إسوة بها

فاطمة بنت الحسين.. ايقونة الكمال المقدس

25-12-2017 2834 زيارة

الحلقة الأولى

نبعة من بيت الوحي، وسليلة من سليلات النبوة، وكريمة من كرائم الإمامة، تدرّجت في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة، ونشأت في البيت الذي نشر في الأرض نور السماء وأنقذ الناس من غياهب الجاهلية إلى الهدى، إنها فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، حفيدة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء وأشبه الناس بها خلقاً وخلقاً وعبادةً وخصالاً, ولا أدل على كمالها من قول أبيها سيد الشهداء (عليه السلام) في وصفها: (إنها أشبه الناس بأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، أما في الدين فتقوم الليل وتصوم النهار، وفي الجمال تشبه الحور العين)، وقد شابهت السيدة فاطمة بنت الحسين (عليهما السلام) جدتها حتى في المآسي والمحن التي جرت عليها فخاضت رحلة الحزن والدموع والسبي من المدينة إلى كربلاء، ومنها إلى الكوفة فالشام مع الركب الحسيني الذي سجل بتضحياته ودمائه ودموعه وآلامه معنى الكرامة والحرية والعقيدة.

رافقت المآسي والمصائب حياتها وهي تشارك أباها نهضته، وشاركته في ثورته العظيمة خطوة بخطوة حتى استشهاده في كربلاء لتبدأ بعدها رحلة السبي التي أكملت فيها منهج الثورة مع عمّاتها وأخواتها فكن لسان الثورة الناطق بالحق ومشعل المبادئ التي سعى الإمام الحسين إلى تحقيقها، فأدت دورها العظيم في ترسيخ تلك المبادئ عبر خطبتها في الكوفة والتي فضحت بها السياسة الأموية الظالمة وسلطت صواعق التقريع على رؤوس عبدة الدينار والدرهم.

ولادتها وأمها

ولدت السيدة فاطمة بنت الحسين عام (40هـ)، على أصح الأقوال، ووصفتها المصادر بأنها أكبر بنات الإمام الحسين (عليه السلام)، كما روت أغلب المصادر أن أمها هي السيدة أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي. ولكن وجدنا أن نسبتها إلى أم اسحاق بنت طلحة بالأمومة يخلق تعارضاً في التواريخ، فأم إسحاق هذه كانت زوجة للإمام الحسن (عليه السلام)، ولما حضرته الوفاة قال لأخيه الإمام الحسين: (إني أكره أن تخرج هذه المرأة من بيتكم)، فتزوجها الإمام الحسين بعد وفاة الحسن، ومن المعروف أن الإمام الحسن توفي عام (51هـ)، وولادة السيدة فاطمة كانت عام (40هـ), فالتعارض واضح في الروايتين، ولا يمكن الاعتماد على أي رواية تقول بأن ولادتها كانت بعد عام (51هـ) لأن السيدة فاطمة كانت في يوم الطف قد بلغت مبلغ النساء, ويدلنا على ذلك زواجها من ابن عمها في حياة أبيها, وخطبتها في الكوفة, وخصّها بوصية أبيها في يوم عاشوراء، فمن المستحيل أن يكون عمرها آنذاك ثماني سنوات إذا اعتمدنا على أن أم إسحاق هي أمها لأن ولادتها ستكون عام (53هـ) على أقصى تقدير بعد انقضاء عدة الزوجة وفترة الحمل, فمعركة الطف كما هو معروف كانت عام (61هـ).

عمدة الطالب يظهر الحقيقة

أن هذا الالتباس وقع فيه كثير من الكتاب لكنهم لم يدخلوا في تفاصيله أو يبينوا ما يكشفه, لكننا وجدنا حلا لهذا التعارض والالتباس عند السيد احمد بن علي بن الحسين بن علي الداودي الحسني المعروف بـ (ابن عنبة الحسني) ــ الشريف جمال الدين ــ في كتابه: (عمدة الطالب في نسب آل أبي طالب) (ص339) ــ وهو من أصح المصادر في هذا المجال ـــ حيث يقول: (إن أمها ــ أي أم السيدة فاطمة بنت الحسين ــ هي شهربانو بنت يزدجرد الثالث آخر الأكاسرة الساسانيين)، وهذه الرواية هي التي توافق الصواب والتي تكون طبيعية مع عمر السيدة فاطمة, فالسيدة شهربانو هي أخت السيدة شاه زنان أم الإمام زين العابدين (عليه السلام) والتي توفيت بعد ولادتها للإمام (عليه السلام), وكانت شهربانو زوجة محمد بن أبي بكر وقد ولدت له القاسم, وروي أنه لما قتل محمد في مصر تزوجها الإمام الحسين (عليه السلام) ــ لتعتني بابن أختها الإمام زين العابدين ــ فولدت له فاطمة، وهذه الرواية تتوافق تماما مع سنة ولادتها فمن المعروف أن ولادة الإمام السجاد (عليه السلام) كانت عام (38هـ) فهي تصغره بسنتين، كما تتوافق هذه الرواية مع سنة وفاتها فقد روت كل المصادر أنها قد جاوزت السبعين من عمرها عند وفاتها وحددت سنة وفاتها بتاريخين هما (110هـ) و(117هـ)، ولا يكون عمرها الشريف قد جاوز السبعين إلا بالاعتماد على رواية صاحب عمدة الطالب التي تقول بأن أمها هي السيدة شهربانو بنت يزدجرد أخت شاه زنان أم الإمام زين العابدين (عليه السلام).

ولا يخفى الغاية من نسبتها إلى أم إسحاق بنت طلحة لدى المؤرخين الذين أرادوا أن يجعلوا من فاطمة حفيدة لأمير المؤمنين وطلحة، ونفي أمومة شهربانو للسيدة فاطمة, فهناك حتى محاولات فاشلة ويائسة لنفي أمومة السيدة (شاه زنان) للإمام زين العابدين (عليه السلام) فلم يجدوا حلاً لهذا التعارض وكبر عليهم الاعتماد على رواية ابن عنبة الحسني فتخبطوا في التناقض وأكثروا من التعاليل التي اعتادوا عليها كثيراً فتكررت في تواريخهم مفردة (قيل) وهم يحاولون تحريف الحقائق حسب أهوائهم.

فاطمة في محراب العشق الإلهي

من الطبيعي أن تبلغ حفيدة الزهراء الغاية في العبادة فهي ربيبة بيت الوحي وسليلة النبوة وكريمة الإمامة ويدلنا قول أبيها سيد الشهداء على منزلتها وعبادتها عندما خطبها ابن عمها الحسن بن الحسن: (إنها تقوم الليل وتصوم النهار)

وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى وابن عساكر في مسنده: (أن فاطمة بنت الحسين كانت تُسبّح بخيوط معقود فيها) وذلك حرصا منها على الذكر والعبادة والتسبيح.

فلا عجب أن تكون حفيدة النبي وعلي والزهراء وبنت الحسين وأخت زين العابدين المثل الأعلى في العبادة والطاعة لله وتجد نفسها مستغرقة مع الله تعالى تقف في غاية الخشوع بين يديه تطمئن لمناجاته وتشكره على نعمه.

وقد وصفت السيدة فاطمة بالصغرى تمييزاً عن جدتها سيد نساء العالمين الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) كما وصفت بالكبرى كونها أكبر أخواتها وهذا أيضاً مما يدل على أن أمها شهربانو بنت يزدجرد وليس أم إسحاق بنت طلحة وقد جاء هذا الوصف في رواية محمد بن جرير الطبري في دلائل الامامة حيث ذكر في سنده ما نصه: (عن عبدالله بن الحسن المحض بن الحسن السبط عن فاطمة (الصغرى) عن أبيها الحسين عن (فاطمة الكبرى) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتكرر هذا الوصف عنده في الكتاب.

فاطمة بنت الحسين.. سِفر من أسفار الوحي

إنها ابنة الحسين.. وحفيدة علي والزهراء والنبي نشأت في حجر الوحي وتغذت من علوم الإمامة.. إنها فاطمة العالمة، المحدّثة، من رواة حديث جدها النبي (صلى الله عليه وآله), روت عن جدتها الصديقة الزهراء (عليها السلام), وعن أبيها الإمام الحسين (عليه السلام) وعن أمّ سلمة، وأمِّ هاني بنت أبي طالب، وعن عمّتيها زينب الكبرى وأم كلثوم (عليهما السّلام)، وعن أخيها زين العابدين عليّ بن الحسين (عليه السّلام)، وعن أسماء بنت عميس وعن بلال الحبشي (مؤذن الرسول) وروى لها أهل السنن الأربعة.

ذكرها ابن حبان في كتابه (الثقات), وجاء ذكرها في صحيح البخاري في الجنائز, وروى لها أبو داود والترمذي والنسائي في مسند علي وابن ماجة.

يقول عنها الزركليّ في الأعلام: (فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب.. تابعيّة، من راويات الحديث، روت عن: جَدَّتها فاطمة ( الزهراء ) مرسلاً، وعن أبيها، وغيرهما).

ويقول العلامة الشيخ جعفر النقديّ: (هي من عالمات نساء أهل البيت عليهم السّلام، تروي الحديثَ عن: أبيها الإمام الحسين (عليه السّلام)، وعن أمّ سلمة، وأمِّ هاني، وعن عمّتيها زينب الكبرى وأم كلثوم عليهما السّلام، وعن أخيها زين العابدين (عليّ بن الحسين عليه السّلام). ويروي عنها: ولدُها عبدالله (بن الحسن المثنّى بن الحسن المجتبى عليه السّلام) وأخوه الحسن وغيرهما.

حديث رد الشمس

وقد أورد لها الدكتور محمد هادي الأميني في كتابه (فاطمة بنت الحسين) (14) حديثا منها ما رواه البيهقي: (روايتها لحديث رد الشمس لجدها أمير المؤمنين في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) عن أسماء بنت عميس وقد أورده البيهقي بما نصه:

(فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها، فهو عن فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت عميس أنها قالت: كان رسول الله يوحى إليه ورأسه في حجر علي، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله: صليت العصر? - قال: لا. قال رسول الله -: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة نبيك فأردد عليه الشمس. قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت).

ومنها ما رواه الطبراني عنها عن أبيها عن جدتها فاطمة الزهراء (عليهم السلام): (إن السعيد كل السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته).

ومنها ما جاء في أسنى المطالب (ص65) عنها عن أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عن أمها فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي)

فاطمة... ابنة الوحي

هذه المنزلة السامية من العلم والعبادة التي كانت عليها فاطمة جعلتها مؤهلة لحمل أمانة سر الله في أرضه وإدائها، فكان من خصائصها الشريفة أنها المؤتمنة على مواريث الأنبياء، فقد استودعها أبوها الإمام الحسين (عليه السّلام) مواريثَ الأنبياء، في يوم كربلاء فسلَّمتها إلى الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) بعد أن برئ من مرضه..

فقد روى الشيخ الكلينيّ في الكافي عن الإمام محمّد الباقر (عليه السّلام) أنه قال: (ثم إن حسيناً (عليه السلام) حضره الذي حضره، فدعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (عليها السّلام) فدفع إليها كتاباً ملفوفاً، ووصية ظاهرة. وكان علي بن الحسين (عليه السلام) مبطوناً لا يرون إلاّ أنّه لما به، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين عليه السّلام)

وروى المجلسي في (بحار الأنوار)، والصفار في (بصائر الدرجات): إن فاطمة كان عندها أشياء مِن آثار رسول الله صلّى الله عليه وآله في رواية أبي المقدام حينما مر في طريق حجه على الإمام الصادق (عليه السلام) وأراد السلام على السيدة فاطمة بنت الحسين فقال الإمام الصادق لجارية له: استأذني على عمتي فدخل الإمام الصادق مع أبي المقدام على فاطمة فقال أبو المقدام: يا بنت رسول الله هل بقي شيء من آثار رسول الله ؟ فدعت فاطمة أولادها فجاءوا فقالت: يا أبا المقدام هؤلاء لحم رسول الله ودمه، ثم أرته جفنة للطعام وأشياء كانت تخص رسول الله فتناولها أبو المقدام وتبرك بها.

 

محمد طاهر الصفار

 

قد يعجبك ايضاً