387 ــ عبد الرحيم العميدي (1326 ــ 1405 هـ / 1908 ــ 1985 م)

قال من قصيدة تبلغ (31) بيتاً:

صريعاً يُغادرُ في (كربلاء)      على الأرضِ من غيرِ ذنبٍ جناه

وتُـسـبـى صـفـايـاهُ من بعدِهِ      كـسـبـي الإمــاءِ لأشـقـى الـطغاة

يـزيـدُ الـخنا الملحدُ المعتدي      ومـن مـلأ الـبـغـيَ خـزيــاً وعاه

وقال من قصيدة (الحسين الشهيد):

يـا شهيداً من بني عمرو العلى      رزؤه فـجَّــرَ أنـهـارَ الــدمــــوعْ

دمُه الزاكي جرى في (كربلا)      لـيـقـامَ الـعـدلُ فـي كـلِّ الــربوع

وهـوَ لـلأحــرارِ كـان الـمـثـلا      لسوى الخالقِ لا يرضى الخنوعْ

الشاعر

السيد عبد الرحيم بن حكيم بن محمد جواد بن جاسم العميدي، ولد في محلة الگلج في الصوب الصغير في الحلة من بيت علمي يقول عنها الأستاذ محمود حسان مرجان: (تميز بالعلم والأدب والتحلي بآداب الدين والتمسك بأحكامه) (1)

تعلم العميدي ــ بداية ــ على يد والده القرآن الكريم ومبادئ العربية ومقدمات العلوم الدينية، ثم هاجر إلى النجف الأشرف مع صديقه السيد محمد عمران الشلاه للدراسة فدرسا الفقه والأصول والمنطق على يد العالمين الجليلين الشيخين محمد طه نجف، ومحمد رضا المظفر.

عاد العميدي إلى الحلة بعد مدة قصيرة وعمل في عدة أعمال تجارية وإدارية حتى وفاته في الحلة ودفن في النجف الأشرف.

غُلب على شعره طابع الشكوى من الزمن والفقر، ولكنه إذا كان الحظ لم يحالفه في عالم التجارة فقد كان شاعراً مجيداً من طراز رفيع دل شعره على تمكنه من أدوات الشعر وأساليب اللغة وفنونها من البديع والبيان وغيرها.

كان من الأعضاء المؤسسين لـ (ندوة القلم) أو(ندوة الأربعاء) التي أسسها الشيخ محمد آل حيدر (وكيل المرجع الديني السيد محسن الحكيم) في الحلة عام (1968) والتي كانت تضم كبار شعراء وأدباء الحلة وكانت تربط العميدي مع آل حيدر علاقة وطيدة

قال عنه الدكتور سعد الحداد: (شاعر عف اللسان عفيف النفس نقي السريرة امتاز بروح الدعابة وبساطة التعبير ورقة المعنى) (2)

توفي العميدي في الحلة ودفن في النجف ورثاه عدة شعراء منهم السيد محمد علي النجار، وصديقه الشيخ محمد آل حيدر، والسيد أحمد حميد القزويني وغيرهم.

شعره

جمع شعره وقدّم له سيرة وافية عن حياته الدكتور سعد الحداد وطبع في دار الفرات ضمن سلسلة ديوان الشعر الحلي

قال السيد عبد الرحيم من قصيدة في مولد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) تبلغ (51) بيتاً وقد ألقاها الشاعر في الاحتفال الذي أقيم بهذه المناسبة في حسينية محمد بن إدريس الحلي عام (1971):

يا وليداً طلتَ السما بـسـنـائِكْ      عـمَّ كـلَّ الـوجـودِ نـورُ بـهائِك

يا رسولَ السلامِ أنتَ نجاةُ الـ      ـخلقِ حقاً واللطفُ من أسمائِكْ

ولأنتَ الهادي وخـاتـمُ رسـلِ      اللهِ مَـنْ سـبَّـحَ الـنـهـى بـثـنائِكْ

ونبيٌّ بُـعـثـتَ بـالشرعةِ الغرَّ      اءِ أزاحَ الضلالَ فيضُ ضيائِكْ

كُتبَ الفتحُ والتقى وحـسنُ الـ      ـخلـقِ والـعـدلُ والـعُلى بلوائِكْ

هَـبْ لـنا نفحةً لتشفى نـفوسٌ      شفّها الـسقمُ وأسقاها من حبائِكْ

وقال في مولده الشريف أيضا من قصيدة تبلغ (19) بيتاً:

هـتـفَ الــبـشـيـرُ مُغرِّداً      الـيومَ قد ولدَ الـهـدى

الـيـومَ آمـــنــةُ الــعـــلى      ولِـدتْ كـريـماً أحـمدا

فطغى على الدنيا السرو      رُ بمَنْ تسامى سُـؤدَدا

هـوَ فـخـرُ كــلِّ الـكـائنا      تِ لـعـالـمٍ الـدنــيـا بدا

مَــنَّ الإلــهُ بـــه عـــلى      أهـلِ الـبسيطـةِ مُسعدا

فـنـشـا عـلى كرمِ الطبا      عِ وزانَ أنـــديةَ النّدى

حـتـى اصــطــفـــاهُ الله      مـبــعوثاً يبشّرُ مرشِدا

هوَ خـاتـمُ الرسلِ الكرا      مِ بهِ النجاةُ من الرَّدى

نـــادى بــربٍّ واحـــــدٍ      بــالــبــيِّــنــاتِ مُؤيَّدا

فـقـضـى عـلـى وثـنـيةٍ      فـيـهـا الـشـقاءُ تجسَّدا

وأزالَ أصــنــامــاً لـها      يـأبـى الحجا إن تُعبَدا

وإلـى الـسـعادةِ للورى      شـقَّ الـطـريـقَ مُعبَّدا

وبــنــى لأمَّـتـهِ عــــلاً      يـبـقـى الزمانَ مُخلّدا

وقال من قصيدة تبلغ (31) بيتاً:

نُميتمْ لأكرمِ من في الـوجـودِ      ومَـن هـوَ للهِ داعــي هـــداهْ

جـلـيـلُ الـرسـالـةِ لـلـعالمـين      تـخـيَّــرهُ اللهُ حـيـن اصطفاهْ

فــكـان نـبـيـاً وكــان الأمينْ      وهـادي الأنــامِ لـديــنِ الإلـهْ

وأيَّـده بــالــكـتـابِ الـمـبـيـنْ      ونصرِ عليِّ العلى من حماهْ

إمـامٌ بـهِ قـامَ صـرحُ الرشادْ      بـفـضلِ مـساعيهِ أرسى بناهْ

محا في سناهُ ظلامَ الضلالْ      مـن الـمـشـركـينَ أذلَّ الجباهْ

كـرامُ الـنـفوسِ بحورُ الندى      ومـن ذا يــجـاريـهمُ في نداه

وقال من قصيدة في رثاء أمير المؤمنين (عليه السلام) تبلغ (54) بيتاً:

ســحــائــــبُ دمـــعــي تـسـتـهـلُّ غـواديا      وبـي حُـرَقٌ كـالـجمرِ تذكي فؤاديا

ذكــرتُ قــــــتــــيـــــلاً صـــائــماً متعبِّداً      بـكـوفـانَ يُـردى في مصلاهُ هاويا

أصــبـــتُ بـهِ فــرداً يــعــزُّ افــتــقـــــادُه      وقـلَّ لـه نـظـمُ الــدمــوعِ قـــوافـيـا

وإنَّ مُـــصــابــي لا يُــقــاسُ بـــغـــيـــرِهِ      فـإنَّ لـه وقـعـاً يـهـدّ الـــرواســيـــا

فـقــدتُ عـلـيـاً وهـــوَ صــنــوٌ لأحـــمـــدٍ      نـبـيُّ الـهـدى مـن جــاءَ للهِ داعـيـا

فـلـيــسَ يـوفّــي حــقَّــه الـدمــعُ والــبــكا      ولـسـتُ إذا مـا مـتُّ وجــداً مُـغاليا

فـإنِّــي أرى حـبِّـي لــه مـن فـــرائــــضٍ      ومـا كـنـتُ في حبِّ الوصيِّ مُرائيا

فـيـا لاحـيـاً قــد لُــمـتـنــي فـي تـمــسُّكي      بـعـروتِــهِ الـوثـقــى تـجـنَّيتُ لاحيا

فـدعْ عــنــكَ لــومــاً غـيــرَ مُــجدٍ فإنّني      فـقـدتُ الــذي فـيـه فـقــدتُ الأمـانيا

فـقـدتُ إمــامَ الـحـقِّ نــــفــــسَ مـحـمــدٍ      ومَنْ لم يزلْ في الخيرِ للناسِ ساعيا

إمـامٌ بـه مَـنَّ الإلــهُ عـلــى الــــــــورى      لـيـنـقــذهـــمْ من غمرةِ الجهلِ هاديا

بـحـكـمـتِـه يـشـفـي الـنـفــوسَ مـن الفنا      وكـان لأمــراضِ الـقــلــوبِ مُـداويا

وفــي هـديـهِ كـالـبـدرِ يــزهــرُ مُـشـرقاً      وفـي عـلـمِـه كـالـبحرِ يزخرُ طاميا

وإن ضـمَّــه الـمـحـرابُ لـــمْ يُــرَ مـثله      لـدى طـاعـةِ الـرحـمـنِ عبداً مُناجيا

يـنـاجـي بـخـوفٍ ربَّــــه مــتـفـــــــزِّعاً      ويـطلـبُ مـنـه الـعونَ والعفوَ راجـيا

ويـقـضـي بـحـكمِ اللهِ في الـناسِ عـادلاً      وعـزَّ الـــذي بـالـعـدلِ يـحكمُ قـاضيا

وأعـظـمْ بـعـهـدٍ قــد حــبــــاهُ لـمـــالكٍ      وأوصــاهُ فـيـه حـيـن عُــيِّـــــنَ واليا

نـظـامٌ إذا الـراعـي مـشــى فـي رعيةٍ      عـلـيـهِ فـقـد فـازتْ وعــظّـــم راعـيـا

فـقـدتُ فـتـىً فـيـه الـمـحـــاسنُ جُمِّعتْ      وضــوءُ هـداهُ قـد أنــارَ الــديـاجــيـا

وعن فضلِهِ ما شئتَ حـدثتَ لم أضفْ      عـن الـصـدقِ زيـفاً إن تـحدثتُ راويا

يـلـبّـي نـداءَ الـمـصـطـفـى في حروبِه      ولـم يـكُ عـن نـصـرِ الـرسـالـةِ وانيا

ويـسـعـدُه فـي كـلِّ ضــيـــقٍ ومـحـنـةٍ      ويـرخـصُ فـيـهِ كـلَّ مـا كـان غـالـيا

بـعـزمـتِـه الأعــداءُ تشهـدُ فـي الوغى      إذا مـا رنـا يـردي الـكـمـاةَ الأعـاديا

أذلَّ جـبـاهَ الـمـشـركـيـــنَ بـسـيـفِـــــهِ      وشـيَّـدَ صـرحَ الـديـنِ بـالـعـزِّ عـالـيا

وكسَّــرَ أصــنــامــاً لـــهـم يـعـبـدونَها      وأعـلــنَ تــوحــيــدَ الإلـــهِ مُــنـاديــا

وثـبَّـتَ أركــانَ الــهــــدايــةِ بـــانــيــاً      وظــلَّ لـهـا حــصـنـاً مـنـيعاً وحاميا

وما غـيـره فـــي لـيـلـةِ بــيَّـتَ الـعِدى      لأحـمـدَ شــرَّاً بــاتَ بـالـنـفــسِ فاديا

ولـولا الألــى ذادوه عـن نــيـلِ حـــقّهِ      لـظـلَّ بـهِ جِــيــدُ الــخــلافـــةِ حـاليا

ولازدهــرتْ فــيــهِ شــريـعـةُ أحـــمدٍ      ومــدَّ ســنــاهــا بــالـذي كـان حاويا

حـوى قـلـبُـه كـلّ الـعـلـــومِ ولم يـجـدْ      لـهـا حـامـلاً فانصاعَ يُبدي التحاشيا

ومـا عـرفـتْ مـقــدارَه غـيــرُ ثــــلّــةٍ      بعـرفـانِـهـا طـالـتْ ونــالــتْ مَراقيا

ولـم يـسـتـرحْ من يومِ بدرٍ ولم يــزلْ      يــكــابـــدُ أنــواعَ الــهــمــومِ مـعانيا

وقـامَ ابــنُ هــنــدٍ لـلـخـلافـــةِ طــالباً      وأبـدى مـن الأضــغانِ وجهاً مُعاديا

فـأعـلـنَ حـربـاً يـومَ صفّينَ فاغـتـدتْ      دمــاءٌ مـن الـجـيـشينِ كالنهرِ جاريا

وفـازَ بـهـا فـي خـدعــةٍ ومــكـيــــدةٍ      يـدبِّـرُهـا ابـنُ العاصِ من كان غاويا

إلـى أن أتـى أشـقـى الأنــامِ بـغــدرةٍ      مـن الـديـنِ والإســلامِ هــدَّتْ مـبـانيا

فـنـالَ الـمـراديُّ مــن عـلـيٍّ مــرادَه      وغــادرَ شـهـرَ الــصــومِ يبكيهِ ناعيا

فـيـا أيُّــهــا الجاني الأثيمُ ابـنُ مـلجمٍ      سـفـكـتَ دمــاً مــن صـفـوةِ اللهِ زاكيا

قـتـلـتَ أمـيـرَ الـمـؤمــنيــنَ جميعَهم      ومـنَ كــانَ عــن أعـمـالِهِ اللهُ راضيا

لـكَ الـويـلُ فابشرْ في عــذابِ جهنَّمٍ      قـتـلـتَ عـلـيــاً فـارتــديـــتَ المخازيا

وغـيـرُ عـجـيـبٍ أن تــــقـومَ بغدرةٍ      عـلـى أمَّــةِ الإســلامِ جــرَّتْ دواهــيا

فـأنـتَ يـهـوديٌّ ومــــنـكَ تـعـلّــمتْ      حـديـثـاً بـنـو صـهيون هذي المساويا

أتـقـتـلـه شُـلّـــتْ يــــمـيـنـــكَ أنَّـهـا      عـلـى أمَّـةِ الإســلامِ جــرَّتْ دواهــيـا

تركتَ بني الإيـمـانِ تـبـكـي بلوعةٍ      فـقـدْ فــقــدتْ مـولـــىً يواسيْ المواليا

تركتَ الـيـتامى والأراملَ في أسىً      فــقــد خــسـروا فـيــه الكفيلَ المحاميا

وأجريتَ دمعَ الجنِّ والإنسِ عَنْدَماً      وأيــتــمـتَ أبــنــاءَ الــعُــــلا والمعاليا

وقال من قصيدة بمناسبة مولد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) تبلغ (51) بيتاً وقد ألقاها الشاعر في حسينية ابن إدريس الحلي بالحلة عام (1970):

حـسـنُ الإســمِ والـمـزايـا ولـيـدٌ      رفـعَ اللهُ شــأنَـــه كــالـضــراحِ

فـهـوَ سـبـط الـنـبـيِّ كــانَ إماماً      وهـوَ نـورٌ فـي عـالـمِ الأشـباحِ

وهوَ الطاهرُ الزكيُّ حـبـيـبُ الـ      ـمصطفى معدنُ التقى والسماحِ

وسـلـيـلُ الـبـتــولِ شــبــلُ عليٍّ      مـن أنــارَ الـحـيـاةِ في مصباحِ

يا سنا الوحيِّ والشذى لا عدِمنا      مـنـكَ لـطـفـاً في غدوةٍ ورواحِ

يا نـبـيَّ الـهـدى إلـيـكَ الـتـهاني      أنـتَ فــيـنـا أحـــقُّ بـالأفــراحِ

وطبيبٌ يشفي النفوسَ من السقـ      ـمِ أنــتَ الــحـبــيـبُ لــلأرواحِ

والأمـيـنُ الــذي تـحـلّــى بخلقٍ      لا نــوفّــيــه حـــقَّــه بـامــتداحِ

مَـن أتـى فـي رسـالـةٍ تـنقذُ النا      سَ جـمـيـعـاً مُـبــشّـراً بالنجاحِ

أيَّــدتــه عــنــايــةُ اللهِ بــــالــقر      آنِ لا بــالــظــبــــا والــرمـاحِ

لـمْ تـلـد مـثـله العصورُ حكيماً      جـلَّ فــي حـكـمةٍ وفـي إفصاحِ

في بيانٍ حوى بـديـعَ الـمـعاني      لدجـى الـشركِ والجهالةِ ماحي

عـظـمـتْ ذاتُــه الـكريمةُ قدراً      لـيـسَ فـيـهـا مـن مغمزٍ للواحي

ما بـنـى ديـنَه على أسسِ الإكـ      ـراهِ لـكـن فـي رشـدِهِ الوضَّاحِ

وقال من قصيدة في مولد الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (53) بيتاً:

يا شهرَ شـعـبـانٍ عـظـمــتَ فخارا      ولـدَ الـهـدى بـكَ والـوجودُ أنارا

وشـذا الإمـامـــةِ فاحَ في أرجــائِـهِ      وطغى السرورُ فـطبَّقَ الأقطارا

وبـلابـلُ الأفـراحِ تـصـدحُ نـشــوةً      فـي الأيكِ وهيَ تغازلُ الأزهارا

تشـدو لـمـيـلادِ الــحــســيـنِ وإنَّــه      بـسـنـا الـهـدايـةِ يبهجُ الأبـصارا

وضـعـتــهُ فـاطـمـةٌ أجـلَّ مـبـاركٍ      وأعــزَّ مولـودٍ عــلاً ونِــجـــارا

سـبـط الـرسـولِ مـحمدٍ وحـبـيـبُـه      فـرعٌ زكــا بـيـن الـورى آثـــارا

مِن دوحةٍ طابتْ وشـرِّفَ أصـلـها      تـؤتـي شــهـيَّ صــلاحِها أثمارا

مـن سـادةٍ نـزلَ الـكـتـابُ عـلـيـهمُ      يُـتـلـى مُـبــيـنـاً فـضـلـهمْ إكبارا

 

 

 

عـجـزَ الـبيانُ فـلا يـوفّـي مـدحَهمْ      مـن دبَّـجَ الــكـلـمـاتِ والأشعارا

ولدَ الحسينُ فشبَّ في حِجرِ النهى      مُـتـطـلـعـاً يـسـتـلـهــمُ الأسـرارا

وتـعـهّـدتــه يـدُ الــرسـالــةِ نـاشئاً      حـتـى اغـتـدى لـلـمـهـتدينَ مَنارا

بـدرٌ يُــبــدِّدُ فـي أشــعَّـــةِ عــلـمِه      حجبَ الضلالِ ويهتكُ الأسـتـارا

بـحـرٌ يـفـيـضُ عـلـى الأنامِ نواله      أفـديـه بـحـراً لـلـنــدى زخَّــــارا

ســبـقَ الـكـرامَ فـإنّــه يهبُ الغِنى      ونـداهُ يـحـيـي كـالـحـيــا مدرارا

ألـقـتْ إلـيـهِ الـمـكـرمـاتُ زمامَها      إذ كـانَ فـيـهـا الـقـائــدَ المغوارا

والـديـنُ مُــذ ولــيــتــه آلُ أمـــيّةٍ      طـلـبَ الخلاصَ فلمْ يجدْ أنصارا

يـومَ اســتـبـدَّ يــزيــدُ في سلطانِهِ      ومـضى يسومُ المسلمينَ صَغارا

عـلـجٌ يسوسُ كما اشتهتْ أهواؤه      مُـتـسـلّـط يـسـتـعـبـدُ الأحـــرارا

بـثّ الـفـسـادَ وفي الرعيّةِ لمْ يكنْ      إلّا ظــلــومــاً غــاشــمــاً جبَّارا

أخـنى على الإسلامِ يهدمُ صرحَه      مـتـمـاديــاً لا يـرعوي استكبارا

فـأبـى أبـو الـشـهـداءِ إلّا ثــــورةً      تـبـنـي الـهـدى وتـعـلّــمُ الـثوَّارا

وأغــاثــه لــمّــا احــتـمــى بإبائِه      وأخـو الـحـميَّةِ من يغيثُ الجارا

واسـتـلَّ سـيـفَ عـزيـمةٍ في حدِّهِ      طـبـعَ الـمـنـونَ وصــارماً بتارا

وسـطا على الأعداءِ يحصدُ فيهمُ      فـجـرى نـجـيـعُ رفـاتِـهـم أنهارا

فـرداً ومــيــدانُ الـكـفــاحِ كــأنّـه      لـيـلٌ تـشـبُّ بـه الـقـواضبُ نارا

ضـحـى بـأغـلـى ما لديهِ مجاهداً      دونَ الـعـقـيـدةِ لـلـردى مـخـتارا

لـمْ يـرضَ عـيـشَ مذلّةٍ معَ فاجرٍ      رجـسٌ يـدنِّــسُ خـزيــه الفجارا

يـا قـدوةَ الأبـطـالِ شـكــوى مرَّةٍ      فـسـدَ الـزمـانُ وبـلـبـلَ الأفـكارا

والـحـقُّ أضـحـى بـالـفـناءِ مُبدّداً      والـعـدلُ عـادَ بـنــاؤه مُـنــهــارا

والـديـنُ يـشـكـو الظلمَ من أبنائِه      والـضـدّ غـيـرُ مـعاتبٍ إن جارا

مـا اسـتـمـسكوا بنظامِه ولو أنّهم      تـبـعوا هداهُ لأدركوا استبصارا

لـم يـأخـذوا الأحكامَ من علمائِهمْ      مـن لـلـهـدايـةِ لـم تـــزلْ أنوارا

وقال في رثاء الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من قصيدة تبلغ (29) بيتاً:

جـلَّ الـفـقـيـدُ عـن الـبـكـا والـمـأتـمِ      فدعَ الدموعَ وإنْ جرينَ مِـن الدمِ

واذكـرْ مـزايـاهُ التي قـد أعـجـزتْ      مَـن راحَ يـحـصـيـها كعـدِّ الأنجمِ

فـلـقـدْ قـضـى بـالـسـمِّ خيرُ مجاهدٍ      عـن ديـنِ أحـمـدَ وهوَ غـيرُ مُذمَّمِ

هـوَ صـادقُ الـقـولِ الإمامُ ومن لهُ      فـرضُ الـولا طـوقـاً بـجيدِ المسلمِ

وأخو الندى وأبو الـفـضـائلِ جعفرٌ      من دوحةِ الهادي الرسولِ الأكرمِ

ومـفـضـلُ الـتـوحـيدِ والإيمانِ والـ      إخـلاصِ والـشـرفِ الرفيعِ الأقدمِ

ومنارُ مَن سلكَ الطريقَ إلى الهدى      مـصـبـاحُ مـن يـسري بليلٍ مُظلمِ

مـن كـانَ جـامـعـةَ الـعلومِ جميعِها      وإلـيـه أقـطـابُ الـمـعـارفِ تنتمي

فـاسـتـفـتِ مالكَ وابنَ حنبلَ والذي      أضـحـى يُـلـقَّــبُ بـالإمامِ الأعظمِ

ومَـنُ ابـنُ حيانَ الذي غمرَ الورى      عـلـمـاً يـعـدّ أســاسَ كـــلِّ تــقـدُّمِ

هـذي الـمـتـاحـفُ تــزدهـي بـمآثرٍ      مـنـه تـجـلّـــتْ بـالـكـمـالِ الـمُفعمِ

طـبٌّ وفـلـسـفـةٌ وحـكـمـةُ مـنـطـقٍ      تـهـدي الـمـفـكّـرَ لـلطريقِ الأقومِ

ولـه إلـى الأفـلاكِ نـظـرةُ مـرقـبٍ      تـغـنـيـكَ خـبـرةَ راصــدٍ ومـنـجِّـمِ

واسـألْ هـشـاماً أو فسلْ من غيرِه      مـمَّـن حوى في الـعلمِ من مستلهمِ

إيـهٍ أبـا مـوسـى ومـجـدُكَ شــامخٌ      إنّـي أخـافُ عـلـيـكَ مـكـرَ مُـهـدّمِ

فـلـقـدْ سـعـيـتَ مُثابراً تبني الهدى      خـيـرَ الـبـنـاءِ عـلـى أساسٍ محكمِ

ورددتَ كــيــدَ الـمـلـحدينَ مدافعاً      عـنـه بـجـهـدِكَ بـالـيـراعِ وبــالـفـمِ

وقال في مولد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) من قصيدة تبلغ (22) بيتاً:

بـالإمامِ السبطِ بالزاكي الرضا      طـيِّـبِ الآبــاءِ مـحـمـودِ الـجــــدودِ

هوَ لطفُ اللهِ في الأرضِ ومَن      قـد رعـاهُ مـنـه بـالـحـفـظِ الـمــديـدِ

جـمِّــعــتْ فـيـه الـمـزايـا كلها      مـنـجـزاتٌ لـيـس تُـحـصــى بـعـديدِ

بـحـرُ عـلـمٍ بـــالـــلآليْ زاخرٌ      مــطـمـعُ الغواصِ عذبٌ في الورودِ

وهوَ مـن قـامَ بـساحاتِ الندى      أيـنَ مـن بـطـشِـهـمُ بــطــشُ الأسودِ

ومـلاكٌ فـي مـحـاريــــبِ فلا      مـــثـــلـه عـنـدَ ركـــوعٍ وســـجـــودِ

نـورُهُ أشــرقَ في الدنيا هدىً      وغـشـاهـا مـن ســهــولٍ ونــجـــــودِ

مـشـعـلٌ لـلـرشدِ لا يخبو وقد      جـعـلَ الإلـحـادَ مـــنـــه فـي خـمــودِ

فـهـنـيـئـاً بـعـلـيٍّ يــا بـني الـ      ـمصطفى ذي الشرفِ السامي المجيدِ

أنــتـــمُ عُــدّتُــنــا فـي عيشِنا      وبــكــمْ نــنــعــمُ بــالــعـيـشِ الـرغـيدِ

هـا هـنـا نـحـنُ شـربنا حبَّكمْ      فـرُويـنــا مـنـه فــي الــحــرِّ الـشـديـدِ

كـيفَ لا نُسقى غداً من كوثرٍ      مـنـكـمُ والـغـيـرُ يُــســقـى من صديدِ

وقال من قصيدة تبلغ (32) بيتاً في الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري (رضوان الله عليه) وفيها يعدد مواقفه المشرفة في الإسلام ووقوفه الصلب وثباته على الحق والمبدأ ومناصرته أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما يستعرض فضائل الإمام علي (عليه السلام):

فـي صـدقِ لـهـجـتِـهِ وطـهـرِ فؤادِه      وعـلـوِّ هـمَّـتِـهِ وصـبـرِ جــهادِهِ

ونــفـوذِ فـكـرتِــهِ وحــكـمـةِ عـقـلِه      وكـريـمِ سـيـرتِـهِ وحُـسنِ سدادِهِ

وصـلابــةِ الإيــمــانِ فــي أعـمـالِهِ      وهـدايــةِ الــرحـمـنِ في إرشادِهِ

يـبـقـى أبــو ذرٍّ بــعــطــرٍ ذكــــرُه      وتـحـدِّثُ الأيــامُ عـــن أمــجـادِه

هـذا الـغـفـاريُّ الـجـريءُ ومَـن بهِ      فـخـرُ الإبـاءِ وعُــدّ مــن آســادِهِ

عـاشَ الـحـيـاةَ مــعَ الـنـبـيِّ مـحمدٍ      يحمي حمى الإسلامِ من أضدادِه

حتى إذا قُبضَ الـنـبيُّ وأصـبـحـتْ      تـتـنـازعُ الأهــواءُ أمـــرَ بـــلادِه

وإذا أبـو جـهـلٍ يـخـوضُ بـجـهـلِه      ويـزيِّــفُ الإســـلامَ فــي إلــحادِه

والــشـرعةُ السمحاءُ حوَّلَ قصدَها      لـمـطـامـعٍ والــحـقُّ فـي أصـفادِه

سئـمَ القرارَ على الخضوعِ وساءه      أنَّ الــزمــانَ يـشـيـدُ فـي أوغـادِه

ورأى الـخلافةَ قد تـقـمَّـصَ ثـوبَها      مـن لـيسَ يُؤمَنُ في شرورِ فسادِه

كيفَ الخلافةُ زُحزِحتْ عن حـيدرٍ      روحُ الـهـدى والـسـرُّ في أمجادِه

نـفـسُ الـنـبـيِّ ومـفـتـديـهِ بــروحِه      مـن كـانَ سـبَّـاقــاً إلــى أمــجـادِه

من بـاتَ لـيـلــةَ بَـــيَّــتــتْ أعـداؤه      شـرَّاً وأمـسـى نــائــمــاً بــمهادِه

كـرارُ فـي يـومِ الكريهةِ يَرهبُ الـ      ـشـجـعـانَ صـولُ طعانهِ وجلادِه

مـن عـظّـمَ الـتـنـزيـلُ حرمةَ قدرِهِ      إذ لـم يـكـنْ فـي الناسِ من أندادِه

الأعــلـمُ الأتــقــى الأجــلُّ مــآثراً      والـسـبقُ في الخيراتِ من معتادِه

والـمـصـطـفى الهادي يبجِّلُ شأنَه      فـي كـلِّ ســانــحـةٍ عـلـى أعوادِه

وبـيـومِ خــمٍّ يــومَ بــلّــغَ مُــعـلـناً      عـن ربِّــه فـرضَ الــولا لـعـبـادِه

فـتـزاحـمَ الـجـمـعُ الـغـفـيرُ مُهنئاً      زوجَ الـبـتـولِ المــرتضى لرشادِه

لـكـنـهـمْ نـقـضـوا ولاهُ لـنـقصِهم      وأخـو الـكـمـالِ الـدهرُ من حسَّادِه

وبـغـوا عـلـيـه وكـمْ تـمنَّوا موتَه      حـتـى قـضـى بـحـرارةِ استشهادِه

نـالَ ابــنُ هـنـدٍ مـن عـلـيِّ بـقـيّةً      وشـفـى قـديـمَ الـعـهـدِ مِـن أحقادِه

يـأبـى الـغـفـاريْ أن يـقـرَّ لمُنكرٍ      والأمـرُ بـالـمـعـروفِ كــلُّ مرادِه

فمضى يكافحُ في سبيلِ عقيدةِ الـ      تـوحـيـدِ والإيــمــانِ مــن أجـنادِه

هـذا الـصـحابيُّ الجليلُ وما جنى      ذو الأمـرِ غـيـرَ الـظلمِ من أبعادِه

فـأذاقـه مـرَّ الـــعـــذابِ وأنّــــــه      راعٍ يـسـوسُ الــنــاسَ بـاستعبادِه

أبــكــيــهِ مُــتّــقـيـاً يـموتُ بغربةٍ      عــن أرضِ مـوطـنِه وأهلِ ودادِه

ولـقـد بـكـى الإســلامُ يــومَ فراقِه      يـبـكـي حـبـيـبَ اللهِ مِــن عـــبَّادِه

ولـقـد بـكـى الإســلامُ يــومَ فراقِهِ      يـبـكـي فـتـى الإيـمانِ مِن زهَّادِه

أعـظـمْ بـه مـن قــدوةٍ ومـجـاهــدٍ      يـتـزوَّدُ الـتـقـوى لــيــومِ مــعـادِه

محمد طاهر الصفار

.................................................

1 ــ الحلة أصالة وتراث ص 178

2 ــ مقدمة ديوان عبد الرحيم العميدي ص 28

 

gate.attachment

كاتب : محمد طاهر الصفار