الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 24/ربيع الاول/1441هـ الموافق 22 /11 /2019م :

منبر الجمعة

2019-11-22

1855 زيارة

بسم الله الرحمن الرحيم

أيّها الأخوة والأخوات

نقرأ عليكم اولاً نص ما وردنا من مكتب سماحة السيد (دام ظله) في النجف الأشرف وهو:

 إنّ المرجعية الدينية قد أوضحت موقفها من الاحتجاجات السلمية المطالبة بالإصلاح في خطبة الجمعة الماضية من خلال عدّة نقاط، تضمّنت التأكيد على سلميّتها وخلوها من العنف والتخريب، والتشديد على حُرمة الدم العراقي، وضرورة استجابة القوى السياسية للمطالب المُحقّة للمحتجّين، والمرجعية إذ توكّد على ما سبق منها تُشدّد على ضرورة الاسراع في إنجاز قانون الانتخابات وقانون مفوضيّتها بالوصف الذي تقدّم في تلك الخطبة، لأنّهما يُمهدّان لتجاوز الأزمة الكبيرة التي يمر بها البلد.

هذا ما وردنا من مكتب سماحة السيد – دام ظله- .

وهُنا نُورد مقاطع من عهد الامام امير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الاشتر (رضوان الله تعالى عليه) حين ولاّهُ حكم مصر مع بعض التوضيح لها عسى ان تكون تذكرة ً وتبصرة  لكل من هم في مواقع المسؤولية، قال (عليه السلام) في ذلك العهد :

(وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ ، واللُّطْفَ بِهِمْ . ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً ، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، أو نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)

الامام (عليه السلام) يتحدث عن اسس ومقومات الحكم العادل في الناس الذي يحمل مقومات الدوام والاستمرار والازدهار ويبتدأ الامام (عليه السلام) في عهده هذا بالنسبة للحاكم فيوصيه بأن يُشعر الحاكم قلبهُ الرحمة والعطف بعموم الرعيّة لأن هذه الرحمة والعطف المطلوبة من الحاكم والمسؤول تجعل هذا الحاكم يستشعر هموم الناس ومعاناتهم ومطالبهم ومظلوميتهم وحينما يستشعر هذه المطالب والمظلوميات والآلام والمعاناة حيئنذ سيتفاعل معها ويتعامل معها بالسعي لحلّ هذه المشاكل ورفع المظلوميات وتحقيق المطالب للناس واما اذا فقد هذه الرحمة والعطف بأن كان خشناً قاسي القلب على عكس الرحمة فإن هذه القسوة ستشكّل حاجباً وحاجزاً بينهُ وبين استشعار المظلومية والآلام والمعاناة التي تمر بها الرعية، وحينئذ حينما يفقد هذا الاستشعار حينئذ سوف لا يلتفت ويكون في غفلة عن هذه الآلام والمعاناة والمطالب وحينئذ سوف لا يتفاعل معها ولا يسعى في حلّها وحينئذ ستتراكم وتؤدي الى الكثير من المشاكل والاضطرابات ولعلّ الامام (عليه السلام) لاحظوا اخواني لماذا هنا كثرت التعابير من الامام (عليه السلام) فيقول: الرحمة والمحبّة واللطف.

التفتوا الى هذه التعابير الثلاثة : الرحمة: انما هي بحسب عموم الرعيّة، والمحبة وهذا الاختلاف هو بحسب اختلاف الاحوال والظروف، الرحمة لعموم الرعية  ثم المحبة لاولئك الذين يخدمون ويعملون في نفع الاخرين وخدمتهم ويضحون من أجل الآخرين، هذه خصوصية تحتاج الى المحبّة، ثم بعد ذلك الحالة الثالثة (اللطف) يحتاج الرعية الى التعامل معهم باللطف حتى يتوجهوا الى الطريق الصحيح ويسلكوا الطريق الصحيح ولا يتسببوا في اذى الاخرين لذلك اختلف تعبير الامام، رحمة، محبة، لطف، عندنا عموم الرعية تحتاج الى الرحمة وعندنا محبة بخصوص البعض ممن يضحي ويعمل في خدمة الاخرين ويضحي من اجلهم هذا يقتضي المحبّة لهم، اللُطف تتعامل بلطف مع طبقة معينة هؤلاء الذين يحتاجون ان يوجههم الانسان في الطريق الصحيح حتى لا يتوجهوا الى إيذاء الاخرين.

ثم يقول الامام (عليه السلام) : (ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً ، تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)

أي لا تكن كالحيوان المفترس الذي يفترس طريدتهُ ويغتنم اكلها، وهُنا الحاكم الذي يخاطبهُ الامام (عليه السلام) هذا العنوان العام يشمل أي مسؤول في مواقع الحكومة سواء أكانت المواقع العليا أم الدُنيا هنا لا يجوز لهذا الحاكم والمسؤول ان يعتبر الرعيّة الفرائس يغتنم الاستحواذ على مقدراتهم وايضاً لا يجوز لهذا الحاكم والمسؤول ان ينتهز فرصة وصوله الى الحكم والسلطة والمسؤولية لكي يستأثر بأكبر قدر ٍ من اموال هذه الرعيّة وامكاناتهم ويعتبر قدرات السلطة التي وُفرت لهُ مغانم له بل ان هذه الحاكمية والسلطة والمسؤولية انما هو تفويض من الشعب لهُ، هذا التفويض انما يُراد منهُ ان يدير هذا الحاكم والمسؤول شؤون رعيتهِ بما يحقق مصالحهم في توفير الامن والاستقرار والازدهار هكذا ينبغي ان يكون التعامل مع هؤلاء الرعية..

وهنا يشير الامام (عليه السلام) الى انهُ لا فرق في هذه الرعاية لحقوق المواطنين جميعاً سواء أكان من هؤلاء الرعية من يُشاكل الحاكم في انتماءه الديني والمذهبي أو يختلف معهُ فالمطلوب من الحاكم ان يوفّر الحياة الكريمة لجميع المواطنين على حدّ سواء سواء أكانوا من أي دين او مذهب او قومية.. ولذلك الامام (عليه السلام) يقول: (فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، أو نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ).

ثم يقول (عليه السلام) في مقطع آخر : (اجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرّغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتُقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشُرطك، حتى يكلمهم متكلمهم غير مُتتعتع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غير موطن لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع).

الامام (عليه السلام) يوصي الحاكم والمسؤول بصورة عامة بانفتاحه على عموم الناس خصوصاً اصحاب الحاجات من المواطنين ممن لهم مشاكل او معاناة او مظالم او مطالب، هذا الانفتاح يتحقق من خلال ان يجعل مجلساً خاصاً لهؤلاء المواطنين يستمع اليهم ويتفهم مشاكلهم ويتحسس آلامهم ومظالمهم وما يمرون به من ظروف فإن لهذا المجلس الخاص الذي يفتحه الحاكم والمسؤول لأصحاب الحاجات له اثر كبير في نفوس الرعية فإن سُيشعر الرعية بأن هذا الحاكم والمسؤول رحيم بهم عطوف بهم يتفهم مشاكلهم وآلامهم ومعاناتهم ويسعى في حلّها، بعكس ما لو كان منغلقاً صاداً نفسهُ عن الرعية والاستماع الى اصحاب المطالب والمشاكل والهموم والالام والمعاناة فحينئذ ستشعر هذه الرعية وسيشعر هؤلاء المواطنين ربما يشعرون بتكبّر هذا الحاكم واستعلاءه عليهم وانهُ لا يفكّر الا بنفسه وتحقيق مصالح حُكمه..

ويضيف اليهِ الامام (عليه السلام) يقول بهذه العبارة التي ذكرناها: (فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتُقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشُرطك).

ليس هذا فقط بل تجلس مجلساً تُشعر المواطنين بتواضعك لله وتُبعد افراد الامن والحرس عن هؤلاء المواطنين الذي يرغبون بلقائك لكي يستطيعوا ان يعبّروا عما في نفوسهم من مطالب من غير خوف ولا وجل ولا رهبة من احد ولا خوف من بطش او تنكيل بأحد منهم.. حينئذ يستطيعوا ان يعبّروا عن مطالبهم وتستمع اليهم..

ثم ينقل الامام (عليه السلام) كلمة خالدة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كررها في غير مرّة : يقول : (لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع).

يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الحديث : لا تُنزّه امّة اذا لم يكن بالامكان للضعيف ان يأخذ حقّه من القوي الذي غصبه من غير ان يتردد او يخاف او يوجل من ان يبين حقّهُ ومن غير ان يخاف من ان يتعرض الى اذىً يقلقه ويزعجه، حينئذ لو لم يحصل في الامّة مثل هذا الامر فانها لن تنزّه هذه الامة..

فإن الامام (عليه السلام) حينما يؤكد على هذا المقوّم المهم وايضاً لا يتردد هذا المواطن الذي يطالب بحقّه ويبين ظلامته لا يتردد ولا يعيا في بيان حقّهِ ومطلبه..

فالمطلوب ان يسمح الحاكم لمن لديهم شكاوى ومظالم من الرعية والمواطنين بأن يتكلموا بكل حريّة ومن دون تردد او خوف او رهبة من بطش قد يُلحقهم وان يتكلموا بما في نفوسهم ويفصحوا عما في ضمائرهم..

والتظاهرات السلمية الخالية من العنف والتخريب والإضرار بمصالح الآخرين هي من الأساليب المُتعارفة في عصرنا الحاضر، نشاهد الكثير من الشعوب والكثير من المظلومين الذين يريدون إسماع مظلوميتهم وشكاواهم الى الحكام والمسؤولين يلجئون الى هذا الاسلوب التظاهر السلمي الذي اصبح اسلوباً متعارفاً في عصرنا الحاضر يريدون من خلال هذا الاسلوب إسماع مظلومياتهم ومشاكلهم ومعاناتهم وآلامهم واحتياجاتهم الى الحاكم فلابد هنا ان يُفسح لهم الحاكم والمسؤول المجال لذلك ويستمع الحاكم والمسؤول الى ما يطالبون به ويسعى الى الإستجابة لهم وفق مبادئ الحق والعدل.

اخواني واخواتي..

لو تأملنا صفحات التاريخ لوجدنا ان الكثير من ثورات الشعوب وتمردّها على حكامها انما هو بسبب الظلم الذي استشرى فيهم ولم يجدوا هؤلاء من وسيلة لإسماع اصواتهم ومظلومياتهم ومعاناتهم الا من خلال ذلك، ولكن في نفس الوقت لماذا لجأ الى هذا الاسلوب؟

لأنه في مثل هذه الحالات لا يجدون وسائل اخرى لإيصال هذه المظلومية والمعاناة والآلام.. لا يجدون، يلجئون ويضطرون الى هذا الاسلوب لأنهم لا يجدون اساليب اخرى يوصلون من خلالها مظلوميتهم وشكاواهم ومعاناتهم وآلامهم الى الحكام والمسؤولين.. لسببين لماذا؟

إما لأن المقربين والحواشي والمستشارين القريبين من الحكام ضللوا هؤلاء الحكّام واوهموهم بأن الامور تجري على خير فضلّلوهم واوهموهم، وإما لأن الحكّام صمّوا آذانهم عن الاستماع لأصحاب المظالم والحاجات ولم يهتموا بهم ولم يسعوا في حل مشاكلهم ورفع مظلومياتهم وتلبية مطالبهم.

ثم الإمام يحذّر من تبعات هذا الأمر في المقطع الاخير : (وإياك والدماء وسفكها بغير حِلها فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى لزوال نعمة، وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقّها والله سبحانه مبتدء بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تُقويّن سُلطانكَ بسفك دم حرام فإن ذلك مما يُضعفهُ ويوهنهُ بل يُزيله وينقله).

هنا نلاحظ الاسلام قد شدد في مسألة حفظ الدماء وصونها من السفك بغير حق كالقصاص.

اشار الامام الى التداعيات الخطيرة والتبعات الفادحة التي تترتب على سفك الدماء بغير حقّ، اولا ً يتسبب في النقمة، ثانياً تداعيات خطيرة لا يمكن السيطرة عليها، زوال النعمة، بل ممكن ان يؤدي سفك الدماء الى ضعف الحكم ووهنه بل قد يؤدي الى زواله وانتقال الحكم الى آخرين..

نسأل الله تعالى ان يُجنب الجميع الخلل والزلل في القول والعمل انهُ أرحم الراحمين..

حيدر عدنان

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً