243 ــ سليمان الكبير (1141 ــ 1211 هــ / 1729 ــ 1898 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-11-27

131 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

قيل: ذي (كربلا) فقال بشجوٍ:      يا لـقـومي بها أريحوا ركابي

إنّـمـا هــذهِ لـنـا أرضُ كــربٍ      وبـلاءٍ ومــحــنـةٍ واكــتــئــابِ

فارحلوا إنني مـقـيـمٌ على المـ      ــوتِ رجاءً لنيلِ حسنِ الثوابِ

وقال من حسينية أخرى:

صدورُ العلا أمستْ بعرصةِ (كربلا)      تُرضُّ بركضِ العادياتِ صدورُها

عطـاشى تـبـلُّ الـسـمـرُ حـرَّ أوامِـهـا      ومن حـولِها فاضت فراتاً بحورُها

أيا عـصـبـةً خـانـتْ عـهـودَ نـذيـرِها      بـمَنْ فـي كـتـابِ اللهِ تُوفى نذورُها

وقال من أخرى:

لهفي لبدرِ عُلا ثوى في (كربلا)      ولصدرِ علمٍ بالسنابكِ رُضِّضَا

لهفـي لرأسِ الدينِ من فوقِ القنا      يـتـلـو الـكـتـابَ كـأنّه قمرٌ أضا

لهفي عـلـى سـبـطِ الـنبيِّ مُرمَّلاً      أمرَ ابنُ سعدٍ خـيـلَه أن تركُضا

ومنها:

لـهـفـي عـلـى ظعنِ النبيِّ أناخَه      في (كـربـلا) وإلـى يـزيـدٍ قُوِّضا

لـهـفـي عـلـى نـسـوانِـهِ وبـنـاتِهِ      قرحى الجفونِ عيونُها لن تغمضا

لهفي لهنَّ يبتنَ من عظمِ الأسى      وقلوبُها تُـطوى على جمرِ الغضا

وقال من أخرى:

وتجرَّعُوا غَصصِ الكروبِ بـ (كربلا)      وبغيرِ سفكِ دمـائِهمْ لمْ تجرعِ

قـطـعـوا طـريـقَ الـحـتـفِ يـومَ نـزالِهم      وبـغـيرِ قطعِ رقابِهم لمْ تقطعِ

رفـعـوا بـرفـعِ رؤوسِـهـمْ ديـنَ الـهـدى      وبغيرِ رفعِ رؤوسِهم لمْ يرفعِ

ومنها:

وا طـولَ نـدبي للقتيلِ بـ (كربلا)      وا عظم كربي للعليلِ المفجعِ

همْ أورثوا قلبيْ ضرامَ الوجدِ أن      أتـنـفّـسَ الـصـعدا عليهمْ يلذعِ

يـا جـدّ مـا والله يُــبــردُ غُــلّـتـي      نظمُ القريضِ ولا نثارُ الأدمعِ

وقال من قصيدة:

يا يومَ عاشورا ووقعة (كربلا)      أورثـتـمـا قـلـبـي الكروبَ بلِ البلا

فـزمـانُ ذلـكَ طـالَ فـيه تأسُّفي      ومـكـانُ تـلـكَ دمـاءَ جـفـنـيَ أسبلا

حـزنـاً لـسـبـطِ مـحـمـدٍ وحبيبِهِ      وابنِ الوصيِّ وذي المفاخرِ والعُلا

ومنها:

فهناكَ قالَ لخيرِ صحبٍ ما اسمُها ؟      وهوَ الخبيرُ بها فقالوا: (كربلا)

قـال: انــزلـوا هـذا مـنـاخُ ركــابِـنـا      ومـنـاخُ نـسـوتِـنا الحواسرِ ثكّلا

إني أرى نـحـرَ الـنحورِ على ظمى      فـيـهـا وأعـنـاقَ الأكـارمِ تُـختلى

ومنها:

ويُسقن في ذلِّ السِّبا ورقابُها      تُلوى لكافِلِها القتيلِ بـ (كربلا)

بـأبـي قـتـيـلٌ قـد بـكاهُ محمدٌ      وبكـتـه سـكّانُ السماواتِ العُلا

بأبي بدورُ التمِّ لمّا أن هوتْ      أمـسـتْ بأرضِ الغاضريةِ أفّلا

وقال أيضاً من قصيدة:

ما كنتَ تصنعُ والحسينُ بـ (كربلا)      غرضٌ تناهبُـه ظباً وسهامُ

روَّى غـلـيـلَ الـكـفـرِ فـيـضُ دمائِهِ      وشـفـا بـه حـقـداً خبته لئامُ

فـي فـتـيـةٍ غُـرٍّ مــيــامــيــنٍ بــهـمْ      يُجبى أثيلُ المجدِ والأحلامُ

وقال من قصيدة:

آلُ النبيِّ بـ (كربلا) قد غُـودِروا      صَـرعـى بـكـلِّ مُـثقّفٍ ويَمانِ

من مُـخـبـرِ الـهـادي بـأن سليلَه      حشدت عليه عصائبُ العدوانِ

فقدَ الـنـصـيـرَ سوى بقيةِ أسـرةٍ      شَـرَتِ الـخـلودَ ببذلِ عمرٍ فانِ

وقال:

وا لهفتاه على النساءِ بـ (كربلا)      يومَ الـحـسـيـنِ ويـومَ جدَّ بها النوى

كـم يـسـتـغـثـنَ بـجـدهـنَّ وقلبُه       من أجلهنَّ على المصابِ قد انطوى

ويـقـلـنَ: يا شـرَّ الـخليقةِ راقبوا      فينا النبيَّ ومن على العرشِ استوى

الشاعر

سليمان بن داود بن حيدر (الشرع) ابن أحمد (المزيدي) ابن محمود بن شهاب بن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي القاسم بن أبي البركات بن القاسم بن علي بن شكر بن أبي محمد الحسن بن أحمد بن أبي الحسن علي بن محمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).

لُقِّبَ بالكبير تمييزاً عن حفيده السيد سليمان الصغير والد السيد حيدر الحلي، كما لقب بالحكيم لاشتهاره بالطب، ولد في النجف الأشرف من أسرة علمية عريقة لها سجل حافل في مضماري العلم والأدب فجدّه السيد حيدر لقب بـ (الشرع) لأنه كان متصدِّياً للأمور الشرعية في مدينته، كما كان والده عالماً دينياً كبيراً وله قبر يُزار في الحلة يسمى بقبر (السيد أحمد المزيدي)

وتسمّى هذه الأسرة الشريفة أيضاً بـ (آل شهاب) نسبة إلى جد السيد أحمد المزيدي، وتشير المصادر إلى أن موطن هذه الأسرة الشهابية هو الحلة السيفية كما يقول ابن عنبة الحسني في عمدة الطالب، وكان جده السيد حيدر الشرع متولي الأمور الشرعية وحل النزاعات في المزيدية، ويعزز ذلك وجود قبر السيد أحمد المزيدي وأن هذه المنطقة بها بساتين وأراض تسمى (الشهابية)، ولا يعلم على وجه التحديد تاريخ هجرة هذه الأسرة إلى النجف الأشرف حيث ولد السيد سليمان الكبير.

كان للسيد داود والد السيد سليمان ثلاثة أولاد هم سليمان، ومحمد، وعلي، وقد ذكر الشيخ اليعقوبي:

(إن السيد محمد أصغر سناً من أخيه السيد سليمان وتوفي بعده ببضع سنين وكان من رجال الفقه والدين، معروفاً بالنسك والصلاح، مشهوراً بالورع والتقشف، يقضي أكثر أوقات إقامته في النجف الأشرف منقطعاً إلى العبادة). (1)

أما السيد علي فلم تذكر عنه المصادر أي شيء.

الولادة والنشأة

كانت ولادة السيد سليمان في النجف الأشرف وأشارت المصادر إلى أنه درس في النجف ـ كباقي أقرانه ـ علوم العربية والفقه لكنه زاد عليها الطب وبرع فيه حتى لقب بـ (الحكيم)، لكن تلك المصادر لم تشر إلى العلماء الذين درس على أيديهم، ولا الفترة التي درس فيها تلك العلوم، كما أنها لم تذكر طبيعة حياته والظروف التي جعلته يغادر النجف في عام (1175هـ) إلى الحلة في الوقت الذي كان أقرانه من طلاب العلم يغادرون الحلة إلى النجف.

وتبقى تلك الأسباب مجهولة، ومهما تكن تلك الأسباب فقد كان لوجوده في الحلة أثراً كبيراً في إعادة الروح العلمية والثقافية لتلك المدينة التي تدهورت فيها الحياة الثقافية، وأسدل الستار على قرون مضيئة بالعلم والأدب.

ولعل السيد سليمان كان يحمل في داخله هدفاً سامياً ونبيلاً من هجرته تلك، فقد تحوّلت داره إلى مدرسة وملتقى لطلاب العلم والأدب والعلماء والأدباء، فكان من أبرز روّاد هذه المدرسة الشيخ أحمد النحوي، والشيخ درويش التميمي، وابن الخلفة، والسيد صادق الفحام، والسيد شريف بن فلاح الكاظمي وغيرهم، إضافة إلى إغاثته المرضى القادمين من القرى والأرياف وهو يمارس مهنته الإنسانية الطب.

تأريخ يصنع المجد

كوّن السيد سليمان في الحلة أسرة سجلت في تاريخ الحلة والعراق أروع الصفحات المشرقة في الميادين العلمية والأدبية والسياسية، وكان لها دور كبير ومؤثر على الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي، فقد نهج أبناؤه منهجه وتوارثوا عنه علمه وشعره فكانت أسرة علمية أدبية بامتياز،

قال عنه ولده داود: (أتقن العلوم وبرع في الطب والأدب وصنف بكل علم وفن كتاباً). (2)

ويقول الشيخ محمد علي اليعقوبي (3)، والسيد محسن الأمين (4)، والأستاذ عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين (5):

(اتقن ـ أي السيد سليمان ـ العلوم وبرع في الطب والأدب وصنّف بكلِّ علمٍ وفنٍّ كتاباً)

وذكر الأستاذ محمد الخليلي: (إن دار السيد سليمان كان يعدّها الحلّيون آنذاك مدرسة يُحجُّ إليها من مختلف القرى والأرياف)، كما يصف السيد سليمان بأنه (من مؤسسي دولة الأدب في الحلة) ووصف أسرته بـ (مؤسسي نهضة الحلة الأدبية في القرن الثالث عشر) (6)

وقال عنه الشيخ محمد هادي الأميني: (عالم فاضل طبيب جليل أديب متتبع ولد في النجف وتتلمذ على العلماء والفضلاء وصنف في كل فن وكان عالماً بعلمي الأديان والأبدان نقياً كريماً طريفاً أديباً يرتجل الشعر ارتجالاً...) (7)

نجوم في سماء الخلود

كان للسيد سليمان أربعة أولاد أكبرهم السيد حسين الذي كان ملازماً لوالده وورث عنه مهنته إضافة إلى مكانته العلمية والأدبية والاجتماعية، فقد كانت له هيبة وجلالة عند حكام الحلة وولاة بغداد العثمانيين، وقد لُقّب بالحكيم، ولقمان عصره، ومحيي الموتى لعلاجه الحالات المستعصية والميؤوس منها فـ (نهض بزعامة الأسرة بعد أبيه) كما يقول اليعقوبي، وللسيد حسين قصيدة في ديوانه وثّق فيها الغزو الوهابي على كربلاء وكان فيها شاهد عيان يقول عنها الباحث محمد حسن علي مجيد: (ومن الغريب أننا لم نظفر من الشعر الحلي في الحوادث الوهابية سوى قصيدة واحدة للشاعر السيد حسين بن السيد سليمان الكبير). (8)

أما ثاني أولاد السيد سليمان فهو داود الذي وصفته المصادر بأنه كان: (فقيهاً عابداً صالحاً أديباً)، وقد ألّف داود كتاباً عن سيرة النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام) وختمه بسيرة أبيه، وله ديوان أيضاً، وكان من أعلام هذه الأسرة ابنه السيد سليمان الصغير، والد السيد حيدر الحلي، والسيد عبد المطلب بن داود بن مهدي بن سليمان الكبير، والسيد مهدي بن داود بن سليمان الكبير صاحب كتاب (مصباح الأدب الزاهر) والذي افتتح مدرسة يقيم فيها الصلاة والتدريس، وأبرز أعلام هذه الأسرة هو السيد حيدر الحلي الذي وصفه السيد المحقق محمد القزويني بـ (أشعر الطالبيين).

فلا تزال هذه الأسرة عيناً تتفرّع منه ينابيع الشعراء، فكان من فرع السيد حيدر ابنه السيد حسين ثم السيد عباس بن السيد حسين، ومن فرع أخيه داود السيد علي والسيد عبد المطلب، وقد عدّ الشيخ محمد علي اليعقوبي في البابليات أربعة عشر شاعراً من أعلام هذه الأسرة وأورد نماذج كثيرة من شعرهم، كما جاءت ترجمتهم في أدب الطف للسيد جواد شبر، وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، والأعلام للزركلي، ومعجم رجال الفكر والأدب في النجف ومصادر أخرى.

في مضمار الثورات

لم يقتصر نشاط هذه الأسرة وإنجازاتها على الميادين العلمية والأدبية، فقد كان لها دورها السياسي في مقاومة الإحتلال العثماني الظالم، والذي تخطى حدود القصائد والخطب ليصل إلى المواجهة، فقد تعرّضت دور آل سليمان إلى الحرق والنهب عدة مرات على يد العثمانيين، وضاع بسبب ذلك الكثير من الثروة الأدبية والعلمية لهذه الأسرة بعد قيام السيد عبد الله بن السيد سليمان الكبير بقتل حاكم الحلة العثماني المستبد، كما قاد أخوه السيد علي بن سليمان انتفاضة أهل الحلة المناهضة للعثمانيين والتي انتهت بإعدامه مع مجموعة من أفراد أسرته وقطع رؤوسهم وإرسالها إلى داود باشا في بغداد، وهناك الكثير من الأحداث المتشعبة التي جرت لهذه الأسرة والتي نادراً ما يجود الزمان بمثلها تركناها خشية الإطالة.

توفي السيد سليمان في الحلة وحمل جثمانه إلى النجف في موكب مهيب وصلى عليه إمام الطائفة يومئذ السيد محمد مهدي بحر العلوم ودفن هناك وقد رثاه كبار الشعراء في ذلك الوقت منهم: الشيخ محمد علي الأعسم، والشيخ يونس بن الشيخ خضر، والشيخ حسن نصار، ومحمد بن اسماعيل المعروف بـ (ابن الخلفة)، والشيخ مسلم بن عقيل الجصاني، والشيخ محمد رضا النحوي وغيرهم.

مع عالم الشعر

لعل أول ما يتبادر إلى القارئ لديوان السيد سليمان إنه اقتصر على أهل البيت (عليهم السلام) مدحاً ورثاءً ابتداءً بالرسول الكريم ثم أمير المؤمنين فالزهراء فالحسن فالحسين ثم الأئمة المعصومين (عليهم الصلاة والسلام)، وقد غُلب على شعره أحداث الطف، فهو ملتزم بخط ثابت لا يحيد عنه، منطلقاً من إيمان لا تشوبه شائبة بالمنهج الذي يسير عليه، ولكن إضافة إلى ذلك فالقارئ يذهل من الخزين العلمي والمعرفي الذي يمتلكه الشاعر، فقد كان مُلمَّاً بالتفسير والتأريخ والعقائد والفقه وكل ما يتعلق بالعربية من لغة ونحو وتشبيه وبيان وبديع وغيرها.

بلغت قصائد الديوان (33) قصيدة في (1906) بيت اعتمد فيها الشاعر على مخزون لغوي وعلمي وتاريخي واسع، كما أن النفس الشعري الطويل في القصائد يشيع ويأخذ أبعاداً وجدانية عميقة تجلّت في إيمان الشاعر وحبه لمن أخلص له، لقد شُغف السيد سليمان بأهل البيت وسخر شعره لهم وفي سبيل قضيتهم وأفنى حياته في مدحهم ورثائهم ولكن كان لشخصية الامام الحسين بن علي (عليه السلام) أهمية خاصة فقد ملأت هذه الشخصية العظيمة كيانه ووجدانه وروحه وضميره فهام بهذا الكمال الانساني والذروة من الخلق البشري والإباء والشجاعة والبطولة فإذا بقلمه يسكب هذا الوله شعراً يفصح فيه ما أفاضت عليه جوارحه.

يقول من قصيدة تبلغ (68) بيتاً يصور فيها الشاعر ما يعتريه من الغضب على يزيد بقدر ما يملأ قلبه أسى على أطفال ونساء الحسين العطاشى وهم أسارى وسبايا لذلك فإن المأساة تدفعه الى صب غضبه على (سليل الشرك) يزيد فيشير إلى كفره في الأبيات المشهورة التي قالها وهو ينكث ثنايا الحسين بقضيبه يقول السيد سليمان:

بناتُ المصطفى أمستْ حيارى      سَهارى بـعـد سبيٍ واستلابِ

ورأسُ رئيسها في الرمحِ يتـلو      أمـامَ الـركـبِ آيـاتِ الـكـتـابِ

فوا لهفا لذاك الشـيبِ أضـحـى      يعوَّضُ بالدماءِ عن الخضابِ

ألا أيـنَ الـرسولُ يـرى يـزيـداً      سليلَ الشركِ يقـرعُ خيرَ نابِ

تـمـثّـلَ نـادبـاً أرجــاسَ حربٍ      طـروبـاً فـي مجـاوبةِ الغـرابِ

ألا يــا لـيـتَ أشـيـاخـي بـبـدرٍ      لذي الثاراتِ قد شهدوا طلابي

ولا ينسى السيد سليمان في شعره أولئك الصفوة من الرجال الأبطال الذين جسّدوا القمة في الفروسية والشجاعة, ومثلوا الذروة في الإخلاص والوفاء والتضحية حتى نالوا شرف الدنيا والآخرة واستحقوا قول سيد الشهداء (عليه السلام) حين وصفهم بقوله (إني لا أجد أصحاباً أوفى ولا خير من أصحابي) وما أجمل هذا المعنى حين يثير الشاعر ليقول:

فـارحـلـوا إنـنـي مـقـيـمٌ عـلـى الــمـو      تِ رجـاءً لـنـيلِ حـسـنِ الـثـوابِ

فـأجــابـوه: لا ومـــنْ قــد حــبـــاكــم      بـمـديـحٍ أتـى بـنــصِ الـكـــتــابِ

لا رجــعـنـا وأنـت فــردٌ أحـــاطــتْ      بـكَ أهـلُ الــضــلالِ والارتـيـابِ

أفــنــلـوي خـوفَ الـحـتـوفِ عـنـانـاً      كيـف تخشى الأسـودُ نبحَ الكلابِ

فـانـثـنـوا للـهـيـاجِ وامـتـطـوا الـخـيـ      ــلَ لدى الروعِ كالأسودِ الغضابِ

أوردوا السمرَ من صـدورِ الأعادي      وأبـاحـوا الـسـيـوفَ هـبرَ الرقابِ

وأبـادوا لولا الـقـضا عصبـةَ الـشـر      كِ بـحـربٍ عــقـيــمـةِ الأعــقــابِ

ويعيش الشاعر في ذهنه حوادث الطف الأليمة بكل تفاصيلها المفجعة فيصور الجثث الطاهرة لأبي الشهداء وأهل البيت الأطهار وأصحابه الأبرار وهي تُرضَّ بسنابك الخيل وقد قضوا كلهم عطاشى وهو المشهد الذي أمطر السماء دماً حيث تتصاعد نبرة القصيدة في تجسيد تلك المأساة فيلجأ الشاعر إلى التوسل بالإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) فيقول:

فأنتَ لها يا مُـدركاً ثأر ما مضى      ومـنـتـقــمٌ مـنـهـا وأنـت مـثـيــرُهـا

ألا أيها الـموـتورُ عجِّل بثأر من      بـفـقـدِ أبـيـهـا غـابَ عـنها سرورُها

وإن قـتـيـلَ الـطـفِّ يـا ثـائـراً به      مـصـيـبـتـه الـكبرى أقـامتْ ثبورُها

فيا حـــاملاً أعـبـاءهـا عجلنْ لها      برايــاتِكَ الـمحيـي الرميمَ ظهورُها

أبا الـقـاسـمِ الـمـهـدي وثبـة ثائرٍ      بثــارات قـتـلى بالطفـوفِ تـثـيـرُهـا

عسى ولعلَّ الـوجـد يطفى بدولةٍ      لها الخضرُ خدنٌ والمسيحُ وزيـرُها

وتتجلى مرارة الحزن وعميق الحسرة عند السيد سليمان في قصيدته التي تتكرر فيها لفظة (رزء) لدلالتها الواضحة على عمق الفجيعة التي (تجلّ عن البكاء):

يا عـيـنَ مـقـروحِ الـفــؤادِ تـفـجَّـري      بـدمٍ ويــا قـلـبَ الـشـجــيِّ تــفـطّـرِ

لـمـصـابِ ســبـطِ محـمـدٍ وحـبـيـبـهِ      وابنَ الـبـتـولِ أخـي المـزكّى شُبَّـرِ

لا رزءَ لا والله يــــــعــــــدلُ رزءَه      كلا ولا خـطـــبٌ كـذلـك يـعـتــري

رزءٌ يـجـلُّ عـن الـبكـاءِ وإن جرتْ      مـنـه الـعـيـونِ لـه بــدمــعٍ أحـمــرِ

رزءٌ إذا قُـتـلَ الـحـزيــنُ بــه أســىً      وتـفـجُّــعــاً وتــوجُّــعــاً لـم يُـعــذرِ

رزءٌ به احـتـرقـتْ حـشـاشـةُ أحـمـدٍ      وتـمـزَّقـتْ جـزعـاً حشـاشةُ حيـدرِ

رزءٌ به شـبَّــــــت بـمــهـجـةِ فـاطـمٍ      نـارُ وأضـرمَـهـا بـمـهـجـةِ جـعـفرِ

رزءٌ به بـكـتِ الـسـمــــاءُ دمـاً ومـا      وفـتِ الـسـمـاءُ لـه إذا لــم تُـفــطـر

رزءٌ به الإسلامُ أضحى في الورى      غرضـاً لـنـهـبـةِ فـاجـرٍ أو مفتـري

رزءٌ به الـشـمـسُ الـمـنـيـرةُ بـعدما      كـسـفـتْ لـقـد بـرزتْ بـلـونٍ أكــدرِ

رزءٌ به جبريلُ أضحى في الـسَّـمـا      شـجـواً بـصــوتِ مـفـجَّـع مـتـحسِّرِ

ويصور السيد سليمان مشهداً من أكثر المشاهد المؤثرة والمؤلمة في يوم الطف وهو عندما يودع سيد الشهداء (عليه السلام) حرائر النبوة وودائع الإمامة وعقائل الوحي وهنّ يحطنه بالبكاء والنحيب فيوصيهن بوصاياه يقول السيد سليمان:

لما رأى أن لا مناصَ من الرّدى      فيها ولا يرضـى بعارِ الـمدبرِ

ثبتتْ لخوضِ الحتـفِ منه عزمة      أبداً بـيـومِ الـروعِ لـم تـتـذعَّـرِ

وثـنـى إلـى نـحوِ الـخيـامِ جوادَه      هـمـل العيـونِ بدمعهِ الـمتحدِّرِ

ودعا ألا يا أهل بيتي فـاخـرجوا      هذا الـفـراق ولا لـقىً للمحشرِ

فخرجنَ ثم حـفـفـنَ فـيـه مـثــلما      شهــبُ حـفـفـنَ بـبـدرٍ تـمٍّ أنورِ

هـذي تــقـــبِّــلـه وتـلـك تـشـمُّـه      ولهذه يوصــي أخية فاصبري

وعليكِ بالـتقوى وبالصبرِ الذي      هو دأبنا في كل خطب يعتـري

وتطول لوعة الشاعر حزناً وأسى على سيد الشهداء وذكر تفاصيل الفاجعة الأليمة حيث يستبد الحزن به حتى يصبح هذا الحزن ديدنه وتتغلغل صور عاشوراء في نفسه وتمتزج بدمه لتصبح جذوة من الغضب يلهب بها شعره:

يـا ســيِّــداً ثُــلــتْ بــــيـــومِ مُــصــابِـهِ      أركــانُ ديــنِ اللهِ عـنـدَ نُــعـــائِــهِ

يا سـيِّـد الـشـهـداءِ يا ابـنَ الـمُـرتـضـى      يـا بـدرَ تـمٍّ غـابَ غِـبَّ ضــيــائهِ

أتـمـوتُ مـمـنـوعَ الــفــراتِ وتـغـتـدي      وحـشُ الـفـلا ريَّـانـة مـن مـائــهِ؟

هـل يـعـلـمُ الـمجدُ المـنـيفُ بمنْ هـوى      بـمــحـرمٍ وثـوى بـكـربِ بــلائــهِ

هــل يــعــلــمُ الإسـلامُ مـن هـوَ فـاقــدٌ      يومَ الـطـفـوفِ؟ لـيـبكِ أهلُ ولائـهِ

ويــلاهُ مــن رزءٍ أقــامَ بــمــهـجــةِ الـ      ـهادي ضـنى والـهــفـتـا لـضيـائـهِ

لـهـفـي لـقـد نــحــرتْ ســيـوفُ أمـيـةٍ      نـحـراً تُــقـبِّـل فـي تــقىً لـنــقـائــهِ

لـهــفـي لــقــد رَضَّــتْ خـيــولُ أمـيـةٍ      صـدراً تُـديـنُ ذوي الـعـلا لـعلائـهِ

تـلـكَ الـمـصـاعبُ في الطفوفِ تذللتْ      وجـبـالُ حــلـمٍ دُكــدكـتْ بـفــنــائـهِ

