حوار الفن.. بين المسيحية والاسلام

أن الاختلاف على مستوى التفرعات الدينية بين المسيحية والاسلام لم يوقف الفن الاسلامي او المسيحي عن التحاور الرمزي و الشكلي فيما بينهما.. ففي الوقت الذي كانت فيه اللغة المشتركة هي نقطة الارتكاز في الحوار بين الحضارات، فإن الاشكال والرموز والدلالات المضمونية، هي محور التفاعل على مستوى الفن.. ولعل سوء التبادل اللغوي كان مسوغاً لبعض ملامح الصراع، الا ان ذلك في مجال الفن يمثل الحوار على مستوى الشكل والمضمون ايضاً .

انطوت الثقافات المتأثرة بالديانات سواء أكانت موحـِّدة او غير ذلك، على ضرب من التأثر والتفاعل بحكم طرق الاتصال المختلفة كالمجاورة الجغرافية او الفتوحات والغزواة او التجارة وغيرها.. وبذلك حصل تداخل في الترميز الجمالي والفكري بشكل عام، وهذا الحال قد انعكس بشكل جلي على التعايش بين المسيحية والاسلام والذي اعطى نتاجات حوارية قائمة على فكرة التأثر والتأثير وأن جاء عن طريق الصراع، بل يمكن القول إن الصراع ينتج أشكالاً حوارية في الفن على مستوى التنظيم القيمي للزمان والمكان والدلالة الصورية، واللوحة اعلاه خير مثال على تلك الاشكال الحوارية القائمة بين المسيحة والاسلام .

يظهر المشهد التصويري في التكوين اعلاه بمستويين أفقيين، يمثل الأول البناء المعماري لكنيسة ذات طابع بنائي مقوّس ومحاطة بأبنية عالية ومنائر إسلامية توحي بأن المكان إسلامي، والمستوى الثاني الى أسفل اللوحة يمثل حشوداً من الناس عبارة عن مجاميع من الافراد المسلمين على يمين اللوحة بلباسهم الاسلامي وعمائمهم البيضاء، وهم ينظرون الى القديس وهو يعتلي دكة فيها درجات من الجانب، وخلفه أناس يرتدون جبب، فيما تعلو رؤوسهم أغطية سوداء وتجلس أمام القديس، نساء مسيحيات يرتدين الوشاح الابيض المغطى للوجوه .

لو دققنا في معطيات اللوحة لوجدنا ان العملية  الحوارية في هذا العمل قائمة على محورين.. اولهما التحاور مع المكان الاسلامي الجامع بين المسجد والكنيسة حيث المأذنة والجوامع والقباب الاسلامية، وحيث الكنيسة المسيحية القائمة على تأسيس السلطة الدينية في الاسكندرية.. اما المحور الثاني فهو متجسد في فكرة الوعظ التي هي محور الائتلاف بين الدينين بشكلها العام كونها قائمة على التوجه الروحي أتجاه الوجود الالهي .

إذ أن فكرة الوعظ  عند المسيح قائمة على تمجيد الله وعدم الخروج عن تعاليمه وهذا ما لا يتناقض مع الفكر الاسلامي، مما أعطى لهذه الفكرة شمولية الجمع ولا محدودية المكان.. والمتمثلة فنياً بالمنظور القائم على تصعيد الاحساس بالحيوية وتوثيق العلاقة بالمكان عن طريق الجمع بين الطبيعة والانسان بوحدة من الانسجام والحركة، لهذا كان الواقع يوصف بالشفافية الروحية من خلال الجمع بين الجوهر الالهي المتمثل بالقيمة التعبيرية لفكرة الوعظ والوجود الانساني - أي بمعنى آخر بين التجريد والواقع - فإن ﺗﻣثل الفكرة الدينية هنا يعتمد على تصوير الواقع الديني من حيث الوجود المكاني وهذا ما يشير الى التحاور مع المكان الاسلامي .

ان شمولية الفكرة المجردة المقبولة من الآخر لاريب انها تجمع المفترقات في مكان واحد، حيث لا مساس بقيم الآخر بل مقاربة الافكار بما يتوحد مع الاخر.. اذ ليس للوجود الشكلي في هذا العمل أي مردود للتحاور المضموني من قبل المسيحية تجاه الاسلام، بل ربما العكس  من خلال سيادة الفكرة والقائها بشمولية  الا أن طبيعة نقل الشكل الاسلامي بقي ذا خصوصية في اللوحة الدينية لعصر النهضة الاوروبي وهذا نابع من طبيعة الوجود الشرقي للمسيحية والذي يظهر هنا من خلال البناء المعماري الاسلامي والشخصيات الاسلامية، التي تفترض صياغتها الفنية وجودها الضروري كون الكنيسة تعيش في بيئة إسلامية.. فتصبح بذلك بنية الشكل متحاورة بالضرورة مع الواقعية الاسلامية .

أما المضمون فيبقى مستتراً رغم إظهار المبدأ الموحدّ بين العقيدتين وهو فكرة الوعظ.. وذلك التضمين يظهر من خلال طبيعة الأداء الفعلي للعلاقة بين المتغيرات الموجودة في اللوحة، فعلى مستوى الشكل يكون الحوار مفروغاً منه أما من حيث المضمون فأنه تابع لطبيعة العلاقة القائمة بين المسيحية والاسلام في الزمان والمكان المعينين.. فربما يتعارض الشكل مع المضمون في حين يكون المضمون متحركاً ضمن البنى الفكرية القابلة للتأويل وإنتاج فعل جدلي ذي دلالة ربما تكون متحاورة أو متصارعة .

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

 

المرفقات