مقوّمات الجنبة الإيجابية في أخلاق المقاتلين

موسوعة وارث الأنبياء

2019-01-21

454 زيارة

المقدمة

طالما لعبت أخلاق المقاتل دوراً عظيماً في تحديد اتجاه بوصلة الانتصار أو الهزيمة، فربَّ لحظة صمود واحدة اقتلعت الخوف من قلوب المقاتلين فانتصروا، وربَّ لحظة خوف رهيبة جعلتهم يُولّون الأدبار.

نعم، بكلمة واحدة من أبي عبد الله الحسين عليه السلام  عندما رشقهم جيش عمر بن سعد بسيل من النبل، نادى بأصحابه: «هي رُسُل القوم إليكم، فقوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابدَّ منه»[1]، فصنعوا ملحمة الانتصار الأبدي.

فالقادة الأفذاذ يحرصون كثيراً على تنقية قواعدهم من نقاط الضعف على مستوى أخلاق المقاتلين؛ ليقينهم الراسخ بأنَّ كلمة عابرة من ضعاف النفوس وقليلي الإيمان يُمكن لها أن تفتّ عضد الجيش بأسره، كما أنهم كانوا يحرصون بشكل أكبر على حصر قيادات الجيش وحملة الألوية بيد قادة أفذاذ، قلوبهم كزُبر الحديد، لا يُمكن أن يقع منهم تخاذل ولو بحساب الاحتمالات، وهذا ما نلمحه في قادة الطف، حيث جعل الإمام الحسين عليه السلام  زهير بن القين على الميمنة، وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وأعطى رايته إلى العباس بن علي عليه السلام [2]، ثلاثة أفذاذ، وتراجع أيّ واحد منهم ضرب من المحال.

وهذا ما يجعلنا نتفحَّص في شخصية المقاتل وأخلاقياته في جانبيها الإيجابي والسلبي معاً، ونقف على كيفية تعامل المقاتل مع القيادة العليا، وما هي أهدافه في القتال، وكيف تكون أخلاقه أثناء المعركة، في إطاريها الإيجابي والسلبي، وسيكون نموذجنا الإيجابي هو (أخلاق المقاتلين في جبهة الإمام الحسين عليه السلام )، وسيكون نموذجنا السلبي هو (أخلاق المقاتلين في جبهة يزيد وأعوانه)، ومن خلال هذين النموذجين التاريخيين سيتسنّى لنا قراءة واقع سوح القتال في عصرنا هذا المليء بالفتن، والحافل بورثة الفريقين معاً.

ومقالنا ككل ينقسم على قسمين رئيسيين يتناول القسم الأول مقومات  الجانب الإيجابي من أخلاق المقاتلين، بينما يتناول القسم الثاني أخلاق المقاتلين في جانبها السلبي.

وسوف نقف في هذا القسم الأول على محورين أساسيين هما:

المحور الأول: مقوّمات الجنبة الايجابية في أخلاق المقاتلين

المحور الثاني: معسكر الإمام الحسين عليه السلام  تجسيد عملي لما ينبغي أن تكون عليه أخلاق المقاتلين.

ويتضمّن كلا المحورين عدّة نقاط تستوفي البحث عن ذلك المحور  بعون الله تعالى:

المحور الأول: مقوّمات الجنبة الإيجابية في أخلاق المقاتلين

ويتضمّن هذا المحور البحث عن نقاط مهمّة هي:  

 أولاً: الجنديّة الصحيحة

للجندية الصحيحة مقوّمات كثيرة، سنقف عند الأهم منها، والتي لا يُمكن للجندية أن تكون بدونها، فهي أشبه ما تكون بذاتيات الماهية المشتملة على الجنس والفصل[3]، وهي:

1ـ الصحّة البدنية أو سلامة البدن

فلابد للمقاتل من صحَّة بدنية تُمكّنه من أداء واجبه، فالشجاعة والإقدام لا يكفلان وحدهما أداء الواجب بالشكل المطلوب؛ إذ لابد من وجود مقتضيات أُخرى، ومنها الصحّة البدنية.

2ـ الصحّة النفسيّة

لا ريب في أنَّ عدم الاستقرار النفسي يُولِّد قرارات سريعة وأزمات تُفقد المقاتل صوابه، ومن جملة الأُمور المتعلّقة بالصحة النفسية هو الخلو من مرض الشكّ والحيرة والتردّد، وهذا ما اصطلح عليه القرآن الكريم (مرض القلب)، حتى يصل الأمر بهؤلاء إلى مودَّة الأعداء والتقرب إليهم؛ لأنّهم يخشون الهزيمة والوقوع بيد الأعداء، وقد عبّر عنهم قوله تعالى: { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ  فَعَسَى اللَّـهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ  }[4]،  فلسان حالهم يقول: إنما نوادّ أعداء الله خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، ولكنّ الله تعالى يرجو النصر للمسلمين، وعندئذٍ سيندم ضعاف النفوس ومرضى القلوب على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم للأعداء.

إنَّ البدن أشبه ما يكون بالجبهة الخارجية، والقلب هو أشبه ما يكون بالجبهة الداخلية، وإذا ما اهتزّت الجبهة الداخلية وقعت الهزيمة، فمرضى القلوب منهزمون داخلياً، ولذلك تجد هؤلاء أبطالاً في وقت السلم، ومتخاذلين في وقت الحرب، فإذا ما قرعت الحرب طبولها يصبحون كالخشبة اليابسة لا حراك فيها من شدّة الخوف، قال تعالى: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ  فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ  رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ  فَأَوْلَىٰ لَهُمْ }[5].

3ـ التدريب والخبرة والمهارات الفردية

إنَّ كثرة التدريب وزيادة الخبرة الميدانية والمهارات القتالية تُقلِّل من الخسائر في المعركة، فلا ينبغي الاعتماد على الدعم الغيبي وحده دون توفير أسباب النصر، قال تعالى: { عِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ }[6]، ولا ريب في أنَّ الخبرة والمهارات من أبرز مصاديق القوة.

4ـ الشجاعة والتضحية والفدائية والإقدام

عند مواجهة العدو وتوقّع الموت والشهادة في كل آنٍ، لابد حنيذاك من أرضية صلبة يقف عليها المقاتل، فالشجاعة والإقدام يمنحانه قوّة التقدّم والمواجهة، والفدائية والتضحية تمنحانه قوّة الصمود، وهذا ما نلاحظه بأروع معانيه في أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، فما سجَّل التاريخ وأرباب المقاتل حالة جبن وتخاذل واحدة، بل لم يكن هنالك أوضح من معاني الشجاعة والتضحية والفدائية والإقدام والتفاني فيهم رضوان الله تعالى عليهم، رغم كثرة العدو وقلّة الناصر، ولعلَّ من أروع صور الشجاعة والإقدام فيهم هو تقدّمهم فرداً فرداً أمام جموع لا تملك أيسر أخلاقيات الجنديّة، ولو لاحظنا معسكر ابن سعد سنجد العكس تماماً؛ إذ كانوا يستمدّون شجاعتهم من الكثرة، فسجّلوا أبشع صور المنازلة برمي الخصم بالنبال عن بُعد؛ تفادياً عن المقابلة وجهاً لوجه.

5ـ التزوّد بروح الانتصار وعدم الانهزامية

لابدَّ للجندي الحقيقي من طاقة وقوة متجددة فيه، وهذا ما يتمثل بروح النصر، فهو منتصر في قوله وعمله، وفي جميع سلوكياته، دون أن يُصاب بالكبر والغرور، وما لم يكن الجندي منتصراً في عمقه فإنه سيكون مهدداً بالهزيمة والتخاذل؛ ولذا فإنَّ الانهزاميين عندما يدخلون المعركة لا يفكرون إلاَّ بالبحث عن فرصة الفرار، ويصطنعون الأعذار الواهية لذلك، كما هو حال المنافقين ومرضى القلوب في معركة الأحزاب (الخندق)، قال تعالى: { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ  إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا }[7].

إنَّ روح الانتصار هي الوقود الحقيقي الذي يُحفِّز المقاتل لمواصلة المواجهة والصمود بوجه الصعوبات، وقد كان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام  ينطلقون في تفانيهم من هذه الروح العظيمة، وقد ترجموا هذا النصر بتضحيتهم وتفانيهم، فالنصر لا يعني بالضرورة القضاء على العدو بعدّته وعدده، وإنّما له معاني أُخرى أعظم وأجلّ، منها أن يتحقق الانتصار للمبادئ، ولذلك خرج أصحاب الإمام الحسين عليه السلام  من الدنيا وهم يرتدون أوشحة انتصار المبادئ السامية على مبادئ الظلم والطغيان، فهم المنتصرون أبداً، كما أنَّ كل واحد من جيش ابن سعد كان يُدرك في قرارة نفسه، ويشعر في عمق وجدانه أنه مهزوم المبادئ ومهزوم الضمير، بل ومهزوم في القضيّة والوسيلة والهدف.

6ـ انحصار الخيار بين الشهادة والانتصار

إنَّ لغة المقاتل الحقيقي الممتثل لقواعد الجندية الصحيحة عند خوض المعركة تدور بين مفردتين لا غير، وهما: النصر أو الشهادة، فالشهادة مفادها شرف الدنيا والآخرة، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ  ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  }[8]، فإن نال النصر فهي الأُخرى التي يُحبها المؤمن، قال تعالى: { وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا  نَصْرٌ مِّنَ اللَّـهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ  وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ  }[9].

وقد كان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام  أكثر شوقاً للشهادة منهم للنصر الخارجي؛ لأنهم يرون بشهادتهم انتصارهم الحقيقي، وهو انتصار المبادئ الحقّة على مبادئ الظلم والطغيان، فنحروا بدمهم سيوف الأعادي، ومحقوا بمبادئهم مبادئ الجبت والطاغوت.

7ـ الحب والمودّة للقائد

حبُّ المقاتل لقائده ومودّته له من أولويات تحقيق النصر والغلبة؛ لأنَّ هذا الحبَّ هو جذوة كامنة في قلب المقاتل تزيح عنه الهمّ والغمّ، وقد كان أصحاب الإمام الحسين ذائبين ومتفانيين في شخصية الإمام عليه السلام ، وكان هذا الذوبان والتفاني يُشعرانهم بالفخر والانتصار، وقد منحاهم من القوة والطاقة ما جعل كل واحد منهم بألف من جنود الأعداء، حتى أنَّ عمرو بن الحجاج الزبيدي ـ وهو من قادة جيش عمر بن سعد ـ لمَّا هاله ما رأى من كثرة قتلاه صاح بهم: «يا حمقى، أتدرون مَن تقاتلون؟ فرسان المصر، قوماً مستميتين، لا يبرزنَّ لهم منكم أحد»[10].

8ـ بذل قصارى الوسع والجهد

وهذا هو مقتضى الجنديّة الصحيحة، فلا يألو الجندي جهداً، ولا يدّخر وسعاً إلّا وبذله في خدمة المعركة، فتجده مضحّياً بماله ونفسه وما تطاله يده، وقد ضرب لنا زهير بن القين أروع الأمثلة في ذلك، لما بعث له أبو عبد الله الحسين عليه السلام  ليأتيه، فتباطأ قليلاً[11]، ثم لما جاءه ذكَّره الإمام الحسين عليه السلام  بحديث أسرَّه له سلمان الفارسي رضوان الله عليه يوم حقَّقوا نصراً في بلاد الروم، فرجع زهير من عند الحسين عليه السلام  «مستبشراً قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه وثقله ورحله ومتاعه فقُوّض وحُمل إلى الحسين عليه السلام ، ثم قال لامرأته ديلم: أنت طالق، الحقي بأهلك؛ فإنّي لا أُحبّ أن يُصيبك بسببي إلاَّ خير. ثم قال لأصحابه: مَن أحبّ منكم أن يتبعني، وإلّا فهو آخر العهد، إني سأُحدثكم حديثاً: إنّا غزونا البحر، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسي رضي الله عنه: أفرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم؟ فقلنا: نعم، فقال: إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معهم مما أصبتم اليوم من الغنائم. فأمّا أنا فأستودعكم الله. قالوا: ثم ـ والله ـ ما زال في القوم مع الحسين عليه السلام  حتى قُتل رحمة الله عليه»[12].

وهكذا صيَّر زهير بن القين كل ما عنده من مال ونفس وإمكانات في خدمة نهضة الإمام الحسين عليه السلام ؛ وما ذلك إلّا لأنّه آمن بقضيته وتفانى في قائده وسخَّر كل وجوده لذلك؛ ولأنّه كان من الذين إذا ذُكِّروا بالحقّ اتعظوا ولم تأخذهم العزة بالإثم.

ثانياً: تعامل المقاتلين مع القيادة

اتّضح أنَّ من مقتضيات الجندية الصحيحة هو تحقيق الطاعة للقادة في القول والعمل، فلا ينبغي للمقاتلين أن يخالفوا قادتهم في قول، ولا يتخلّفوا عنهم في عمل، وهذه الطاعة القولية والعملية هي من أهم علل تحقيق الانتصار، ومن دونها يفقد الجيش فرصته في التفوِّق، فالقائد وحده لا يمكنه أن يُحقِّق انتصاراً ميدانياً من دون قاعدة تشدّ من أزره وتنفّذ أوامره.

ولذلك؛ فالجندية الصحيحة تقتضي الطاعة في القول والعمل، وهذه الطاعة تكليف شرعي لا يجوز التنصّل عنه.

ثالثاً: أهداف المقاتلين في القتال

إنَّ المقاتل في سبيل الله ليس بيدقاً يُساق كما تُساق البهائم، وإنّما هو كيان مفعم بالحياة الكريمة والنبيلة، فروحه توَّاقة للشهادة ولقاء الله تعالى، وفكره مشغول بدحر الأعداء، وبدنه في شغل دؤوب لتحقيق النصر.

هذا هو المقاتل المؤمن؛ ولذلك لابدّ  أن تكون للمقاتل الحقيقي أهداف عظيمة يُكرِّس طاقاته لتحقيقها، وهي أهداف العزّة والرفعة وإعلاء كلمة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهكذا أهداف نبيلة تستحق التضحية بالغالي والنفيس، فلا يصح من المقاتل أن يُقدم إلى المعركة وهو مُعبّأ بأهداف صغيرة أو رخيصة، كطلب الغنائم، أو الشهادة له بالقوة والبطولة؛ فإنَّ النفوس السامية الرفيعة لا تنزع نحو الذات والأنا، وإنما تقفز بصاحبها دائماً وأبداً نحو القمم الشاهقة، وليس هنالك أعظم من إعلاء كلمة الحق وإذلال كلمة الباطل، قال تعالى: { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا  وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  }[13].

ومن هنا؛ لابد للمقاتل أن يراجع نفسه كثيراً، ويُكاشفها في واقعية الأهداف التي يُقاتل من أجلها، وكلما كانت المكاشفة سريعة وجريئة كلما تمكَّن المقاتل من تلافي الخطأ ومعالجته، ونُقِل أن رجلاً يُدعى قزمان، كان من أبطال العرب، وكان يُقاتل في معركة (أُحد) مع المسلمين، فكان أول مَن رمى بسهم من المسلمين، ولقوّة ساعده كان يرمي النبل وكأنّها رماح، ففعل الأفاعيل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ذكره قال: من أهل النار.

فيتعجَّب المسلمون، فلما انكسر المسلمون، كسر جفن سيفه وجعل يقول: الموت أحسن من الفرار، فيدخل بالسيف وسط المشركين، حتى يقال: قد قُتل. ثم يطلع فيقول: أنا الغلام الظفري، حتى قتل منهم سبعة، وأصابته الجراحة، وكثرت فيه، فوقع فمرَّ به قتادة بن النعمان، فقال له: هنيئاً لك الشهادة. قال قزمان: إني ـ والله ـ ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت لأمنع قريش من أن تسير إلينا فتطأ سعفنا. قال: فآذته الجراحة فقتل نفسه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنَّ الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر[14].

ولذلك ينبغي للمقاتل الحقيقي أن يتحقّق من أهداف مشاركته وقتاله للأعداء، وكما قلنا لابدَّ أنَّ يُكاشف نفسه في واقعية الأهداف التي يُقاتل من أجلها، وكلما كانت المكاشفة سريعة وجريئة كلما تمكَّن المقاتل من تلافي الموقف ومعالجته، ولا ينبغي التغافل عن الحديث النبوي الشريف: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى»[15]، وقوله صلى الله عليه وآله: «نية المؤمن خير من عمله، ونيّة الكافر شرٌّ من عمله. وكل عامل يعمل على نيّته»[16].

رابعاً: أخلاق المقاتلين أثناء المعركة

هنالك أخلاق خاصة بالمقاتل المسلم لابد من الاتِّصاف بها والعمل على ضوئها، منها:

1ـ الإيثار والحرص على سلامة إخوته المقاتلين كحرصه على نفسه، وصور الإيثار كثيرة جداً، فعلى سبيل المثال عليه ألّا يترك جريحاً يُكابد الألم من إخوانه المقاتلين إلّا وأسعفه وعمل على إخلائه من ساحة المعركة بقدر المستطاع.

2ـ أن لا يُجهز على جريح من العدو، بل ينبغي أن يعمل على إسعافه إن أمكنه ذلك، ولا يُقصِّر في ذلك؛ فإنّه يؤدي بذلك أبلغ وأجلّ رسالة لإعلاء صوت الحق وإيصاله إلى وجدان العدو، كما أنَّ عليه أن لا يُرهب امرأة أو طفلاً، ولا يُسيء إلى أسير، فهذه هي قيم الإسلام وتعاليمه السمحة التي بها سيُحقّق المقاتل العقائدي نصراً عظيماً على أهواء النفس الآمرة بالانتقام؛ فإنَّ قوّة الصبر وكظم الغيض وعدم الاستجابة للرغبة بالانتقام لهي من أهم عناصر النصر الحقيقي.

3ـ أن لا يُفصح عن أسرار المعركة حتى لزملائه ـ فيما إذا اختصّه القائد بذلك ـ فضلاً عن غير زملائه؛ فحفظ السرِّ من مقوّمات تحقيق النصر.

4ـ تنفيذ الأوامر بحذافيرها، فلا يتقاعس في شيء منها أبداً؛ لأنّه ما جاء ليقضي أوقات فراغ، وما جاء ليلهو، وعليه أن يُدرك بأنَّ أروع صور شرف الجندية تكمن في أخلاقيات الالتزام بالأوامر، فيُقدم لأداء مهامه باسلاً مغواراً، مُردِّداً في سرِّه قوله تعالى: { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ  }[17]، وينبغي أن يتّعظ بما وقع في معركة أُحد؛ فإنَّ السبب المباشر في انكسار المسلمين فيها ـ بعد أن كانوا منتصرين ـ هو عدم انصياع بعض الصحابة لأوامر النبي صلى الله عليه وآله بلزوم المكوث على جبل الرماة، فكشفوا ظهر المقاتلين المسلمين للعدو بعد نزولهم من الجبل طمعاً بالغنائم، فلم ينالوا نصراً ولا غنائم، بل لم يُبقوا على حياتهم إذ طالتهم سيوف الأعداء.

5ـ أن يتجنَّب إصدار كلمات تؤدّي إلى إضعاف همم المقاتلين، ولو عن غير قصد، بل عليه أن يكون متفائلاً مستبشراً على الدوام، ولابدَّ من التسلّح دائماً بالكلمات التي تذكّر المقاتلين بدورهم والأجر الذي أُعدّ لهم، والتي ترفع من الحالة المعنوية لهم، وإذا لم يمكنه ذلك فلابدّ له من السكوت.

6ـ أن لا يظهر منه سلوك ـ في قول أو عمل ـ يدلّ على استهزاء أو استخفاف بمقاتل من زملائه، فضلاً عن قائدٍٍ من قادته، بل عليه أن يحرص كثيراً على تقدير جهد كل مقاتل ولو كان صغيراً جداً.

7ـ أن يتجلَّى حرصه عملياً على الالتزام بالعبادات، لا سيّما الصلاة، بل عليه أن يكون قدوة في ذلك، فيُعجِّل في صلاته في أول وقتها، كما فعل الإمام الحسين عليه السلام  في أحلك ساعات المعركة في كربلاء، فقد روى أرباب المقاتل أنَّ أبا ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي لما رأى أنَّ أصحاب الإمام الحسين عليه السلام  قد قُتل منهم الرجل والرجلان، وقد تبيـَّن فيهم القتل، وأنَّ الأعداء كثيرون فلا يتبيـَّن فيهم ما يُقتل منهم، وأنَّ الأعداء زاحفون إليهم، اقترب من الإمام الحسين عليه السلام  وقال له: «يا أبا عبدالله، نفسي لك الفداء! إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله، لا تُقتل حتى أُقتل دونك إن شاء الله، وأُحب أن ألقى ربي وقد صليتُ هذه الصلاة التي قد دنا وقتها. فرفع الإمام الحسين رأسه، ثم قال: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها»[18].

 

الكاتب: د. طلال الحسن

مجلة الإصلاح الحسيني – العدد العاشر

مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

 

___________________________________________

[1]ابن شهر آشوب، محمد بن علي،  مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 250. وابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص 60.

[2] اُنظر: ابن شهر آشوب، محمّد بن علي، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص250.

[3] تتكوَّن الماهية من جزأين، وهما: الجنس والفصل، فعند تعريفنا للإنسان تعريفاً حقيقيّاً لابدّ أن يكون بجنسه وهو الحيوان، وبفصله وهو الناطق، فنقول: (الإنسان حيوان ناطق)، والجنس هو الجزء المشترك، والفصل هو الجزء المختصّ.

[4] المائدة: آية52.

[5] محمد: آية20.

[6] الأنفال: آية60

[7] الأحزاب: آية13.

[8] الصف: آية10ـ12.

[9] الصف: آية13.

[10] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج6، ص249.

[11] لما أحسَّت السيّدة ديلم بنت عمرو زوجة زهير أنّ زوجها قد تباطأ بالاستجابة لدعوة الإمام إليه قالت له متعجّبة: «سبحان الله! أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه؟! لو أتيته فسمعت من كلامه». اُنظر: المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج 2 ص 73. وأبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين عليه السلام : ص 161.

[12] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص73. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج5 ص396. أبو مخنف، لوط بن يحيى، مقتل الحسين عليه السلام : ص75. وغيرها من المصادر.

[13] التوبة: آية40.

[14] اُنظر: ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة: ج14، ص234. الواقدي، محمد بن عمر، المغازي: ج1، ص263.

[15] الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج4، ص186، ح159.

[16] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج2، ص84، ح2.

[17] طه: آية84.

[18] اُنظر: الأزدي، أبو مخنف، وقعة الطف (مقتل الحسين عليه السلام ): ص142.

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً