الإهداء...

احب التنويه هنا وقبل التناول لموضوع العنوان في القصة القصيرة وهو - كما لا يخفى على أحد – يعد العتبة النصية الأولى للقصة القصيرة، وركن أساسي في كينونتها الفنية .. إذ ليس هناك قصة من دون عنوان، بينما هناك قصص دون اهداء، ودون مقدمة، ودون حواشي، وغيرها من عتبات مجاورة أو عناصر موازية للنص او مساندة له ..

بل وكل ما يحيط بالنص كبنية مستقلة عن عتباتها، وهي بالضرورة ليست زوائداً هامشية ( أقصد هذه العتبات)، ولكنها مكونات جوهرية في النصوص الأدبية تؤدي دورها ووظيفتها، ولا تكون عبئاً عليه، يقول عنها (جيرار جنيت): { اٍنها خطاباً أساسياً, مساعداً, مسخراً لخدمة شيء آخر يثبت وجوده هو النص}) .

ورغم هذه الأهمية في التوظيف للإهداء؛ إلا إننا نجد بأن أغلب النصوص الأدبية القصصية دون اهداء ودون مقدمة

الإهداء:

نلاحظ أحياناً إن الكثير من الكتاب يستهلون بعض نصوصهم الأدبية بإهداء، يأتي تحت عنوان القصة، ويعد العتبة النصية الثانية بعد العنونة، والإهداء طبعا وإن تكن الغاية منه غالباً محاولة تكريم او تمجيد شخص ما، بمثل هذا الإهداء أو مجاملته أو الإشارة اليه لإثارة الانتباه نحو دلالة يقصدها الكاتب ويريد تنبيه المتلقي لها، أو ربما يكون البطل في القصة هو ذاته الشخص المهدى له او له الفضل في كتابتها؛ وقد يهدي الكاتب النص لنفسه أحياناً بالرمز أو التصريح، ولن ينحصر الإهداء طبعاً فيما ذكرت فقط، فقد يرمي الكاتب الى غايات أخرى وحسب توظيفه وفهمه للإهداء ومحاولة استخدام هذه العتبة في خدمة النص بشكل ابداعي.

وقد يكون مثلا له أهمية في تهيئة القارئ نفسياً قبل الدخول للقصة أو قد تكون هناك أهمية في اتمام المغزى النهائي للنص القصصي؛ أي تكون عتبة الإهداء كالعنونة فيها تدخل ضمن البنية السردية للقصة، وهنا لا يمكن رفعه دون الإخلال فيها؛ أي يدخل الإهداء في بنائها الفني، وليس كما هو الحال برفع أسم المهدى النص اليه مثلاً إذا ما كان مجرد اسم من الأسماء العادية.. إذ إن مثل هذا الرفع أو الحذف للاسم لن يؤثر في بناء النص ونموه أحياناً أو في كيفية وصول مغزاه الى المتلقين.

ومثال على هذا الإهداء الذي يدخل في بنية النص، ولا يمكن الاستغناء عنه، اهديت نصاً لي عنوانه (صلصال) بهذا العبارة: ( اليه طبعاً .. واليهم جميعاً، لا أستثني منهم أحداً).

والمقصود هنا بـ(اليه طبعاً) الطاغية المقبور.. و(اليهم جميعاً) جميع الظلمة والطغاة من الحكام من امثاله بدلالة كلمات جاءت في قصيدة للشاعر الكبير مظفر النواب عن فلسطين القاها في حفل أقيم في سوريا وهو يخاطب الحكام العرب وبحضورهم قائلاً: ( لا أستثني منكم أحداً).

طبعاً التصريح بالاسم والغاية بشكل مباشر سيفقد الإهداء الكثير من فنيته وإيحاءاته.. بل ربما يسقطه في فخ المباشرة وهو بمثابة القتل فنياً للإهداء، خاصة وإن عنوان النص كان ( صلصال)، يعني مبهم بعض الشيء، وربما أيضا يحمل دلالات عديدة فيها الكثير من مساحات التأويل.

ومستقى من الآية القرآنية :( إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ).

 

طالب عباس الظاهر