315 ــ عبد المحسن الكاظمي: (1282 ـــ 1354 هـ / 1865 ــ 1935 م)

موسوعة الامام الحسين

2021-02-17

80 زيارة

قال من قصيدة تبلغ (170) بيتاَ:

قـلـمون أختكِ (كربلا)      رأتِ المصابَ الأعظما

رأت الحسين مضرّجاً      بـدم الـوَريـد مـحـطّــمـا

رأت الحسين وَصحبه      يَقضونَ في الوادي ظما

الشاعر

أبو المكارم عبد المحسن بن محمد بن علي بن محسن بن محمد بن صالح بن علي بن الهادي النخعي، يتصل بنسبه من جهة الأب بمالك الأشتر النخعي (رضوان الله عليه) صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن جهة الأم بشاعر الطالبيين الشريف الرضي فورث عنه ملامح من شعره واخلاقه وإبائه.

ولد في مدينة الكاظمية المقدسة في محلة التل على مقربة من مرقد الإمامين الجوادين (عليهما السلام)، وكانت أسرته من الأسر الميسورة التي عرفت بالمجد والغنى فكان جده الأكبر الحاج محسن من كبار التجار وكان يؤمه الفقراء يلتمسون معروفه ثم خلفه في مكانه الحاج علي ــ جد الكاظمي ــ ولكن هذه الأسرة ما لبثت أن اضطربت أمورها المادية فعوّضت التجارة والغنى بالأدب والعلم فنهض بها أفذاذ العلماء والأدباء.

فقد أنجب الحاج محمد ابن الحاج علي ثلاثة أولاد هم الشيخ محمد حسين الذي كان من مؤسسي النهضة الأدبية في مدينة الكاظمية، والشيخ أحمد الذي كان شاعراً مطبوعاً ملمّاً بأشعار العرب، يقول عنه الشيخ محمد رضا أسد الله: (ان الشيخ أحمد كان يحفظ ديوان الحماسة كله وشعر أخيه عبد المحسن وجل أشعار العرب)، أما ثالث أولاد الحاج محمد فهو عبد المحسن الكاظمي شاعر العرب والارتجال الذي فاق أخويه علماً وأدباً.

درج عبد المحسن بين بيئات الأدب وحلقات الأدباء ودرس العلوم الإسلامية كما اطلع على الآداب الفارسية، وقد استفاد الكاظمي من خزائن مكتبات الكاظمية فنهل من كتاب الجمهرة والعين كما استوعب الكثير من كتب اللغة فنشأ شاعراً مجيداً ولغوياً كبيراً.

يقول عنه السيد عز الدين آل ياسين: (كان يملي شعره عن طبع وأُفق، ووحي حاضر وبديهة مستعدة وروح قوية وقريحة متحفّزة وله في الشعر نفس طويل يعود إلى كثرة ما كان مختزناً في حافظته من شعر العرب) وقيل أن هذه الحافظة تسع ما يربو على الإثني عشر ألف بيت من أشعار العرب.

نزح الكاظمي عن بغداد بعد مطاردة المحتلين له وبعد أن اضطر أهله إلى رمي جميع ما أنتجه من شعر في نهر دجلة خشية وقوع شاعرهم تحت طائلة السلطات، فغادر العراق إلى الهند ثم استقر به المقام في مصر وقد عرفته مصر شاعراً جزل التعبير مبتكر الأسلوب سريع البديهة عبقري الارتجال كما عرفته مثالاً لحسن الخلق أبياً عفيفاً يفصح شعره عن شرفه العريق ونسبه الرفيع:

لو على قدرِ همتي واعـتزامي      صالَ نطقي بلغتُ كلَّ مرامي

هـمّـة تـرهـقُ الـنـجـومَ وعزمٌ      ضـاربٌ فـي الـجـبالِ والآكامِ

وإبائي يرى من الضيمِ أن يحـ      ـمـلَ فـي الـدهـرِ مـنًّـة للغمامِ

عُرف الكاظمي بارتجاله الشعر في غاية الروعة والإجادة وحسن التركيب، وشعره المرتجل مهما طال وكثر فهو يتدفق حلاوة وسلاسة، فكان يرتجل ما يربو على مائة البيت.

يقول محمد مهدي الجواهري: (إن أهم الميزات التي تتجلّى في حياة الكاظمي وفي شعره أيضاً ــ وهو صورة صادقة عن حياته ــ كونه مرآة صافية لجيله ومجتمعه، وعلى غير هذا القياس يصعب في رأيي المقارنة بينه وبين شعراء العراق الآخرين حتى من الذين عاصروه كالزهاوي والرصافي والشبيبي والشرقي وهنالك ميزة ثانية هو كون شعر الكاظمي ذخيرة من ذخائر اللغة العربية النقية ومفرداتها الجميلة)

ونرى هذه اللغة النقية مع صدق العاطفة وقوة السبك تتجلى في كل شعره ولنستمع إليه في هذه الأبيات الرائعة:

أجـيـرانـنـا بـمـغـانــي الـحـمى      ومن أين مني جيرانيه

سروا يخبطون الدجى والحشا      على أثرِ آثارِهم سارية

أمـامـهـمُ الـقـلـبُ جــارٌ لـهـــم      وعـيـنايَ خلفهمُ جاريه

كما يدل شعره على إجادته لمختلف أغراض الشعر وهذه الأبيات في الرثاء:

صـروفُ الـدهـرِ أهـونُـهـا أـشـدُّ      إذا نـزلَ القضاءُ فلا مردُّ

أجـلُّ الـرزءِ مـا تـركَ الـبـرايــا      تروحُ على مرارتِه وتغدو

وأدهى الخطبِ ما جلبَ الرزايا      ولم يحسس له برقٌ ورعدُ

وهذه في الدهر:

أرأيـتَ كـيـفَ الدهرُ ينتقلُ      بالـمـالـكـينَ وكـيفَ يقتبلُ

ما الدهرُ الاّ دولةً خضعتْ      لقضائِها الأمـلاكُ والدولُ

ما شاءَ أو شاءتْ رغـائـبُه     لا ما تشاءُ البيضُ والأسُلُ

خلف الكاظمي ديواناً كبيراً بمجلدين احتوى على (175) قصيدة ضمّت (8618) بيتاً كلها من الشعر الرائق الجزل.

قال عنه الدكتور مصطفى جواد المحقق المشهور: (إن قصيدته التي مطلعها:

إلى كمْ تجيلُ الطرفَ والدارُ بلقعُ      أما شغلتْ عينيكَ بالجزعِ أدمعُ

تصلح لأن تكون (المعلقة الثامنة) في أسلوبها وفصاحتها وطرازها البدوي وصحة معانيها وقوة مبانيها).

وصدق مصطفى جواد فقد جمعت هذه القصيدة من معاني البلاغة ما يجعلها أعجوبة في وقتها وهي قصيدة طويلة يقول الكاظمي فيها:

أأنـت مـعـيـري عـبـرةً كـلّـمـا دنـــتْ      يـحـفّـزُهـا برجُ الغرامِ فـتـسـرعُ

وهل عُريتْ أرضٌ كـسـوتَ أديـمَـهـا      بماءِ شؤوني فهيَ زهراءُ مُمرعُ

فـمِـن حـرِّ أنـفاسي وفيضِ محاجري      مصيفٌ تراءى في ثراها ومربعُ

ألمْ ترَ جرعاءَ الحِمى كيفَ روّضتْ      وسـالَ بـمـحـمـرِّ الـشـقائقِ أجرعُ

فـهـاتيكَ من دمعي وهاذاكَ من دمي      فـلـلعينِ ذا مبكى ولـلـقلبِ مجزعُ

أما توفيق البكري فقد قرنه بالشريف الرضي ومهيار الديلمي بقوله:

(الكاظمي ثالث اثنين: الشريف الرضي، ومهيار الديلمي).

وكتب عجاج نويهض في جريدة الزمان 1961 قائلا: (شعر الكاظمي جزء حيوي من تراث النضال العربيُ، هو شعر كالذهب لا يفقد قيمته أبداً على اختلاف الأيام).

لقد كان الكاظمي مدرسة في الشعر، مدرسة من أجمل مدارس الشعر العربي وأجودها بقيت تزخر بعطائها فكانت مرآة لروح الأمة ونبراساً لها وروضة تجد فيه العطر العبق الذي ينعتها:

نـحـنُ قـومٌ إذا شـهدنا الـهـياجي      بهرَ الموتَ يومُنا المشهودُ

نحنُ قومُ العلا الألى إن يـهـموا      لم تـعـقـهـم تـهـائـمٌ ونـجودُ

حـلـفـوا لـلـعـلا فـإمّـــا قــــيــامٌ      تـرتـضـيه العلا وإمَّا قـعودُ

ومـشـوا لـلـردى فـــإمّا صبورٌ      يقفُ الموتُ عنده أو صعودُ

وإذا لم يكنْ سوى المـوتِ وردٌ      دونَ نيلِ المُنى فنعمَ الورودِ

أغمض الكاظمي عينيه الإغماضة الأبدية في حي من أحياء القاهرة وقد ترقرقت على وجنتيه اللتين لم يخمد الموت من شممها بريقاً وعلى لحيته المسترسلة التي لم ينل الفناء من وقارها وهيبتها دمعة على وطنه:

دار الأحـبـةِ خـبـريـنـا      عن أهـلكِ الخبرَ اليقينا

نظرَ الظماءُ فـلـم يروا      فـي بابِكِ الوردَ المعينا

نضحتْ عليكِ عيونُهم      يومَ القلوبِ وقد صدينا

لقد عرج الكاظمي إلى ربه بعد أن أعطى الأجيال درساً في التضحية والكرامة وحب الوطن، وكان لهذه الخصال مدعاة الإكبار والإجلال من الشعراء بعده وأول ما يدرك عبرة الشاعر من فيض المشاعر هو الرثاء فراح الشيخ عبد الحسين الحويزي يبكي هذا الفقيد الخالد:

ماجتْ لفقدِكَ عينُ الرافدينِ دما      وفيكَ مصرُ شكتْ أهرامُها الهرما

وشقّ على الرصافي نعيه فقال:

قد قضى الكاظمي وهوَ جديرُ      أن تُعزّى في موتهِ الشعراءُ

وراح بشارة الخوري يعزّي الشعر قائلا:

يا شـعـرُ أيَّ عــــزاء      ينسيكَ هذا المصابا

محا البكا سحرَ عينيـ      ـك والـثـنـايا العذابا

شعره

في أبياته التي ذكر فيها كربلاء يشير الكاظمي إلى فداحة المصاب الذي ألمّ بقلمون، فهو يشبهها بكربلاء وقد سبق أن أشرنا إلى هذا الموضوع ــ التشبيه ــ عند الشاعر المصري أحمد محمد الأبياري والشاعر أحمد شوقي والشاعر القاضي الرشيد، لتبقى كربلاء عنوان الحزن الأزلي في القلوب والتي يصغر عندها كل ألم وفاجعة.

كما يبقى الحسين رمزاً للرفض وعنواناً للإباء، يقول الكاظمي في قصيدته:

قـلـمـون مـا هَــذا بــــأ      وَّلِ حادِث طرق الحِـمى

قـلـمون أختُكِ (كربلا)      رأتِ المصابَ الأَعظـما

رأتِ الحسينَ مُـضرَّجاً      بـدمِ الـوَريــدِ مـحـطّـمـا

رأتِ الحسينَ وَصـحبَه      يَقضونَ في الوادي ظما

وَيـلٌ لِـقَــومٍ لَــم يــــرا      عـوا لـلـشـريـعةِ مُحرما

بـمــحـــرّمٍ قَـد حـلّـلــوا      مـا كـانَ ثــمَّ مـحـرّمـــا

حسبُ الحسينِ بجدِّه الـ      ـسـبطُ الحسينُ إِذا اِنتَمى

نـفذَ القَضاءُ وَمن تَرى      نـقـضَ الـقَـضاءَ المُبرما

أَمـلاً فَـيـا سـهم الرَدى      هَـلّا اِتّـقـيـتَ الأَســهــمـا

كان الكاظمي شديد التعلق بعقيدته متمسّكاً بدينه وحبه للنبي وأهل البيت (عليهم السلام) يقول من قصيدة في مدح النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام):

نَـفـسـي فَـدا تـربــةٍ أَقــامَ بِــهــــا      خَـيـرُ بَـنـي آدمٍ وَحَـــــــوّاءِ

صَـلّـى عَـلَـيـهِ الإِلَـــه مـن قـــمرٍ      يُـنـيـرُ لـلـحـشـرِ كلَّ ظلماءِ

بِضـوئِـهِ الـبـدرُ يَـسـتَـضيء وَلا      مـن مـطـلـعٍ غـيرُه لأضواءِ

أَنّـى تـأمّـلـتــه وجــــدتَ بـــــــه      كـلّ سَـنـا لـلـهـــــدى وَلألاءِ

جِـزّ الـسَـمـا وأبـلـغــنّ ثَـراهُ تجدْ      كَـم مـن ثـريّـا بِـها وَجَوزاءِ

تَفوقُ تـلـكَ الَّـتـي بــزهـوتـــهـــا      تَفوقُ في الدهرِ كلِّ زَهـراءِ

يا تربة المُصطَفى اِشمَخي شرفاً      فَـأَنـتِ عَـلـيـاءُ كـلِّ عَـلـيــاءِ

تـمـلـكي الأَرضَ وَالسَـمـاءَ وَمـا      بَـيـنَـهُـمـا مـن فَضا وَأَجـواءِ

وكلّ مـا كـان فـي الـوجــودِ وَما      يَكونُ من ذاهبٍ وَمـن جائي

فـإنّ فـــيــكِ الَّـذي لـه خُـلــقَ الـ      ـمَـخـلــوقُ فـي عودةٍ وَإِبداءِ

تَدنو فَتَـحنو عـلـيـكِ كـلُّ حَــشـا      مِـن كـلِّ دانـي الديارِ أَو نائي

فَأَنـتَ لِـلــقَــلــبِ سـلـوةٌ وكـرى      لـجـفـنِ مـن لـمْ يـفـزْ بـإِغفاءِ

يـا قَلب أَدعوكَ لِـلـهَـوى فأجـبْ      وَكُـن قَـريــبـاً مـنّـي لأهوائي

أسلكْ نهجَ الهُدى وَلـسـتَ كـمنْ      يخبط في الحبِّ خبطَ عَشـواءِ

أصـبـو إِلـى أَحــمَـــدٍ وعـتــرتِهِ      كـلَّ لـحـيـبِ الـجَـبينِ وضَّاءِ

كـلُّ إِمـامٍ يــغــنـي بـكـلِّ بــــلاً      عَن كلِّ عضبِ الغرارِ مضَّاءِ

أَعلو بهم يومَ خـفـضِ كلِّ عـلا      وَفـي يـديـهمُ خفضي وَإِعلائي

هُـم مـلاذي فـي كُـلِّ نـازِلَـــــة      وَهُـم عـمـادي فـي كــلِّ لأواءِ

وَهـم شِـفـا هَـذهِ الـقُــلـــوبِ إِذا      مـا عَـزَّ طـبٌّ عَـلـى الأطـبـاءِ

فَـهـم مـوالــيَّ وَالــرَقـيــــق أَنا      إِن قــبـلـونــــي مــــن الأَرقّاءِ

كـلّ أَغـرَّ يـشــقُّ كــلَّ دجــــىً      بـطـلـعـةٍ فـي الــزَمـانِ غَـرّاءِ

أَفــدي بـحـوبــايَ مــن يـحبّهمُ      بـل أَفـتَـديـه بِـكُـلِّ حَــــوبــــاءِ

ما لـي سِـواهـم ذُخـراً لآخرتي      وَلَـيـسَ إِلّا هُــــم لِـــدنــــيـائي

وقال من أخرى

بـخـاتـمِ الــرسـلِ فَـشـا عـرفُـها      اللَه ما أَطـيَـبَـه عُـــــرفــا

يا أَيُّـهـا الـمُـدّاحُ بــشــراكــــــمُ      بَلـغـتـمُ الرحـمـةَ وَالـلّطفا

قَد جَـعَـلَ اللَهُ عَـلـى مــادحــــي      نـبـيِّـه جـنُّــتـه وَقــــفـــــا

يا مـهـبـطَ الوحي أَجِـر مُـذنـبـاً      قَد شفّه الوجدُ الَّذي شَـــفّا

وَيـا شَـفـيـعَ الـمُـذنِبينَ اِستَجِبْ      دَعوةَ حـيٍّ آنـسَ الـحـتــفا

حـبّـكَ فـي الـحـشـرِ لـنـا عــدّةٌ      فَـلا نـعدُّ البيضَ والزغـفا

وكـلّ نـارٍ يـنـطَـفـي جـمـرُهـا      وَجمرُ وَجدي بكَ لا يُطفى

خُذني إِلى تربِكَ يشفى الضنى      أَلَـيـسَ فـي تربِكَ يُستَشفى

وقال معبِّراً عن حبه وحنينه لزيارة مرقد الإمام علي (عليه السلام) وهو في مصر:

كُنْ عذيري يا بدرُ إن تمَّ ليْ الـ      ـعذرُ وأبدى مناكَ ليلَ التمامِ

واحملْ الروحَ للإمامِ فـجـسميْ      حِـيـلَ مـا بـيـنَـه وبينَ الإمامِ

محمد طاهر الصفار

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً