الرؤية الفنية في قصة النبي آدم عليه السلام في القران الكريم

تعتمد هذه القصة عنصر (الحوار) في عرضها لقضية (المولد البشري)...

و(الحوار) ـ كما هو المألوف في الادب القصصي ـ قد يشكل (جزءاً) من اللغة القصصية التي تعتمد كلاً من (السرد) و (الحوار)، أو تستقل بأحدهما في صياغة القصة.

وأهمية (الحوار) تتمثل في مساهمتها بجملة من ظواهر القصص الفنية، منها: الكشف عن الأحداث وتطويرها، والكشف عن أعماق الابطال فيما لا يتاح لنا ان نحيط بخفاياها لولا هذا العنصر الحيوي في القصة.

المهم ان مستويات (الحوار) وأشكاله ستتحدد عند متابعتنا لقصص القرآن، ويعنينا الآن ان نقف عند أول نماذجه، وهو قصة آدم فيما بدأت بهذا النحو من الحوار بين (الله) والملائكة:

(واذ قال ربك للملائكة: (اني جاعلٌ في الأرض خليفة). قالوا:(أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك، ونقدس لك؟)قال:(اني اعلم مالا تعلمون).

لقد كشف هذا الحوار عن (التصور الملائكي) للتجربة الأرضية الجديدة، مثلما كشف عن حجم (المعرفة) التي اوكلتها السماء إليهم.

الملائكة يشكلّون نموذجاً خاصاً من مخلوقات الله، كما ان طبيعة تركيبتهم قائمة على الامتثال لأوامر الله: نظراً لكونهم لا يتجاذبهم طرفان من الدوافع التي تطبع الكائن الآدمي (العقل والشهوة) بل يتحركون من خلال (دافع) واحد هو: (العقل) أو (الخير) أو(الموضوعية).

وهذا يعني، انّ القارئ ـ وهو مقتنع بالسمة الملائكية المذكورة ـ يظل في تساؤل ودهشة حيال موقفهم من وجود (خليفة) في الأرض.

بيد ان الأهم من ذلك، انّ عنصر (الحوار) هو الذي تكفل بالكشف عن أسرار الفكر الملائكي في هذا الصدد.

كان من الممكن مثلاً، أن تفصح القصة عن موقف الملائكة المذكور من خلال عنصر (السرد)، كأن تقول القصة:

خُيّل للملائكة بانّ وجود الآدميين في الأرض يستتبع فساداً وسفكاً للدم، بخلاف العنصر الملائكي الذي يتمحّض للحمد والتقديس.

إلاّ ان القصة إتجهت الى (الحوار) بدلاً من (السرد)، مستهدفةً من ذلك ـ في احتمالنا الفنّي ـ حقيقتين:

إحداهما: ان نتعرف على دقائق افكار الملائكة، من حلال ألسنتهم مباشرة، مادمنا نُدرك جميعاً أنّ الاستماع المباشر أشدّ حيويةً وإمتاعاً من مجرّد النقل والإخبار.

ثانياً: ان نتعرّف على (المفارقات) التي يشي بها سلوك الشخصية المتحاورة، فيما ينبغي أن تُعهد إليها مباشرة دون (تدخّلٍ) من مبدع النص، إلا بعد انتهاء الحوار. وهو أمرٌ قد حققته القصة فعلاً، حينما عقبت على موقف الملائكة، بهذه الاجابة: (اني: اعلم ما لا تعلمون).

(الحوار) ـ إذاً ـ تكفّل بمهمّة فنيّة هي: الكشف عن أفكار الملائكة بكل دفائقها حيال خليفة الأرض.

طبيعي، قد يتساءل القارئ عن سبب هذا الموقف الملائكي حيال خليفة الأرض، مع معرفته بتركيبتهم التي يتجاذبها طرفان من الصراع بين الخير والشر، أو العقل والشهوة.

القصة ساكتةٌ ـ فنّياً ـ عن هذا الجانب. الا أنّ النصوص المفسرة، تكفلت بشيءٍ من توضيح الجانب المذكور، فيما أوضح بعضها انّ تساؤل الملائكة كان على نحو الاستخبار، وليس على وجه الاعتراض. بيد أن نصوصاً تفسيرية أخرى، قررت بأنّ الملائكة ادركوا خطأ موققهم، وتابوا إلى الله.

وأياً كان، فإن وجه التساؤل هو (حسب بعض النصوص المفسرة) وجود تجربة أرضية لعنصر (الجانّ)، حيث أفسدوا في الأرض، فبعث الله الملائكة واجلوهم عنها، وجعلوا مكانهم. ولذلك تساءلوا عن السرّ في إعادة تجربةٍ أرضيّة جديدة.

والأهمّ من ذلك هو: أنّ سكوت النص عن تحديد السبب، يظل (من الوجهة الفنية) مرتبطاً بهدف القصة التي تشدّد على إبراز (علم الله)، والى انّ (الملائكة) الذين اختيروا وفق تركيبة خاصة،... حتى هؤلاء لا يمكنهم ان يقفوا على الأسرار وما تنطوي عليه من الحكم والمصالح.

ومن هنا جاء تعقيب القصة على تساؤلهم المذكور، بانّ الله (يعلم ما لا يعلمون) تأكيداّ لهذه الحقيقة الفنية التي اشرنا إليها.

مضافاً لذلك، فإنّ سرّاً فنّياً آخر، يكمن وراء الحقيقة المذكورة، وهي: إكساب الشخصية الآدمية قدراً ضخماً من التقدير والتفضيل، تكفّل القسم الثاني من القصة بتحديده.

القسم الثاني من القصة، يبدأ على النحو:

(وعلّم آدم الاسماء كلّها. ثمّ عَرضَهم على الملائكة).

فقال:

(آنبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين).

قالوا:

(سبحانك لا علم لنا الاما علمتنا، انّك انت العليم الحكيم).

قال:

(ياآدمُ، أنبئهم باسمائهم).

(فلما أنبأهم باسمائهم).

قال:

(أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ).

انّ هذا الحوار الجديد بين الله والملائكة، يكشف عن أسرار فنّية جديدة تتصل بسمات الملائكة والآدميين.

القارئ يستكشف بانّ هدف القصة في هذه الشريحة الجزئية منها، هو: إبراز (علم الله) الذي لا يرقى إليه المخلوقون أيّاً كانوا، من جانب، وإكساب الشخصية الآدمية قيمةً قد تفوق الملائكة، من جانبٍ آخر.

فها هم الملائكة الذين تساءلوا عن سر التجربة الأرضية الجديدة، قد واجهوا تجربة جديدة لم تخطر ببالهم، ألا وهي: انّ آدم الذي تساءلوا عنه قد أفاض الله عليه (علماً) لم يكن الملائكة على إحاطة به. وهنا اقروا بعدم علمهم، وادركوا بانّ تساؤلهم ـ أو بالاحرى، أدرك القارئ ـ بأن التساؤل المذكور ناجمٌ من القصور المعرفي عند الكائنات جميعاً، والى انّ الله جعل من الخلافة الأرضية تجربةً خاصةً أكسبها للادميين بنحوٍ فضلهم من خلاله على كثير ممن خلق تفضيلا...

هذا الاستخلاص للدلالة المذكورة، لم تحدّده القصة مباشرة، بل تركتنا ـ نحن القرّاء ـ نستكشفه من خلال لغة الفنّ الذي يكتسب خطورة بقدر ما يجعل القارىء مساهماً في عمليات الاستكشاف الذهني،... وهي حقيقة يعرفها كل من اُوتي خبرة في تذوّق النص القصصي.

ومن هنا يمكننا ان ندرك دلالة ما أوضحه الامام علي ـ عليه السلام ـ حينما قرّر حقيقة التركيبة الدافعية لكلٍ من الآدميين والملائكة، على النحو الذي استشهدنا به سابقاً وتعقبه على ذلك: (فمن غلب عقلُه شهوته كان خيراً من الملائكة).

وسنرى ـ فضلاً عما تقدم ـ انّ الأمر بسجود الملائكة لآدم، يظل حاملاً شيئاً من الحقيقة المذكورة، وهو ما يتكفل القسم الثالث من القصة بعرضه.

يبدأ القسم الثالث من القصة، على هذا النحو:

(وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم).

(فسجدوا، إلا أبليس ابى واستكبر، وكان من الكافرين)

لقد تدرّجت القصةُ ـ فنّياً ـ في صياغتها لهذه الحقيقة، ونعني بها: أهمية الكائن الآدمي. ففي القسم الاول من القصة (اني جاعلٌ في الأرض خليفة) حددت بنحوٍ مجمل أهمية هذا الكائن، بحيث سحبت عليه سمة (الخليفة). وفي القسم الثاني، أو ضحت بعض الأسرار المتصلة بهذا الكائن، فجعلته موضع تقدير خاص هو: إيداعه (علماً) لم يتوفر حتى عند الملائكة. وفي القسم الثالث، جاءت المطالبة بسجود الملائكة له، أشعاراً باهميته المذكورة، بعد ان مهدت لذلك، بعضاً من أسباب الأمر بالسجود له.

وبهذا النحو من البناء العماري للأقسام الثلاثة من القصة، أفرزت أهمّية (الخليفة) في الأرض: من حيث الموازنة بينه وبين الملائكة.

وأمّا من حيث العلاقة بين الكائنين [الآدمييّن والملائكة] فقد تدرّجت القصة ـ فنّياّ ـ في صياغة الموقف الملائكي من الخليفة في الأرض فالاولى، مهدت القصةُ بموقف متحفظ لدى الملائكة، هو: التساؤل والدهشة من جعْل مثل هذا الخليفة. والثانية، انتقلت من موقفٍ (متحفظ) لدى الملائكة، الى رسم موقف (متمرد) صراحةً.

في هذا القسم من القصة، او في هذا الموقف (المتمرد) على السجود، تدخل القصة شخصيةٌ جديدة هي (إبليس).

وقد أحاطت القصة، هذه الشخصية بغموض فني من حيث صلته بعنصر الملائكة.

وسبب هذا الغموض، يعود إلى أسرار فنية تخصّ صياغة الشكل القصصي. فالقصة ـ كما قلنما سابقاً ـ ليست في صدد عرض الحقائق المتصلة بتركيبة الملائكة وافتراقهم عن الآدميين، أو نقاط الالتقاء بين العنصرين، بقدر ما هي في صدد إبراز أهمّية الكائن الآدمي عبْر ممارسته لوظيفة العبادة أو الخلافة. لذلك أهملت كل ما تيصل بالفارقية بين العنصرين، وشددت على ابراز كلّ ما يتصل بأهمية العنصر الآدمي.

أما نصوص التفسير، فهي التي تتكفّل بإبراز سائر الحقائق المتصلة بهذا الجانب أو ذاك، ما دام هدفها توضيح ما أبهم، بخلاف (القصة) التي يظل هدفُها عرض الحقائق وفق هندسةٍ خاصةٍ تتصل بعملية التلقّي وطرائق الاستجابة المؤثرة.

والمهم ان نصوص التفسير، قد تفاوتت في تحديد شخصية (إبليس) الذي ابهمها الجديدة: ميلاد البشرية. فالتجربة تتطلب طرفين من الصراع، من الممكن تجاوزها مادام (العلم) الذي اودعته السماء في الشخصية الآدمية، كفيل بإنارة الطريق لها، وتنكب الدروبّ التي تنشر الحجارة فيها هنا وهناك هذا هو (الهدف) الذي ينتظم القصة... والمهم (من الزاوية الفنية) ان القصة، رسمت (موازنة) بين تجربة (الخلافة) في الارض، وبين تجربتها قبل الهبوط الى الأرض. بين تجربة أدم ـ عليه السلام ـ وهو في الجنة: يتعرض لصراع، وبين تجربة الآدميين وهم في الأرض: يتعرضون لصراع... هذه (الموازنة) ينبغي ان نقف عندها، ونتأملها بدقة، ما دمنا نعرف أنّ القصص القرآني حينما يتجه الى شكل فني خاص، إنا يستهدف من ذلك، إلقاء انارة ضخمة على دلالات القصة قبل كل شيء وافادتنا ـ نحن القراء ـ من ذلك، في محاولتنا لتعديل السلوك عبر مهمة خلافتنا في الأرض.

وفي ضوء هذا، يمكننا الآن أن نتابع تفصيلاً، طريقة رسم الوقائع والمواقف والشخصيات، حتى نتبين اسرار الفن وراء ذلك.

ولعل الوقوف على رسم (الابطال)، يتكفل بتوضيح سائر العناصر القصصية الاخرى.

فلنقف ـ اذن ـ عندها.

لقد انشطر شخوص القصة الى ملامح محددة مثل: آدم، حواء، ابليس. والى ملامح مبهمة مثل: الملائكة.

وانشطروا الى نمطين ايضاً، شخصيات رئيسة مثل آدم، وثانوية مثل: ابليس، حواء، الملائكة.

كما ان الأبطال قد انشطروا الى نمطين: انس وملائكة، أو إنس وملائكة مضافاً الى جنسهم المماثل: الجن.

وأخيراً، رُسم الابطال جميعاً، بملامح النّمو حسب اللغة القصصية، أي: رسموا ذوي مواقف غير ثابتة، بحيث بدأوا في القصة بملامح معينة، وانتهوا بملامح اخرى.

والآن، ما هي المسوغات الفنية لمثل هذا الرسم للأبطال المذكورين:

من حيث تحديد هوية الابطال أو إبهامهم،... نجد ان تحديد شخصية مثل آدم يظل متناسباً مع خطورة المولد البشري، فيما يتطلب المعرفة برجوعنا الى اصل محدد وحواء محكومة بنفس الطابع.

أما التحديد لشخصية (ابليس)، فيتناسب بدوره مع خطورة الشخصية المذكورة، وتمثيلها طرف الصراع الآخر من تجربة الأرض.

وهذا كله بخلاف شخوص (الملائكة) الذين رُسموا بملامح مبهمة، عامة، غير محددة. فالمهمة التي انيطت بهم، مهمة جماعية، ومواقفهم جماعية، فيما كانت منصبّة على تساؤلهم عن سر الخليفة في الأرض، واقرارهم بعدم المعرفة، والسجود لآدم عليه السلام، دون ان يكون البعض منهم متميزاً عن الآخر.

ومن هنا جاء رسمهم ابطالاً مبهمين، أمراً يتناسب والطابع المذكور.

اما فيما يتصل بتقسيم الابطال إلى رئيسيين وثانويين، فيمكننا ان نذهب الى تطبيع آدم بكونه شخصية رئيسة، يظل امراً من الوضوح بمكان كبير. فما دامت هذه الشخصية مجسدة للآدميين في تجربتهم الخلافية في الأرض، حينئذٍ ينبغي ان تُرسم شخصية (رئيسة) تتحرك في الاقسام الأربعة من القصة. ففي القسم الاول من القصة، تحرك آدم من خلال جعله (خليفة).

وفي القسم الثاني تحرك آدم من خلال تعلمه الأسماء كلها.

وفي القسم الثالث، أمُرت الملائكة وابليس بالسجود له.

 وفي القسم الرابع، تمّ سكناه في الجنة، وهبوطه الى الأرض.

وهذا بخلاف الأبطال الآخرين: الملائكة، ابليس، حواء: فيما رُسموا (ثانويين) يمارسون وظائفهم في نطاق محدّد، ثم يخلون من مسرح الاحداث، بعد ان يكونوا قد ألقوا إنارة على الموقف.

فالملائكة مثلاً، قد انتهى دورهم في نطاق التساؤل عن سر الخلافة والسجود، حيث القوا إنارة على الموقف متمثلة في عدم علمهم بأسرار الخلافة، وتحسيسنا بأهميتها في تجربة الأرض.

أمّا حواء فتجسد شخصيتها عنصر التزاوج الذي لا مناص منه في استمرارية النسل البشري. ولذلك لم تدخل بيئة القصة إلا في القسم الآخير منها بما واكبه من السكنى والهبوط من الجنة.

وأما شخصية إبليس فقد دخلت القصة في نطاق التمرّد والتضليل اللذين يمثلان مرحلة تاليةً على جعل آدم خليفةً، والأمر بالسجود له.

وأخيراً، فإنّ الرسم للشخوص، بطابع (النمو) والانقلاب في المواقف، يمكننا أن نلحظه متناسباً مع قضية المولد البشري الذي يتطلب صراعاً مع طرفي التجاذب في السلوك.

(فإبليس)، رُسم (شخصية نامية)، بدأت (مطيعة) وانتهت (متمردة). وآدم وحواء اللذان بدءا بالسكنى في الجنة بشكل اعتيادي ثم استتبعهما الهبوط إلى الأرض. والملائكة بدأوا في القصة متسائلين، وانتهوا عارفين بحقيقة الأمر... كل هذه المستويات من (الانقلاب) داخل الابطال، تظل متناسبة مع تجربة جديدة لا عهد للابطال بها، حيث دفعهم ذلك الى (التسرّع) في الاستجابة حيال هذا المثير أو ذاك، بغض النظر عن مستوى المفارقة التي تفاوت الابطال في درجتها.

واذا استثنينا شخصية (ابليس) التي جسّدت قمة (المفارقة)، فإنّ الشخصيات الآخرى، لم تتجاوز دائرة ترك ماهو مندوب إليه من السلوك، بخاصة: شخصية آدم عليه السلام.

أما الملائكة، فقد تفاوتت النصوص المفسرة ـ كما سبق القول ـ في تحديد مفارقتها، فيما ذهب بعضها الى انّ تساؤلها كان على نحو الاستعلام، وبعضها: ذهب الى انهم تابوا الى الله.

والمهم، انّ (نمو) هذه الشخصيات، وعدم رسمها (مسطّحة)، فرضت التجربة الجديدة: كما سبق توضيح ذلك، مما يفسر لنا جانباً من الأسرار الفنية وراء الرسم المذكور.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: درسات فنية في قصص القُرآن / الدكتور محمود البستاني/ مع التصرف

المرفقات