383 ــ مهدي الحجار: (1318 ــ 1358 هـ / 1900 ــ 1939 م)

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (45) بيتاً:

بـرأدِ الـضـحـى نـزلـتْ (كربلا)      وفي الليلِ بـاتتْ بجنّاتِها

تـهاوتْ ولـيـسَ تـعـابُ الـنـجـومُ      إذا مـا تـهـاوتْ كعاداتِها

وباتتْ على الأرضِ مثلَ البدورِ      عراها الخسوفُ بهالاتِها

ومنها:

فتلكَ الحرائرُ في (كربلا)      سترنَ الـوجوهَ براحاتِها

لـمَنْ ترفعونَ الخدورَ وقد      ثـكـلـنَ الـخـدورُ بربَّاتِها

وجـاءتْ لـكافِلِها تستغيثْ      وتبكي العدى لاستغاثاتِها

الشاعر

مهدي بن داود بن سلمان بن داود بن إسماعيل المعروف بـ (الحجَّار)، عالم وفقيه وأديب وشاعر ولد في الحيرة من عائلة تنتمي إلى فخذ الشيخان الذي يعود إلى عشيرة الجبور، وكان جده سلمان على مذهب الوهابية وكان يسكن مدينة الإسكندرية في العراق فانتقل إلى الكوفة سنة 1901 وعمل فلاحاً فيها فتحول إلى المذهب الشيعي.

توفي سلمان في الكوفة وخلّف ولداً هو داود الذي خلّف أربعة أولاد هم: عبد الرضا وهادي وكاظم وأصغرهم مهدي.

وكان داود أميّاً يعمل على استخراج الأحجار من أنقاض الحيرة القديمة ويبيعها في الكوفة فلقب بالحجّار، وقد روى الشيخ محمد حرز الدين عنه قصة غريبة وهي أنه قال:

كنت أنقّب عن الحجارة الدفينة في الأرض ــ قرب الطريق القديم المؤدى إلى الكوفة حوالى الثوية ــ على بعد حدود المائة خطوة من قبر العالم الجليل كميل بن زياد رضى اللّه عنه فعثرت على مكان فيه حجارة وصخرة كبيرة مكتوبة بالخط الكوفى فقلعتها محتفظاً بها وحملتها معي إلى النجف وأريتها العالم الرباني الشيخ الملا علي الخليلي وحكيت له قصتها، ولما قرأها قال لي: احملني إلى مكانها فأركبته دابتي والصخرة أمامه حتى انتهينا إلى موضعها فوضعها فيه وسوّى عليها بعض التراب وقال لي: لا تنبش هاهنا فإنها قبور وجوه أهل الكوفة، وهذا رسم قبر المغيرة بن شعبة كما تحكيه هذه الصخرة، ثم أردف قائلاً: إن في وضع الصخرة بمحلها فوائد سيظهرها التاريخ و الأثر ....

ثم يعقب حرز الدين على هذه الحادثة بالقول: ولعل غرض الشيخ من إعادة الصخرة هو تكذيب لزعم بعض النواصب وافترائهم بأن قبره هو مرقد بطل الإسلام الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في النجف الذى هو منار العالم الإسلامي ومقصده حتى تقوم الساعة ولكن ما أقول لقوم لا حياء لهم، قال الأديب:

من أين تخجلُ أوجهٌ أمويةٌ      سكبتْ بلذّاتِ الفجورِ حيائها (1)

اكتسب لقب الحجّار صبغة أدبية وعلمية حينما نشأ ابنه مهدي وحب العلم والأدب ينبضان فيه فدرس المقدمات وهو لم يتجاوز العشر سنوات وفي سن الخامسة عشر من عمره بدأ كتابة الشعر.

درس الحجار الفقه والأصول والمنطق في النجف الأشرف على يد أعلام العلماء فيها أمثال الشيخ أحمد كاشف الغطاء، والميرزا حسين النائيني، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ أغا ضياء العراقي، والشيخ جواد البلاغي، والشيخ حسون الجابري وظهر ميله للأدب فأسس ندوة أدبية في بيته ضمت مجموعة من الأدباء الشباب الذين نهلوا من علمه وأدبه، وكان من أبرز تلامذته الشيخ محمد جواد السهلاني 

أرسله السيد ابو الحسن الاصفهاني ممثلا عنه في منطقة (المعقل) في البصرة لأداء وظيفته الدينية حتى عاجله الموت هناك فنقل جثمانه إلى النجف وصلى عليه المرجع أبو الحسن الأصفهاني ودفن بوادي السلام.

دلت أقوال الأعلام فيه على شخصيته المبرزة ومزاياه العديدة

قال عنه السيد محسن الأمين: (كان عصامياً طموحاً فسمت همته إلى الدرس والمطالعة ... لقد عاش فقيراً معوزاً ولكن عفيفاً مجدّاً، وكان كل ما حوله يثبط الهمم ولكنه صمد للزمن صموداً كريماً فلم تثبط همته حتى غدا من أعلام النجف فضلاً وعلماً وأدباً وشعراً ...)

ثم ينقل الأمين أقوال بعض الباحثين عنه فيقول: (ويصفه بعض الباحثين في هذه الفترة من حياته بقوله: لقد تجلّى كرمه حين تفتحت عليه الدنيا في البصرة بما كان يغدقه على الضيوف ويصل به ذوي الحاجات من الطلاب والفقراء الذين يقصدونه هناك.

كما وصفه في موضع آخر بقوله: بدأت قريحته تتفتح عن أشعاره الأولى ولما يبلغ الحلم واستهوته النوادي الأدبية والحفلات العلمية والشعرية في النجف الأشرف، ويمكننا ان نعتبر تلك النوادي مدرسته الأولى.

وشاعت جوانب ثقافته فأخذ يشترك في مطارحات الشعراء وأحاديث الأدباء وقد لمع نجمه وأخصبت شاعريته.

وقال يصف إقامته في البصرة: حين انتقل إلى البصرة أصبح مطمح الأنظار ومثار إعجاب مختلف الطبقات، فكان ديوانه دكة القضاء وندوة الأدب ومدرسة التوجيه الإسلامي الصحيح ومعهد الخير ومأوى البؤساء والفقراء. وقد ظل في البصرة خمس عشرة سنة داعية صلاح ونصير إصلاح ....) (2)

وقال عنه الأستاذ علي الخاقاني: (عالم فقيه أديب شاعر أصولي ضليع، وهو بحق مكون جيل خاص). (3)

وقال عنه الشيخ محمد حسين حرز الدين: (كان من أهل الفضيلة والعرفان والكمال، أديب لغوى مهذب شاعر له نظم حسن متوسط في الجودة، حضر الفقه والأصول على علماء عصرنا المتأخر ...) (4)

وقال عنه السيد جواد شبر: (كان يغذي الشباب بالعلوم الدينية والدروس العربية الإسلامية مضافاً إلى حلقة أدبية تضم العشرات من الشباب الذين كانوا يعرضون عليه نتاجهم الأدبي ويعتدون برأيه إذ كان أبرع أقرانه يومذاك ونشرت المطابع قصيدته الشهيرة الطويلة المسماة ب‍ (البلاغ المبين) في العقائد فكان المتأدّبون يحفظونها ويتداولونها ويتدارسون معانيها ومضامينها وله غير هذه مجموعة أراجيز منها أرجوزته المسماة (فوز الدارين في نقض العهدين). (5)

وقال عنه الأستاذ كامل سلمان الجبوري: (ظهر في شعره مصلحاً اجتماعياً واقفاً مع دعاة التجدد والتحضر والتقدم) (6)

كما ترجم له الشيخ أغا بزرك الطهراني (7) والشيخ عبد الحسين الأميني (8) والشيخ محمد هادي الأميني (9) وحميد المطبعي (10)

مؤلفاته

ترك الحجار عدة مؤلفات شعرية ونثرية منها:

شيعة الهدى، في نقد كتاب موسى جار الله

البلاغ المبين، منظومة في المعارف الدينية

أرجوزة في حديث الكساء

فوز الدارين في نقض العهدين

ديوان شعر

شعره

قال من قصيدته الحسينية:

أثِــرهــا تــعــجُّ بـــــــــأصــواتِـهـا      ألا يـا لـفـهـرٍ وثــاراتِــهــا

وقُـدهـا عِـــرابـــــاً ألـفــنَ الــفـــلا      كـأنَّ الـعنا في استراحاتِها

تـخـايـلُ مـن تـحـتِ فـرســـانِــهـــا      تـخـايـلـهـم فـي أريـكـاتِـها

عـلـيـهـا مـن الـصـيـــدِ غــــلّابـــةٌ      تـصـيـدُ الأســودَ بـغـاباتِها

طـلائـعُ هـــــــــاشــمَ يـقـتـادُهـــــا      إلـى الـحـربِ خـيرُ بقيَّاتِها

حــنــانــيـكَ يا خلفَ الــسـالــفـيـنْ      ووارثُــهـا فـي كـرامـاتِـهـا

أعـــــــــدّتــكَ آلُ لــويٍّ لــمَــــــنْ      لـواهـا وســوَّدَ رايــاتِــهـــا

فـحـتـى مَ تـغـضـي وأنـتَ الغيورُ      على هضمِها واغتصاباتِها

أمـثـل ابـنِ هـندٍ يــمــيــتُ الـبتولَ      بــفــادحِ خـطـبٍ رزيَّــاتِها

ومــثــلَ أمــيّــةَ تـلــكَ الــــتـــــي      تـبـيـتُ نـشـاوى بـحـانـاتِها

تـــــــــغـالـبُ مـثـلَ بـنـي غالــبٍ      وتــدفــعُـهـا عـن مــقاماتِها

لـذاكَ أبــى ذاكَ ربُّ الإبــــــــــــا      فـأرسـى عـلى غاضرياتِها

ودكَّ مـن الـطـفِّ أطــوادَهــــــــا      بـآسـادِ فـهـرٍ وســاداتِــهـــا

كـمـاةٌ يـهـابُ الــردى بــطـشَـهـا      ويخشى القضا من ملاقاتِها

دعـاهـا إلـى الـحـربِ مـحـبـوبُها      فـخـاضـتـه قـبـلَ إجـابـاتِـها

وهـبَّــتْ ونـاهـيـكَ فـيـمـنْ تـهـبُّ      لـتـرضـي الـحـبيبَ بهبَّاتِها

تـرى أن فـي النقعِ نشرَ الـعـبـيـرْ      ومـا ذاكَ إلّا شـذى ذاتِـــها

جلتها من العـزمِ بـيـضُ الصفاحْ      كـأحــســابِــهـا وكـنـيَّــاتِـها

صـحـائـفُ تقـرأ مـنـهـا الـكـمـاةُ      (إنّــا فــتــحــنــا) وآيـــاتِـها

فـتـبـغـي الـفرارَ وكـيـفَ الـفرارُ      وأرجـلُـها فـــوقَ هــامـاتِها

لـقـد تـاجرتْ ربَّـهـا فـي النفوسْ      وقـد ربـحـتْ في تـجاراتِها

ومُذ أرخـصتْ سـومَــهـا لـلهدى      أراهـا الــمنى في مـنـيَّاتِها

برأدِ الـضحـى نزلتْ (كـربلاء)      وفـي الـلـيلِ بـاتتْ بجنَّاتِـهـا

تـهاوتْ ولــيــسَ تُـعابُ الـنجومْ      إذا ما تـهـاوتْ كـعــــاداتِـها

وباتتْ على الأرضِ مثلَ البدور      عراها الـخـسـوفُ بهالاتِها

مــغــسَّـــلـةً فـي جـراحـاتِـــهــا      مـكـفّـنـةً فـي شـهــاداتِــــهـا

ولـمّـا رأى الــســبــط أنــصارَه      سـقـتـها الـحتوفُ بـكاساتِها

رقـى ضـامـراً ونــضـا صارماً      فـقـرَّبَ أشـراطَ سـاعــاتِـها

وحـيـنَ انـبـرى نــحـوَ هـاماتِها      بـراهـا ابـنُ خيرِ بـريَّــاتِـها

يــنــادي بــآجــالِـــهــا ســيــفُـه      فـتـأتـيـهِ مـن قـبـلِ أوقــاتِها

كـأنَّ الـجـمـاجــمَ مــشـغــوفـــةٌ      بـهِ فـهـيَ تـأتــيـهِ من ذاتِها

ترى الأرضَ ترجفُ من تحتِهِ      بـأحـيـائِــــهـا وبـأمــواتِـهــا

لـكِ الـوهنُ يا أرضُ عن ثابتٍ      يـزلـزلُ سـبـعَ سـمـاواتِـــها

ولـمَّا رأى أن هـذي الـنـفـوسْ      جـمـيـعاً رهـائنَ مـيـقـاتِـهــا

فـشـاقـتـه مـنـزلـةَ الـصـالحينْ      فـتـاقَ رواحـاً لــغـايـــاتِـهــا

قـضـى ابـنُ عـلـيٍّ فـيـا هاشم      قـعـي بـعـده فـي مــذلّاتِــــها

لـمَـن أنـتَ مِـن بـعـده للورى      لآرائِـهـا أم لـحـــــاجــاتِــهــا

ألطماً على الصدرِ من بعدما      غــدا صدرُه رهـنَ غــاراتِها

حــرامٌ عـلـى غـالـبٍ أن تـبلَّ      بـالـمـاءِ حـرَّ حــشـاشـاتِــهـا

وتــلـكَ يـتـامـاهـمُ تـشـتــكــي      وفـي الـمـاءِ جـلَّ شـكـاياتِها

ويــا آلَ فــهـرٍ لـقـد حـــقَّ أن      تـمــيــطوا خبا عـلـويّــاتِــها

فـتـلــكَ الـحرائرُ في (كربلا)      سـتـرنَ الـوجــــوهَ براحاتِها

لمَنْ تـرفـعـونَ الـخـدورَ وقـد      ثُـكـلـنَ الـخـدورُ بـربَّـاتِــــها

وجـاءتْ لــكـافِـلِـهـا تستغيثْ      وتـبـكـي الـعدى لاسـتغاثاتِها

محمد طاهر الصفار

............................................................

1 ــ معارف الرجال ج 3 ص 161

2 ــ أعيان الشيعة ج ١٠ ص ١٤٧

3 ــ شعراء الغري ج 12 ص 206

4 ــ معارف الرجال في تراجم العلماء و الادباء ج ٣ ص 159

5 ــ أدب الطف ج 10 ص 313

6 ــ معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002 ج 6 ص 278

7 ــ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 9 ص 232

8 ــ الغدير ج 3 ص 325

9 ــ معجم رجال الفكر والأدب ج 1 ص 393

10 ــ أعلام العراق في القرن العشرين ج 3 ص 249

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار