52 ــ أحمد شوقي (1285 ــ 1351 هـ / 1868 ــ 1932 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-03-23

1156 زيارة

 

قال من أرجوزة (دول العرب وعظماء الإسلام) التي تبلغ (1726) بيتاً:

هذا الحسينُ دمُه بـ (كربلا)   ***   روّى الثرى لما جرى على ظما

واستشهدَ الأقمـارُ أهلُ بيـتِه   ***   يهوونَ في التربِ فــــرادى وثُنا

ابنُ زيــــــــــادٍ ويزيدٌ بغـيا   ***   واللهُ والأيامُ حــــــــربُ مَن بغى

لولا يزيد بــادئاً ما شرِبـتْ   ***   مروانُ بالكــــــأسِ التي بها سقى

وقال أيضاً من قصيدة (الهلال الأحمر) يصف فيها الاهتمام والرعاية التي أبدوها للناس، وفي هذه الأبيات يستذكر عطش الحسين (عليه السلام) في كربلاء:

لو خيَّما فـي (كربلا)   ***   لم يُمنع (السِّبْطُ) السقاية

أو أدركا يوم المسيح   ***   لعاونـاهُ علـــى النكــايـة

ولناولاهُ الشهـدَ، لا الـــــــــــخَلَّ الذي تصِفُ الــرواية

وقال من قصيدة له:

يُزجونَ نعشكَ في السناءِ وفي السنا  ***  فكأنّما في نعشِكَ القمرانِ

وكأنّه نعشُ الحسينِ بـ (كربلا)   ***    يختالُ بين بكىً وبين حنانِ

في ذِمَّةِ الله الكـــــريمِ وبِرِّهِ   ***   ما ضمَّ من عرفٍ ومن إحسانِ

وهذه الأبيات هي من ضمن قصيدة يرثي بها الزعيم المصري مصطفى كامل باشا (1291 هـ / 1874 م - 1326 هـ / 1908 م)، وهو سياسي وكاتب مصري، ومؤسس الحزب الوطني، وكان من الثائرين ضد الاستعمار الإنكليزي، ومن أشد المعارضين لسياسته والمندِّدين به وبجرائمه، والشاعر في أبياته يرمز إلى فداحة المصاب الذي ألم بمصر بفقدانه، فهو يشبه مصر بكربلاء التي هي جذوة الثوار والثائرين ومنبع التحدي ضد الظلم والطغيان.

ومن المفارقات أن كامل مات في شهر محرم فاستثمر الشاعر المصري أحمد محمد الأبياري (توفي 1353هـ / 1934 م) هذه المصادفة وشبه مصر بـ (كربلاء) أيضاً في رثاء كامل فقال:

شهرُ المحرَّمِ فيه المسلـــمونَ رُمُوا   ***   بحــــــادثٍ منه وجهُ الكونِ مُغبرُّ

فيه قد استشهدَ اثنـــــــــانٍ فواحدهم   ***   في (كربلاءَ) وثانٍ فيكِ يا مِصرُ

يا مصرُ قد ماتَ من كنتِ اتقيتِ به   ***   شرَّ الــعدى فنأى عن حيِّكِ الشرُّ

لتبقى كربلاء عنوان الحزن الأزلي ومحرم هو الشفق السرمدي الدامي والحسين (عليه السلام) هو المثل الأعلى والقدوة لكل ثائر ضد الظلم والاستعمار. وقد قدمنا موضوعاً عن هذا الشاعر وشعره في الحلقة (31) من هذه السلسلة.

الشاعر

أحمد علي أحمد شوقي المعروف بـ (أحمد شوقي) شاعر مصري، ولد في القاهرة ودرس فيها بالمدارس الحكومية وتابع دراسته في فرنسا على نفقة الخديوي توفيق، ثم عاد إلى القاهرة وعيِّن رئيساً للقلم الافرنجي في ديوان الخديوي عباس الذي أرسله لتمثيل مصر في مؤتمر المستشرقين بجنيف، سافر إلى إسبانيا بعد تنحية عباس ليعود بعد الحرب عضواً في مجلس الشيوخ حتى وفاته في القاهرة.

أما مؤلفاته فأهمها الشوقيات وهو ديوانه ويقع في جزأين ضمّ شتى أغراض الشعر، وله في النثر بعض الأعمال الروائية والمسرحيات الشعرية وقد تأثر كثيراً بالمتنبي ويظهر ذلك جلياً في شعره.

اتخذ شوقي الحسين المثل الأعلى لكل ثائر، فهو المُعبِّد لطريق (الحرية الحمراء) يقول شوقي:

في مهرجانِ الحقِّ أو يومِ الدمِ   ***   مهجُ من الشهـــــــداءِ لم تتكلمِ

يبدو على هاتــور نورُ دمائِها   *** كدمِ (الحسينِ) على هلالِ مُحرَّمِ

يومُ الجهادِ بها كــصدرِ نهارِه   ***   متمايلُ الأعطـــافِ مُبتسمُ الفمِ

طلعتْ تحجُّ البيـــتَ فيه كأنَّها   ***   زهرُ الملائكِ في سماءِ الموسمِ

ويقول في مسرحيته (مجنون ليلى) التي تتحدث عن زمن الدولة الأموية:

حنانيكَ قيــــــسُ إلى مَ الذهول   ***   أفقْ ساعةً من غواشي الخبَلْ

صهيلُ البغالِ وصوتُ الحــداءِ   ***   ورنَّة ركـــــــبٍ وراءَ الجبلْ

وحادٍ يسوقُ ركابَ (الحسيــن)   ***   يهزّ الجبالَ إذا مــــــا ارتجلْ

فقمْ قيسُ واضرعْ مع الضارعين ***   وأنزلْ بجنبِ الحسيـنِ الأملْ

ومن هذه المسرحية أيضاً:

فتىً ذِكرُهُ على مشــــــــرقِ الشمسِ والمغربِ

رضيعُ (الحُسينِ) وتِرْبُ (الحسينِ) من المكتبِ

رضيعُ الحسينِ فديتُ الرضيعيــــــــــــــــــنِ والمرضعَه

وأنتَ إذا ما ذكرنا (الحسينَ) تصاممتَ لا جاهلاً موضعهْ

ولكنْ أخافُ امرَأً أن يرى   ***   عليَّ التشيُّع أو يَسمَعَه

أحبُّ الحسينَ ولكنــــــــما   ***   لساني عليه وقلبي معَه

حَبَسْتُ لساني عن مـدحِـه   ***   حذارَ أميـــةَ أن تقطعَه

إذا الفتنة اضطرمتْ في البلاد  * ورُمتَ النجاةَ فكنْ إمَّعَهْ

ومنها أيضاً:

ما الذي نفّرَ عني الضبياتِ العامرية

ألأنّي أنا شيــــــــــــعيٌّ وليلى أموية

اختلاف الرأي لا يـفسدُ للــودِّ قضيّة

ومنها:

يا نجدُ خُذْ بـــالزمـــامْ ورحِّبِ

سرْ في رِكاب الغـــمامْ ليثربِ

هذا (الحُسَيْنُ) الإمامْ ابنُ النبي

النورُ في البيـدِ زادْ حتى غَمَرْ

أُحْدُ الحيا في الوهادْ أُحْدُ القمر

أُحْدُ جمَالَ البَواد زينَ الحضرْ

ابنَ النبي

ومنها:

قد بيَّن الحــادي فقـل أصـــمُّ أنتَ أم غبي؟

هذا منــارُ العربِ هذا (الحُسينُ) ابنُ النبي

هذا الزكيُّ ابنُ الزَّكِيِّ الطيِّــبُ ابنُ الطيبِ

عارَضَنا (الحسيـــــــنُ) في طريقِه ليثربِ

هذا سنا جبيــــــــــــنه مِلء الوهادِ والرُّبي

قد جلَّ حاديه جـــــــــلالَ القارئِ المطَرِّب

ويقول أيضا في هذه المسرحية: (كان الحسين بن علي كعبة القلوب والأبصار في جزيرة العرب بعد أن قتل أبوه علي ومات أخوه الحسن، وكذلك ظلّ الحسين قائماً في نفوس الناس هناك صورة مقدسة لبداوة الإسلام تستمد أنضر ألوانها من صلته القريبة بجده رسول الله وبنوّته لرجل كان أشدّ الناس زهداً واستصغاراً لدنياه، وكذلك ظهرت بلاد العرب وقلبها يخفق بإسم الحسين).

وقال من قصيدة أخرى وهو يشبه الدهر الخؤون الذي غدر بالإمام الحسين (عليه السلام):

وَمَن صابَرَ الدَهرَ صَبري لَهُ   ***   شَكا في الثَلاثينَ شَكوى لَبيد

ظَمِئتُ وَمِثلي بَــــــرِيٍّ أَحَقُّ   ***   كَـأَنّـــي حُسَينٌ وَدَهري يَزيد

تَغابَيتُ حَتّى صَحِبتُ الجَهـــــــولَ وَدارَيتُ حَـتّى صَبِحتُ الحَسود

وقال في دعوى الثأر لعثمان الزائفة التي اتخذها بنو أمية وسيلة لحرب أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد أجج معاوية هذه الفتنة وجرت بسببها دماء آلاف المسلمين ومنهم الصحابة:

ثأرُ عثمانَ لمــــــــروان مَجازْ   ***   ودمُ السبطِ أثارَ الأقـــربونْ

حسنوا للشام ثأراً والحجــــــازْ   ***   فتعالى الناسُ فيما يطــلبونْ

مكرُ سواسٍ على الدهماءِ جازْ   ***   ورعاةٌ بالرعــــــايا يلعـبونْ

جعلوا الحقَّ لبغيٍّ ســــــــــلّما   ***   فهو كالستـــــرِ لهم والتـرسِ

وقديماً باسمِـــــــــــه قد ظـلما   ***   كلُّ ذي مئذنةٍ أو جـــــــرسِ

جُزيتْ مروانُ عن آبـــــــائِها   ***   ما أراقوا من دمـــاءٍ ودموعْ

ومن النفسِ ومــــــن أهوائِـها   ***   ما يؤدِّيه عن الأصلِ الفروعْ

خلتِ الأعوادُ من أسمــــــائِها   ***   وتغطّتْ بالمـصاليبِ الجذوعْ

ظلمتْ حتى أصابتْ أظلــــما   ***   حاصدَ السيفِ وبيءَ المحبسِ

وقال من قصيدة مطوّلة بشأن حرب الجمل ونكث القوم بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) وإثارتهم الفتنة والمسير لحربه:

يا جبلاً تأبى الجبالُ ما حَمَلْ   ***   ماذا رَمتْ عليكَ ربَّةُ الجَملْ

أثأْرُ عثمانَ الذي شجَــــــاها   ***   أَمْ غُصَّـــةٌ لم يُنتَزَعْ شَجاها

قَضيَّةٌ من دمِهِ تَبْنيـــــــــــها   ***   هبَّتْ لها واسْــــتَنْفَرتْ بَنِيها

ذلكَ فَتْقٌ لمْ يَكنْ بالْبــــــــال   ***   كَيْدُ النِّساءِ مُوهِــــــنُ الجِبالِ

وكيف يرضى النبي بقتال أمير المؤمنين وقد قال: يا علي حربك حربي ؟

صاحِبةُ الهادي وصـــاحباهُ   ***   فكيفَ يَمْضـــــــونَ لِما يأْباهُ

لقد صدعت هذه الدعوى الباطلة صف المسلمين وفرقتهم وجعلتهم يقاتلون بعضهم البعض والتف أصحاب الفتنة حول الجمل:

جاءَتْ إلى العِراقِ بالبنــــينا   ***   قاضِينَ حقَّ الأُمِّ مُحْسنينا

فانْصَدَعتْ طائِفَتَينِ البَصْرهْ   ***   فَريقُ خَذْلٍ وفريقُ نُصْرهْ

أَوْ ذادَةُ البَيْـــــــــعةِ والذِّمامِ   ***   وقادةُ الفِتْنــــــــةِ والزِّمامِ

وانْتَهَكَ الحــــيُّ دِماءَ الحيِّ   ***   منْ أجْلِ مَيْتٍ غَابرٍ وحَيِّ

وجاء أمير المؤمنين لرأب هذا الصدع ووأد الفتنة ولكن القوم قد حكموا السيوف والأسنة:

وجاءَ في الأُسْدِ أبو تَرابِ   ***   على مُتونِ الضُّمَّرِ العِرابِ

يَرجُو لصَدْع المؤمِنينَ رأْبا   ***   وأُمُّهُمُ تَدفَـــــــــعُهُ وتَأْبى

وعجِزَ الرَّأْيُ وأَعْيا الحِلْمُ   ***   وخُطِبتْ بالمُرْهَفـاتِ السِّلْمُ

منْ كلِّ يومٍ سَـــافِكِ الدِّماءِ   ***   تَعوذُ منْهُ الأرضُ بالسَّماءِ

تجُرُّ ذاتُ الطُّهْرِ فيه عسْكَرا  *وتَذْمُرُ الخيلَ وتُغري العَسْكرا

ظلَّ الخِطامُ منْ يَدٍ إلى يدِ   ***   كالتَاجِ للأصْيَدِ بعد الأصْيَدِ

مُسْتَلَماً تُوهي الغُيوثُ دونَهُ   ***   وَبِالدِّمـــــاءِ أنْهُرا يَفْدونَهُ

حتّى أرادَ اللهُ إمْساكَ الدَّمِ   ***   في كَرَمٍ لِسَيْفِــــــــهِ المُقَدَّمِ

وظَفَرَتْ أَلْوِيةُ الإِمــــــامِ   ***   وأَلْقَتِ البَصْــــــرَةُ بالزِّمامِ

فرُدَّتِ الأُمُّ إلى مَــــقرِّها   ***   مُبالَغاً في نَقْلِـــــــها وبِرِّها

وفي صفين التي انتهت بمكيدة رفع المصاحف يتأسف شوقي أن أصحاب الإمام لم يصبروا (سويعة) وهم على وشك إنهاء أمر معاوية ولجأوا إلى التحكيم رغم تحذيره (ع) لهم وإخبارهم بالمكيدة:

يَا يومَ صِفِّينَ بمن قَضَاكا   ***   هلْ أَنْصَفَ الجَمْعانِ إذْ خَاضَاكا؟

فيكَ انْتهى بِالفِتْنةِ التَّراقي   ***   واصْطَدمَ الشّـــــــــــــآمُ بِالعِراقِ

