رِكضة طويريج .. بحرُ الولاء الزاخر

منذُ أن أطلقَ الحُسين (عليه السلام) واعيتهُ في ظهيرة عاشوراء ( أما من ناصرٍ ينصرُنا) سنة إحدى وستِّين للهجرة ، لازالت الى يومنا هذا تُصغي إليها أُذُنُ الدهر وتتلقَّفها جموع المؤمنين بين الأصلاب والأرحام ليُعلنوا اليوم نداء الولاء ويجيبوا داعي الله هاتفين بملء قلوبهم وحناجرهم (لبيك ياحُسين) بعد أن إصطكَّت عنها آذانُ الظالمين ونسجَ فيها الشيطان حجاب الزيغ والضلال ,وإبتعدواعن كُلِّ مايمتُّ للإنسانية بصلةٍ حتّى عبَّر عنهم القُرآن الكريم خير تعبير (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْأَشَدُّ قَسْوَةً)[البقرة74] تلك الواعية التي إهتزَّ لها عرش الرحمن وبكى عليها الإنس والجان بدل الدموع دماً . وإنطلاقاً من هذا المبدأ نُصرةً للحُسين ( عليه السلام) وتلبيةً لواعيتهِ وإغاثةً للهفتهِ وذبّاً عن حرمهِ وعيالاتهِ كان عزاء طويريج أو مايُتعارف عليه بـ (رِكضة طويريج)هذه المُظاهرة الحُسينية العفوية التي أصبحت من أشهر وأكبر الشعائر الحُسينية في جميع بقاع العالم لما تمتاز به من مُشاركةٍ جماهيريةٍ مليونيةٍ حيث يُشارك فيها الرجال والنساء ، الشيوخ والأطفال من مُختلفِ مُحافظات العراق إضافةً الى الزائرين من مختلف جنسيات العالم ليكونوا بحراً بشرياً ولائياً زاخراً يزحف بأمواجه الى صاحب الذكرى ليُعزيه بمصابه الأليم ، هاتفين تلك الهتافات التي خرقت الحُجُب وكتبت حروفها على صفحة الخلود بأحرفٍ من نور ( لبيك ياحسين .. أبد والله يازهراء لن ننسى حُسيناه) تلك الهتافات التي تغافلت عنها وسائل الإعلام وأصمَّت عن سماع صوتها الهادر، لا لشيءٍ إلا لأنَّها تُمثّل صرخة الرفض بوجه الظُلم والظالمين وكلمة الحقِّ بوجه الطُغاة والمستكبرين ، فالسرُّ كل السرِّ في كلمة ( ياحُسين ) فكم هدَّمت من عروشٍ شيَّدها الظالمون على جماجم الرعيّة ،وكم بَقَرت من بطونٍ إندلقت من أكل السُحت وقوت المساكين ، فلا زالت تشخصُ هاجساً مُخيفاً لهم لأنَّها تمثّل صوت المُستضعفين وشعار الثائرين وأمل الأحرار في جميع بقاع الأرض . ومن دروس (رِكضة طويريج) المستوحاة من أهداف نهضة الحُسين (عليه السلام) إنَّها لأتبدأ إلا بعد أداء صلاة الظُهرين مُستذكرين بذلك صلاة الحُسين (عليه السلام ) التي أداها بين الأسنَّة والرماح والتي آثر إلا أن يُقيمها لأنَّ الصلاة عمود الدين وما كانت نهضته إلا ليُصلحَ دين جدِّه الذي إنحرف عن مسارهِ ، كما إنَّ لوقفتهم هذه وما تحويه من تنوّعٍ في الأعمار والبلدان والقومية واللغة رسالةً بأنَّ ثورة الحُسين (عليه السلام) تمتاز بالعالمية فهي لاتنحصرُ في نطاق فئةٍ أوطائفةٍ ما ، كما فيها دعوة للوحدة ورص الصفوف ونبذ ما يدعو الى التشرذم وإذكاء النعرات كي نكون أهلاً للإلتحاق بجيش الحُسين ( عليه السلام) وصفوةِ أنصاره . فتسير الألوف مُستذكرةً كل تلك المعاني وغيرها التي عمِل الحُسين( عليه السلام) على ترسيخها في النفوس وإذكائها في الضمائر تحدوهم لوعةُ المُصاب ولهفةُ الإشتياق للسجود على أعتاب قبرهِ الطاهر ولثم تُرابه العَطِر، ينهالون عليه كما تنهال الفراشات على شُعلة النور .فهنيئاً للمُعزِّين المُخلصين بهذا المُصاب الجلل ، وسلامٌ عليك أبا الشهداء يوم ولدت ويوم إستُشهدت ويوم تُبعث ُ حياً . بقلم: عقيل الحمداني

المرفقات