـيٌّ ولا حــمــى      سوى هفواتِ السوطِ من فوقِ عاتقي

لقد سُيّرتْ تطوي الضلوعَ على لظى     

وقد تركتْ جسمَ الـحـسـينِ مُرضَّضا

فـنـادتْ ولـكــن لا تــطـيــقُ تـلـفّــظا

أأسـبـى ولا ذاكَ الــحـســامُ بـمنتضى      أمـامـي ولا ذاكَ الــلــــواءُ بــخـــافقِ

قال في تخميسه لقصيدة الشاعر الشيخ صالح الكواز في رثاء فاطمة الزهراء (سلام الله عليها):

كـم فـي سـويـدا قـلبَـها من غلةٍ     

وبجسمِها نشبتْ مـخــالـبُ علةٍ

لــمْ أنـسَ إذ بـكـتِ النبيَّ بعولةٍ      

ورنتْ إلى القبرِ الشريفِ بمقلةٍ      عـبـرى وقـلـبٍ مـكـمدٍ محزونِ

وسـياط قـنـفـذَ أثّرتْ في جنبِها      

وسماءُ مـقـلـتِـهـا تـدرُّ بـسحبِها

حتى إذا احتنكَ الجوى في لبِّها

قالتْ وأظفارُ الـمُـصـابِ بقلبِها      غـوثـاهُ قـلَّ عـلـى الـعداةِ مُعيني

وبـقـلـبِـهـا وجـدٌ ثــوى فــأقـلّــه     

شـمُّ الـرواسـي لا تـطـيـقُ تـقـلّه

فـدعـتْ ومـدمـعُـهـا تـدفّـقَ سيلُه

أبـتـاهُ هـذا الـسـامـريُّ وعـجـلُـه      تـبـعـاً ومالَ الناسُ عن هارونِ

ويلٌ لقومٍ حاربـوا ابـنـةَ أحــمــدٍ     

هـتـكـوا حـمـاها قبل دفنِ محمدٍ     

فــغـدتْ تـنـاديـهِ بــقـلـبٍ مـكمدٍ

أيِّ الــرزايا أتّــقــي بــتــجــلــدٍ      هوَ في النوائبِ مُذ حُييتُ قريني     

وجـدي تـنـاهى ليسَ وجدٌ فوقُه

وشـجـايَ أبعدَ عن لساني نطقُه

أيّ الـخـطـوبِ أقـلّـه إن ألــقـــه

فـقـدي أبي أم غصبَ بعلي حقّه      أمْ كسرَ ضلعي أم سقوطَ جنيني

يـا ليتني قد مُتّ قـبـلَ مـنـيّــتـي

أو أنـنـي الـحدتُ قـبـل مـذلــتي

أيَّ الخطوبِ لـه أنوحُ أذي التي

أم أخـذهم غرثي وفاضلَ نحلتي      أم جـهـلـهـمْ حـقي وقد عرفوني

محمد طاهر الصفار

...........................................

1 ــ ج 8 ص 320

 

gate.attachment

كاتب : محمد طاهر الصفار