ونَفَدَتْ بقِيَّةٌ مِنْ صَـــحْبِ   ***   تلقَّتِ الطَّعْــــــــــنَ بصَدْرِ رَحْبِ

بَنو الظُّبَى، أُبُوَّةُ الأَسِـــنَّهْ   ***   آلُ الكِتــــــــــــــابِ أَولِياءُ السُّنَّهْ

لقدْ وفَى بـــــدْرٌ لهمْ أَهِلَّهْ   ***   وخُنْتَهُمْ مَشيــــــــــــــــــخَةً أَجِلّهْ

لوْ في بِناءِ المَجْدِ ذلكَ الدَّمُ   ***   بلْ عَمَدوا لِمــــــــا بَنَوْا فهدَّمُوا

فيا مَجالاً قَصَـــــرَ الأعِنّهْ   ***   ومدَّ في اشْتجـــــــــارِها الأَسنَّهْ

ترجْرَجَـتْ بالفِئَتَيْنِ أرضُهُ   ***   وضَــــاقَ عنْهُمْ طولُهُ وعَرضُهُ

وَوَقَعَ الأَنْجادُ بالأنجــــــادِ   ***   وخرَّ عَمَّــــــــــــــارٌ مِنَ النِّجادِ

ما كان ضرَّ نُصَراءُ البَيْعَهْ   ***   لوْ صَبَروا على الوَغى سُوَيْعهْ

بَيْنا بُنودُهُمْ هيَ العَــــوالي   ***   والنَّصْرُ حولَ البِيضِ والعَوَالِي

غادرَهُمْ بسحرِهِ مُعـــاويهْ    ***   كأَنَّهم أَعجَـــــــــازُ نَخْلٍ خَاوِيهْ

أَلْقى الْقَنا وشرَّعَ المَصَاحِفا   ***   يَنْشُدُ باللهِ الخَميــــــسَ الزَّاحِفَا

فلا تسَلْ عنْ فَشَلِ العَــزائِمِ   ***   ولمْ يزَلْ طليعــــــــــةَ الهَزَائِمِ

انْقَطَعَ النَّظْمُ والانقيــــــــادُ   ***   وحكَمَتْ في الشُّكُــــــــمِ الجِيادُ

ورأْيُهُ في الأشْعريِّ أعجَبُ    ***   للهِ فيهِ قَدَرٌ مُحــــــــــــــجَّبُ

أينَ أَبو موسَى وأَيْنَ عَمْـرُو   ***   لا يَسْتَوي مُـــــــجرَّبٌ وغَمْرُ

أَمَنْ دَهَى قيْصَرَ والمُقَوْقَـسا   ***   كمنْ على مُصْــــحَفِه تقوَّسا؟

قامَ فَردَّ الرجُـــــــلَيْنِ ونَزَلْ   ***   وقامَ عمْــــــــروٌ فأقرَّ وعزَلْ

أبى عليَّاً وارْتضى مُعــاويهْ   ***  ونقَضَ المِنبَـــــرُ عَقْدَ الزَّاويه.

وفي الخوارج الذين بغوا على أمير المؤمنين وقاتلوه حتى قتله لعين منهم غيلة وهو في الصلاة يقول شوقي:

يَا زَيْدَ كلِّ مُســــرَجٍ ومُلجَمِ   ***   كيْفَ عَـلا غُرَّتَكَ ابْنُ مُلْجَمِ؟!

أصابَ قَرْناً لا تُرامُ شمسُهُ   ***   أعْيا على الأقرانِ دَهْراً لَمسُهُ

يا شُؤْمَ سَيْفٍ قطَعَ الصَّـلاةَ   ***   واغْترَّ ليْثَ الغــابةِ المِصْلاتا

أَلرَّأْيُ للأُمَّةِ فــــــي الوُلاةِ   ***  وليسَ للغِضـــــــــــابِ والغُلاةِ

وقَتْلُكَ الإنســانَ غِيلةً شَنِعْ   ***   الجُبْنُ أنْ تَقْتُلَ مَــــنْ لا يَمْتَنِعْ

النَّفسُ للهِ ولِلنِّظـــــــــــــامِ   ***   والدَّمُ إحْدَى الحُــــــرَمِ العِظَامِ

فَكَيْفَ بالبَغْيِ عــــلى عَليِّ   ***   الرّاَشدِ المُقَرَّبِ الــــــــــوَليِّ؟.

ويشبه شوقي أعداء أمير المؤمنين (عليه السلام) الذين (اختلسوا) حقه، بأعداء الأنبياء الكفرة الذين عبدوا العجل وكفروا بموسى (عليه السلام)، وأعداء عيسى الذين طعنوا فيه وفي أمه الطاهرة (عليهما السلام)، وأعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذين كذّبوه وأخرجوه من أرضه:

ما لكَ والنَّـــــاسَ أبا تَـــرابِ!   ***   ليسَ الذِّئابُ لــــكَ بِالأترابِ

هُمْ طَرَّدوا الكَليمَ كلَّ مَـــطْرَدِ   ***   وأتعَبوا عَـــــــــصاهُ بالتَّمرُّدِ

وزُيِّنَ العِجْلُ لَهُمْ لمَّــــا ذَهَبْ   ***   وافْتُتِنوا بالسَّامِــريِّ والذَّهَبْ

وَبِابْنِ مَرْيمٍ وَشَــــــوْا ونمُّـوا   ***   واحْتَشَدوا لِصَــــــلْبِهِ وهمّوا

وأخرجوا مُحَمَّداً منْ أَرْضِـهِ   ***   وسرَحتْ أَلْسُنُهُمْ في عِرْضِهِ

وهبَّ منهُمُ مَنْ لِحَقِّكَ اخْتَلَسْ   ***   وفَجَعُوكَ بالصَّلاة في الغَلسْ

وهم أنفسهم الذين توارثوا الحقد فقتلوا الحسين في كربلاء:

وأَشرَقوا الحُسَيْــــنَ بالدِّماءِ   ***   ملوَّحاً بيـــــــنَ عُيونِ الماءِ

فَاسمُ سُمُوَّ الزّاهدِ الحَواري   ***   في دَرَجاتِ القُرْبِ والجِوارِ

وإن كانوا قد اغتصبوا ملك أمير المؤمنين وأزالوه عن حقه، فإن ملكهم قد زال، ولكن ملكه في السماء والقلوب لن يزول:

إنْ زال مُلْكُ الأَرْضِ عنْكَ مِنْ مَلِكْ   ***   يا طُولَ مُلْكٍ في السَّماءِ تَمَّ لكْ

ولشوقي أربع قصائد في مدح النبي (صلى الله عليه وآله) أشهرها نهج البردة التي عارض فيها همزية البوصيري:

كَيْفَ تَرْقَى رُقِيَّكَ الأَنْبِيَاءُ   ***   يَا سَمَاءً مَا طَاوَلَتْهَا سمَاءُ

ورغم أن قصيدة البوصيري على وزن الخفيف إلا أن شوقي جعل قصيدته على وزن الكامل يقول شوقي فيها:

وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ   ***   وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَنـاءُ

الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ   ***   حَولَهُ لِلـدينِ وَالـدُنــيـا بِهِ بُشَـراءُ

وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي ** وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصـماءُ

وَحَـديـقَـةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا   ***   بِـالـتُـرجُمــانِ شَـذِيَّةٌ غَنّاءُ

وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلاً مِن سَلسَلٍ  ***  وَاللَوحُ وَالقَلَمُ البَديــعُ رُواءُ

نُظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ * في اللَوحِ وَاِسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ

اِسمُ الـجَـلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ  ***   أَلِـفٌ هُـنـالِـكَ وَاِسمُ طَهَ الباءُ

يا خَيرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً  * مِن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا

بَـيـتُ الـنَـبِـيّينَ الَّذي لا يَلتَقي   ***   إِلّا الـحَـنـائِـفُ فـيهِ وَالحُنَفاءُ

خَيرُ الأُبُوَّةِ حازَهُـم لَكَ آدَمٌ   ***   دونَ الأَنــامِ وَأَحــرَزَت حَـوّاءُ

هُـم أَدرَكوا عِـزَّ النُبُوَّةِ وَاِنتَهَت  ***   فـيــها إِلَـيـكَ الـعِزَّةُ القَعساءُ

خُـلِـقَـت لِبَيتِكَ وَهوَ مَخلوقٌ لَها  ***   إِنَّ العَـظائِـمَ كُفؤُها العُظَماءُ

بِـكَ بَـشَّـرَ الـلَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت   ***  وَتَضَوَّعَت مِسكاً بِكَ الغَبراءُ

وَبَـدا مُـحَـيّــاكَ الَّــذي قَسَماتُهُ   ***   حَـقٌّ وَغُرَّتُـهُ هُـدىً وَحَـيـاءُ

وَعَـلَيهِ مِن نــورِ النُبُوَّةِ رَونَقٌ   ***   وَمِنَ الخَــلـيلِ وَهَديِهِ سيماءُ

أَثنى المَسيحُ عَلَيهِ خَلفَ سَمائِهِ   ***   وَتَهَلَّلَـت وَاِهـتَـزَّتِ العَذراءُ

يَـومٌ يَتيهُ عَلى الزَمانِ صَباحُهُ   ***   وَمَـسـاؤُهُ بِـمُـــحَـمَّـدٍ وَضّاءُ

الحَقُّ عــالي الرُكنِ فيهِ مُظَفَّرٌ   ***   في المُلكِ لا يَعلو عَلَيهِ لِواءُ

ذُعِرَت عُروشُ الظالِمينَ فَزُلزِلَت **  وَعَلَت عَلى تيـجانِهِم أَصداءُ

وَالنارُ خاوِيَةُ الجَوانِبِ حَولَهُم   ***   خَمَدَت ذَوائِبُها وَغاضَ الماءُ

وَالآيُ تَـتـرى وَالـخَـوارِقُ جَمَّةٌ  ***   جِــبـريـلُ رَوّاحٌ بِـهـا غَـدّاءُ

نِعـمَ الـيَـتيمُ بَدَت مَخايِلُ فَضلِهِ   ***   وَاليُتـمُ رِزقٌ بَـعـضُهُ وَذَكاءُ

فـي الـمَهدِ يُستَسقى الحَيا بِرَجائِهِ  **  وَبِـقَـصــدِهِ تُـسـتَـدفَعُ البَأساءُ

بِسِوى الأَمانَةِ في الصِبا وَالصِدقِ لَم * يَعرِفهُ أَهلُ الصِدقِ وَالأُمَناءُ

يـا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا   ***   مِنها وَما يَـتَعَشَّقُ الكُبَراءُ

لَـو لَـم تُـقِـم ديناً لَقامَت وَحدَها   ***   ديـنـاً تُـضـيءُ بِـنـورِهِ الآناءُ

زانَتكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ   ***   يُغرى بِهِـنَّ وَيـولَعُ الكُرَماءُ

أَمّا الجَمالُ فَأَنتَ شَمسُ سَمائِهِ  ***   وَمَـلاحَـةُ الـصِـدّيـقِ مِنكَ أَياءُ

وَالحُسنُ مِن كَرَمِ الوُجوهِ وَخَيرُهُ  ***   ما أوتِيَ الـقُـوّادُ وَالـزُعَماءُ

فَإِذا سَخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى  ***   وَفَـعَلتَ ما لا تَـفعَلُ الأَنواءُ

وَإِذا عَفَـوتَ فَـقــادِراً وَمُـقَدَّراً   ***   لا يَـسـتَهـيـنُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ

وَإِذا رَحِـمـتَ فَأَنـتَ أُمٌّ أَو أَبٌ   ***   هَـذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ

وَإِذا غَضِبـتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ  *** في الحَقِّ لا ضِـغنٌ وَلا بَغضاءُ

وَإِذا رَضيتَ فَذاكَ في مَرضاتِهِ   ***   وَرِضى الكَثيرِ تَـحَلُّمٌ وَرِياءُ

وَإِذا خَـطَـبـتَ فَـلِـــلمَنابِرِ هِزَّةٌ   ***   تَـعـرو الـنَـدِيَّ وَلِـلقُلوبِ بُكاءُ

وَإِذا قَضَيـتَ فَـلا اِرتِيابَ كَأَنَّما   ** جاءَ الخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ

وَإِذا حَمَيتَ الماءَ لَم يورَد وَلَو   ***   أَنَّ الـقَـياصِـرَ وَالمُلوكَ ظِماءُ

وَإِذا أَجَرتَ فَـأَنتَ بَـيتُ اللَهِ لَم   ***   يَدخُـل عَـلَـيهِ المُستَجيرَ عَداءُ

وَإِذا مَـلَكتَ النَفسَ قُمتَ بِبِرِّها   ***   وَلَوَ اَنَّ ما مَـلَكَت يَداكَ الشاءُ

وَإِذا بَنَيتَ فَـخَيرُ زَوجٍ عِشرَةً   ***   وَإِذا اِبـتَـنَــيـتَ فَـدونَـكَ الآباءُ

وَإِذا صَحِبتَ رَأى الوَفاءَ مُجَسَّماً ** فـي بُردِكَ الأَصحابُ وَالخُلَطاءُ

وَإِذا أَخَذتَ العَـهـدَ أَو أَعطَيتَهُ   ***   فَـجَـمـــيـعُ عَـهدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفاءُ

وَإِذا مَـشَيتَ إِلى العِدا فَغَضَنفَرٌ   ***   وَإِذا جَـرَيـتَ فَـإِنَّـكَ الـنَـكباءُ

وَتَـمُـدُّ حِلمَــــكَ لِلسَفيهِ مُدارِياً   ***   حَتّى يَضيقَ بِعَرضِكَ السُفَهاءُ

فـي كُـلِّ نَـفسٍ مِن سُطاكَ مَهابَةٌ   ***   وَلِكُلِّ نَفـسٍ في نَداكَ رَجاءُ

أما الثانية فيقول منها:

إِن جَلَّ ذَنبي عَنِ الغُفرانِ لي أَمَلٌ *** في اللَهِ يَجعَلُني في خَيرِ مُعتَصِمِ

أَلقي رَجائي إِذا عَزَّ المُجيرُ عَلى *** مُفَرِّجِ الكَرَبِ في الدارَينِ وَالغَمَمِ

إِذا خَفَضتُ جَنــــاحَ الذُلِّ أَسأَلُهُ   ***   عِزَّ الشَفاعَةِ لَم أَسأَل سِوى أُمَمِ

وَإِن تَقَدَّمَ ذو تَقـــــوى بِصالِحَةٍ   ***   قَدَّمـــــــتُ بَينَ يَدَيهِ عَبرَةَ النَدَمِ

لَزِمتُ بــابَ أَميرِ الأَنبِياءِ وَمَن   ***   يُمسِك بِمِفتـــــاحِ بابِ اللهِ يَغتَنِمِ

فَكُلُّ فَضلٍ وَإِحســــانٍ وَعارِفَةٍ   ***   ما بَينَ مُستَلِـــــــــمٍ مِنهُ وَمُلتَزِمِ

عَلَّقتُ مِن مَدحِهِ حَبــلاً أُعَزُّ بِهِ   ***   في يَومِ لا عِزَّ بِالأَنسابِ وَاللُّحَمِ

يُزري قَريضي زُهَيراً حينَ أَمدَحُهُ *** وَلا يُقاسُ إِلى جـودي لَدى هَرِمِ

مُحَمَّدٌ صَفوَةُ البــاري وَرَحمَتُهُ   ***   وَبُغيَةُ اللهِ مِـــــن خَلقٍ وَمِن نَسَمِ

وَصاحِبُ الحَوضِ يَومَ الرُسلِ سائِلَةٌ * مَتى الوُرودُ وَجِبريلُ الأَمينُ ظَمي

سَناؤُهُ وَسَناهُ الشَمسُ طــــالِعَةً   ***   فَالجِرمُ في فَلَكٍ وَالضَوءُ في عَلَمِ

قَد أَخطَأَ النَجمَ ما نالَت أُبُـــوَّتُهُ   ***   مِن سُؤدُدٍ بـــاذِخٍ في مَظهَرٍ سَنِمِ

نُموا إِلَيهِ فَزادوا في الوَرى شَرَفًا *** وَرُبَّ أَصلٍ لِفَرعٍ في الفَخارِ نُمي

حَواهُ في سُبُحـاتِ الطُهرِ قَبلَهُمُ   ***   نورانِ قاما مَقامَ الصُلبِ وَالرَحِمِ

لَمّا رَآهُ بَحيـــــــــراً قالَ نَعرِفُهُ   ***   بِما حَفِظنا مِـــنَ الأَسماءِ وَالسِيَمِ

سائِل حِراءَ وَروحَ القُدسِ هَل عَلِما *** مَصونَ سِرٍّ عَنِ الإِدراكِ مُنكَتِمِ

كَم جَيئَةٍ وَذَهــابٍ شُرِّفَتْ بِهِما   ***   بَطحاءُ مَكَّةَ في الإِصباحِ وَالغَسَمِ

وَوَحشَةٍ لِاِبنِ عَبدِ اللَهِ بينَهُما   ***  أَشهى مِنَ الأُنسِ بِالأَحسابِ وَالحَشَمِ

يُسامِرُ الوَحيَ فيها قَبلَ مَهبِطِهِ   ***   وَمَن يُبَشِّــــرْ بِسيـمى الخَيرِ يَتَّسِمِ

لَمّا دَعا الصَحبُ يَستَسقونَ مِن ظَمَإٍ ***   فاضَت يَداهُ مِنَ التَسنيمِ بِالسَنَمِ

وَظَلَّلَتهُ فَصـــــارَت تَستَظِلُّ بِهِ   ***   غَمـــــــــــامَةٌ جَذَبَتها خيرَةُ الدِيَمِ

مَحَبَّةٌ لِرَســــــــولِ اللَهِ أُشرِبَها   ***   قَعائِدُ الدَيرِ وَالرُهبــــانُ في القِمَمِ

إِنَّ الشَمــائِلَ إِن رَقَّت يَكادُ بِها   ***  يُغرى الجَمادُ وَيُغرى كُلُّ ذي نَسَمِ

وَنودِيَ اِقرَأ تَعـــالى اللهُ قائِلُها   ***   لَم تَتَّصِــــــل قَبلَ مَن قيلَت لَهُ بِفَمِ

هُناكَ أَذَّنَ لِلرَحَمَــــنِ فَاِمتَلأَتْ   ***   أَسمـــــــاعُ مَـكَّةَ مِن قُدسِيَّةِ النَغَمِ

فَلا تَسَل عَن قُرَيشٍ كَيفَ حَيرَتُها   ***  وَكَيفَ نُفرَتُها في السَهلِ وَالعَلَمِ

تَساءَلوا عَن عَظيـــمٍ قَد أَلَمَّ بِهِمْ   ***  رَمى المَشــــــايِخَ وَالوِلدانِ بِاللَمَمِ

يا جاهِلينَ عَلى الهادي وَدَعوَتِهِ   ***  هَل تَجهَلونَ مَكـانَ الصادِقِ العَلَمِ

لَقَّبتُموهُ أَميـــنَ القَومِ في صِغَرٍ   ***  وَما الأَميـــــــــنُ عَلى قَولٍ بِمُتَّهَمِ

فاقَ البُدورَ وَفاقَ الأَنبِياءَ فَكَمْ  ***  بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسنٍ وَمِن عِظَمِ

جاءَ النبِيّونَ بِالآياتِ فَاِنصَرَمَتْ  ***   وَجِئتَنا بِحَكيــــــــمٍ غَيرِ مُنصَرِمِ

آياتُهُ كُلَّما طـــــالَ المَدى جُدُدٌ   ***  يَزينُهُنَّ جَـــــــــــلالُ العِتقِ وَالقِدَمِ

يَكادُ في لَفظَــــــةٍ مِنهُ مُشَرَّفَةٍ   ***  يوصيكَ بِالــحَقِّ وَالتَقوى وَبِالرَحِمِ

يا أَفصَحَ الناطِقينَ الضادَ قاطِبَةً   ***  حَديثُكَ الشَــــهدُ عِندَ الذائِقِ الفَهِمِ

حَلَّيتَ مِن عَطَـــلٍ جِيدَ البَيانِ بِهِ  ***  في كُلِّ مُنتَثِـــــرٍ في حُسنِ مُنتَظِمِ

بِكُلِّ قَولٍ كَــــــــريمٍ أَنتَ قائِلُهُ   ***   تُحيِي القُلـــوبَ وَتُحيِ مَيِّتَ الهِمَمِ

سَرَت بَشائِرُ باِلهادي وَمَولِدِهِ  في الشَرقِ وَالغَربِ مَسرى النورِ في الظُلَمِ

تَخَطَّفَتْ مُهَجَ الطاغينَ مِن عَرَبٍ  ***   وَطَيَّرَت أَنفُسَ الباغينَ مِن عُجُمِ

ريعَت لَها شَرَفُ الإيوانِ فَاِنصَدَعَتْ مِن صَدمَةِ الحَقِّ لا مِن صَدمَةِ القُدُمِ

أَتَيتَ وَالناسُ فَوضى لا تَمُرُّ بِهِمْ   ***   إِلا عَلى صَــنَمٍ قَد هامَ في صَنَمِ

وَالأَرضُ مَملوءَةٌ جَوراً مُسَخَّرَةٌ   ***   لِكُلِّ طـــــاغِيَةٍ في الخَلقِ مُحتَكِمِ

مُسَيطِرُ الفُرسِ يَبغي في رَعِيَّتِهِ   ***   وَقَيصَرُ الـرومِ مِن كِبرٍ أَصَمُّ عَمِ

يُعَذِّبانِ عِبـــــــــــادَ اللَهِ في شُبَهٍ   ***   وَيَذبَحـــــــانِ كَما ضَحَّيتَ بِالغَنَمِ

وَالخَلقُ يَفتِكُ أَقــواهُمْ بِأَضعَفِهِمْ   ***   كَاللَيثِ بِـــالبَهْمِ أَو كَالحوتِ بِالبَلَمِ

أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلاً إِذ مَلائِكُهُ ***  وَالرُسلُ في المَسجِدِ الأَقصـى عَلى قَدَمِ

لَمّا خَطَرتَ بِهِ اِلتَفّـــوا بِسَيِّدِهِمْ   ***   كَالشُهـــبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَمِ

صَلّى وَراءَكَ مِنهُمْ كُلُّ ذي خَطَرٍ  ***   وَمَن يَفُز بِحَبيـــــــــبِ اللهِ يَأتَمِمِ

جُبتَ السَماواتِ أَو ما فَوقَهُنَّ بِهِمْ   ***   عَلى مُنَوَّرَةٍ دُرِّيَّـــــــــــةِ اللُجُمِ

رَكوبَةً لَكَ مِن عِزٍّ وَمِن شَرَفٍ  ***   لا في الجِيادِ وَلا في الأَينُقِ الرُسُمِ

مَشيئَةُ الخـــالِقِ الباري وَصَنعَتُهُ   ***   وَقُدرَةُ اللهِ فَـــــوقَ الشَكِّ وَالتُهَمِ

حَتّى بَلَغتَ سَمــــاءً لا يُطارُ لَها   ***   عَلى جَنـاحٍ وَلا يُسعى عَلى قَدَمِ

وَقيلَ كُلُّ نَبِـــــــــــيٍّ عِندَ رُتبَتِهِ   ***   وَيا مُحَمَّدُ هَـــــذا العَرشُ فَاستَلِمِ

خَطَطتَ لِلدينِ وَالدُنيـا عُلومَهُما   ***   يا قـارِئَ اللَوحِ بَل يا لامِسَ القَلَمِ

أَحَطتَ بَينَهُما بِالسِـرِّ وَانكَشَفَت   ***   لَكَ الخَـــزائِنُ مِن عِلمٍ وَمِن حِكَمِ

وَضاعَفَ القُربُ ما قُلِّدتَ مِن مِنَنٍ   ***   بِلا عِــدادٍ وَما طُوِّقتَ مِن نِعَمِ

سَل عُصبَةَ الشِركِ حَولَ الغارِ سائِمَةً  ***  لَولا مُطارَدَةُ المُختارِ لَم تُسَمَ

هَل أَبصَروا الأَثَرَ الوَضّاءَ أَم سَمِعوا *** هَمسَ التَسابيحِ وَالقُرآنِ مِن أُمَمِ

وَهَل تَمَثَّلَ نَسجُ العَنكَبوتِ لَهُمْ   ***  كَالغابِ وَالحائِماتُ الزُغْبُ كَالرُخَمِ

فَأَدبَروا وَوُجوهُ الأَرضِ تَلعَنُهُمْ   ***   كَباطِــــلٍ مِن جَلالِ الحَقِّ مُنهَزِمِ

لَولا يَدُ اللهِ بِالجــارَينِ ما سَلِما   ***   وَعَينُهُ حَـــــولَ رُكنِ الدينِ لَم يَـقُمِ

تَوارَيا بِجَنـــــــاحِ اللهِ وَاستَتَرا   ***   وَمَن يَضُــــــــمُّ جَناحُ اللهِ لا يُضَمِ

يا أَحمَدَ الخَيرِ لي جاهٌ بِتَسمِيَتي   ***   وَكَيفَ لا يَتَسامى بِالرَسولِ سَمي

المادِحونَ وَأَربابُ الهَـــوى تَبَعٌ   ***   لِصاحِبِ البُردَةِ الفَيحاءِ ذي القَدَمِ

مَديحُهُ فيكَ حُبٌّ خالِصٌ وَهَوًى   ***   وَصادِقُ الحُبِّ يُملي صادِقَ الكَلَمِ

اللهُ يَشهَدُ أَنّي لا أُعارِضُهُ   ***   من ذا يُعارِضُ صَوبَ العارِضِ العَرِمِ

وَإِنَّما أَنا بَعضُ الغابِطينَ وَمَنْ   ***   يَغبِط وَلِيَّكَ لا يُـــــــــــذمَم وَلا يُلَمِ

هَذا مَقــامٌ مِنَ الرَحمَنِ مُقتَبَسٌ   ***   تَرمي مَهــــــــــابَتُهُ سَحبانَ بِالبَكَمِ

البَدرُ دونَكَ في حُسنٍ وَفي شَرَفٍ ***   وَالبَحرُ دونَكَ في خَيرٍ وَفي كَرَمِ

شُمُّ الجِبالِ إِذا طاوَلتَها انخَفَضَتْ   ***   وَالأَنجُمُ الزُهرُ ما واسَمتَها تَسِمِ

وَاللَيثُ دونَكَ بَأســاً عِندَ وَثبَتِهِ   ***   إِذا مَشَيتَ إِلى شاكي السِلاحِ كَمي

تَهفو إِلَيكَ وَإِن أَدمَــــيتَ حَبَّتَها   ***   في الحَــربِ أَفئِدَةُ الأَبطالِ وَالبُهَمِ

مَحَبَّةُ اللَهِ أَلقاها وَهَيــــــــــــبَتُهُ   ***   عَلى اِبــــنِ آمِنَةٍ في كُلِّ مُصطَدَمِ

كَأَنَّ وَجهَكَ تَحتَ النَقعِ بَدرُ دُجًى   ***   يُضيءُ مُلتَثِمـــــاً أَو غَيرَ مُلتَثِمِ

بَدرٌ تَطَلَّعَ في بَــــــــــــدرٍ فَغُرَّتُهُ   ***   كَغُرَّةِ النَصـرِ تَجلو داجِيَ الظُلَمِ

ذُكِرتَ بِاليُتمِ في القُــرآنِ تَكرِمَةً   ***   وَقيمَةُ اللُؤلُـؤِ المَــكنونِ في اليُتُمِ

اللهُ قَسَّمَ بَينَ النــــــاسِ رِزقَهُمُ   ***   وَأَنتَ خُيِّـرتَ في الأَرزاقِ وَالقِسَمِ

إِن قُلتَ في الأَمرِ (لا) أَو قُلتَ فيهِ (نَعَم) فَخيرَةُ اللهِ في (لا) مِنكَ أَو (نَعَمِ)

أَخوكَ عيــسى دَعا مَيتًا فَقامَ لَهُ   ***   وَأَنتَ أَحيَيـــــتَ أَجيالاً مِنَ الزَّمَمِ

وَالجَهلُ مَوتٌ فَإِن أوتيتَ مُعجِزَةً * فَابعَث مِنَ الجَهلِ أَو فَابعَث مِنَ الرَجَمِ

قالوا غَزَوتَ وَرُسلُ اللَهِ ما بُعِثوا   ***   لِقَتلِ نَفسٍ وَلا جـــاؤوا لِسَفكِ دَمِ

جَهلٌ وَتَضليلُ أَحــــلامٍ وَسَفسَطَةٌ   ***   فَتَحــتَ بِالسَيفِ بَعدَ الفَتحِ بِالقَلَمِ

لَمّا أَتى لَكَ عَفوًا كُلُّ ذي حَسَــبٍ   ***   تَكَفَّلَ السَيـــــفُ بِالجُهّالِ وَالعَمَمِ

وَالشَرُّ إِن تَلقَهُ بِالخَيــرِ ضِقتَ بِهِ   ***   ذَرعًا وَإِن تَلقَـــــهُ بِالشَرِّ يَنحَسِمِ

سَلِ المَسيحِيَّةَ الغَرّاءَ كَم شَرِبَتْ   ***   بِالصابِ مِن شَهَواتِ الظالِمِ الغَلِمِ

طَريدَةُ الشِركِ يُؤذيها وَيـوسِعُها   ***   في كُلِّ حيــــنٍ قِتالاً ساطِعَ الحَدَمِ

لَولا حُماةٌ لَهـــا هَبّوا لِنُصرَتِها   ***   بِالسَيفِ ما انتَفَعَت بِالرِفقِ وَالرُحَمِ

لَولا مَكانٌ لِعيـسى عِنـــــدَ مُرسِلِهِ   ***   وَحُرمَةٌ وَجَبَت لِلروحِ في القِدَمِ

لَسُمِّرَ البَدَنُ الطُهْرُ الشَـريفُ عَلى   ***   لَوحَينِ لَم يَخشَ مُؤذيهِ وَلَم يَجِمِ

جَلَّ المَسيحُ وَذاقَ الصَلبَ شـــانِئُهُ   ***   إِنَّ العِقابَ بِقَدرِ الذَنبِ وَالجُرُمِ

أَخو النَبِيِّ وَروحُ اللهِ في نُـزُلٍ   ***   فَوقَ السَمـاءِ وَدونَ العَرشِ مُحتَرَمِ

عَلَّمتَهُمْ كُلَّ شَيءٍ يَجــــــــــهَلونَ بِهِ   ***   حَتّى القِتالَ وَما فيهِ مِنَ الذِّمَمِ

دَعَوتَهُمْ لِجِهادٍ فيهِ سُـــــــؤدُدُهُمْ   ***   وَالحَربُ أُسُّ نِظامِ الكَونِ وَالأُمَمِ

ويقول في نهايتها:

يا رَبِّ صَلِّ وَسَلِّم ما أَرَدتَ عَلى   ***   نَزيلِ عَرشِكَ خَيرِ الرُسـلِ كُلِّهِمِ

مُحيِ اللَيـــــالي صَلاةً لا يُقَطِّعُها   ***   إِلا بِدَمعٍ مِنَ الإِشفــــاقِ مُنسَجِمِ

مُسَبِّحًا لَكَ جُنحَ اللَيلِ مُحتَمِلاً   ***   ضُرًّا مِنَ السُهدِ أَو ضُرًّا مِنَ الوَرَمِ

رَضِيَّةٌ نَفسُهُ لا تَشتَــكي سَأَمًا   ***   وَما مَعَ الحُبِّ إِن أَخلَصتَ مِن سَأَمِ

وَصَلِّ رَبّي عَـــــــلى آلٍ لَهُ نُخَبٍ   ***   جَعَلتَ فيهِم لِواءَ البَيتِ وَالحَرَمِ

بيضُ الوُجوهِ وَوَجهُ الدَهرِ ذو حَلَكٍ ** شُمُّ الأُنـوفِ وَأَنفُ الحادِثاتِ حَمي

وفي الثالثة يقول:

وَسَوّى اللهُ بَينَكُمُ المَنــايا   ***   وَوَسَّدَكُمْ مَـــعَ الرُّسلِ التُّرابا

وَأَرسَلَ عائِلاً مِنكُمْ يَتيماً   ***   دَنا مِن ذي الجَلالِ فَكانَ قابا

نَبِيُّ البِـــــــرِّ بَيَّنَهُ سَبيلاً   ***   وَسَنَّ خِـــلالَهُ وَهَدى الشِعابا

تَفَرَّقَ بَعدَ عيسى النّاسُ فيهِ   ***   فَلَمّا جــــاءَ كانَ لَهُمْ مَتابا

وَشافي النَّفسِ مِن نَزَعاتِ شَرٍّ   ** كَشافٍ مِن طَبائِعِها الذِّئابا

وَكانَ بَيانُهُ لِلهَـــــديِ سُبلاً   ***   وَكانَت خَيــــلُهُ لِلحَقِّ غابا

وَعَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ حَتّى   ***   أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اغتِصابا

وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي   ***   وَلَكِن تُؤخَـــــذُ الدُّنيا غِلابا

وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ   *** إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكابا

تَجَلّى مَولِدُ الهادي وَعَمَّتْ   ***   بَشـائِرُهُ البَوادي وَالقِصابا

وَأَسدَتْ لِلبَرِيَّةِ بِنتُ وَهبٍ   ***   يَدًا بَيضــاءَ طَوَّقَتِ الرِّقابا

لَقَد وَضَعَتهُ وَهّـاجاً مُنيراً   ***   كَما تَلِدُ السَّمـاواتُ الشِّهابا

فَقامَ عَلى سَماءِ البَيتِ نوراً   ***  يُضيءُ جِبالَ مَكَّةَ وَالنِّقابا

وَضاعَت يَثرِبُ الفَيحاءُ مِسكاً  *** وَفاحَ القاعُ أَرجاءً وَطابا

أَبا الزَهراءِ قَد جاوَزتُ قَدري *** بِمَدحِكَ بَيدَ أَنَّ لِيَ انتِسابا

فَما عَرَفَ البَلاغَةَ ذو بَيـانٍ   ***   إِذا لَم يَتَّخِـــــذكَ لَهُ كِتابا

مَدَحتُ المالِكينَ فَزِدتُ قَدراً  *  فَحينَ مَدَحتُكَ اقتَدتُ السَّحابا

سَأَلتُ اللهَ في أَبنــــاءِ ديني   ***  فَإِن تَكُنِ الوَسيلَةَ لي أَجابا

وَما لِلمُسلِمينَ سِواكَ حِصنٌ   ***   إِذا ما الضَرُّ مَسَّهُمُ وَنابا

كَأَنَّ النَّحسَ حينَ جَرى عَلَيهِمْ  ***  أَطـارَ بِكُلِّ مَملَكَةٍ غُرابا

وَلَو حَفَظوا سَبيلَكَ كان نوراً * وَكانَ مِنَ النُّحـوسِ لَهُمْ حِجابا

بَنَيتَ لَهُمْ مِنَ الأَخلاقِ رُكناً * فَخانوا الرُّكنَ فَانهَدَمَ اضطِرابا

وَكانَ جَنابُهُمْ فيها مَهيباً   ***   وَلَلأَخـــــلاقِ أَجدَرُ أَن تُهابا

فَلَولاها لَساوى اللَّيثُ ذِئباً  * وَساوى الصّارِمُ الماضـي قِرابا

فَإِن قُرِنَت مَكارِمُها بِعِلمٍ   ***   تَذَلَّلَتِ العُلا بِهِما صِعـــــابا

وَفي هَذا الزَّمانِ مَسيحُ عِلمٍ   *** يَرُدُّ عَلى بَني الأُمَمِ الشَّبابا

ويقول في الرابعة:

نبيُّ البرِّ والتقـوى   ***   منارُ الحـقِّ معلمُه

معاني اللوحِ أشرفُها ***   رســــالتُه ومقدمُه

له في الأًصلِ أكرمهم * عريقُ الأصلِ أكرمُه

خليلُ اللهِ مــعدنُه   ***   فكيفَ يزيَّفُ درهمُه

أبوّةُ سؤددٍ أخذتْ ***   بقرنَ الشـمسَ تزحمُه

ذبيحيـــونَ كلهمُ   ***   أميرُ البيـــــــتِ قيَّمُه

تلاقوا فيهِ أطهاراً   ***   بسيمـــــاهمْ تَسَوُّمُه

فنعمَ الغمدِ آمنةٌ   ***   ونعمَ السيــــفِ لهذمُه

سرى في طهرِ هيكلِها  كمسرى المسكِ يفعمُه

يتيماَ في غِلالتِـــها   ***   تعـــالى اللهُ مُوتمُه

تزفُّ الآيُ محمـلَه   ***   إلى الدنيــا وتقدمُه

ويمسي نورُ أحمدَ في *   ظلامٍ الجهلِ يهزمُه

وفي النيرانِ يخمدُها  *** وفي الإيـوانِ يثلمُه

وفي المعمودِ من دينٍ  ***   ومن دنيا يقوّمُه

فلما تمَّ من طــهرٍ   ***   ومن شرفٍ تنسّمُه

تجلّى مولدُ الهادي *** يضيءُ الكونَ موسمُه

هلموا أهلُ ذا النادي   ***   على قدمٍ نعظمُه

بدا تستقبلُ الدنيـــا   ***   به خيــــراً تَوسَّمُه

يُجِّملــــــها تهلله   ***   ويحييـــــــها تبسُّمُه

إلى الرحمنِ جبهتُه  ***   ونحوَ جلالِها فـمُه

وفي كتفيـهِ نورُ الحـــــقِ وضاحٌ وروســــمُه

يتيمٌ في جنـــــاحِ اللهِ يرعـــــاهُ ويعصـــــــمُه

فمَنْ رحمَ اليتيمِ ففي  ***  رسـولِ اللهِ يرحمُه

يقومُ به عن الأبويـــــــنِ جبريــــــــلٌ ويخدمُه

وترضعُه فتــــــاةُ البــــرِّ من سعــــدٍ وترحمُه

ويكفله موشَّى البــــردِ يومَ الفخـــــــــرِ مُعلَمُه

نبيُّ البـــــرِّ علّمَه   ***   وجاءَ بـه يعــــــلّمُه

أبرُّ الخلقِ عـاطفةً   ***   وأسمــــحُه وأحلمُه

وأصبـــــرُه لنائبةٍ   ***   ومحــــذورٍ يجشّمُه

لكلٍّ عنــــده في البـــــرِّ حقٌّ ليــسَ يهضــــمُه

وليُّ الأهـــلِ والأتبـــــاعِ والمسكيـــــنِ يطعِمُه

سحابُ الجودِ راحتُه   ***  وفـي برديهِ عيلمُه

وما الدنيا وإن كثرتْ   ***   سوى خيرٍ تقدِّمُه

يضيءُ القبرَ موحشُه   ***   عليكَ به ومظلمُه

وتغنمُـــــه إذا ولَّى   ***   عن الإنسانِ مغنمُه

نظامُ الديــــنِ والدنيا   ***   أُتِيحَ له يتـــــمِّمُه

تطلّعَ في بنــائِهما   ***   على التوحيـدِ يدعمُه

بشرعٍ هـــــامَ في النــاسِ هاشمُه وأعـــــــجمُه

كضوءِ الصبحِ بيِّنه   ***   وكالبنيـــانِ مُحكَمُه

بيانٌ جلَّ موحــــيهِ   ***   وعلمٌ عــــزَّ ملهمُه

حكيمُ الذكــرِ بين الكتــــبِ مظهـــــرُه وميسمُه

وكمْ للحقِّ من غابٍ ***   رســولُ اللهِ ضيغمُه

له الغزواتُ لا تُحصى ** ولا يُحـصـى تكرُّمُه

تكادُ تقيَّــــدُ الإســـــــداءُ قبلَ السيـــــــفِ أنعمُه

أمينُ قريشٍ اختلفتْ   ***   فجــــــاءته تُحكَّمُه

صبياً بينَ فتيتها   ***   إليهِ الأمـــــــرُ يرسمُه

وإن أمــــــــانةَ الإنســـانِ في الدنيـــــــــا تقدِّمُه

زكيُّ القلبِ طُهِّرَ من  ***   هوىً وغوايةٍ دمُه

عفيفُ النومِ يصدقُ ما  ***  يرى فـيه ويحلُمُه

وخلوتُه إلى مَـــــــلكٍ   ***   على حـلمٍ يحلِّمُه

يفيضُ عليه من وحيٍ   ***   فيَفــهمُـه ويُفهِمُه

كتابُ الغيبِ مفضوضٌ   ***   له بــادٍ محكَّمُه

مبينٌ فيه ما يــــأتي   ***   وما ينوي ويعزمُه

ويظهرُ كلَّ معجـــــــــزة  ***   لشانيهِ فيفحمُه

فغاديةٌ تظلــــــــله   ***   وباغمـــــــــة تكلمُه

تروِّى الجيش راحته *** إذا استسقى عرمرمُه

ويستهدي السماءُ حياً   ***   لســـائلِه فتسجُمه

ويرسلُ سهمَ دعوته ***   إلى الباغي فيقِصمُه

تباركَ من بهِ أسرى   ***  وجـــلَّ اللهُ مكرمُه

يريهِ بيتَه الأقصى   ***   ويُطــــــلعُه ويعلمُه

على ملَكٍ أميـــــنِ اللهُ مســـــــــــرجُه وملجمُه

معارجُه السمواتُ الــــــــــعُلى والعرشُ سلَّمُه

فلما جاءَ سدرته   ***   وكان القـربُ أعظمُه

دنا فرأى فخَّرَ فكــــــــــانَ من قوسـينِ مجثمُه

رسولُ اللهِ لن يشقى   ***   ببابِــكَ من يُيَمِّمُه

وأينَ النارُ من بشرٍ   ***   بســــــدَّتِه تحرمُه

لواءُ الحشرِ بين يديـــــكَ يومَ الديـــــــنِ تقدمه

شفيعاً فيه يومَ يلـــــوذُ بالشفعــــــــــاءِ مجرمُه

ففي يمناكَ جنته   ***   وفي اليسـرى جهنمُه

أنا المرحومُ يومئذٍ   ***   بِدرٍّ فيـــــكَ أنظمُه

ولا منٌّ عليكَ به   ***   فِمن جــدواكَ منجمُه

أينطقُ حكمةً وحجى  ***   لســـــانٌ لا تقوِّمُه

خلاصي لستُ أملكه *** وفضلك لستُ أعدمُه

ثراكَ متى أطيفُ به   ***   وأنشـــــقُه وألثمُه

ففيهِ الخلقُ أعظمُه   ***   وفيـه الخلقُ أوسمُه

سقاهُ من نميــــرِ الخلــــدِ كوثرُه وزمـــــــزمُه

ولا برحتْ معطَّرةٌ  ***   من الصلواتِ تلزمُه

محمد طاهر الصفار

 

 

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً