فاطمة المعصومة بنت موسى بن جعفر (ع) شمس قُم

 فاطمة بنت موسى بن جعفر .. شمس قُم

بعد سنة من استدعاء المأمون العباسي للإمام علي بن موسى الرضا (ع) من المدينة المنورة إلى مرو ليسلّمه ولاية العهد سنة 200هـ، لم تطق أخته العلوية الطاهرة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر الكاظم صبراً على فراقه وعزمت على معرفة مكانه وأحواله.

وكان قلقها يزداد يوماً بعد يوم عليه، واشتاقت لرؤيته كثيراً، وخشيت عليه من غدر المأمون، فخرجت من مدينة جدها عام 201هـ لتتفقّده متوجّهة إلى مرو.

وبعد رحلة مضنية وشاقة وصلت إلى مدينة ساوة التي تبعد عن مدينة قُم حوالي (70) كم تقريباً، فمرضت هناك مرضاً شديداً، فسألت عن المسافة التي تفصلها عن قُم ؟ فقيل لها: حوالي عشرة فراسخ، فقالت: احملوني إليها ــ أي خذوني إليها ــ، فساروا بها إلى قُم، ولمّا وصلوا إلى مشارفها وعلِم أهل قُم بقدوم السيدة فاطمة المعصومة خرجوا بأجمعهم واستقبلها العلماء والأشراف ورؤساء القبائل وأعيان المدينة ووجهاؤها، وكلٌّ منهم يرجو أن يُحظى بشرف إقامة هذه النبعة العلوية والبضعة النبوية في داره.

فتقدم موسى بن الخزرج بن سعد الأشعري وهو من أشراف قُم وأمسك بزمام ناقتها وأتى بها إلى منزله وبين أهله، فبقيت سبعة عشر يوماً في داره..، ولكن مرضها ازداد وتفاقمت علتها وآلامها ولم تنفع أي وسيلة لشفائها حتى فارقت روحها الطاهرة بدنها فأمر موسى بتغسيلها وتكفينها وصلى عليها ودفنها في أرض له حيث مرقدها الآن...

هذا ما اتفقت عليه المصادر التاريخية في رحلة هذه السيدة الطاهرة ووفاتها ودفنها، ولكن....

لماذا قم !!

تثيرُ هذه القصة المشهورة عن كيفية قدوم السيدة فاطمة المعصومة إلى قُم، وموتها ودفنها هناك، ووصيتها بأن تُحمل إلى قُم بدلاً من بقائها في ساوة خاصة وأنها كانت مريضة، وتفضيلها قُم على غيرها من المدن، التوقّف حول هذا الاختيار والتساؤل:

لماذا فضّلت (ع) قُم بالذات دون غيرها ؟

ولماذا تحمّلت عناء السفر وصعوبته من ساوة للوصول إليها رغم مرضها الشديد ؟

إن هذا التساؤل يأخذنا إلى تخوم التأريخ، وإلى البحث عن نواة تأسيس هذه المدينة. وكيف أرست دعائمها على التشيّع وحب أهل البيت، لتصبح معقلاً من معاقل الشيعة، ومركزاً مهماً من مراكز الحضارة الإسلامية في التأريخ ؟

ومن هم الرجال الذين أسَّسوا هذه المدينة ونشروا فيها التشيّع في أقسى الفترات الدموية التي مرّت على الشيعة أبان الحكم الأموي ؟

وكيف استطاع أولئك الرجال الشيعة الفرار من قبضة الأمويين واستبدادهم فخرجوا إلى حيث مأمنهم من الأرض ليتخلّصوا من أولئك الحكام والولاة المتعطّشين للدماء والذين رفعوا شعار القتل والنهب والسلب والحرق والتدمير والسبي والتنكيل والسجون والتعذيب ضد الشيعة وسخروا كل جهودهم لإبادتهم واستئصالهم... ؟

فكيف تأسَّست قُم ؟

ومن الذي أسَّسها ؟

ومن هو موسى بن الخزرج بن سعد الأشعري الذي استقبل السيدة المعصومة في منزله ؟

الكوفة شرارة التأسيس

لم يخطر في بال الأحوص وأخوه عبد الله ابنا سعد بن مالك الأشعري أنهما سيؤسِّسان قاعدة من أهم قواعد التشيّع عندما خرجا من الكوفة ونزلا للاستراحة في هذه الأرض مع قومهما.

فقد كان كل همهما حقن دمائهما ودماء قومهما من السلطة الأموية الجائرة والنجاة من الحجاج الذي قتل زعيم الأشعريين محمد بن السائب الأشعري وكثيراً من قومه ليس لذنب اقترفوه سوى تشيّعهم.

فالحجاج لم يكن ليكتفي بقتل رؤوس الأشعريين حتى يُبيدهم عن بكرة أبيهم، فأخذ يتربّص بهم ويباغتهم ويقتل كل من وجده منهم ويشنّ عليهم الغارات ويوقع بهم النكبات، وقد سجن الأحوص وأخاه عبد الله ثم اضطر لإطلاق سراحهما لظروف سياسية أجبرته على ذلك ولكنه شرط عليهما البقاء في الكوفة !

 

 

 

كان الأحوص وأخوه يعلمان ــ كما يعلم سائر الناس ــ أن الأمويين وولاتهم لا عهد لهم ولا ذمة، فكانا يعدَّان أنفسهما من الأموات إن بقيا في الكوفة، ففي أية لحظة من المتوقّع جداً إن يرسل الحجاج إليهما من يباغتهما ويقتلهما ويحمل رأسيهما إليه، فقررا الهرب من الكوفة وتعاهدا على ذلك...

وما إن حلّ الظلام حتى كانا يطويان القفار والسهول والجبال متنكّرين بزيِّ الأعراب متّجهين إلى أصفهان..، ورافقهما أخوتهما عبد الرحمن، وإسحاق، ونعيم ومن بقي من قومهما وهم يسابقون الريح إلى مأمن في الأرض حتى اجتازوا حدود أصفهان فنزلوا عند ضفاف نهر قريب من قرية في الطريق... ليستريحوا من عناء الرحلة وجهد السفر وليواصلوا رحلتهم في الصباح إلى... حيث لا يعلمون ....

القرية

بات الأشعريون ليلتهم الأولى على ضفاف نهر القرية وهم لا يفكرون بسوى أرض لا يكون للحجاج عليها سلطة..، أرض تؤمنهم لكي يعيشوا فيها بسلام، فأخذوا يتطلعون إلى هذه الأرض التي نزلوها لعلهم يجدون فيها ما يبتغوه...، فوجدوا شيئاً غريباً يحدث !!

لاحظ بعض رجال الأشعريين أن سكان هذه المنطقة يتحركون حركات مريبة وهم في خوف وقلق وعلى عجلة من أمرهم، ولاحظوا أنهم يدخلون مواشيهم في قلاع عالية الجدران ويغلقون عليها الأبواب والمنافذ، فارتاب الأشعريون من هذا التصرف !!

أيمكن أن يكون هؤلاء السكان قد خافوا منهم ؟

أيمكن أن يكونوا هم مصدر هذا القلق والخوف والاضطراب لسكان هذه القرية ؟

لا بد من إخبار أهل القرية بأنهم لم يأتوا ليلحقوا بهم سوءاً أو ليصيبوهم بأذى، وإنهم ليسوا بلصوص ولا قاطعي طرق وإنما هم فقط.. عابروا سبيل لكي يطمئن أهل القرية ويذهب عن قلوبهم الرعب أو ...

لا بد من معرفة هذا الأمر وكشف خباياه ؟

تقدّم بعض الأشعريين إلى السكان وسألوهم عن سبب ما يفعلونه...!!

لكن توقّع الأشعريين لم يكن في محله، فلم يكن خوف سكان القرية من الأشعريين.. بل إنهم يخافون من غزو قبائل الديلم التي تغزوهم في كل سنة في مثل هذا الموسم فتقتل وتنهب وتحمل معها ما خف وزنه وغلا ثمنه وتترك بعدها القرية في خراب، وقد وصلتهم الأخبار بأن هذه القبائل في طريقها إلى غزو القرية وهي على بعد بضعة أميال عنها !!!

الدفاع عن القرية

سمع الأحوص بهذا الأمر فقرّر إغاثة القرية والدفاع عنها مهما كلف الأمر.. !

فجمع رجال قبيلته وحدثهم بما نوى عليه من رد غزو قبائل الديلم والدفاع عن أهل هذه القرية المستضعفين، وكذلك الدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وأطفالهم وأموالهم ومواشيهم، فهم في هذه الأرض يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، فلا قلعة تحصنهم ولا أسوار تمنعهم من هجمات الديلم، فمن المؤكد أن الديلم سيباغتونهم حالما ينتهون من غزو القرية.. فهم في العراء !

فلبى نداء الأحوص كل رجال القبيلة وصاروا كلهم على رأي واحد وهو القتال حتى الموت.

استعد الأشعريون لمواجهة قبائل الديلم وهم في أعلى درجات الحماس مصممين على الاستماتة في القتال، وأحدّوا سنان الغضب، وما إن اقتربت قبائل الديلم من القرية، حتى بادرها الأحوص وعشيرته بهجوم مباغت كالصاعقة فأصاب الديلم رعب شديد من هذا الهجوم الذي لم يكن متوقّعاً فقتل فيه الكثير منهم، فما أحسوا إلا والسيوف تضربهم من كل جانب والموت محيط بهم، فهرب من استطاع الهرب وترك الديلم قتلاهم وجرحاهم على مكانهم، فكان هذا الهجوم الذي نزل عليهم كالصاعقة درساً أبدياً لهم فلم يعاودوا تكراره ثانية.

الإقامة والتأسيس

استطاع الأشعريون رد غزو الديلم عنهم وعن سكان القرية..

ولما رأى السكان ما فعل الأشعريون بالديلم وعرفوا منهم نجدتهم ونخوتهم وسجيتهم الكريمة في الدفاع عن المظلوم ومواجهة الظالم أحبوا أن يقيموا معهم.

فاجتمع رؤساء القرية وجاءوا إلى الأحوص وشكروه على صنيعه وقدموا له الهدايا وطلبوا منه أن لا يفارق هو وعشيرته أرضهم وأن يقيموا بينهم ويشاركونهم في عملهم كمزارعين ومستثمرين لهذه الأرض والاستفادة من خيراتها، فقبل الأحوص وقبيلته هذا الطلب واستوطن الأشعريون هذه القرية التي عرفت فيما بعد باسم مدينة قُم.

انتشار التشيع

بعد استقرار الأشعريين في هذه الأرض عام 73 هـ لحق بهم بقية رجال هذه القبيلة من البلاد وراحوا ينشرون التشيّع فيها...

وما إن مضت عشر سنوات أي في عام 83 هـ حتى ساد التشيّع ربوع هذه البلاد، فكان لطلحة بن الأحوص دور عظيم في تمصير قُم وتعمير دورها، ثم بدأ العمران يتوسّع شيئاً فشيئاً وبُنيت المساجد والمدارس الدينية على أرضها، وأصبحت قُم تدريجياً من حواضر الشيعة ومن المدن الشيعية المقدسة خاصة بعد أن احتضنت الجسد الطاهر للسيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر الكاظم.

وازدهر بها العمران وانتشرت فيها العلوم والفنون كما كان لها الفضل في تشيّع بقية القرى والمناطق المجاورة لها بفضل الأشعريين الذين تفرّقوا في المناطق القريبة لها كـ كاشان وآوه وساوة والقرى الممتدة بين قم وأصفهان وراحوا ينشرون التشيّع فيها.

الكتاب

لعل إخفاء مآثر الأشعريين في الجاهلية والإسلام من الجنايات السياسية الكبيرة التي لا تُحصى ولا تُعد، فمن أشد الجنايات التي ابتلي بها تأريخنا هو تلاعب الأهواء والتوجهات المنحرفة بحقائقه، فوُضع من كان رفيعاً ورُفع من كان وضيعاً، وهذا الموضوع يجده الدارس والمتتبع لتأريخنا واضحاً في أي دراسة تاريخية عن الذين وقفوا ضد السلطتين الدكتاتوريتين الأموية والعباسية.

وقد نال الأشعريون نصيبهم (الأوفى) من هذه الجناية، فموقفهم من هاتين السلطتين كان موقف المعارض لتشيعهم وولائهم لأهل البيت.

لذا جهد المؤرخون ــ وهذا دأبهم ــ على اتخاذ موقف السلطة منهم وتبنيه في مؤرخاتهم والغض عن مآثرهم وأمجادهم.

ونجد في الكتاب المفقود الذي ألف عنهم خير دليل على ذلك !

فرغم أهميته وكونه يتحدث عن مراحل مهمة من التأريخ لأناس كان لهم حضوراً مميزاً ودوراً كبيراً في الأحداث السياسية، إلا إنه فُقد بينما نرى أن أصابع السياسة قد اشارت إلى حفظ ما دون هذا الكتاب أهمية.

تاريخ قُم

كتاب تأريخ قُم، احتوى على تلك المآثر والأمجاد التي امتاز بها الأشعريون عن غيرهم في الجاهلية والإسلام وهو من تأليف: أبي علي الحسن بن محمد بن الحسن بن السائب بن مالك الأشعري القمي، وقد ألفه في سنة 378 هـ، وأهداه للوزير البويهي كافي الكفاة الصاحب بن عباد، ويعد هذا الكتاب من أهم المصادر وأوفاها عن الأشعريين وأخبارهم ومآثرهم ومفاخرهم وكل ما يتعلق بهم في الجاهلية والإسلام.

يقول السيد حسن الأمين عن هذا الكتاب: تأريخ قم ألف في 20 باباً بالعربية، نقله حسن بن علي بن حسن بن عبد الملك القمي في سنة (805 ــ 806) إلى الفارسية، ولكن لم يصل إلينا من هذا الكتاب إلا خمسة أبواب من الترجمة الفارسية . والأصل العربي وباقي الأبواب من الترجمة غير موجودة، والظاهر إنه قد ضاع. (1)

الأشعريون في الجاهلية

يرجع نسب الأشعريين كما روى القلقشندي: إلى الأشعر وهي قبيلة مشهورة في اليمن وهم بطن من قبيلة كهلان القحطانية. (2)

وكانوا من أشراف الجاهلية، وبلغ من شرفهم وفضلهم أنهم كانوا ملجأ الناس في الملمات والشدائد، ويدلنا قول شيخ الأباطح وسيد مكة أبي طالب بن عبد المطلب على ذلك حيث ذكرهم في لاميته العصماء التي يمدح بها رسول الله فيقول فيها:

وحيثُ ينيخُ الأشعرونَ ركابَهم     بمفضى السيولِ من أسافٍ ونائلِ

كما أشار إلى ذلك عامر بن لؤي في قصيدته البائية حيث يقول:

إلى حيثُ يلقي الأشعرونَ ركابهم     بجنبِ ثبيرٍ ذي الذرا والمناكبِ

ومن مفاخرهم في الجاهلية إنهم نالوا شرف بناء الركن اليماني ببيت الله الحرام عند تجديد بناء البيت قبل بعثة النبي (ص).

الأشعريون في الإسلام

يكفي الأشعريين فخراً أنهم جاءوا من اليمن إلى الرسول الأكرم وأسلموا طوعاً ولم يشهروا سيفاً ضد الإسلام ولم يشهر الإسلام ضدهم سيفاً، فقد جاءوا مؤمنين موقنين برسالة السماء فكانت هذه الميزة نادرة بين قبائل العرب الذين كفروا بما جاء به النبي من الحق أو آمنوا بعد شك وعداء وحروب.

وأول من آمن منهم مالك بن عامر الأشعري فدعا له النبي بكثرة الأولاد وكان لمالك وقومه مواقف مشرفة في نصرة الإسلام في صدر الدعوة.

المدينة المقدسة

نبع التشيع في قلوب الأشعريين فكانوا من أقطابه وحامليه وناشريه وكان عدد كبير منهم يسكن الكوفة وانضموا إلى معسكر أمير المؤمنين في حروبه الثلاث.

ومن أعلام الشيعة الأشعريين السائب بن مالك الأشعري الذي كان أحد أعمدة ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي المطالبين بثأر الحسين، وقد عرف بولائه لأهل البيت وصلابته في دينه وعقيدته، ومن مواقفه في الدعوة إلى مذهب الحق وثباته على ولاية أمير المؤمنين (ع) وقوفه بوجه والي الكوفة عبد الله بن مطيع من قبل عبد الله بن الزبير الذي دعا الناس إلى بيعته بعد مقتل الحسين .

فعندما صعد ابن مطيع منبر الكوفة خطيباً فكان مما قاله:

أما بعد فإن عبد الله بن الزبير ــ ولقبه بإمرة المؤمنين ــ بعثني على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم ــ أي الأموال من الصدقات وغيرها ــ وأن لا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضى منكم ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان بن عفان التي سار بها في المسلمين فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا وخذوا على أيدي سفهائكم وألا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني......

فقام إليه السائب بن مالك الأشعري وقال: أما أمر ابن الزبير إياك أن لا تحمل فضل فيئنا عنا إلا برضانا فإنا نشهدك بأنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا، وألا يقسم إلا فينا، وأن لا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه......

وسار الأشعريون على منهج السائب في ملازمتهم وتمسكهم بأهل البيت حتى عرفوا بالتشيّع لدى الناس والسلطة، ومنهم من نالوا درجات عالية ومنزلة سامية عند الأئمة المعصومين كما ورد عن الإمام الصادق يصف عمران بن عبد الله بن سعد الأشعري بقوله: هذا نجيب من قوم نجباء، ما نصب لهم جبار إلا قصمه الله. (3)

وقال الإمام علي بن موسى الرضا (ع) لزكريا بن آدم بن عبد الله بن سعد الأشعري: أهل بيتك ــ أي الأشعريين ــ يدفع عنهم بك كما يدفع عن أهل بغداد بأبي الحسن ــ يعني نفسه ــ (4)

وقال (ع) أيضاً في حقه: مأمون على الدين والدنيا. (5)

وكان أبرز أعلام الأشعريين من أولاد سعد بن عبد الله بن مالك بن عامر الأشعري اثني عشر رجلاً من رواة الحديث عن الإمام جعفر الصادق (ع) وكذلك من أولاد وأحفاد السائب والأحوص، وقد حفلت كتب رجال الحديث بالأشعريين من أصحاب الأئمة المعصومين وقد فاق عددهم على المائة رجل.

وقد اشتهر الأشعريون بالجهر بمذهب التشيّع حتى في أشد الظروف وأقسى الفترات التي مرت على الشيعة في عهد الأمويين والعباسيين، وكانوا على اتصال مباشر معهم ويخرجون إليهم خمس أموالهم في الوقت الذي تحاشى كثير من الموالين الجهر بتشيعه واتقى في مذهبه خوفاً من الحكام....

كل ذلك جعل السيدة فاطمة المعصومة (ع) تختار قم للمكوث فيها مفضلة إياها على غيرها من المدن..

معقل التشيع

ظل الأشعريون بعد استقرارهم في قم ونشر التشيع فيها على ثباتهم على تشيعهم وموالاتهم لأهل البيت (ع)، ولم تستطع الحكومة الأموية والعباسية أن تنتزع منهم قم.

فطالما قاوموا هاتين الحكومتين الظالمتين، وكثيراً ما كانوا هم من يتحكمون في الولاة ولا يدخلون من لا يرضونه منهم أرضهم.

وبعد أن أصبحت قم في ذلك الوقت معقلاً من معاقل التشيع توجه إليها كثير من العلويين الهاربين من ظلم الأمويين وجور العباسيين، فكانوا يجدون مأمنهم في هذه المدينة كما يجدون الضيافة والكرم والتبجيل والتعظيم من قبل الأشعريين فيقيمون فيها.

ولا تزال قبور أولاد الأئمة الكثيرة في هذه المدينة محل تبجيل وتقديس، وقد أحصيت القبور لأولاد الأئمة وأصحابهم من عظماء المسلمين في قم وضواحيها فبلغت (444) قبراً عليها القباب والأضرحة.

كم أو قم ؟

قيل: إن قم كانت تعرف قبل الفتح الإسلامي للبلاد الفارسية بـ (كَم) بفتح الكاف وكانت قرية صغيرة تقع في محل قم الحالية ومعنى (كم) باللغة الفارسية: (القليل).

ولما فُتحت أطلق عليها العرب اسم (قم)، وقيل: إنه كانت بمحل مدينة قم الآن سبع قرى متجاورة تسمى أحدها (كمندان) بضم الكاف، وحينما استولى عليها العرب واستوطنوها وعمرت اتصلت هذه القرى ببعضها وزالت الحدود فيما بينها وغلب عليها اسم (كم) ثم عُرِّبت إلى (قم).

وقد اكتسبت قم قدسيتها بعد أن ضمّت بضعة من قلب الرسول، وغصناً من أغصان البتول وهي السيدة الطاهرة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع).

سيرة القداسة

ولدت السيدة الطاهرة الزكية العلوية فاطمة بنت موسى بن جعفر (ع) في مدينة جدها المصطفى (ص) المدينة المنورة في الأول من ذي القعدة عام 173 هـ.

وقد أطلق عليها أخوها الإمام الرضا (ع) لقب المعصومة لورعها وتقواها وعبادتها وعفافها.

ومن ألقابها أيضاً المحدِّثة، والعالمة، والعابدة، وكريمة أهل البيت..

ولا غرو إذا بلغت المعصومة هذه المنزلة الرفيعة والشأن العظيم، فهي ابنة الوحي، وسليلة النبوة، وكريمة الإمامة، وابنة صاحب السجدة الطويلة، وراهب بني هاشم، والعبد الصالح الإمام موسى بن جعفر الكاظم، الذي قال فيه محمد بن طلحة الشافعي:

هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكبير المجتهد الجادّ في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، المشهور بالكرامات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدّقاً وصائماً، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي (كاظماً).

كان يجازي المسيء بإحسانه إليه، ويقابل الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته كان يسمّى بـ (العبد الصالح). ويعرف في العراق بـ (باب الحوائج إلى الله) لنجاح مطالب المتوسّلين إلى الله تعالى به. كراماته تُحار منها العقول، وتقضي بأن له عند الله قدم صدق لا تزال ولا تزول.

وقد ورثت منه فاطمة خصاله العظيمة وصفاته الكريمة.

أمها  

أما أم السيدة فاطمة المعصومة فهي السيدة الطاهرة تكتم وهي أم الإمام الرضا (ع) أيضاً، وكانت من أفضل نساء زمانها، وقد اشتهرت بالعبادة والورع والتقوى.

وبلغ من عظيم شأنها ورجاحة عقلها وتمسكها بدينها أن اختارتها السيّدة حميدة المصفّاة لتكون زوجة لابنها موسى بن جعفر، وأوصته بها خيراً فقالت له:

يا بنيّ إنّ تكتم جارية ما رأيت جارية قطّ أفضل منها، ولست أشكّ أنّ الله تعالى سيطهّر نسلها إن كان لها نسل، وقد وهبتها لك فاستوصِ بها خيراً.

وقد صدقت السيدة حميدة فقد اختار الله السيدة تكتم لشرف حمل سر الله في أرضه وجعلها مستودعاً للإمامة فولدت الإمام الرضا (ع) وقد سمّاها الإمام الكاظم بالطاهرة، كما وصفها الشاعر في مدحه للإمام الرضا بقوله:

ألا إنَّ خيرَ الناسِ نفساً ووالداً     ورهطاً وأَجداداً عليُّ المُعظّمُ

أَتتنا بهِ للـعـلـمِ والـحـلـمِ ثـامناً     إماماً يُؤدِّي حُجَّــــــةَ اللهِ تكتُمُ

سيرة الألم

لم تنعم فاطمة بظل أبيها سوى ست سنوات حتى أودعه هارون العباسي في غياهب السجن فعاشت طفولتها في كنف أخيها الإمام الرضا الذي عهد برعايتها وأفاض عليها من عطفه.

ولكنها عاشت المآسي مع أهل بيتها وتجرّعت غُصص الفقد وهي ترى أهل بيتها وأبناء عمومتها من أبناء الحسن والحسين يُقتلون ويُزجون في السجون ويتعرّضون لأقسى الممارسات الوحشية من قبل السلطة العباسية، فعاشت طفولتها بين الأحزان والآلام..

وعندما بلغت العاشرة من عمرها الشريف كانت على موعد مع المأساة الكبرى في حياتها وهي استشهاد أبيها الإمام الكاظم مسموماً في سجن هارون.

محنة أخيها   

ترعرعت فاطمة في بيت النبوة ونهلت من علوم الإمامة فكانت مثلا أعلى للمرأة المؤمنة الصابرة فواجهت المآسي التي مرت بها وبأهل بيتها بقلب ملؤه الثبات واليقين والتسليم لأمر الله، ففي عام 200 هـ عاشت محنة أخرى حينما استدعى المأمون العباسي أخاها الإمام الرضا إلى مرو، فأحسّت بألم الفراق وتجرّعت غصص الوداع وهو يودِّعها الوداع الأخير الذي لا لقاء بعده فبكت بكاءً مريراً وهي تراه يذهب وحده بأمر الخليفة الذي منع أي أحد من أهل بيته مرافقته...

لا شيء يعوِّضها الآن عن فقدان أخيها الإمام، فقد كان قلبها يعتصر لفراقه ويتجدّد حزنها يوماً بعد يوم واشتد بها القلق عليه، فالعباسيون لا أمان لهم ولا عهد ولا ذمة، فكانت تستشعر الخطر المحدق بأخيها من قبل المأمون وما دبر له لقتله، فقررت اللحاق بالإمام الرضا وتأهبت للسفر ورافقها في سفرها اثنان وعشرون شخصاً فيهم بعض أخوتها وأبنائهم إضافة إلى الجواري والعبيد يحدوهم الشوق لرؤية إمامهم..، لكن سفرها هذا أيضاً كان بلا عودة !

فاطمة.. المحدِّثة

في بيت يشعّ في أرجائه العلم نشأت فاطمة وهي تقتبس من علوم أبيها وأخيها فكانت العالمة والعابدة والمحدِّثة، سمعت الحديث وروته عن آبائها المعصومين، ومن الأحاديث التي روتها حديث الغدير وهو عن سلسلة من بنات الأئمة الطاهرات تنتهي بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء. (6)

كما روت السيدة فاطمة حديث النبي عن نفس السلسلة: يا علي أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وروى لها أيضاً الصدوق والمجلسي في بحار الأنوار عدة أحاديث وفي علمها يقول الشاعر:

يا بـنـتَ مـوسى وابـنـةَ الأطـهارِ     أخـتَ الرضا وحـبـيـبةَ الجـبّارِ

يـا دُرّةً مِأن بـحر عِـلـمٍ قـد بَـدَتْ     للهِ دَرُّكِ والــعـــلــوّ الــســاري

أنتِ الوديعةُ للإمـام على الـورى     فخـرُ الكريمِ وصاحبُ الأسرارِ

لا زلتِ يا بنت الـهدى معصومةً     مِن كـلّ ما لا يَرتـضيه الباري

مَن زار قبرَكِ في الجِنان جزاؤهُ     هذا هو المنصوصُ في الأخبارِ

وفاتها

وأخيراً آن لهذه الروح الطاهرة أن تستقر عند بارئها في روح وريحان وجنة نعيم بعد عمر مليء بالأحزان والآلام، حيث فاضت روحها الطاهرة إلى ربها راضية مرضية ولما تكمل العقد الثالث من عمرها.

فقد توفيت في اليوم العاشر من شهر ربيع الثاني سنة 201هـ في مدينة قم المقدسة ولها من العمر (28) سنة.

قبرها الشريف

بُني على قبرها الشريف سقيفة من البواري أول وفاتها..

ثم بَنَت السيّدة زينب بنت الإمام محمّد الجواد عليه قبّة.

ثم توسّع البناء شيئاً فشيئاً عبر التأريخ ليصبح على ما هو عليه الآن من الجلال والعز الإلهي، وليكون هذا القبر الملجأ والملاذ لقلوب ألهبها الشوق إلى جنة المأوى، فهو الكوثر للظامئ، وهو الدليل للتائه، وهو النور للضال، وهو الواحة للتَعِب، وهو القدس والفردوس، وهو الروض السرمدي الذي حوى شذى النبوة وكنه الإمامة.

جعله الله مهوى الأفئدة ومقصد الأرواح، ففيه الجنة كما قال الامام محمد الجواد: من زار عمتي فاطمة المعصومة بقُم عارفاً بحقها فله الجنة.

شمس قم

أصبحت قم بعد أن تشرفت بعطر النبوة ونفحة الإمامة وقداسة الوحي من أهم الحواضر الشيعية في العالم، ولم يخل هذا المرقد الطاهر من الزائرين منذ أن حلت فيه، وها هو الضريح المقدس يشخص في قم كالشمس تحيط به هالات القداسة وتشمخ فيه المنائر والقبب.

وقد أصبحت قم بفضل هذا المرقد الشريف من أهم مراكز العلم وأصبحت في فترة من الفترات مرجعاً عاماً للمذهب الشيعي ومقراً لكبار علمائهم عندما سكنها الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي مؤسس حوزتها العلمية المتوفى سنة 1355هـ والمدفون فيها، والسيد حسين الطباطبائي البروجردي المتوفى سنة 1380هـ.

........................................................................

1 ــ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ج 5 ص 5 الهامش

2 ــ نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص 159           

3 ــ رجال الكشي ص 642

4 ــ بحار الأنوار ج 57 ص 221

5 ــ رجال الكشي ج ص 258 رقم الحديث 1112

6 ــ ذكره عنها الحافظ شمس الدين الجَزري الشافعي في كتابه أسنى المطالب ص 49

المرفقات

: محمد طاهر الصفار