لـهـفـي عـلـى آســادِ حربٍ صُـرِّعـتْ      وتـجرَّعـتْ كـأسَ الــردى لـوقـائـهِ

أنـسـاكَ؟ يـا لـيـثـاً يــرى مُـرَّ الــرَّدى      يـومَ الـكـريـهـةِ شـــهـدةً لــشــفـائـهِ

أسـدٌ يـرى الإدبــارَ عــاراً حــيــثــمـا      دارتْ كؤوسُ الحربِ في نصـرائهِ

أفـدي الــوحــيــدَ ومـــالـهُ من نـاصرٍ      مـن لـي بـحـسـنِ فــدائـهِ ووقــائــهِ

فـاغــتــالـه ســهـمُ الــردى مـتـشــعِّبـاً      في القلبِ غارَ فغاصَ في أحشــائهِ

فـهـوى الـجـوادُ عـن الـجـوادِ مـكـبِّراً      فـهـوى أثـيـلُ الـمـجـدِ فـي أهـوائـهِ

فـلــيـبـكِ لـلإيــمـانِ مـن هـو مـؤمــنٌ      ولـيــنــعَ للإسـلامِ يــومَ عـــزائــــهِ

فغدا الحِصَانُ إلى الـحَصَانِ وسـرجُـه      مُــتــنــكِّــسٌ يـنـعـاهُ عـنـدَ نـســائـهِ

لـم أنـسَ زيـنـبَ إذ تـقـولُ بــحــرقـــةٍ      أأخـيَّ يـا مـن قد قـضـى بـظـمـائهِ

يـا بـدرَنا ووريــتَ بــعـــدكَ مــالــنــا      بـدرٌ فــيــهــديــنـا بــنـورِ سـنــائـهِ

يـا كـهـفـنـا ولــقــد هـويــتَ فـمـالـنــا      كـهـفٌ نـلـوذُ ونـحتـمـي بـحـمــائـهِ

يـا واحـدي كـنـت الـمُـعـدَّ لـشـــدتــي      وشـفـاءَ قــلــبـي عـنـد فـقـدِ دوائــهِ

أأخـي كـيـفَ الـدمـعُ يـبــــردُ غُـلَّـتـي      والـقـلـبُ مـحـتــرقٌ بـنـارِ عــزائـهِ

يـا لـيـثَ غـابٍ غـابَ غِـبَّ فـــراسـةٍ      أشــبــالــه صــرعـى إلـى أعــدائـهِ

أبـنـاتُ بـيـتِ الـوحـي تُسبى حُـــسَّراً      يـلـطـمـنَ فـي جـزعٍ عـلـى أبـنـائـهِ

يُـسـرى بـهـم أسـرى ورأسُ إمـامِهم      فـوقَ الـسـنـانِ أمـامَ ظـعـنِ نـســائهِ

وللسيد سليمان في أمير المؤمنين (عليه السلام) قصائد خالدة عبّر فيها عما اعتمل في نفسه من حب وولاء، فقد شُغف شاعرنا بشخصية الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) فملأت كيانه ووجدانه وروحه وضميره فهام بهذا الكمال الإنساني والذروة من الخلق البشري فإذا بقلمه يسكب هذا الوله شعراً يفصح فيه ما أفاضت عليه جوارحه.

يقول من قصيدة بلغت (80) بيتاً:

حـارتْ بـكـنـهِ صفاتكَ الأحلامُ      وتـــعــذّرَ الإدراكُ والإلــهـــامُ

وتخالفت فيكَ الظنونُ فلم تحط      بـدقـيقِ معنى وصـفِـكَ الأفهـامُ

يـا ســرَّ سـرِّ اللهِ بـل يـا نـورَه      هل كـيـف تـدركُ ذاتكَ الأوهامُ

وتـبـايـنـت فـيكَ العقولُ ففرقةٌ      عرفت وقد عجزت وقومٌ هاموا

وعـصـابـةٌ جـحـدتكَ بعد تيقّنٍ      حـسـداً فـضـلّـت مـنـهمُ الأحلامُ

ولذا يصحُّ فيكَ يا مولى الـملا      إعـلان خـيـر الـخـلـقِ والإعلامُ

ثم يشير إلى بعض فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم خمّ والآيات التي نزلت بحقه في القرآن:

واسأل لمن جمعت حدائـجُ خُـمِّـها      ومن المبخبخُ مُكرَها أيُلام ؟

واسأل عن الأعرافِ فيمن أُنزلت      والـحِـجـرُ والأنـفـالُ والأنعامُ

من ردَّ شمسَ الأفقِ بعد غروبِـهـا      من كلّمَ الأمواتَ وهيَ عظامُ

فأمير المؤمنين هو المثل الأعلى للشاعر وهو حينما ينبري للقصيدة فإنه لا يماري ولا يحابي بقول الحقيقة ومن أحق بالمدح من علي بن أبي طالب وقد جاء مدحه في القرآن، يقول من قصيدة بلغت (81) بيتاً:

لـقـد أوجـــبــتْ آيُ الـكـتـابِ ودادَهــم      وودُّ سـواهـمْ لـو زكـا غـير واجبِ

بــهــمْ مـــن عـــلــــيٍّ آيــــةُ اللهِ آيـــة      سمتْ بهمُ في الفخرِ أعلى المراتبِ

هـوَ الـعـروةُ الوثقى حوى أيَّ عصمةٍ      هوَ الآيـةُ الكبرى رقى أيَّ غاربِ؟

فـلـو لـم يـكـن خـيـرَ الـورى وإمـامَـها      لـمـا جـازَ أن يـرقى خيارَ المناكبِ

ولـو لـم يـكـن سـيـفَ الـنـبـوَّةِ لـم تـقـم      لـهـا حـجَّـة مـن بـيـنِ تلكَ المذاهبِ

ولـو لـم يــكــنْ يـومَ الـغـديـرِ مـؤمَّـراً      لـتـفـسـيـرِ (بـلّغ) كان ليسَ بصائبِ

ولـو لـم تُـفـسَّـر فـيـه (أكـمـلتُ دينكم)      لـعـابَ عـلـيـنـا قـولـنـا كـلُّ عــائبِ

ولـو لـم يـكنْ مولى الورى مثل حيدرٍ      (فـمـا هـو إلا حــجَّـة لـلـنـواصـبِ)

إذا قلتُ: نفسُ المصطفى كنتُ صـادقاً      وإن قـلـتُ: عـيـنُ اللهِ لـستُ بكاذبِ

فـإن أطــمــعَ الأقــوامُ مــدحَ ســواكـمُ      فـمـدحكَ في الدارينِ أوفى مكاسبي

أتـــخـشـى سـلـيـمـانٌ وجـدُّكّ حــيــدرٌ      لـه الـعـزمـةُ الـكـبـرى بكلِّ النوائبِ

سروركَ يـضـحـى بالمنى غيـر ذاهبٍ      وحـزنُـكَ يـمـسـي بالـهـنا غير آئبِ

فــصــلـى عــلــيــهِ اللهُ مـا ذرَّ شــارقٌ      وما أرضعتْ روضاً ثديُّ السحائبِ  

 ويسترسل السيد سليمان في تعديد فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومناقبه التي لا تحصى فيذكر بالتفصيل حروبه ومواقفه مع النبي (ص) في بدر وأُحد وخيبر والخندق وحنين ثم يستعرض حادثة الغدير ويقدم أدلة كثيرة على أحقية الإمام (ع) بالولاية كما يستعرض احداثاً كثيرة جرت بعد وفاة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) يطول شرحها ولا يسعها هذا المقال

فـلا فـضـلَ إلا وهــوَ فـيـه مـقـــدَّمٌ      فـتـأخـيـرُه فـي الـعـقـلِ أشـنـا الـغرائبِ

أمن كانَ مفضولاً كمنْ كان فاضلاً      سـواءٌ وذو عـيـبٍ كـخـالـي الـمـعـائـبِ

فيا شـنـعـة عـمـيـاء تـاهَ بـصـيـرُها      مـنـاقــبــه قــد عُـــودلـــت بــمـثــالــبِ

لـقـد نـهـجـت نـهجَ الضلالِ بـغيِّها      وقـد بـدّلـت أسـدَ الـوغـى بـالــثــعــالـبِ

متى كنت يا نفس الرسول مؤخّراً      عن الرتبة القصوى وعالي المناصبِ ؟

إذا كــنــتَ أيــامَ الـنـبـيِّ مــقـدَّمــاً      فـمـن بـعـده أولـى بــأعـلـى الـمراتبِ ؟ 

محمد طاهر الصفار

.................................................................

1 ـــ البابليات ج 2 ص 18

2 ــ في كتيب ألفه عنه

3 ــ البابليات ج 1 ص 194

4 ــ أعيان الشيعة ج 7 ص 298

5 ــ معجم المؤلفين ج 4 ص 263

6 ــ أدباء الأطباء

7 ــ معجم رجال الفكر والأدب ج 1 ص 439

8 ــ الشعر في الحلة ص 152

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً