الخطبة الدينية للسيد أحمد الصافي من الصحن الحسيني الشريف بتاريخ 5 ربيع الاول 1439 هـ الموافق 24 /11 /2017 م

النص الكامل للخطبة الاولى

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله بيته الطيبين الطاهرين، الحمد لله الذي لا يرغب في الجزاء، ولا يندم على العطاء، ولا يكافئ عبده على السواء، منَّتُك ابتداءٌ وعفوك تفضلٌ وعقوبتك عدلٌ، وقضاؤك خيرةٌ.

اخوتي ابنائي آبائي زاد الله في توفيقاتكم واحاطكم بعنايته، اخواتي بناتي امهاتي اراكن الله تعالى كل خير وألبسكن لباس الحياء والعفة، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

اوصيكم احبتي ونفسي الغارقة بالآثام بتقوى الله تبارك وتعالى التي هي الزاد وبها المعاد، زادٌ مبلغٌ ومعادٌ منجحٌ، دعا اليها اسمعُ داعٍ، ووعاها خيرُ واعٍ، فسمع داعيها وفاز واعيها، اعاننا الله على انفسنا واياكم كما اعان الصابرين على انفسهم، واخذ الله بأيدينا الى سعادة الدارين، انه نِعْمَ المولى ونِعْمَ المجيب.

قد كان لنا كلام مع الامام زين العابدين (عليه السلام) فيما تقدم من بعض ادعيته المباركة في الصحيفة السجادية، وذكرنا مقدمة حول هذا الكتاب العالي المضامين، ولندخل ببعض ما أفاده (سلام الله عليه) في هذا الدعاء الذي هو مبني على هذه الرؤية التفصيلية وهي حاجة الانسان الى الله تعالى، وكذلك المشاكل التي يمر بها هذا العبد في الدنيا ويستنجد بالله تعالى من اجل ان ينقذه من حبائل الشيطان، ومن صعوبة التكليف، ومن وساوس النفس، ومن المشاغل التي قد تبعد الانسان عن وظيفته الاساسية، وكلنا يعلم اننا في الدنيا من الراحلين عنها، وليست الدنيا لنا دار مقر وانما هي دار ممر، لابد للإنسان ان يقف عند الأمر الذي ينفعه وعند الأمر الذي يمكن ان يجعل فيه الامل الى ان يمد عنقه الى رحمه الله تبارك وتعالى عندما نفتقر جميعاً في ذلك اليوم، اي أمر يمكن ان ينقذنا من اهوال يوم المطلع -اجارنا الله تعالى وإياكم فيه- فالإمام السجاد كآبائه وكأبنائه رسموا منهجاً واضحاً للعبد في كيفية التعامل - مادام في الدنيا- مع هذه المفاهيم التي ارادها الله تعالى وقد ذكرنا سابقا قدرة الانسان على تحمل التكاليف، إذ قال (عليه السلام) قال: (اللّهُمَّ لاَ طَاقَةَ لِي بِالجَهْدِ، وَلاَ صَبْرَ لِي عَلَى البَلاَءِ، وَلاَ قُوَّةَ لِي عَلَى الْفَقْرِ) ثم يقول (فَلاَ تَحْظُرْ عَلَيَّ رِزْقِي).

لقد بيَّن الامام أن هذه النقاط هي حالة من الاستكانة وحالة من الطلب، فالمقصود من قوله (عليه السلام) (اللّهُمَّ لاَ طَاقَةَ لِي بِالجَهْدِ) المشقة، والتعب لكن هذه المشقة والتعب هي في حالة قدرة الانسان مع وجود صعوبة فيها، لأن الله تعالى لا يكلفنا بشيء نحن لا نقدر عليه، فمن شرائط التكليف كما يقول العلماء: ان يكون مقدوراً للإنسان، وقد تكون فيه صعوبة ومشقة لكنه مقدور للإنسان هذا التعب وهذه المشقة وقد اعترف الامام (عليه السلام) امام الله تعالى بأنه يحتاج الى معونة منه تعالى له.

فالإنسان يواجه في الدنيا مجموعة ابتلاءات من الله، وعليه ان يصبر وان يتحملها وان لا يخرج عن دينه، واذا تحمل وصبر فله ما له من الأجر، فإن الله تعالى يكرم الانسان بهذه الابتلاءات - كمرض معين- ليخفف عنه بعض الاوزار ويرفع درجته بالصبر، ويحمد الله تعالى على ما ابتلاه، لكن الانسان في كثير من الحالات يظهر منه الجزع والملل والجزع، فالمسألة ليست مسألة ادعاء فحسب، بل أكبر من ذلك، وتترجم عمليا من خلال التحمل والصبر، كما أن هنالك ابتلاءات متفاوتة في الدرجات منها: بلاء في النفس وبلاء في البدن وبلاء في الاموال، فلا ضامن للإنسان أنه سيبقى على دينه إذا ما تعرض لأحد هذه الابتلاءات، ولذلك ورد عندنا في اخبار كثيرة وحتى في هذه الصحيفة المباركة: ان اسألوا ربكم العافية، فالانسان دائما يسأل الله تعالى العافية، عافية الدين وعافية الدنيا، العافية في الابدان والعافية في الاديان.

يأتي البلاء للإنسان بحسب درجات إيمانه، فكل له بلاؤه الخاص، من الأدنى وصولا الى الانبياء، فحتى الانبياء يبتليهم الله سبحانه وتعالى، وخير شاهد على ذلك نبي الله أيوب (عليه السلام) الذي ابتلاه الله ببلاء تنكر حتى الأقربون له وتركوه وحيدا، وكان (عليه السلام) يتصرف معه تصرف القريب من الله تعالى؛ لذلك جاء مدح خاص للأنبياء بعد الابتلاءات، وكذلك نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ابتلي في شتى انواع البلاء، والذي يطَّلع على سيرته العطرة المباركة من مصادر موثوقة سيرى هذا الابتلاء وكيف تعامل معه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك الامام الحسين (عليه السلام) تعرض في واقعة الطف لما لا يقوى اي احد ان يصمد ويبقى كما فعل هو (عليه السلام)، ولكن عندما تكون الغاية واضحة ويكون هذا الابتلاء هو زيادة في القرب من الله تعالى، يلتذ الأنبياء والامام وباقي الائمة بهذا الابتلاء، وكلما ارتقى الانسان في مدركاته وايمانه سيستشعر هذه اللذائذ، ولكن هل الانسان قادر على التحمل والصبر، فهذه القضية غير محرزة لأي احد.

ولذلك على الانسان ان يطلب ويدعو الله تبارك وتعالى ان يرزقه العافية فالإمام حينما يقول: (لا طاقة لي ولا صبر لي على البلاء، لأن البلاء قد يخرج الانسان عن وقاره وهدوئه وثقته، فمثلا يقرأ ان فلانا يجاهد في سبيل الله ثم يقرأ ان فلانا قد هُزِم وولّى الدبر، فالانسان في داخله يلوم هذا الذي ولّى الدبر ويقول له: يجب عليك ان تبقى وتصمد حتى وان استشهدت، لكن عندما يمر هو نفسه بابتلاء شبيه بهذا البلاء فمن غير المعلوم ان يبقى على قناعته الاولى، وما كان يقوله، مع وجود من أثبتوا وبجدارة انهم اهل لذلك لكن الحديث على المستوى العام، ولذلك على الانسان ان يتعلق دائما بأحد قوي بيده جميع الاسباب الا وهو الله تبارك وتعالى.

لقد بين الله سبحانه وتعالى انه اقرب الى الانسان من حبل الوريد وانه لا يحجب عنه دائما هو معه والانسان هو من قد يحجب نفسه عن الله بذنوبه وعدم قدرته على الفهم وعدم قدرته على تلقي ما بيَّنه النبي والائمة الهداة (عليهم السلام).

وعندما يقول الامام السجاد (عليه السلام): (لا صبر لي على البلاء) فلا يتصور احد ان الامام غير صبور على البلاء، فهو من الصبورين و كان سيدا في واقعة الطف وسيدا قبلها وسيدا بعدها، وسيرته الشريفة معروفة عملياً، لكن الامام يريد ان يبين ان الانسان عندما يكون مع الله تعالى بإمكانه الصبر على البلاء، وهذه منزلة كبيرة من المنازل ولا بد للإنسان ان يتحلى بها، ويريد ان يبين (عليه السلام) أن هناك حالات عامة عند الناس لا صبر لهم على البلاء.

إن الفقر هذه الحالة التي يريد منها الامام (عليه السلام) الفقر النسبي ولا على نحو الاطلاق، فكلنا فقراء الى الله تعالى، لكن الفقر المقصود عندما لا يجد الانسان قوته وما يسدُّ به رمقه الا بالمقدار اليسير جدا، ويبقى يعاني دائما من حالة الفقر، يريد ان يوسع على نفسه وعلى عائلته، لكنه لا يستطيع فقد ابتلي بهذا الفقر، فيحتاج الى قوة نفسية تتحمل مر الفقر.

لقد جاء في الدعاء السابق: (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيَّ صُحْبَةَ الْفُقَرَاءِ، وَ أَعِنِّي عَلَى صُحْبَتِهِمْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ) في بعض الحالات يكون الفقر سوط الله تعالى يضرب به المتكبرين و المتجبرين، وفي بعض الحالات الله تعالى يري الانسان دناءة ما عنده، وخير شاهد قارون الذي قال تعالى فيه (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) ملك ما ملك بحيث لا توجد شهوة من الاستحواذ على المال الا وقد تمكن منها، لكن في لحظة ما انتهى كل شيء.

ويريد أن يبيِّن الامام (عليه السلام) أن الفقر ليس عيبا بل بالعكس قد يكون من عوامل القرب من الله تعالى، ولذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع ما أوتي من عظمة الا ان امير المؤمنين يقول فيه : (لم يشبع من برِّكم -اي من الحنطة- ثلاثة ايام متواصلة، وكذلك الزهراء صلوات الله عليها وهذه ايام محنتها، كانت انموذجا رائعا في التحمل عندما اعطت لمسكين وأسير ويتيم كل ما عندها، وباتت طاوية هي وعلي (عليهما السلام)، فالفقر علامة في بعض الحالات من علامات الاتقياء؛ لان التقي يقتنع بما عنده بمجرد ان يأكل ليعيش لا ان يعيش ليأكل، وهو يرى ان هدفه تحقق لكن هذه الخصلة لا يتحملها اي احد، ولذلك الامام (عليه السلام) يقول (لا قوة لي على الفقر) وهذه الخصلات التي بينها الامام هي ليست خصالاً مذمومة، انما هي خصال حميدة، فعندما يصوم الانسان عن جهد ومشقة هذا شيء حميد.

وقال (عليه السلام) (فلا تحظر علي رزقي) ثم قال (ولا تكلني الى خلقك بل تفرد بحاجتي وتولَ كفايتي) إن الله سبحانه وتعالى من صفاته واسمائه الحسنى الرزاق فهو الرازق والرزق بيده، فالذي يميتنا ويرزقنا ويحيينا هو الله.

الامام (عليه السلام) يقول (فلا تحظر) أي لا تمنع علي رزقي، فالإنسان المؤمن في الدنيا كثيرا ما يعتزّ بكرامته، وهذه الكرامة اثمن ما عنده، فالمؤمن مكرم بالايمان، هذه الصفة صفة تكريم للإنسان، عندما يكون هذا الانسان مؤمناً يرضى الله لرضاه يغضب لغضبه .

هذه من الصفات الكريمة والعزيزة ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فيها منعة فيها عزة، هذه العزة يريدها الله تبارك وتعالى للمؤمن دائما ولا يحق للمؤمن ان يقلل من قيمة ايمانه، لان صفة الايمان ليست صفة خاصة بهذا الشخص وانما هو تكريم من الله تعالى وهو عز وجل جعله مؤمنا، ولذلك مضمون بعض الروايات ان الله تبارك وتعالى يأذن للمؤمن ان يفعل كذا، لكن لا يأذن له ان يقلل من كرامته، كمسألة الرزق، فمن المسائل التي يبتلى بها الانسان رزقه وطريقة تحصيله، وفي بعض الحالات الانسان يغفل عن السبب الحقيقي من وراء الرزق، الله تعالى بيده الرزق لكن كيف يرزق وماهي الوسائل والاسباب التي عليها المعاش، فالانسان في بعض الحالات لا يفهمها ويكون ذهنه قاصرا، فيطمع طمعا بما في ايدي الناس غفلة على ان الذي في ايدي الناس هو من الله تعالى، فيختار الدرجة المعوجة في عملية التحصيل، غافلا ان هذا الرزق هو رزق من الله تبارك وتعالى بيد فلان.

الله تعالى ابى ان تجري الاشياء بالأسباب الطبيعية، فالانسان يعمل ويشتغل ويتصدى الى العمل، هذه اسباب الى تحصيل الرزق، لكن واقع القضية الرزق الحقيقي بيد الله تعالى ولذلك هذا التفاوت بالأرزاق يدل على ان من ورائه حكمة، فبعض الناس لا يبذل جهدا كبيرا في تحصيل رزقه، وتجده موسعا عليه والبعض الاخر يبذل جهدا كبيرا وتجده مضيقا عليه وبعض الناس لا يحسن ان يرتب كلمتين على نحو السواء تجده مرفهاً عليه والعكس كذلك، وهناك ادعية كثيرة لطلب الرزق في مضمونها: من قال كذا وكذا اضمن له ان لا يدخل الفقر في بيته، وما نسب لأمير المؤمنين أنه قال: لو كان الفقر رجلا لقتلته، والفقر سوط موجع.

إن الله تعالى يهددنا بالعقوبات عند ارتكابنا المعاصي ، كالكذب والسرقة، وفي بعض الحالات لا يهددنا بالعقوبة لكن الوضع الطبيعي يخوفنا من موارد قد تؤثر على علاقتنا به، وهذه الموارد لا يتحملها كل أحد من قبيل الفقر، ولذلك ان الانسان يدعو من الله تعالى ان يجنبه الفقر خوفا من الفقرة التي تأتي بعدها، قال (عليه السلام): فلا تحظر عليَّ رزقي، ولا تكلني الى خلقك، وهذه من الصعوبات لا يتحملها اي احد ، وفي جملة أخرى من الدعاء يقول الإمام - وان وكلتني الى خلقك  تجهموني، وهذه اشياء لا يرضاها المؤمن لنفسه، لذلك التمسك والتوسل دائماً الى الله تعالى أن يكون هو الرازق، ولذلك كثيراً ما ندعو (اللهم لا تكلني الى نفسي طرفة عين ابدا)، حتى الانبياء مروا بحالات ضيق لا تذهب نفسك عليهم حسرات كانوا يتألمون، وكما في واقعة بدر كان النصر المؤزر للمسلمين فبعد سنة أو سنتين واذا الانتكاسة الكبرى التي كانت صعبة على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما يتعامل معه بعض من اصحابه تعاملا غير طيب.

هذه المعاناة كل منا يمر بها فضلا عن معاناة الرزق ومعاناة المعيشة، فإذن نحن في الدنيا نُبتلى، في مرض اجار الله الجميع، الذي يعيننا على ذلك ويصبرنا ويسهله علينا هو الالتصاق بالله تعالى والتوكل على الله تبارك وتعالى، ولذلك قال تعالى: (الا بذكر الله تطمئن القلوب).

فالمؤمن عندما يتصرف وفق معايير كاللجوء الى الله تبارك وتعالى في كل شيء لأنه بيده الاسباب الطبيعية ، نحن من خلال تشويش في ثقافتنا وتشويش في معارفنا تاهت علينا كثير من المعارف، المشكلة ليست في المعارف، المشكلة فينا (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) كما تقول بعض الآيات الشريفة ثم يقول تبارك وتعالى (فَإِنَّله معيشة ضنكا) لذلك هذا الدعاء الشريف من الامام وغيره من الادعية مرتبط بهذه النكتة ألا وهي لا بد من تقوية العلاقة مع الله تعالى، ولعل لهذه الصلوات اليومية دورا في تقوية هذه العلاقة.

نسـأل الله سبحانه وتعالى، ونتوسل إليه بنبيه وآله ومن نحن بجواره ان يمن علينا دائما وعليكم بسعة الرزق وحسن التوكل عليه والالتذاذ بما عنده من معارف ومن معنويات، وأخذ الله تعالى بأيدينا جميعا لما فيه خير الدنيا وخير الآخرة، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين .

بسم الله الرحمن الرحيم

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) اللَّهُ الصَّمَدُ(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)).

المرفقات