على خطى الحوراء

شذى المنحر

09-09-2020 541 زيارة

قصة الشهيد السعيد (احسان كاظم الخفاجي)

حملتُهُ وهن على وهن ولم أفصله بعد..

فأنا لم أسقه من طاهر لبني، لكنني أرضعته مهجتي قطرة... قطرة... منذ ان أحاطت به عيناي بل قبل ان تبصره الأنظار ومنذ ان نبض قلبه أول نبضة..

تشاطرت معه كل ذرة تسبح بتــيار الحنين، داخــل خلايا هذا الجسم الهزيل..

لم اجعل له سريراً كورت قَدَمَيّ وأحنيت ظهري وصنعت له أهنأ مهدا ليبقى لصيقا للقلب قريبا من ثنايا الروح.

تتسارع خفقات قلبه قرب قلبي ونبضات وريده قرب وريدي فتنساب في شريان فؤادي ثم يتدفق غذاؤه بدفءٍ لذيذ، يلمع شعاع عينيه الناظرتين إليّ ببريق النقاء، فتلبسان روحي زيا يخضّر على جانبيها أوراق الأمل، تتثاقل أجفانه بإغفاءة هانئة وتتدلى رقبته فأسندها بكف حناني..

الليل والنهار يتبادلان الأدوار ليضيفا لصغيري توردا على خديه ويديفا لي مرارات الحياة، فأفر مسرعة الى ملاكي الصغير وأطوقه بذراعي واضعةً رأسي بين كتفه الطري ورأسه الصغير و استنشق عبيراً فاح شذاه من عنقه الحريري حتى اذا ما بش في وجه طائر أحــزاني ونشه بعيدا عني، حلقتُ بجناح سروره، فتهتز ذاكرتي وتخترق جدران الزمن راسمةً

لي صورة رضيع قبّل عنقه سهم المنون.. آه عليك يا أبا عبد الله ، آه على قلبك المكلوم وأنت ترمي بدم رضيعك الى السماء فلا تنزل منه قطرة الى الارض..

انسابت دموعي على خدي و تجمرت بنار مصاب سيد الشهداء (عليه السلام).. 

ازداد صغيري بضع سنين وربما أصبح شابا يافعا، لكن عيني لن تعي عدد الأعوام التي جابت أيامها عمره الزهري، فما زلت أراه برعماً صغيراً وان تفيأت ظله الحاني..

تتفرق كتلتينا أحيانا لكن روحي تبقى تعانق أنفاسه وكأنه يشهق ويزفر داخل رئتي فأحمله أينما اذهب أتقاسم معه اواصر الفرح، الحزن، السعادة والتعب وحتى الألم فما ان يجثم على صدره المرض حتى يطرحني الى جانبه الحزن رغم براعتي بقتال الحمى التي تنتابه..

نعم، اعترف حقا انني لم أكن قادرة على الاهتمام بأي شيء كاهتمامي بشؤون إحسان، وحديث إحسان، وسيرة إحسان.. في كل مرة يخرج بها الى بعض اموره خارج المنزل يتشتت كياني كـتائهٍ في صعيد صحراء مكفهر..

أسرع الى حجرته، ابحث عن اي قطعة بحاجة الى غسيل، هذا ما كان يبدو، الا ان الحقيقة غير ذلك!

كنت أشم عطره الذي التصق بطيات ثيابه فتشت عنها في خزانته الخشبية قميصه العسلي مازال جديدا وبنطاله البني الذي قبع في اسفل الخزانة، لا اعلم متى سيرتديه فأنا أتوق ان أراه بأبهى حلة، أراقب قارورة عطره لعلها نفدت ولم يبتَع لنفسه عطرا اخر..

هكذا يبدأ يومي ولا ينتهي الا وقد سحب احسان فراشه لأجده قد نام تحت اقدامي كما في كل ليلة..

ـ لم تنام تحت أقدامي..  قلت له ذلك وأنا استعد لصلاة الفجر..

ـ وهل توجد ام لا تقبل ان ينام ابنها في الجنة..

قال لي ذلك بكل فخر ومزاحه يكسر وحشة السكون..

أطبق الظلام على محيا الأرض وابتلع جزءا من الضياء..

 أوصد الأمان أبوابه وحاول ان يقطع كل درب يوصل عشاق الكرامة اليها، لكن النور مد أذرعه واحتضنه التوفيق غير عابئ بنسج العنكبوت..

تعالى نــداء الحــق وتردد صداه في أفــق السماء واستجــاب لــه كل مؤمــن غيور..

لملم احسان حاجياته وبعض أغراضه ودسها في حقيبته السوداء، رأيت ذلك بعيني الا إنني لم أقوَ على استيعاب ما اراه...

اعتصر قلبي المتعب بألم لم اذق طعمه من قبل:

ـ ما الذي يجري هل حقا ستذهب وتتركني ؟

ـ أماه الوطن يلتهب بنيران أحقاد بني أمية، سأذهب لأشارك بإطفاء حممهم وأعود اليك، ثقي بي سأعود لأنام تحت أقدامك من جديد.

قبل رأسي ثم طلب مني ان أدعو له..

وغـــابت شمسه عن سمــاء بيتي ليخــيم حزن استقــر على قــمم أرواح ساكــنيه.

رغم مرور الأيام وتجمعها بشهور غيابه الا إنني لم اعتد على فراقه، في النهار اتكأ على باب الدار واسمّر عيني على كل سيارة تمر لعلها تهدي الي لقاء ابتسامة درة ثغره..

في الليل افترش غطاءه وانتظر بوادر صباح يبدد غيابه..

ابتسمت السماء ولوحت للأرض بغيمتها البيضاء الصغيرة، نثرت المسرات ياسمينها العطر حول بابي ليطل احسان بوجهه الندي، فأحيى مخضرة الروح..

واُلقي بأثقالِ هم ناء بها كتفي فتزهر مهجتي بعبير شذى عنقه الذي فاح هذه المرة برائحة البارود.

تصرمت أيام إجازته بســرعة مؤلمة..

لــكن حيرة ما، تلفه بحـلقاتها الــمبهمة..

تشتت لبي وأنا أراه يجلس ثم ينهض ولا يستقر على حال.. ما لبث ان خرج مسرعا ثم عاد وقد أفرج أساريره بابتسامة عذبة وراح يهيئ حقيبته السوداء مرة اخرى.

أحطته بعيني من كل الاتجاهات.. دنا مني ليودعني بعد ما ارتدى زياً امتزج الأخضر والأسود على صعيده طابعا بقع من الخوف استقر في سويد قلبي راسما ظلالاً عسكرية..

- احسان أين جهاز هاتفك الحديث..(فهذا الجهاز الذي بين يديك يبدو بخس الثمن) ..

-أماه ماذا افعل بهاتف حديث وسط المعركة هل اتصل على العدو واقنصه بصورة من الكاميرا... قهقه بصوت عال.. فعلمت لقد باع جهاز الهاتف الحديث كي يؤمن أجور نقله الى المعسكر.

ـ إحسان لم َ تفعل كل ذلك لم لا ترحم شبابك يا بني..

أدار دفة الحديث الى جهة اخرى :

- أمي انتظريني سأنتزع  مرارات أيامك وارسم خريطة الدار التي تحلمين بها.. دارٌ واسعة.. عريشه تزين بابك.. وصالة كبيرة لا تغادرها خيوط الشمس الذهبية لتنسيك هم إيجار بيت البؤس هذا، دعيني اسدد ما في ذمتي لديني وعقيدتي  وافِ للبيت الكبير أولاً..

ذهب مع اول خيوط الفجر، ليطرد مسوخ الشر ولأبقى انا اطحن وجعي برحى الصبر، لم تجدِ نفعا كل توسلاتي بأن يبقى معي أياماً أخر..

عند الوداع قلت له اريد ان أراك بثياب العرس..

رمق النافذة المطلة على فناء الدار وحمل حقيبته ثم انعطف يمينا جهة صورة خاله الشهيد (أريد عرس الشهادة)..

هذا ما قاله وهو يرمق الصورة بنظرة اشتياق وضعت يدي على يسار صدري حيث عنفني قلبي بنبضة مؤلمة..

تلتهب فورة الافك ويقتلع زرع الصلاح ويخدش وجه الارض بمخلب مارق سفاح ويختنق الطهر والنقاء الممتد على جسد الدجيل.. الأمتار العشرة التي تفصلهم عن البواسق قد مُلئت بمياه بزل تل بدير وعلى الضفة الأخرى ثمة كرفانات أحاط بها سور من الأسلاك الشائكة ضم كل كرفان بين أضلاعه أربعة مقاتلين، وفي مقدمة المعسكر برج المراقبة مد عنقه ليرصد زحف جرذان تلطخ أديم الأرض بوحل أعفانها..        

يمطر رصاص الأبطال على رأس العدو كلما حاول ان يغتنم المسافة الفاصلة او يقترب من الضفة الاخرى فتطأ أقدامه دركات  الحاطمة..

خبأت ليلة ظلماء أضواء القمر وغزا البرد طرقات البلاد، البعض يفر هاربا ليحتمي من لسعات الشتاء أما البعض الاخر يودع آخر ليلة من سنة رحلت ويستقبل سنة مجهولة المصير..

في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً رن جهاز هاتف الأب:

- الو احسان بني كيف حالك لقد اشتقنا لك كثيرا..

ـ كيف حالك أبي ما أخبار والدتي الحبيبة، اشتقت لسماع صوتها..

تستمر المكالمة نصف ساعة، سألت الأم ابنها:

ـ احسان متى تأتي يا نور عيني، فانا لم اعد أقوى على سـياط الاشــتياق..

- سآتي يا امي، ارجوك اصبري، اماه  اني مدان بمبلغ (300) الف واريد ان اخبرك شيء اخر.. قميصي العسلي وبنطالي الجديد اهدوه الى احد رفاقي...الو... الو..

اخــذ الاب الهاتف ثم نادى بصوت عال : الو احسان ..

ـ ابي لقد تعرضنا لهجوم، صوت الرصاص قادم باتجاه المعسكر..

- الو.. الو... وانقطع الاتصال..

كان هجوم العدو هذه المرة مختلف كما ونوعا وكأنهم قد علموا بأدق التفاصيل التي كانت تمر احداثها في كل لحظة وفي كل ركن من اركان معسكر تل بدير..

بدأ المكان ينفد من الارواح الخيرة وبدأت الارواح تتــسابق نحــو الــعروج.. الا روح احــسان بقيت تصارع وحدها ارواح الــشر..

اسلوبه في الــمناورة وجــسمه الرشيق أمداه ببعض الــوقت ليجمع عدداً من الاسلحة الملقاة، ويبحث عن مخزن لسلاح اضافي ابتعد قليلا عن مدى الرصاص بتراجعِ ماهر..

بعدها حمل بندقية كلاشنكوف وبعض الرمانات اليدوية وتسلق برج المراقبة بخفة وبسالة..

همهمت الريح بوجه وحدته عالية فردد الكون صدى استغاثــته بــنداء       ( يا زهراء )..

صوّبَ نيران اسلحته باتجاه تحركاتهم المشبوهة راح يحصد رؤوسهم العفنة ويصطاد جرذانهم القذرة الواحد تلو الاخر، تناثرت اشلاؤهم حول البرج..

قطع احسان بنيران سلاحه اوصال الليل ومزق جسده الموحش بصبره وثباته..

 يرمي عدوه في الجانب الايمن ثم يدك الجهة اليسرى بوابل من رفيقة كتفه، وبخفة يلقي رمانة يدوية في زاوية حادة، فيشغلهم عن التقدم باتجاهه..

لوهلة ظنوا انهم يقاتلون جيشاً كاملاً فما كان منهم الا ان يدبروا احدى مكائدهم المفخخة لعلها تؤمن لهم اقتحام بوابة المعسكر فكانوا على  موعد مع مفاجئة اعدها الفارس ببراعة..

مد بصره بنظرة ثاقبة، لكن ظلام منتصف ليلة راس السنة الجديدة انار افاق كل البلدان، ليدخر عتمته ويهديها لشاب أفلل حده، وبعد عن اهل أنسه، واحاطت به حلقات كربه...

انصت بحذر شديد..

انتظرها لتقترب اكثر..

همس لها.. تعالي هيا.. تقدمي بحملك الثقيل فانا لك..

اقتربت بغير حياء ارتفع صوتها فعلم انها على مقربة شديدة منه.. ليهدي قلبها تسديدةً من قاذفته لتتطاير أشلاءٍ عفنه قادتها الى دائرة السوء..

اما انا صارعت نعاسي وقاومت سلطان نومي بارتداد خفقات قلبي المتوجسة، ما الذي حصل، ماذا يجري، اين انت.. سحبت وسادة  احسان وجلست بجانبها .. هومت عيناي.. تردد لسمعي صوت استغاثة.. اماه... اماه..ذ.. ب.. ح ..و ..ن.. ي

اكل الرعب فؤادي، فنهضت افتش عن صوت احسان في غرف المنزل الكل يغط في نوم امن... اردت ان اصرخ.. اردت ان اقول لهم احسان هنا يستغيث لم اجرؤ على ذلك فبدأت انثر عبارات دعائي بين نجوم السماء واودع كل نجمة امانة كي يأتي الصباح مسرعا وينقذني من صراع هواجسي..

اسفر صباح تل الدير فأبدى  ما خبأه ليل عسيس.. جثث لأشباه البشر تملأ الارض.. وفارس وحيد يقاتل لمة من الذئاب المتعطشة لسفك دماء النجباء..

كاد ان ينفد سلاحه راح يفكر باي خطة يقاتل هذه المرة.. لحظات عصيبة مرت وهو يوزع تفكيره ونظراته بالتساوي بين عدد الرصاصات المتبقية  وبين تحركات عدوه.

تعالت اصوات الرصاص فوق رأسه.. صوت غريب بدأ يدور في طبلة أذنه...

حاول ان ينظم افكاره كي يستطيع ان يعرف مصدره...

نعم مثل ما توقع انه هدير محرك عجلة تتقدم نحوه..

بدت السماء تقترب من الارض وتحاول ان تلمسها، لكنها لم تهوِ سريعا، كانت تسحب معها كل صباحات ومساءات احسان المثقلة بمحن الطفوف..

أرتفع ذراع العجلة وهم يحاولون الوصول اليه..

ما كان منهم الا ان سحبوا قمة البرج الحديدي لينزلوا البطل ارضاً وهو شامخ لم ينحنِ كمعدن ذاك البرج الشاهد على قوته وشموخه..

ارادوه حياً لينتزعوا منه كرامة وعزّ اقتات عليها فغذته بآدام كربلاء ..

حاول لملمة ما بقي من قواه المنهكة..

أحتوشوه.. منهم من يركض صوبه ومنهم من يعربد بصوته الوحشي ولكنته المتعربة، ومنهم من يتوعده بانتقام لم يذقه بشرا قبله ولا بعده..

احسان.. مازالت يداك سالمة ..وان كانت جرداء من السلاح..

تردد صدى داخل نفسه..

لقد خطها سيد الشهداء على جبين التاريخ بكفه مقطوعة الاصبع ( والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد)

سدد لكمته فأصاب عين الوحش الاموي..

حاول المخلوق البربري ان ينهض من صدمته وان يمضغ ذله..

دار حول احسان ثم وقف أمامه وهو يلهث ككلب عقور حدق فيه هنيئة.. عجج الغبار ذراته وتطاير خجلا، لم يكن بوسعه ان يرى بوضوح.. لكن راسه مازال مرتفعا رغــم كثرة الايادي والارجـل الآثــمة التي تسابقــت بالصفع والركل، انتفخــت اوداجــه وتصــبب العرق من غرة جبينه يتــقاطر فخراً..

كان الرأس يراقب ما يدور حوله، مسح كل الفضاءات التي تحيط به بمرصاد عينيه، بحركة دائرية التقط صورا لمشهد الخلود، ثم ثبت اتجاه بصره صوب المعسكر..

اقترب الشمر الداعشي..

ثم اقترب اكثر..

وضع يده أسفل الذقن، وسحب العنق، حدقت العينان بسماء الوطن..

أخبرته الشمس انها رأت وارث الأنبياء ملقى على صعيد كربلاء ويردد   « صبرا على قضائك وبلائك، يا رب لا معبود سواك »...

ثم وثب ليقوم للقتال فلم يقدر فنادى:

وا جداه وا محمداه وا أبتاه وا علياه وا غربتاه وا قلة ناصراه، أأقتل مظلوما وجدي محمد المصطفى؟

أأذبح عطشان وأبي علي المرتضى؟ أأترك مهتوكــا وأمــي فاطــمة الزهــراء »..

رفع الداعشي سيفه الذي اصطبغ بلون حمرة الأفق...

جرى الدم مجرى الفرات فروى الأرض السبغة، ليعبق التراب بشذى المنحر.

لملمت بقايا العمر واتكأت على المصاب، وبحثت عن عنقك الحريري فلم أجده.. أردت ان اقبل عينيك ,لكنني لم اعثر عليها..

نعم عاد جسدك ووفيت بوعدك لي.. لكنك لم تخبرني بأنك سوف تبقي رأسك مرفوعا في أعلى تل الدير..

كما أنت اخترت لك منزلا من منازل الآخرة، بني انا اليوم قد اتخذت من سطح داري والغرفة المنزوية فيه بيتا، ولكن ليس من بيوت الجنان إنما هو بيت الأحزان هجرت فيه كل ما تبقى، لم اعد كما كنت فانا رحلت مثلك...

رحلت الى الدمع..

لاستظل بسقف ذكراك..

وانتظر موعد لقياك.. في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

من سلسلة قصص كتاب ومنهم من ينتظر (الجزء الثالث) الصادر عن مركز الحوراء زينب (عليها السلام) في العتبة الحسينية المقدسة

آلاء عبد الحسن

قد يعجبك ايضاً