276 ــ عباس المكي: (1110 ــ 1179 هــ / 1698 ــ 1765 م)

عباس المكي: (1110 ــ 1179 هــ / 1698 ــ 1765 م)

قال في المقدمة التي وضعها لأرجوزة الحر العاملي والتي ضمَّت سيرة حياة الإمام الحسين (عليه السلام) وذكر أولاده وبناته وزوجاته ومعجزاته وفضائله واستشهاده في كربلاء وتبلغ (60) بيتاً:

للهِ أيـامٌ مــضـتْ بـ (كــربـــلا)     مـحـروسـةٌ مـن كـلِّ كربٍ وبلا

بمشهدِ الطهرِ الحسينِ ذي العلا     ونسلِ خيرِ الخلقِ في كلِّ الـملا

فـحـفّـنـي بــجـــودِهِ تــفــضّــلا     ونـلـتُ مـا كـنـتُ لــه مُــؤمِّـــلا (1)

الشاعر:

السيد عباس الموسوي المكي: عالم وشاعر وأديب ورحالة من أعلام الشيعة الإمامية، ولد في مكة المكرمة، (2) وينتمي إلى أسرة علمية لمعت منها أسماء كثيرة في سماء العلم والأدب ويعود نسبها الشريف إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) فهو:

السيد عباس بن السيد علي بن نور الدين علي بن علي نور الدين بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن محمد بن تاج الدين المعروف بأبي الحسن العاملي الموسوي ــــ جد السادة آل شرف الدين وآل الصدر وآل المرتضى وآل نور الدين في جبل عامل ــــ بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن حمزة بن سعد الله بن حمزة بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن طاهر بن الحسين بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) (3)

ويعود أصل هذه الأسرة إلى جبل عامل، وكان أول من هاجر منها إلى مكة هو السيد نور الدين علي ــ جد الشاعر ــ (4) فولد فيها ابنه السيد علي وحفيده السيد عباس، وكان لهذه الأسرة ثقلها العلمي والأدبي حيث تصدّر رجالاتها مجالس العلم والأدب وعناوين المؤلفات، فورث المكي عنهم هذه المآثر ومن آبائه وأجداده العلماء الأعلام:

1 ــ السيد محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي صاحب كتاب مدارك الأحكام وهو شقيق جده، كان من أعلام العلماء قال عنه التفريشي: (سيّد من ساداتنا، وشيخ من مشايخنا، وفقيه من فقهائنا) (5)

2 ــ السيد حسين بن محمد بن علي بن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي والذي كان معاصراً للشهيد الثاني وقد زوّجه ابنته. قال عنه السيد الأمين: (كان من أجلة سادات جبل عامل وله مؤلفات عديدة. كان شيخ الإسلام يعني أقضى القضاة بالمشهد المقدس على مشرفه السلام وكان مدرساً في الحضرة الشريفة في القبة الكبيرة الشرقية) (6)

3 ــ السيد علي نور الدين بن الحسين الذي قال عنه الحر العاملي: (كان عالماً فاضلاً أديباً شاعراً مُنشئاً، جليل القدر عظيم الشأن الحر العاملي) (7)

4 ــ السيد نور الدين علي بن علي نور الدين، الذي وصفه السيد يوسف البحراني بقوله: (كان فاضلاً محققاً مشاراً إليه في وقته وقد حضر درسه الشيخ الحر العاملي في جبل عامل) (8).

عاش السيد عباس المكي حياة مثيرة ومليئة بالترحال أضافت له الكثير من التجارب خاصة أنه دوّن كل ما رآه في رحلاته الكثيرة في كتابه (نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس) (9) ففي سن التاسعة من عمره مات أبوه، فذاق مرارة اليتم منذ نعومة أظفاره فتولى تربيته والعناية به أخواه السيد مصطفى والسيد سلمان، (10) ولم تذكر كتب التاريخ شيئاً عن حياته الأولى ودراسته سوى ما دوّنه هو في مذكراته ورحلاته وقد ذكر من أساتذته:

1 ــ السيد نصر الله الحائري الفائزي الذي كان أول أستاذ له وقد التقى به عام (1130هـ / 1717 م) وقد جاء الحائري من كربلاء لإداء فريضة الحج وقد وجد السيد عباس فيه ما تطمح إليه نفسه، وأثار كوامنها في الرغبة في العلم والتعلم كما صرح هو بذلك قائلاً يصف لقاءه الأول بالحائري:

 (كنت مغرماً بفنّ القريض، رائعاً في روضه الأريض، مولعاً بإنشائه وإنشاده... لكني لم أظفر بمن يثقف قناتي، ويجلو صدأ مرآتي، فلذا كان يخفى تارة وتارة يستبين...ظفرت بجهينة الأخبار, ونادرة الفلك الدوار, من هو من غير الفضائل والمكارم بري مولانا أبي الفتح السيد نصر الله بن حسين الحسيني الحائري الفائزي, فأنشدني لسان الحال على سبيل الاستعجال:

ظفرتَ بالكنزِ فاحملْ من نفائسِهِ    وقد وقفتَ ببحرِ الفضلِ فاغترفِ

فسقاني بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين وناولني راية الأدب فتناولها عرابة فكر باليمين:

ومن كان الهزارُ له دليلاً    يمرُّ به على وردٍ نضيدِ

فاشتغلت بالطلب لديه ففتح الفتاح ومنح, وجاد لي الوقت ببغيتي, ونلت الأدب، وكان اجتماعي به بمكة المشرفة عام 1130 هـ

وكان المكي يعتز بتلمذته على يد الحائري وقد أثنى عليه في أكثر من موضع وهو الذي أشار عليه بالسفر معه إلى العراق وحثه على ذلك وأنشده قول أمير المؤمنين (عليه السلام):

تغرّبْ عن الأوطانِ في طلبِ العلى   وسافرْ ففي الأسفارِ خمسُ فوائدِ

تــفــرُّجُ هـــــمٍ واكــتسـابُ معيشةٍ    وعلــــــمٌ وآدابٌ وصــحبةُ ماجدِ

فإن قيلَ في الأسفـــــارِ ذُلٌ ومحنةٌ    وقطعُ الفيــافي وارتكابُ الشدائدِ

فموتُ الفتى خيــــــرٌ له من مقامِهِ    بدارِ هــــــوانٍ بين واشٍ وحاسدِ (11)

ومن أساتذته الذين ذكرهم أيضاً:

السيد عبد الله بن جعفر باعلوي الملقب بمدهر وقد وصفه بقوله: شيخنا وأستاذنا العالم العلامة الحبر الفهامة

السيد بدر بن غالب الرفاعي اجتمع به في مدينة كوندو الهندية

السيد علي نقيب القادرية ببغداد

الشيخ محمد بن أحمد عقيلة الأحمدي الشناوي الصوفي الحنفي المكي

السيد يوسف بن عبد الرحيم الرفاعي

الشيخ عبد اللطيف ــ نجل عمته (12)

وبالرجوع إلى ما كتبه عن حياته وتسليط الضوء على ذلك نجد أنه عاش حياة قاسية ومريرة، فقد شاءت له الأقدار أن لا يستقر في مكان بسبب حياته المادية المتدهورة والتي دعته إلى الهجرة من موطنه وموطن آبائه والنزوح عنها والتغرّب في البلدان البعيدة. وسنستعرض بإيجاز تفاصيل رحلته ومدوَّناته. 

كانت سفرته مع أستاذه السيد نصر الله هذه هي نواة أسفاره الكثيرة التي تلتها والتي تمخّضت عنها الكثير من التجارب والفوائد التي صقلت شخصيته وغذّت ملكته النفسية والعلمية والأدبية فيقول عن سفره:

لم أغتربْ إلا لأكتــسبَ العُـــــــلى     فأسقيَ منه كـــلَّ ذي ظمأ سجلا

ويعلو الغمامُ الأرضَ من أجـلِ أنه     يسوقُ إليها وهي لن تبرحَ الوبلا

إذا ما قضتْ نفسي من العزِّ حاجةً     فلستُ أبالي الدهرَ أملى لها أم لا

ورغم أنه يعز عليه أن يفارق بيت الله الحرام ومآثر أجداده العظام:

بلادٌ بها نِيـطت عليّ تمائمي     وأول أرضٍ مسّ جلدي ترابُها

لكنه يتأسى برسول الله (صلى الله عليه وآله) حينما تعرّض لأذى المشركين فهاجر منها إلى المدينة المنورة, كما يتألم من غدر الزمان الذي من شأنه محاربة النفوس الأبية أمثاله:

هذا الزمانُ على ما فيهِ من كدرٍ     حكى انقـــلابَ ليــاليه بأهليه

غـديـرُ مـاءٍ تـراءى فـي أسـافلِه     خيال قومٍ تمشّــوا في نواحيه

فالرجلُ تـنـظـر موفوعاً أسافلها     والرأسُ ينظرُ منكوساً أعاليه

وكان مما ينكأ جراحه ويزيدها إيلاماً انه تعرّض للأذى من أقرب أقربائه حسب قوله:

(وبليت فيه بأقارب هم في الحقيقة كالعقارب, وأصحاب وإخوان أشد أذية من الثعبان):

وإخوانٌ تخـــذتهمُ دروعـاً     فـكـانـوهــا ولـكـن للأعــادي

وخـلتهمُ سهاماً صـــائباتٍ     فـكـانـوهـا ولــكن في فـؤادي

وقالوا قد صفتْ منا قلوبٌ     لقد صدقوا ولكن عـن ودادي

وقالوا قد سعينا كل سعـيٍ     لقد صدقوا ولكن في فســادي

هذه كانت معاناته في بلاده والتي اضطرته إلى مغادرتها وقد وجد في أستاذه الأول نصر الله الحائري من العطف والمودة ما جعله يتشوّق إلى السفر, ويتأهب له وكانت رحلته الأولى بعد انقضاء موسم الحج عام (1131هـ / 1718 م) مع السيد الحائري إلى العراق.

وصل المكي إلى النجف الأشرف عام 1131 هـ , وقد لاقى في هذه المدينة من الحفاوة والتكريم ما جعله يسلو عن أهله وموطنه وكان نزوله في دار الشيخ إبراهيم الخميسي فأقام مدة شهر اجتمع خلالها بالعلماء الأعلام في هذه المدينة كما اجتمع بحاكم النجف يومئذ السيد مراد بن السيد أحمد. وقد أكرم الجميع وفادته (13)

وفي نفس العام زار كربلاء فأقام فيها لمدة شهرين وعن رحلته هذه قال يصفها: (فلما أسفر الصباح عن وجه الهنا والانشراح رابع ربيع الأول عام (1131هـ) توكّلنا على الرب العلي ورحلنا من مشهد علي (عليه السلام) قاصدين زيارة الشهيد المدفون بكربلاء الحسين بن علي (عليهما السلام) ومن معه من الشهداء الصابرين.

ففي خامس الشهر المذكور أتينا على الموضع الذي يسمى بالخان الأخير ومررنا في طريقنا بقبر النبي ذي الكفل (عليه السلام) فزرنا وبلغنا المرام وفي سادس الشهر دخلنا أرض الحائر مشهد الحسين الطاهر سلام الله عليه وعلى أخيه وعلى جده وأبيه وأمه وبنيه وسائر مواليه ومحبيه). (14)

ثم قال يصف الضريح الطاهر:

(فتشرفت والحمد لله بالزيارة ولاح لي من جنابه الشريف إشارة فاني قصدته لحال وما كل ما يعلم يقال وقرّت عيني بزيارة الشهيد علي الأصغر بن مولانا الحسين الشهيد الأكبر وزيارة سيدي الشهيد العباس بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) وأما ضريح سيدي الحسين فبه جملة قناديل من الورق (15) المرصّع، والعين (16) ما يبهت العين, ومن أنواع الجواهر الثمينة ما يساوي خراج مدينة، وأغلب ذلك من ملوك العجم وعلى رأسه الشريف قنديل من الذهب الأحمر، يبلغ وزنه مّنّين (14) بل أكثر، وقد عقدت عليه قبة رفيعة السماك متصلة بالأفلاك, وبناؤها عجيب صنعه حكيم لبيب ...) ثم يسترسل في وصف الضريح ومحتوياته بأسلوب دقيق.

وعندما يصل إلى وصف المدينة يقول: (وقد أقمت شهرين بمشهد مولاي الحسين (عليه السلام) بلدة من كل المكاره جُنة كأنها من رياض الجنة، نخيلها باسقات, وماؤها عذب زلال من شط الفرات، وأقمارها مبدرة، وأنوارها مسفرة، ووجوه قاطنيها ضاحكة مستبشرة وقصورها كغرف من الجنان مصنوعة فيها سُرر مرفوعة وأكواب موضوعة وفواكهها مختلفة الألوان، وأطيارها تسبح الرحمن على الأغصان، وبساتينها مشرقة بأنواع الورود والزهور وعرف ترابها كالمسك ولونه كالكافور، وأهلها كرام أماثل ليس لهم في عصرهم مماثل, لم تلق فيهم غير عزيز جليل, ورئيس صاحب خلق وخلق جميل, وعالم وفاضل وماجد عادل, يحبون الغريب ويصلونه من برهم بأوفر نصيب ..

ثم يرد المكي على ابن إياس الحنفي في كتابه (نشق الأزهار في عجائب الأقطار) قوله في ذم أهل كربلاء بالقول: (ولا تلتفت إلى قول ابن إياس في نشق الأزهار بأنهم من البخلاء الأشرار فلله خرق العادة فإنهم فوق ما أصف وزيادة). ثم يقول:

هـيّنون ليّنون أيـــــــسارٌ ذووا كرمٍ     سواس مكــــــــــرمةٍ أبنـــاءُ أيسارِ

ان يُسألوا الحقَّ يعطوه وان خبروا     في الجهدِ أدركَ عــنهم طيبُ أخبارِ

لا ينطقون عن الفـحـشاءِ إن نطقوا     ولا يمـــــــــارونَ إن مـاروا بإكثار

فيهم ومنـــــــــهم يعدُّ الـمـجدُ متّلداً     ولا يعــــــــــــــد ثنا خزيٍّ ولا عارِ

من تلقَ منهم تـــقلْ لاقـيـتَ سيَّدَهم     مثل النجومِ التي يسري بها الساري) (17)

وابن إياس هذا هو محمد بنى إياس المصري، وقد ذكره وكتابه وقوله السيد محمد حسن مصطفى الكليدار حيث يقول: (يوجد هذا الكتاب ــ أي نشق الأزهار ــ في مكتبة جامع الأزهر بالقاهرة تحت رقم (6639) وقد فرغ من تأليفه سنة (922هـ) يقول في صفحة (109) عند ذكر كربلاء ما يلي: (وهذه بليدة صغيرة بأرض العراق وبها قتل الحسين بن علي وأهلها أهل شر وفتن وبها دفنت جثة الحسين)

ويرد الكليدار على ابن إياس بالقول: (وهذا الكلام من قبل ابن إياس لا يُلتفت إليه بحال ولا يؤبه به فقائله من عُرف بأكاذيبه ومضحكاته) (18)

وابن إياس هذا هو صاحب كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) المليء بالأساطير والخزغبلات والخرافات.

قالوا فيه

يعد المكي علم من أعلام الأمة الإسلامية وفذ من أفذاذ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) كان جوّاب آفاق لا يفتأ عن شد الرحال لطلب العلم وتعليمه فكان مدرسة متنقلة نهل منها الكثير ولا تزال تتدفق بنميرها من خلال آثاره التي تركها للأجيال.

كما كان يحظى بمكانة كبيرة وحفاوة بالغة عند كل بلد يزوره لما اجتمعت فيه من الخصال الكريمة، والمآثر الحميدة، والأدب الرفيع، والعلم الجم، وقد أثنى عليه كل من رآه والتقاه وسمع حديثه وكذلك كل من قرأ له بعد وفاته.

فقد ذكره الشرواني اليماني فقال: (السيد عباس بن علي الموسوي المكي صاحب (نزهة الجليس) المحتوي على كل معنى نفيس فصيح، ألبسه حلّه الكمال، وبليغ نسج القريض، على أحسن منوال). ثم ذكر نماذج من شعره (19).

كما ذكره الشيخ علي بن محمد السبيتي العاملي الكفراوي فقال: (كعبة أهل الأدب، وجهبذ الجهابذة في لغة العرب العباس بن علي...). ثم ذكر بعض رحلاته وترجمته (20)

وقال عنه العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني: (العالم الفاضل, الكامل الناظم الناثر، الجامع لكل الفضائل، المؤرخ النسّابة المفسّر المحدث... الخ). (21)

وقال عنه السيد جواد شبر: (من أعلام القرن الثاني عشر قدم إلى كربلاء في عام ١١٣١ هـ وكان نادرة عصره وألمعي دهره ممن صاغ النظم والنثر أحسن صياغة ويعرف بالرحالة عباس بن علي بن حيدر بن نور الدين المكي الموسوي الحسيني صاحب التصانيف القيمة ومنها ( نزهة الجليس ومنية الأدب الأنيس ) كان جوالاً في الآفاق في طلب العلم ، أخذ الرواية عن أستاذه أبي الفتح السيد نصر الله الحائري أثناء أدائه فريضة الحج بصحبة والده عام ١١٣٠ هـ. .... نال حظوة في العلم والكمال ودرجة قصوى بالأدب وها هو كتابه ( نزهة الجليس ) يعطي صورة عنه، وكان يحسن عدة لغات كالتركية والفارسية والهندية وهي التي أجادها بحكم أسفاره..) (22)

آثاره ومؤلفاته

الأثر الوحيد الذي بقي من مؤلفاته هو كتاب (نزهة الجليس ومنية الاديب الانيس) وهو كتابه القيّم، وأثره النفيس الذي أثنى عليه الكثير, وله كتاب آخر هو:

(أزهار الناظرين في أخبار الأولين والآخرين) (23) وقد أحال كثيراً على هذا الكتاب في كتابه نزهة الجليس، ويتبين من خلال هذه الإحالات الكثيرة إلى أنه مؤلف ضخم جامع لشتى العلوم، كما ذكر له الشيخ أغا بزرك الطهراني مؤلف آخر هو:

(أزهار بستان الناظرين في سيرة رسول رب العالمين وأخباره وآثاره) قال عنه العلامة الطهراني: (مجلد كبير ينقل عنه كثيرا المولى المحدث البحاثة المتبحر الشيخ عباس القمي المعاصر في كتابه كحل البصر في سيرة سيد البشر ، الذي ألفه بالمشهد المقدس الرضوي و كان يومئذ متمكنا من الوصول إلى النسخة لأنها كانت في خزانة كتب العلامة الشيخ عبد الحسين بن العلامة الشيخ محمد رحيم البروجردي نزيل المشهد الرضوي و لكن بعد وفاه الشيخ عبد الحسين المذكور انتقلت تلك الخزانة النفيسة بالبيع إلى الحاج حسين آقا المشهور بملك و بقيت عنده حتى الآن مهجورة لا ينتفع بها على ما حدثني بعض الخبراء ، و تضم تلك النسخة قطعة من كتاب نزهة الجليس لمؤلف الأزهار هذا و تاريخ كتابة النسخة سنة 1201 و حسب بعض الفضلاء أنه تاريخ للفراغ و هو غفلة عن تاريخ وفاه المؤلف ، وعد في بغية الراغبين في أحوال آل شرف الدين من تصانيف السيد عباس المذكور كتاب أزهار الناظرين في أخبار الأولين و الآخرين) (24)

شعره

قال من أرجوزته التي قدمناها

للهِ أيامٌ مضـــــــــــــــتْ بــكــربلا     محروســـةٌ من كـلِّ كربٍ وبـلا

بمشهدِ الطهرِ الحسينِ ذي الــعــلا     ونسلِ خيرِ الخـلقِ في كلِّ الـملا

فحفّني بجــــــــــــــــودِهِ تــفــضّلا     ونلتُ ما كـنــــــــــتُ له مـُؤمِّلا

مَن زارَه بالصــــدقِ فــيــه والولا     يعودُ محبـوراً بلا شــــــــكٍّ ولا

فاسمعْ لما قدْ قال ذو الفعلِ الحَسِنْ     محمدُ الحـرُّ الأصيلُ ابن الحسنْ

أما أرجوزة العاملي فيقول فيها:

قد أرّخْ المـــــــــــــولدَ في رجيزَه     مفيـــــــــــــــــــدةٍ جليلةٍ وجيزَه

فقالَ في ذكرِ الحسيـــــــنِ بن علي     نظماً بديعَ القولِ كالصبحِ الجلي

وكيفَ لا وهو الإمـــــــــام الرحله     نجلُ ثقـــــــــــــــــاتٍ قادةٍ أجلّه

خادمُ شرعِ المصطفى والمــــذهبِ     الطيّبُ ابن الطيـــبِ ابن الطيبِ

من ذكره في العُرْبِ ســارٍ والعجمْ     والشامِ والــرومِ إلى أقصى إرمْ

بالفضلِ والتقوى مع العفـــــــــافِ     والبرِّ والإحســـــــانِ والألطافِ

عليه من ربِّ العبـــــــــادِ الرحمة     تعمّـــــــــــــــــــه ولجميعِ الأمّة

فاسمع فهذا قوله المفيــــــــــــــــدُ     قد قالَ وهوَ الفــــــــاضلُ المجيدُ

واسمعْ وقيتَ صــــــولةَ الحوادثْ     نظميَ تــــــــــاريخَ الإمامِ الثالثْ

روحي الفداء للحسيـــــن بن علي     ذي المجدِ والسؤددِ والقــدرِ العلي

مولدُه في عـــــــــامِ أربـعٍ مضتْ     في شهرِ شعبـــانٍ لخمسٍ إنقضت

يومُ الخميسِ سيّــــــــــدي قد ولدا     قيلَ بل الســـــــــابعُ كــان المولدا

وقيل في عامِ ثـــــــــــلاثٍ فاعقلِ     آخر يــــــــــــــومٍ من ربيعِ الأوّلِ

يكنى بعبد الله وهــــــــــــوَ السبط     لم يك مثــــــــــــــــــــله كريم قط

نسبه من أشــــــــــــرفِ الأنسابِ     حَسَبُـــــــــــــه من أكرمِ الأحسابِ

نصّ عليه بالإمــــــــــــامة النبي     فياله من فضــــــــــــلِ مجدٍ عجبِ

وبعده أبـــــــــــــــــــــوه وأخـوهُ     ونال ذاكَ بعـــــــــــــــــــــده بنوهُ

خيرُ الورى في العلمِ والــــزهادة     والفضلِ والحــــــــلمِ وفي العبادة

كرمه وجـــــــــــــــــــوده قد بلغا     ما لم يحط به مقــــــــــــــامُ البلغا

ولذّة الكرامِ فــــــــــــــي الإطعامِ     ولذّةِ اللئــــــــــــــــــامِ في الطعامِ

فاقَ الورى في الجـودِ والسـماحة     والمجدِ والكمــــــــــالِ والفصاحة

أولاده ستٌ وقيـــــــــــــــلَ عشرُ     وقيلَ تســــــــــــعٌ فانقـدوه وادروا

منهم علي بـــــن الحسيـن الأكبر     ثم عـــــــــلي بن الحسـين الأصغر

فالأوّلُ ابن بــــنت كسـرى الملكِ     ولم يكن في ديـــــــــــنه بالمشركِ

والثاني من ليــلى الفتــاة فاعرفِ     بنت أبـــــــــــــي مرّة أعني الثقفي

وجعفرٌ والأمُ من قضـــــــــــاعة     كانت على ما نقــــــــــــل الجماعة

سكينة أختٌ لعبــــــــــــــــــدِ الله     فاحفظ وفكّر لا تـــــــــكن كاللاهي

من الربابِ الحُـــــــــــــرَّةِ الأبيّة     بنت امرئ القيس الفـــــتى الـكلبية

وفاطمٌ وأمـــــــــــــــها في القوم     بنتٌ لطلــــــــــــحة الشهير التـيمي

قيل ومــــــــــــن أخــوتهم محمدْ     علي الأوســـــــــــــط وهو الأسعدْ

وذاك زين العابديـــــــن الأشهر     وزيــــــــــــــنب بنت الحسين تـذكر

وقتـــــــــــــــله بكربلاء اشتهرا     مضى شهيــــــــــــــداً وبها قد قُـبرا

أمر يزيد وعبيـــــــــــــــــــد الله     ابن زيــــــــــــــــادٍ الخبيث الـلاهي

قاتله سنــــــــــــــــان وابن سعدِ     تعوَّضوا بنحسِـــــــــــــهم عن سـعدِ

إحدى وستـــــــون بها حلّ البلا     بقتلهِ معْ شـــــــــــــــــــهداءِ كـربلا

في عاشرِ المحــــــرَّمِ المنحوسِ     في يومِ سبــــــتٍ ما خلا من بـؤسِ

أو يوم الأثنيـــــــن وقيل الجمعة     حلّ البلا به بتلـــــــــــــــــك البقعة

وعمرُه سبـــــــعٌ وخمسونَ سنة     وبعدها مضى وحـــــــــــــلّ مدفنه

عشرُ سنينِ اختـــــص بالإمامة     بعد أخيــــــــــــــــه إذ مضى أمامه

صلى عليه الله ثم ســـــــــــــلّما     وزاده من فضـــــــــــــــــله وكرّما

والنصُّ فيه جـــــــــاءَ بالإمامة     كما أتى لـمن مضــــــــــــــى أمامه

من ربِّـــــــــــه وجـــدِّه والوالدِ     ومن أخيــــــــــــــــه ويلُ كلّ جاحدِ

ومعجزاتــــــه نــصوص منها     سبـــــــــــــح الحصاة قد رووه عنها

ذلّت له الأســــدُ وكم قد أخبرا     بما يكون فجـــــــــــرى ما قد جرى

وفي إجـــــــــــابةِ الـدعاءِ منه     غرائــــــــــــــــــــبٌ قـد نقلوها عنه

وما جري في قتلهِ مــن عجبِ     من البراهينِ ففكّـــــــــــــر واعـجبِ

وعند نبشِ قبـــــــرِه كم ظهرا     من معجـــــــــــــــزٍ له عجيبٍ بَـهَرا

أحيا له الإلــــــــهُ مـيتاً إذ دعا     في خبــــــــــرٍ صحّ وعاه مَن وعـى

ورأسه إذ سَــــــار يتلو الكهفا     من فــــــــــــــــوقِ رمحٍ أسفاً ولـهـفا

حدث شخصاً ذا شبـاب وصبا     فابيضَّ شعـــــــــــــرُه وصـارَ أشـيبا

أرى الورى أبــــــاه بعد موته     مخــــــــــــــــــاطباً لـهم عقيب فـوته

وابيضّ شعر امــــرأة وشابتْ     فذهبت محــــــــــــــــــــاسنٌ وغـابتْ

ثم دعا فرجع الشبـــــــاب من     بعد إليها فتعــــــــــــــــــجّب واستبنْ

دعا لنخلٍ يابسٍ فاخضـــــــرَّا     وأكلَ الأصحابُ مـنه تمـــــــــــــــرا

وكم وكم من معجـــــزٍ رووه     والحــــــــــــــــــــاضرونَ كلهم رأوه

إلى أصفهان

التقى صاحب الرحلة في كربلاء المقدسة بالسيد حسين الكليدار سادن الحضرة الشريفة الذي جمعه بالأمير حسين أوغلي بيك الذي كان متشرفاً بزيارة الحرم المطهر وهو من أكابر أمراء أصفهان وقد استأذن السلطان بزيارة العتبات المقدسة في العراق فأذن له فأشار عليه الأمير أن يذهب معه إلى أصفهان لكي يجمعه بالشاه حسين الصفوي فوجد عنده الرغبة في ذلك فسافر معه بعد أن تشرّف بزيارة المراقد المقدسة في الكاظمية وسامراء.

وكان لصاحب الرحلة زيارة أخرى لكربلاء بعد زيارته أصفهان ومكة المكرمة فعند وصوله إلى أصفهان نزل في دار الأمير الذي اصطحبه معه إليها وهو حسين أوغلي بيك ولكن لم يطل به المقام في أصفهان فعاد أيام الموسم مع الحجاج إلى مكة المكرمة وخرج لاستقباله أخوه السيد سلمان. (25)

وكأن هذه الرحلة قد حببت إليه السفر فأعاد الكرّة في السنة التالية إلى العراق وزيارة المشاهد المشرفة وزار الحلة ووصف منارة مشهد الشمس، ثم توجه إلى أصفهان ثم إلى شيراز فنزل بدار أمير شيراز وزار عدداً من المدن الإيرانية وزار قبور أولاد الأئمة، ثم خرج منها إلى الإحساء ومنها إلى البصرة, وكان في كل سفراته يسجل مشاهداته الشخصية وملاحظاته الخاصة كما كان يدوّن لقاءاته مع العلماء والأعلام وكل ما رآه من نوادر وآثار كما يفعل الرحالة.

وقد وجد في مدة إقامته في البصرة من الحفاوة والتكريم ما لم يجد مثله في بقية البلدان كما وصف هو ذلك وقد نزل بها في دار الحاج محمود القندي، ومن البصرة صمم على السفر إلى الهند فغادرها سنة (1133هـ) في مركب استأجره له الأمير فارس خان أمير (سورت) فدخل من بلاد الهند بلدة (بندر كنج) وفيها التقى بالعالم الشيخ محمد بن ماجد البحراني، ثم دخل بلدة (عالي مهان) وتولى الحسبة في قرية (ديوهي) ثم بلدة (برهانبور) ثم بلاد (كوند واند) وفي كل هذه البلاد كان في استقباله أمراؤها وأعيانها ووجهاؤها.

ثم وصل إلى (شاه جهان آباد) بصحبة شريف مكة الشيخ أحمد علان وكان في طريقه إلى (أحمد آباد) فصادف إقامته فيها وقوع حرب بين الراجات فغادرها مع ركب عمة الأمير قمر الدين خان وزير السلطان وكانت قاصدة للحج فصحب الركب حتى دخل (سورت) عام (1138هـ).

وفي السنة التالية خرج منها إلى (عدن) ووصل إلى (بندر المخا) وهناك أكرمه حاكمها واحتفى به وأجلّه أيما إجلال وكان حاكمها يومئذ الأمير (أحمد بن يحيى خزندار) فأقام بها حتى عام (1140هـ).

ثم توجه إلى جدّة قاصداً الحج ومنها توجه إلى المدينة المنورة ثم إلى مكة المكرمة, وبعد إداء مناسك الحج غادرها إلى الطائف ثم رجع إلى مكة ولكن بقاؤه لم يدم طويلاً حتى غادرها إلى (بندر اللحية) ثم إلى (بيت الفقيه) ومنها إلى صنعاء ثم إلى (بندر المخا) عام (1142هـ).

وتكررت سفراته بين هذا البلد ــ بندر المخا ــ وموطنه الأصلي حتى استقر في الأول وتزوج فيه عام (1145هـ) وولد فيه ابنه عبد الله ومحمد وكان هذا البلد هو نهاية رحلاته وطوافه حول البلدان حيث ختم رحلته (26)

لكنه رجع في أخر أيامه إلى مسقط رأسه مكة المكرمة فلبث فيها إلى موسم الحج وتوفي هو وولده زين العابدين في سنة واحدة وله من العمر سبعون عاماً أما ولده فلم يتجاوز العشرين من عمره وكان ذلك عام (1180هـ). (27)

هذا ما اشتهر عن مكان وفاته لكن السيد محسن الأمين يقول في ترجمته:

(إنه توفي في (جبشيت) من جبل عامل في حدود سنة (1179هـ) وقد قارب السبعين وكان جده نور الدين هاجر إلى مكة فولد أبوه فيها وولد هو فيها أيضاً). (28)

شعره

كانت حياته المثيرة والمليئة بالترحال قد أضافت له الكثير من التجارب خاصة انه دوّن كل ما رآه في رحلاته الكثيرة في كتابه (نزهة الجليس) كما أضافت إلى علميته وشاعريته الكثير.

فقد كان شاعراً متفنناً في أنماط الشعر ولم يقتصر نظمه للشعر على اللغة العربية فقد كان يتّقن العربية والفارسية والهندية والتركية بحكم أسفاره الكثيرة إلى هذه البلاد وإقامته فيها فاستفاد من أدبها وقرأ لشعرائها واطلع على أساليبهم وأفكارهم واستحسن الكثير منها مما حداه بأن يترجم إلى العربية قصائد الشاعر الهندي (سورداس) وكتب قصائد جمعت اللغات العربية والفارسية والتركية التي كان يتقنها لتقارب حروفها (29)

ذريته

واصل أبناء وأحفاد السيد عباس الموسوي مسيرته العلمية وبرز منهم العلماء والفقهاء والأدباء يقول السيد محسن الأمين: وعقبهما ــ أي السيد عباس وابنه زين العابدين ــ في بلادنا من السيد عبد السلام بن زين العابدين بن عباس المذكور، ولد عبد السلام هذا قبل وفاة أبيه بأيام قلائل وكان من الفقهاء والمحدثين شافهني بذلك كله حفيده المؤرخ الثقة السيد عباس بن عيسى بن عبد السلام عن أبيه السيد عيسى وأوقفني عليه بخط عمه الأديب الفاضل الثقة السيد موسى عباس الشاعر المشهور وذريتهم ميمونة صالحة تعرف ببيت عباس وفيهم الفقهاء والأدباء وهم بطن من بيت أبي الحسن وهو من بيوتات العلم واشتهر منهم في هذا القرن صدر الدين بن صالح كان في أصفهان علم أعلامها ومرجع خواصها وعوامها أدركنا أيامه ولم نلقه وله في أصفهان ذرية نابغة. (30)

...................................................

1 ــ موسوعة العتبات المقدسة ج 8 ــ قسم كربلاء ــ منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ــ بيروت لبنان 1407 هـ / 1987 م ص 141 ــ 144 / كتاب: نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس، للمترجم ــ منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف 1387 هـ / 1967 م مطبعة أمير ــ قم الطبعة الأولى تقديم السيد محمد مهدي الخرسان ج 1 ص 131 ــ 134

2 ــ أعيان الشيعة ج 7 ص 428 / مقدمة نزهة الجليس ص 12

3 ــ مقدمة نزهة الجليس ص 4 / أدب الطف ج 5 ص 383

4 ــ ترجمته في نفس المصدر ص 7 ــ 9

5 ــ نقد الرجال ج 4 ص 270

6 ــ أعيان الشيعة ج 6 - ص 158

7 ــ أمل الآمل ج 1 ص 124 رقم 133

8 ــ لؤلؤة البحرين في الاجازات وتراجم رجال الحديث ص 40

9 ــ طبع في مصر في مجلدين عام (1293 هـ / 1876 م)، كما طبع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة (1387 هـ / 1967 م)

10 ــ مقدمة نزهة الجليس ص 12

11 ــ نفس المصدر ص 12 ــ 13

12 ــ نفس المصدر ص 13

13 ــ نفس المصدر ص 14 ــ 17

14 ــ نفس المصدر ص 131

15 ــ أي الفضة

16 ــ أي الذهب

17 ــ نزهة الجليس ص 134 ــ 135

18 ــ مدينة الحسين ج 3 ص 83

19 ــ حديقة الأفراح ص 93

20 ــ العقد المنضّد ص 122

21 ــ طبقات أعلام الشيعة ج 6 ص 410

22 ــ أدب الطف ج 5 ص 283 ــ 284

23 ــ نزهة الجليس ص 23

24 ــ الذريعة ج 1 ص 233

25 ــ نزهة الجليس ص 17 ــ 19

26 ــ نفس المصدر ص 18 ــ 22

27 ــ نفس المصدر ص 28

28 ــ أعيان الشيعة ج 7 ص 428

29 ــ نزهة الجليس ص 24 ــ 25

30 ــ أعيان الشيعة ج 7 ص 428

كما ترجم له:

الزركلي / الأعلام ج 3 ص 263

حسين علي المصطفى / أعلام الشيعة في الحجاز: من القرن الثالث إلى القرن الحادي عشر ج 2 ص 119 ــ 142

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار