إسوة بها

أروى بنت الحارث

18-12-2017 2135 زيارة

أروى بنت الحارث... جذوة تفضح الظلام

 

إذا كانت جبهة أمير المؤمنين العسكرية في قتاله الناكثين والقاسطين والمارقين قد ضمّت أجلاء الصحابة وأفضلهم وأفاضل التابعين وأجلهم، فقد ضمّت الجبهة الداخلية للإمام أعلام الكلام وفرسان الحق في المناظرة.

ومثلما ضمّ جيشه أبطال الإسلام وصناديده من الصحابة الأوائل أمثال عمار بن ياسر وخزيمة بن ثابت وسهل بن حنيف وغيرهم وشجعان التابعين أمثال مالك الأشتر وأويس القرني وغيرهما، فقد وقف أرباب الكلام وألسنة الحق للتصدي للإعلام الأموي المزيف الذي ابتدعه معاوية لتشويه الإسلام الحق المتمثل بأمير المؤمنين (عليه السلام) فتصدّى لهذا الإعلام بلغاء الأمة وأصوات الحقيقة أمثال أبي الأسود الدؤلي وعامر بن فضالة وضرار بن ضمرة وغيرهم.

وكانت إلى جانب هذه الأصوات الشريفة أصوات نسائية مفعمة بالإيمان الخالص بالله ورسوله وراسخة في ولائها لأمير المؤمنين من المؤمنات الفاضلات الصالحات القانتات وفي طليعة نساء الإسلام في الفضل والتقوى.

أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ابنة عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وأخت أول شهيد في الإسلام عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، كانت في صدارة هذه الجبهة فصدحت هذه اللبوة الهاشمية بـ (كلمة الحق بوجه السلطان الجائر) غير عابئة ببطشه ولم يثنها عن قولها غضبه ولم تخش في الله لومة لائم.

وصفتها المصادر بأنها: (من كرائم النساء في دينها وشجاعتها ومنطقها وولائها لأمير المؤمنين (عليه السلام) ومن ربّات الفصاحة والبلاغة والشعر، كانت أشد الوافدات من نساء الشيعة على معاوية، حينما وفدت عليه فيمن كان يستدعيهن من نساء الشيعة اللواتي وقفن إلى جانب معسكر الحق مع أمير المؤمنين (عليه السلام) فوقفت أمام طغيان معاوية وتحدته ولم تترك له عيباً إلا فضحته ولا سوءة إلا نشرتها وأسمعته ومن معه كلاماً أشد عليهم من السيف).

دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية بالموسم وهي عجوز كبيرة، فلما استقر بها المجلس قالت لمعاوية:

ــ (لقد كفرت بالنعمة وأسأت لابن عمّك علي الصحبة، وتسميت بغير أسمك، وأخذت غير حقك، بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام. ولقد كفرتم بما جاء به محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، فأتعس الله منكم الجدود، وأصعر منكم الخدود، حتّى ردّ الله الحقّ إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) هو المنصور على من ناوأه ولو كره المشركون.

فكنا أهل البيت أعظم الناس حظاً ونصيباً وقدراً في الدين، حتى قبض الله نبيه (صلّى الله عليه وآله) مغفوراً ذنبه، مرفوعاً درجته، شريفاً عند الله مرضياً، فصرنا أهل البيت فيكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وصار ابن عم سيّد المرسلين فيكم بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى، حيث يقول: يا بن اُم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولم يجتمع بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لنا شمل، ولم يسهل لنا وعر، وغايتنا الجنّة وغايتكم النار).

كان المجلس صامتاً وكأن على رؤوسهم الطير وهذه اللبوة هي المتكلمة الوحيدة في المجلس فأخرست ألسنة الباطل أمام قوة منطقها وبيان حجتها وحينما وصلت إلى هذا الموضع من كلامها نطق أحد سماسرة معاوية وشركائه في الباطل والإجرام وهو عمرو بن العاص فقال: أيتها العجوز الضالة أقصري من قولك، وغضّي من طرفك.

هنا التفتت أروى إليه وقالت: ومن أنت لا اُم لك ؟ قال: عمرو بن العاص. فقالت: يا ابن اللخناء النابغة أتكلمني؟!! أربع على ضلعك..، واعن بشأن نفسك..، فو الله ما أنتَ من قريش في اللباب من حسبها، ولا كريم منصبِها، ولقد ادّعاكَ ستة من قريش كلهم يزعم أنه أبوك، ولقد رأيتُ اُمك أيّام منى بمكة مع كل عبدٍ عاهرٍ فأتمّ بهم فإنك بهم أشبه...

لقد أثار هذا الكلام الذي بيّنت فيه نسب عمرو بن العاص المخزي الذي يعرق له جبين كل إنسان شريف حفيظة مروان بن الحكم الذي شابه نسبه في الخزي نسب عمرو بن العاص وشابهت أمه الزرقاء أم عمرو في العهر، فقال مروان لكي يسكتها ولا تتعرض له بالكلام: أيتها العجوز الضالة ساخ بصرك، مع ذهاب عقلك فلا تجوز شهادتك...!

فالتفتت أروى إليه بنظرة استحقار وكأنها تأنف أن تتحدث إليه لو لم يوقع نفسه بنفسه بين حد لسان الحق ويجلد به، قالت له: يا بني أتتكلم؟!!! فو الله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم، وإنك لشبهه في زرقة عينيك وحمرة شعرك، مع قصر قامته وظاهر دمامته، ولقد رأيت الحكم ماد القامة ظاهر الأدمة وسبط الشعر، وما بينكما من قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب، فاسأل اُمك عما ذكرت لك فإنها تخبرك بشأن أبيك إن صدقت.

ثم التفتت إلى معاوية فقالت: والله ما عرضني لهؤلاء غيرك، وان اُمك هذه للقائلة يوم أحد شامتة متبجّحة في قتل حمزة بن عبد المطلب رحمه الله:

نَحنُ جَزَيْناكم  بيوم بدر   *   والحربُ يومُ الحربِ ذاتِ سُعرِ

ما كان عن عتبةٍ لي من صبرِ   *   أبي وعمي وأخي وصهري

شفيتَ وحشيُّ غليلَ صدري   *   شفيتُ نفسي وقضيتُ نُذري

فشكرُ وحشيَّ عليَّ عمري   *   حتى تغيبَ أعظمي في قبري

فأجبتها:

يا بنتَ رقّاعٍ عظيمَ الكفرِ   *   خُزيتِ في بدرٍ وغيرِ بدرِ

صبّحكِ الله قبيلَ الفجرِ   *   بالهاشميينَ الطوالِ الزهرِ

بكل قطّاعِ حسامٍ يفري   *   حمزة ليثي وعليٌّ صقري

وهتكُ وحشيّ حجابَ السترِ * ما للبغايا بعدها من فخرِ

فقال معاوية لمروان وعمرو: ويلكما أنتما عرضتماني لها واسمعتماني ما أكره.

ثمّ قال لها معاوية: عفا الله عما سلف، يا خالة هات حاجتك.

قالت: مالي أليك حاجة، وخرجت عنه.

توفيت أروى (رضوان الله عليها) سنة خمسين هجرية

 

محمد طاهر الصفار

 

قد يعجبك ايضاً