الشاعر صالح الكواز الحلي.. عطاء وإباء

الأدب الحسيني

2019-01-14

994 زيارة

 

يتباين الشعراء فيما بينهم ويختلف الإلهام والخيال داخل ذواتهم فمنهم من يعيش ما يمكن أن يُسمى بالحالة الشعرية الدائمة فتراه يتفجّر الشعر من بين جوانحه وتتأجج مشاعره لتنصهر قصائد مشبوبة بأحاسيس مرهفة وهذا المعنى ينطبق كل الانطباق على الشاعر صالح الكواز الحلي.

ذاع شعره وتناقله المنشدون والخطباء في المحافل الحسينية وقد امتاز شعره على شعر غيره ممن عاصر أو تقدّم عليه أو حتى على من تأخر عنه بما اكتسبه من تجربته الشعرية فكان شعره يفيض عذوبة وروعة وخاصة قصائده التي قالها في واقعة الطف وكان إلى جانب شاعريته ملمّاً بالتاريخ الإسلامي وقصص القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (ع) فكانت قصائده لا تخلو من التلميح والإشارة والاستعارة من الآيات القرآنية والقصص النبوية ليتخلص منها إلى ذكر فاجعة الطف.

ولد الشاعر الشيخ صالح بن المهدي بن الحاج حمزة الذي يرجع إلى قبيلة (الخضيرات) إحدى عشائر شمر المعروفة في الحلة عام 1233هـ وكان جو الحلة في ذلك الوقت يعجّ بالمنتديات الثقافية التي كان يرتادها فحول الشعراء.

درس الشيخ صالح النحو والصرف والمنطق والمعاني والبيان على يد خاله الشيخ علي العذاري والشيخ حسن الفلوجي والسيد مهدي السيد داود وتخرج في الفقه وعلوم الدين على يد العلامة الكبير السيد مهدي القزويني.

لم تمنعه الدراسة عن مواصلة العمل في مهنته والتي هي مهنة أبيه فكان يبيع (الكيزان) والجرار والأواني الخزفية فاشتهر بالكواز. ورغم رقة حاله وشظف عيشه فإنه لم يتكسب بالشعر, فكان يحمل بين جنبيه نفساً أبية تفيض عفةً وشرفاً, فعاش متعففاً عما في أيدي الناس, قانعاً بما قدر له من الرزق, مترفّعاً عن الارتزاق بشعره, فكان لا يصوغ أفكار قصائده إلا في مدح ورثاء أهل البيت (ع) وخاصة الإمام الحسين (ع).

ورغم أن حالته المادية كانت بائسة إلا أنه رفض جميع ما عرض عليه من قول الشعر في غير مكانه ومدح من لا يستحق, وقد روى الشيخ محمد علي اليعقوبي الذي جمع ديوان الشيخ صالح وحققه: إنه طلب منه ــ أي من الشيخ صالح الحلي ــ أحد الأثرياء من أفراد السلطة الرسمية في الحلّة أن يكتب له أبياتاً في رثاء أبيه، ويؤرّخ فيها عام وفاته, لتُنقش على صخرة تُبنى على ضريحه في مقبرة (مشهد المقدّس). ولكن الشيخ صالح رفض ذلك فعرض عليه ذلك الثري مبلغاً كبيراً من المال في ذلك الوقت وهو أربعين ليرة عثمانية لكنه بقي مصمماً على رفضه ولم تنفع وساطة البعض الذين أرسلهم الثري للشيخ صالح في العدول عن رأيه رغم إملاقه وشدة فقره.

لقد كرّس الشيخ صالح شعره في مدح الأئمة الأطهار (ع) وسخّر كل إمكانياته لنشر فضائلهم وإبراز فكرهم وأخلاقهم ومظلوميتهم, كما مدح من يستحق المدح من العلماء الأعلام والفقهاء الكبار والاشادة بدورهم القيادي والتشريعي في المجتمع من الأسر العلمية الكبيرة أمثال آل القزويني وآل كاشف الغطاء.

عُرف الشيخ صالح بالنسك والورع والتقوى والصلاح, يقول عنه الشيخ علي بن الحسين العوضي الحلي في مجموعته:

كان على ما فيه من الظرف ناسكاً ورعاً متهجّداً يحيي أكثر لياليه بالعبادة طابق اسمه مسماه لطيف المحاضرة حاضر الجواب سريع البديهة لطيفاً في كل فصل وباب كان يسكن محلة (التعيس) إحدى محلات الحلة الشمالية ـ ويقيم صلاة الجماعة في أحد مساجد الجباويين بالقرب من مرقد أبي الفضائل ابن طاووس وللناس أتم وثوق في الإئتمام به.

ويشير الشاعر الكبير السيد حيدر الحلي إلى ذلك في رثائه للشيخ صالح:

ثكلُ أمِّ القريــــضِ فيكَ عظيمُ   ***   ولأمِّ الصـــــلاحِ أعظمُ ثكلا

قد لعمري أفنيتَ عمركَ نُسكاً   ***   وسلختَ الزمانَ فرضاً ونفلا

وطويتَ الايَّــــامَ صبراً عليها   ***   فتساوتْ عليـكَ حَزناً وسَهلا

طالما وجهـــــــــكَ الكريمُ علــــــــــــــى الله به قُوبلَ الحيا فاستهلّا

كما يدلنا الشاعر الشيخ محمد الملا في مرثيته له على تعلقه بالعبادة وملازمته لمسجده:

ذهبَ الـردى منه بنفسٍ مكرمِ   ***   ومنّــــــــزهٍ عن ريبةٍ ورياءِ

لقد تربع الشيخ صالح الكواز على طليعة الساحتين الدينية والأدبية فكان إلى جانب عبادته ونسكه وتفقهه يمتلك شاعرية كبيرة يشار إليها بالبنان, وكانت له مكانة كبيرة بين شعراء عصره, وليس أدل على ذلك من قول السيد حيدر الحلي عنه في كتابه (دمية القصر) عندما صدّر إحدى قصائد الشيخ صالح:

أطول الشعراء باعاً في الشعر, وأثقبهم فكراً في انتقاء لئالئ النظم والنثر, خطيب مجمعة الأدباء, والمُشار إليه بالتفضيل على سائر الشعراء.

كما يقول عنه في موضع آخر من نفس الكتاب:

فريد الدهر وواحد العصر الذي سجدت لعظيم بلاغته جباه أقلامه, واعترفت بفصاحته فضلاء عصره وأيامه, وفاق بترصيع نظامه وتطريز كلامه أرباب الأدب من ذوي الرتب, ومن رأيه في النظم على كل رأي أديب راجح الشيخ صالح الحلي.

وسُئل الشاعر الكربلائي الكبير الحاج جواد بدقت وكان معاصراً للكواز عن أشعر من رثى الإمام الحسين (ع) فقال: أشعرهم من شبّه الحسين (ع) بِنَبِيَيْن من أولي العزم في بيت واحد وهو الشيخ صالح الكواز بقوله:

كأن جسمَكَ موسى مذ هوى صَعِقا   ***   وإن رأسَك روحُ اللهِ مُذْ رُفعا

ويدلنا هذا القول على شهرة شاعرنا وذيوع صيته بعد أن تناقل الشعراء والخطباء قصائده, ويروى إنه حين كتب نونيته العصماء التي رثى بها سيد الشهداء (ع) وأهل بيته وأصحابه ومطلعها:

هل بعد موقــــــــفِنا علــى بيرينِ   ***   أحيا بطـــــرفٍ بالدموعِ ضنينِ

هُمْ أفضلُ الشهداءِ والقتـلى الألى   ***   مدحوا بوحــيٍ في الكتابِ مبينِ

لا عيبَ فيهمْ غيرَ قبضـــهمُ اللوا   ***   عندَ اشتباكِ السمرِ قبضَ ضنينِ

عارضها جماعة كثيرة من مشاهير شعراء عصره وزناً ورويّاً وفي مقدمتهم الشاعر السيد حيدر الحلي, والشاعر حسن قفطان, والشاعر محسن ابو الحب خطيب كربلاء, والشاعر جواد بدقت الحائري, والشاعر عبد الحسين شكر النجفي, وهذه المعارضة لقصيدته من قبل هؤلاء الشعراء الكبار تدل ـ بلا شك ـ على شاعرية كبيرة ومكانة عالية في سماء الأدب.

عُرف الشاعر برثائياته المفجعة لأهل البيت وخاصة في رثاء سيد الشهداء وأهل بيته وصحبه الأبرار وقد جمعها الشاعر في حياته وسمّاها بالعلويات وإليها يشير الشاعر حيدر الحلي:

ولكَ الســـائراتُ شرقاً وغرباً   ***   جئنَ بعداً ففقنَ ما جاءَ قبلا

كنتَ أخلــصتَ نيّة القولِ فيها   ***   فجزاكَ الحسين عنهنَّ فعلا

فهيَ الصــــــالحاتُ بعدُ تبقّى   ***   بلســانِ الزمانِ للحشرِ تُتلى

وتبدأ هذه (العلويات) بقصيدته الهمزية التي مطلعها:

باسمِ الحسينِ دعا نعــاءَ نعاءِ   ***   فنعى الحيــاةَ لسائرِ الاحياءِ

بهذه البداية التراجيدية التي تنعى الحياة لسائر الأحياء لعمق الفجيعة التي جرت على الإمام الحسين (ع) في كربلاء يبدأ الشاعر (علوياته) ثم يسترسل تفجعاً وألماً

وقضى الهلاكُ على النفوسِ وإنَّما   ***   بقيتْ ليبقى الحزنُ في الأحشاءِ

ثم يصل إلى هذه الصورة التي أبكت الملائكة:

ملقىً على وجهِ الصعــــيدِ مجّرداً   ***   في فتيةٍ بيضِ الوجوهِ وِضاءِ

تلكَ الوجوهُ المشرقاتُ كأنَّـــــــــها   ***   الأقمارُ تسبحُ في غديرِ دماءِ

رقدوا وما مرَّتْ بهم سِنةُ الكــرى   ***   وغفتْ جفونُــــــهمُ بلا إغفاءِ

متوسّدين من الصعيدِ صـــــخورَه   ***   متمهّدينَ خشونــــةَ الحصباءِ

خضبوا وما شابوا وكان خضابهم   ***   بدمٍ من الأوداجِ لا الحـــــنّاءِ

وفي قصيدة أخرى يخاطب أمير المؤمنين (ع) بالقول: إن الحسين والشهداء معه قد سلكوا مسلكه في الإباء والشجاعة وأصبحوا قدوة من بعده فحق له أن يفخر بهم:

أبا حســــنٍ إن الذين نمــــــــــــــاهمُ   ***   أبو طـــــالبٍ بالطفِّ ثاراً لطالبِ

تعاوتْ عليهم من بني صخرِ عصبةٌ   ***   لثاراتِ يومِ الفتحِ حرَّى الجوانبِ

وســـــــــــــــــاموهمُ إمّا الحياةَ بذلةٍ   ***   أو الموتَ فاختاروا أعزَّ المراتبِ

فها هُمْ على الغــــبراء مالتْ رقابُهم   ***   ولمّا تمـــلْ من ذلةٍ في الشواغبِ

وللنفوس التي آثرت الشهادة على حياة الذل والخنوع وأبت إلا أن توقد التاريخ بوهج الدماء كتب صالح الحلي عن شهداء الطف شهداء العقيدة والكرامة وفيها من الاستعارات القرآنية ما يدهش القارئ لسعة اطلاعه وتعمقه بعلوم القرآن الكريم:

ومعشرٌ راودتـهمْ عن نفوسِهمُ   ***   بيضُ الظبا غير بيضِ الخرَّدِ العُربِ

فأنعموا بنفـــوسٍ لا عديلَ لها   ***   حتى لسيلتْ على الخرصانِ والقضبِ

ويشبّه شجاعتهم بقدِّ قمصانهم من قُبلٍ دلالة على مواجهتهم الموت بنفوس مطمئنة, ثم يشبّه تسابقهم إلى الموت بركض النبي أيوب (ع) إلى مغتسله بركضهم إلى الجنان وحوض الكوثر:

فانظــــــر لأجـسادِهم قد قدَّ من قُبلٍ   ***   أعضاؤها لا إلى القمصانِ والأهبِ

كل رأى ضرَّ (أيـوبٍ) فما ركضتْ   ***   رجلٌ له غير حوضِ الكوثرِ العذبِ

وفي هذه القصيدة كثير من الاستعارات القرآنية منها:

حتى قضوا فــغــــــدا كل بمصرعِهِ   ***   (سكــينة) وسـطَ (تابوتٍ) من الكثبِ

فليبكِ (طـــــــالوت) حزناً للبقيةِ من   ***   قد نالَ (داودَ) فيهِ أعظــــــــمُ الغلبِ

أضحى وكـــــانتْ له الأملاكُ حاملةً   ***   مقيَّداً فوقَ مـهــــــــــــزولٍ بلا قتبِ

يرنو إلى (الـنـاشراتِ) الدمعِ طاوية   ***   أضلاعـــــهنَّ على جمرٍ مـن النوبِ

و(العادياتُ) من الفسطاطِ (ضابحة)   ***   و(الموريـاتُ) زنادَ الحزنِ في لهبِ

و(المرسلاتُ) مــن الأجفانِ عبرتها   ***   و(النازعــــاتُ) بروداً في يدِ السلبِ

و(الذاريــــــاتُ) تراباً فوق أرؤسِها   ***   حزناً لكلِّ صـــــــــريعٍ بالعرا تَرِبِ

 وربَّ مرضـــــعةٍ منهنَّ قد نظرت   ***   رضيعُها فاحصَ الرجلينِ في التربِ

تشوطُ عنــــــــــــــــهُ وتأتيهِ مكابدةً   ***   من حـــــــالهِ وظمـاها أعظمُ الكربِ

فقل (بهــــاجرَ) (إسماعيلُ) أحزنها   ***   متى تشطُّ عنهُ حـــــــــرُّ الظما تؤبِ

وما حكتــــــها ولا (أُمّ الكليمِ) أسىً   ***   غداة في اليـــــــــــمّ ألقتـهُ من الطلبِ

هذي إليها ابنــــها قد عادَ مرتضعاً   ***   وهذه فـي سقي بالبـــــــــــاردِ العذبِ

وأيِّ أبياتٍ أدلّ من هذهِ على الحزن الذي أبكى الأنبياء على الحسين (ع) قبل مولده:

كفى بيومِـــــكَ حُزناً أنه بَــكيــــــت   ***   له النبيــــــــــونَ قدمـــــاً قبل أن يقِعا

بكــــــاكَ آدمُ حزنــــــــاً يوم تــوبتِه   ***   وكنتَ نوراً بســــاقِ العرشِ قد سطعا

ونوحُ أبكيـــــــــته شجواً وقــلّ بأن   ***   يبكي بدمـــــــعٍ حكى طوفــــــانَه دفعا

ونارُ فقدِكَ في قلــــــبِ الخــليلِ بها   ***   نيرانُ نمـــــــــــــرودَ عنه اللهُ قد دفعا

كلمّتَ قلبَ كلـــــــيمِ اللهِ فـــانبجستْ   ***   عينــــــــــاه دمعاً, دماً كالغيثِ مُنهمعاً

ولو رآكَ بأرضِ الطـــــــفِّ مُنفرداً   ***   عيــــــسى لما اختارَ أن ينـجو ويرتفعا

ولا أحب حيــــــــــــــــاةً بعد فقدِكمُ   ***   وما أرادَ بغيــــــــــرِ الطفِّ مضطجعا

وفي قمة ثائرته في استرساله يطلق شاعرنا هذه الصرخة المدوّية:

عُجْ بالمدينةِ واصرخْ في شوارعِها   ***   بصرخـــــــــــــةٍ تملأ الدنيا بها جزعا

نادِ الذينَ إذا نـادى الصريـــــخُ بهم   ***   لبّوه قبلَ الصـــــــدى من صوتِهِ رجعا

يكـــــــــــــادُ ينفذُ قبل القصدِ فعلهمُ   ***   لنصــــــــــــــرِ من لهمُ مستنجداً فزعا

فلتـلطمُ الخيــــلُ خدُّ الأرضِ عاديةً   ***   فإنَّ خدَّ حسيـــــــــــــــنٍ للثرى ضرعاً

ولتملأ الأرضَ نعياً فـي صوارِمكم   ***   فإنَّ نـــــــــاعي حسينٍ في السماءِ نعى

ولتذهلَ اليومَ منـــــكمْ كلُّ مرضعةٍ   ***   فطفلــــــــــــــه من دما أوداجِهِ رضعا

وتظل تلك الرزايا تعيش مع الشاعر تؤرقه فلا يجد لها عزاءً سوى البكاء, فهو يراها في حمرة السماء وفي البرق والرعد:

وأنا الذي لـــــــــــم أجزعنْ لرزيةٍ   ***   لولا رزايــــــــــــــــــــاكمْ بني ياسينِ

تلكَ الرزايـــــــا الباعثاتُ لمهجتي   ***   ما ليــــــــــــــــــسَ يبعثه لظى سجّينِ

كيفَ العزاءُ لهــــــــــا وكلُّ عشيّةٍ   ***   دمكمْ بجمرتِــــــــــــــها السماءُ تُريني

والبرقُ يذكرنــي وميضَ صوارمٌ   ***   أردتــــــــــــــــــــكمُ في كفِّ كلِّ لعينِ

والرعدُ يُعربُ عــن حنينِ نسائِكمْ   ***   في كلِّ لحنٍ للشجــــــــــــــــــونِ مبينِ

وهكذا يمضي الشاعر صالح الكواز الحلي على هذه الوتيرة في رثائه المفجع من قصائده الحسينية التي احتلت أغلب ديوانه الذي يضم حوالي 1500 بيت ليبقى سجلاً خالداً على جبين الدهر.

توفي الشيخ صالح عام 1290هـ عن (57) عاماً ودفن في النجف الأشرف وأقيمت له مجالس العزاء والفاتحة من قبل العلامة الكبير مهدي القزويني وقد رثاه نخبة من شعراء عصره, وكتبت عنه دراسات عديدة في خصائص شعره ومميزاته.

محمد طاهر الصفار

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً