الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 28/ذو الحجة/1440هـ الموافق 30 /8/ 2019م :

منبر الجمعة

2019-08-30

1614 زيارة

ايها الاخوة والاخوات..

ها نحن نقترب من موسم عاشوراء مع اقتراب موسم عاشوراء حيث نستذكر اعظم فجيعة انسانية على مر التاريخ فيها قرّبت تلك الارواح القدسية انفسهم قرباناً من اجل حفظ مبادئ انسانية في العدل والحرية والكرامة الانسانية مع ما رافقها من معاناة انسانية قلّ نظيرها في التاريخ والتي مرّت بها نفوسٌ في قمة الطهر والعفّة من اجل ان تحفظ لهذا الدين ولهذه الفطرة ولهذا الايمان جوهره ونقاوته..

ايها الاخوة والاخوات مع اقتراب هذا الموسم موسم عاشوراء يأتي تساؤل مهم هنا كيف يتسنى لنا وكيف يمكن لنا ان نُبقي ونجدد معطيات ثورة الامام الحسين (عليه السلام) العقائدية والتربوية والاخلاقية والجهادية.. كيف يمكن ان نُبقي تأثير تلك المعطيات على انفسنا وعلى واقعنا بحيث نستطيع من خلال هذه التأثير والتجديد ان نقترب من الامام (عليه السلام) وان نُديم تحقيق تلك الاهداف والمبادئ التي ضحّى بها الامام الحسين (عليه السلام) في أعظم فجيعة انسانية على مرّ تاريخ الانسانية..

ايها الاخوة والاخوات الفردّ منا والمجتمع منّا بسبب تراكم الذنوب والرين على القلوب والعبودية للدنيا والذات والاهواء يبتعد تدريجياً عن الدين والقيم والمبادئ ويبتعد عن الامام الحسين (عليه السلام) وعن مبادئه وقيمه واخلاقه..، يأتي موسم عاشوراء علينا ان نستثمر ذلك الاستثمار الذي أراده الامام الحسين (عليه السلام) والائمة عليهم السلام من اجل ان نُبقي ذلك التأثير لثورة الامام الحسين (عليه السلام) على انفسنا وعلى واقعنا المرير لكي نغيرهُ نحو الأفضل ونحو ما يُحبه الامام الحسين (عليه السلام)..

شهور تمرّ علينا وحبّنا للدنيا وذنوبنا ومعاصينا وابتعادنا عن نهج الله تعالى ونهج الائمة عليهم السلام وهذا التراكم من الذنوب والمعاصي والرين على القلوب والعبودية للدنيا والاهواء والتسلط وغير ذلك من هذه الامور.. تُبعدنا عن الامام الحسين (عليه السلام).. هذا التساؤل يأتي اخواني في هذا الموسم كيف نحيي هذه المبادئ..؟

التفتوا اخواني هناك تسع وصايا ومبادئ نذكرها ولكن لا يسع الوقت في هذه الخطبة ان نذكرها بأجمعها سنذكر بعضاً منها..

أولا ً :

لابد من تحديد طبيعة المسؤولية والموقف تجاه التحديات والمشاكل والازمات الثقافية والمبدئية والقيمية التي يمرّ بها مجتمعنا..

كيف نحدد الاولويات في المهام لإحياء الثورة الحسينية؟ كيف نحدد طبيعة الوظيفة والموقف المطلوب منّا تجاه هذه التحديات والمشاكل الخطيرة التي تهدد هويتنا الدينية والثقافية والاخلاقية والدينية..؟

لابد ان يكون لنا بصيرة ووعي في امور ديننا وفي ما هي المبادئ المهمة التي لها الأولوية في الثورة الحسينية، هناك وظائف ومبادئ لها اهمية كبرى واولوية وهناك امور اخرى لها مرتبة ثانوية..

التفتوا اخواني سأذكر مثال من هذه الامثلة..

الامام الحسين (عليه السلام) يقول: انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر..

يقول الامام الحسين (عليه السلام) انني خرجت لا طلباً للرئاسة ولا للدنيا وانما خرجت انما اريد ان اؤدي هذا الواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن التفتوا ايها المؤمنون والمؤمنات ان هذا الواجب لا تفهموا من كلامي ان هذا الواجب مُلقى على عاتقي فقط وعلى عاتق الخواص من اصحابي انما هو اُريد ان استنهضكم انتم ايها الشعب وايها الجماهير وعامة الناس استنهضكم بقولي هذا فالواجب ليس محصوراً بي فقط، هذا الواجب لابد ان يؤدى على مستوى الاداء الجماهيري والشعبي.. نخاطبكم بهذه اللغة لغة العصر..

هذا الواجب لابد ان يؤدى على مستوى الاداء الجماهيري والشعبي.. لا تتصورون ان هذا الواجب مُلقى على عاتقي وعاتق الخواص، كلامي هذا وانا اُبين اني لم اطلب دنيا ورئاسة اُريد ان اؤدي هذا الواجب المهم والحساس والخطير ولكن افهموا من كلامي ان هذا الواجب ليس ملقى على عاتقي فقط بل مُلقى على عاتق الجماهير وعموم الشعب في ان يؤدوا هذه المهمة..

الآن نأتي الى واقعنا وحاضرنا كيف نتعامل مع هذه المفردة واداء هذا الواجب حينما نمر بهذه التحديات والازمات فنقول هنا حينما تنتنشر المنكرات والفساد بمختلف اشكاله من الفحشاء والكذب والبهتان والنميمة وحينما تزهق ارواح الابرياء وحينما ينتشر الاستحواذ على الاموال العامة والخاصة بغير وجه حق وحينما تنتشر الرشوة من غير ان يكون هناك رادع من قانونٍ او اخلاق او قيم او ضمير... وحينما تنتشر هذه الرشوة من دون خجل ولا حياء وحينما ينتشر اكل الربا من دون رادع ولا خجل ولا حياء ثم بعد ذلك شاهدوا بأعينكم ماذا نرى في بعض الاماكن وماذا نقرأ في وسائل الاعلام من الصحف والقنوات الفضائية والوسائل الاخرى..

حينما يتجرأ اهل الفسق والفجور بأن يرتكبوا المنكرات امام الملأ ولا رادع لهم من قانون او ضمير او اخلاق بل يمارسون المنكرات من دون خجل ولا حياء وليس هناك رادع لهم من عامة اهل الدين وليس هناك رادع لهم..

ماذا تقرأون في الصحف هذه الأيام؟ وماذا تشاهدون في وسائل الاعلام؟ هذه المنكرات التي تُرتكب جهراً وعلناً من غير ان يكون لها رادع ابداً وتُرتكب من دون خجل ولا حياء وتنتشر هذه الامور..

ماذا تتصورون اذا اردنا ان نُطبق مبادئ الثورة الحسينية؟ البعض يتصور انتم اهل الدين انتم الخواص قوموا بالردع عن هذا المُنكر ولا شُغل لنا نحن العامة بهذه الامور..

حينئذ التفتوا اخواني الى هذه العبارة حينما نرى هذا الواقع امامنا وتُرتكب هذه المنكرات ويتجرأ اهل الفسق والفجور وتُرتكب هذه المنكرات من غير رادع ولا نكير من عامة الناس ومن عامة اهل الدين حينئذ يكون العمل على النهي عن المنكر بأساليبه الشرعية والقانونية من اجلى مصاديق الولاء والانتماء الصادق للامام الحسين (عليه السلام) ومن دون ذلك يكون هذا ولاء كاذب وانتماء كاذب للامام الحسين (عليه السلام)..

هكذا ينبغي ان يكون فهمنا لحقيقة وجوهر القضية الحسينية..

واذكر لكم اخواني مثالاً على صدق الولاء.. حينما شاهدنا بأمّ أعيننا لاحظوا اخواني اداء الواجب على مستوى الاداء الجماهيري والشعبي وليس الاداء على مستوى الخواص حينما شاهدنا بأمّ اعيننا كيف كانت الاستجابة الجماهيرية والشعبية لنصرة الدين والوطن في فتوى الدفاع الكفائي عن العراق كيف آتت اُكلها وكيف سجلّت شاهداً تاريخياً عظيماً على حقيقة الولاء وصدق الانتماء للامام الحسين (عليه السلام)..

لاحظوا اخواني فتوى لوحدها لا تكفي...هذه حماية الوطن وحماية الدين وحماية المقدسات وحماية الاعراض بشيئين: بفتوى الدفاع الكفائي عن العراق والمقدسات والاستجابة ليست من الخواص فقط بل هذه الاستجابة الجماهيرية الشعبية في أداء هذا الواجب الكفائي هو الذي سجّل ذلك الشاهد التاريخي العظيم على ان لهؤلاء الذين استجابوا صِدقَ الولاء والانتماء للامام الحسين (عليه السلام)...

هكذا نريد ان نتحدث الامام الحسين (عليه السلام) حينما يقول انما خرجت لطلب الاصلاح في امّة جدي يُريد ان يقول انا نعم من الخواص انا الامام المعصوم خرجت لأؤدي هذه الوظيفة وان اقف بوجه المنكر والفساد والظلم والانحراف ولكن هذا كلامي معناه انني استنهضكم (أما من ناصر ينصرنا) ما معنى ذلك؟ هذا واجب اؤديه وعليكم ايها الجماهير وايها الشعب وعامة الناس يا من لكم الغيرة على دينكم ووطنكم هذا كلامي يستبطن انني استنهضكم لأداء هذه المهمة وهذا الواجب..، كما ان فتوى الدفاع الكفائي خرج الخواص وخرجت الجماهير وعموم الشعب فأدّوا هذا الواجب الكفائي وكان ذلك قد سُجّل في التاريخ شاهداً ايمانياً تاريخياً عظيماً على ان هؤلاء صادقون في انتمائهم وولائهم وهؤلاء فهموا ووعوا حقيقة وجوهر القضية الحسينية فخرجوا يجاهدون ويضحون بأنفسهم في سبيل حماية وطنهم ودينهم واعراضهم ومقدساتهم..

افهموا وعوا حقيقة وجوهر القضية الحسينية.. أداء هذا الواجب في الاصلاح ومكافحة الفساد والنهي عن المنكر على مستوى (الأداء الشعبي والجماهيري) قضية جوهرية في ثورة الامام الحسين (عليه السلام).. إحياؤها بأن نفهم ونعي ونؤدي هذا الواجب في النهي عن المنكر وان يكون هناك صوت يصرخ في وجه المنكر والجهور والفسوق والفساد.. هكذا نفهم حقيقة وجوهر القضية الحسينية..

الشيء الآخر الذي نحتاج اليه وهو الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية والاخلاقية لمجتمعنا خصوصاً شبابنا، في هذه الايام تزايدت الحملات على شبابنا في طمس هويتهم الثقافية والاخلاقية والدينية وغير ذلك من الامور.. ما يعنينا في ان نفهم جوهر القضية الحسينية ان نتصدى لهذه الحملات ونعمل بكل جهودنا من اجل الحفاظ على هوية شبابنا بالخصوص وعموم المجتمع هذه الهوية الثقافية والوطنية والدينية..

واود ان ابيّن مسألة مهمة قد يقول البعض ان شبابنا الآن لديهم الكثير من المعاناة والمِحن والازمات والمشاكل ويمرون بظروف حياتية معيشية صعبة وقاسية ويعيشون ظروف نفسية معقدة وصعبة وهم في حالة من الاحباط النفسي وفقدان الامل هذا أمر يُشغلهم عن الحفاظ على الهوية الثقافية والوطنية والاخلاقية..

نعود الآن اخواني كيف نستطيع ان نربط هؤلاء الشباب بالقضية الحسينية؟ طبعاً هذا الأمر معني بهِ الجميع.. كيف نستطيع ان نربطهم بشباب القضية الحسينية؟

نأتي الآن الى الشباب اراجيزهم اراجيز الشباب الذين قاتلوا في معركة الطف ماذا نفهم منها؟

علينا ان نعرّفهم بما كان يفهمهُ هؤلاء الشباب الذين قاتلوا والآن ايضاً الشباب الذين قاتلوا في معركة الدفاع الكفائي عن العراق..

احد الشباب كما بيّنا شاب صغير في الجامعة وكان ابوه متمكناً الله تعالى مُنعم عليهِ.. أراد ان يثنيه عن الذهاب الى القتال، قالَ لهُ أبي هل تُريد منّي ان ابدل الجنة بقطعة من الحديد؟! التفتوا اخواني هذا الشاب الصغير طالب في الجامعة وهو ما يزال في مقتبل العمر ابوهُ من حبه لهُ أراد ان يُثنيه عن الذهاب الى القتال، لاحظوا هذه المقولة لهُ تعكس فهمهُ لحقيقة الحياة الحقيقية.. تُريد منّي ان اُبدل الجنّة بقطعة من الحديد؟!

ربما البعض من الشباب يفهم الحياة على انهُ عليهِ ان يسعى لينال وظيفة شهادة جامعية وزوجة ومال وسيارة وترفه في الحياة.. نعم، هذا مطلوب بمقدار، ولكن علينا ان نفهم ما هي الحياة الأسمى والحياة الحقيقية التي يجب علينا ان نبحث عنها لتحقق لنا السعادة والرخاء والسعادة والكمال الذي نتمناه الحياة الحقيقية لا الزائفة.. كما نفهم من مقولة شباب ثورة الحسين (عليه السلام) وهذا الشاب وامثالهُ ممن قاتلوا وضحوا بأنفسهم..

علينا ان نتصدى لنُفهم هؤلاء الشباب ما هي الحياة الحقيقية التي علينا ان نسعى من اجلها وما هي قيمة الاخلاق وما هي قيمة الهوية الوطنية والدينية وما هي قيمة الاخلاق وما هي قيمة سمو المثل والمبادئ والقيم في حياة الانسان؟؟

نعم، هناك الان عديد من الجهات التي تقوم بهذه المهمة الآن، نشكرهم ونثني على جهودهم جزاهم الله تعالى خيراً..

الشباب الآن بهذه الوسائل الجذابة التي تُفتن هؤلاء الشباب وتطمس هويتهم وتحرفهم عن مبادئهم واخلاقهم وقيمهم وحتى في عاداتهم ومظهرهم الخارجي..!

انظروا اخواني كم من الشباب طُمست هويتهم حتى بمظهرهم الخارجي! فضلا ً عن العادات والقيم والاخلاق والمبادئ التي انصرفوا وانحرفوا عنها الى مبادئ واخلاق وثقافات غريبة عن مجتمعنا وبعيدة عن هويتنا..

هناك حملة ضد الشباب لحرفهم عن مبادئهم الدينية والايمانية نحو الالحاد واللادين ونحو حرف هذه الهوية العظيمة في الاخلاق والقيم والمبادئ التي نادى بها الامام الحسين (عليه السلام)..

ماذا علينا امام هذا التحدي؟؟

هذا هو الإحياء للثورة الحسينية ومبادئ وقيم الامام الحسين (عليه السلام).. متى ما كانت لنا جهود في أن نحفظ لهؤلاء الشباب هويتهم الدينية والاخلاقية والمبدئية والقيمية وننشغل ببذل المال والجهود ومختلف الوسائل من اجل ان نحفظ لهم هويتهم الدينية والوطنية والاخلاقية حينئذ نقول نحن صادقون في انتمائنا وولائنا للإمام الحسين (عليه السلام) ونحن صادقون في إحيائنا لفجيعة الامام الحسين (عليه السلام).. هذه الامور التي لها الاولوية علينا ان نعطيها الاعتبار ونُشعر أنفسنا بأهميتها وجوهرها وحقيقتها وخطورتها في حياتنا ونُعطيها المزيد من الاهتمام وبذلك الجهود والمال..، هذا واحد من الاولويات في الوظائف التي علينا ان نؤديها والتفتوا اخواني هناك اولويات وهناك وظائف ومهام تأتي في مرتبة بعد هذه المرتبة..

هذه التوصية الثانية .. هناك تسع وصايا هذه الاولى والثانية نبيّن فيها نُريد منكم وعياً ونريد منكم فهماً لحقيقة وجوهر القضية الحسينية حتى تكون حسينياً صادقاً التفت وانتبه وافهم وعي ما هي حقيقة هذه المبادئ والثورة الحسينية وكيف تكون موالياً حقيقياً وحسينياً صادقاً للامام الحسين (عليه السلام) وقد ضربنا لكم الأمثلة في ذلك فليكن هؤلاء قدوة لكم..

نسأل الله تعالى ان يوفقنا ان نحيي هذه الثورة الحسينية ومبادئها كما يُحب الله تعالى والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الاطهار انه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

 حيدر عدنان

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً