184 ــ حسين نجف: (1159 ــ 1251 ــ 1747 ـــ 1835 م)

كربلاء الحسين

2020-09-16

49 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام)

هذهِ (كربلاء) ذات الكروبِ *فاسعداني على البكا والنحيبِ

ههنا نسـكبُ الدمـوعَ دمـاءً *** ونشقّ القلوبَ قبلَ الجيوبِ

ههنا مصرعُ الكرامِ من الآلِ ومثوى الشهيدِ مثوى الغريبِ

الشاعر:

حسين بن محمد بن نجف علي التبريزي المعروف بـ (حسين نجف الكبير)، عالم كبير ومجتهد وأديب وشاعر، ولد في النجف الأشرف من أسرة علمية يعود أصلها إلى تبريز، وكان جده (نجف علي) هو أول من سكن النجف الأشرف ودرجت ذريته فيها.

اتصف رجال هذه الأسرة بصفات الفضيلة والأخلاق العظيمة إضافة إلى صفات العلم والأدب، يقول السيد محسن الأمين: (وهم بيت علم وفضل وتقوى وصلاح وزهد ونسك تغلب عليهم سلامة الضمير حتى صار يضرب بهم المثل في ذلك فيقال إذا صدر أمر عن أحد عن سلامة ضمير: رحم الله نجفا). (1)

وقد برز منها علماء كبار وأعلام أفذاذ، فإضافة إلى الشيخ حسين نجف فقد برز في ميدان العلم ولداه: جواد، ومحمد حسن، وأخوه الشيخ محمد رضا، وحفيده الشيخ يعقوب بن جواد، وسبطه العالم الكبير محمد طه نجف.

درس الشيخ حسين نجف على يد أبيه الذي كان من العلماء وتدرّج في الدروس في مجالس النجف حتى حضر درس السيد محمد مهدي بحر العلوم، ودروس الشيخ محمّد باقر الأصفهاني، المعروف بـ (الوحيد البهبهاني)، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، حتى نال درجة الاجتهاد وتصدّر التدريس وكان يصلي الجماعة في جامع الهندي

وكان من أبرز تلاميذه السيّد محمّد جواد الحسيني العاملي (صاحب مفتاح الكرامة)، والشيخ محمّد العبودي النجفي، والسيّد علي الغريفي، وابن أخيه وصهره الشيخ مهدي.

أما مؤلفاته فله كتاب واحد هو: الدرة النجفية في الرد على الأشاعرة في الحسن والقبح العقليين وقد شرحها بعض معاصريه ونقلها تلميذه السيد جواد العاملي صاحب (مفتاح الكرامة) في كتاب له في الأصول.

كان الشيخ نجف آية في الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة وقد أحبه كل من عرفه حتى تمنّى تلميذه السيد جواد العاملي أن يكون أحد أبنائه فقد نقل عنه قوله: (لولا أني من أبناء رسول الله لكنت أتمنى أن أكون من أبناء الشيخ حسين نجف).

ويروى عن الشيخ جعفر كشف الغطاء أنه كان يقول: (لو أن هذا الرجل في بلاد بعيدة عنا وتأتينا أخباره بما نشاهده فيه من صفات الكمال وأنه يرضي الخالق والمخلوق لم أصدق بذلك لكن كيف أصنع بمن أنا مصاحب له من المكتب إلى يومنا هذا).

وكان مما وصف به أنه (كان يحترم الصغير والكبير على الرغم من كبر سنه، وقد اشتهر عنه أنه ما غضب على أحد، ولا تكدّر منه أحد، وكان يمتلك سخاءً طبعياً وكرماً فطرياً. فإنه كانت تأتيه الأموال الكثيرة وهو مع ذلك مديون لم يأخذ منه شيئاً لوفاء دينه، وكان ينفقها في أقصر وقت، ولا فرق عنده بين القريب والبعيد)

كما عرف بالعبادة والزهد و(أنه كان يطيل في صلاته جداً، حتى أحصي عليه سبعون تسبيحة في الركوع، ومع ذلك كان الناس يتهافتون على الصلاة خلفه، وكان يصلي بالمسجد المعروف في النجف الأشرف بـالمسجد الهندي. فكان يمتلئ على سعته، فربما قد يأتي مصلٍ ولا يجد مكاناً، وكان العلماء يصلون خلفه في الصف الأول، وكانت صلاة الجماعة في زمانه مختصة به)

كما كان شديد التعلق بأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ولحبه الشديد له لم يفارق النجف الأشرف حتى في الأوقات العسيرة التي مرت بها فلم يأبه بكل الحوادث لأن قلبه كان يستشعر الأمان بقرب سيد الوصيين (عليه السلام) ففي وباء الطاعون الذي أصاب النجف سنة (1247ﻫ) خرج معظم أهالي المدينة، إلّا أنّه أبى أن يُغادرها، وعندما سُئل عن سبب بقائه قال: (أنا باقٍ ما بقيت هذه المنارة)، ويشير إلى منارة أمير المؤمنين (عليه السلام).

فلا غرو أن تسطر فيه أقلام الأعلام كلمات الثناء والإجلال وقد ألف عنه سبطه العالم الجليل محمد طه نجف كتاباً خصصه لسيرته، ووصفه بـ (سلمان عصره) حيث يقول:

(عين الأعيان، ونادرة الزمان، سلمان عصره، ووحيد دهره، جدّنا الأجل، وفخرنا الأكمل، البارع في الشرف ...).

كما ترجم له كثير من الأعلام في مؤلفاتهم:

قال عنه الميرزا حسين النوري الطبرسي: (الحبر الجليل والراسخ في علمي الحديث والتنزيل الذي لم ير لعبادته وزهده نظير ولا بديل ، المولى الصفي الوفي ...) (2)

وقال عنه الشيخ محمد السماوي: (كان فاضلاً أديباً مشاركاً بالعلوم فقيهاً ناسكاً وكان من أصحاب السيد بحر العلوم ذا كرامات باهرة). (3)

وقال عنه السيّد حسن الصدر: (كان شيخ أئمّة الغري، وقدوة كلّ ولي، اتّفق الكلّ على جلالته وثقته وربّانيّته وروحانيّته… سمعت له كرامات ومقامات عاليات من العلماء الثقات). (4)

وقال عنه الشيخ محمد حرز الدين: (وما عسى أن أقول في نادرة عصره، وواحد دهره، مَن اعترف الجلّ بتقواه وورعه وأدبه، وأنّ له مرتبة من العلم أخفاها وجود عظماء العلماء في عصره في القرن الثالث عشر).(5)

وقال عنه السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة: (كان فقيهاً ناسكاً زاهداً عابداً أديباً شاعراً، أورع أهل زمانه وأتقاهم).(6)

وقال عنه الشيخ آغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة: (من علماء عصره الأفذاذ، ومشاهيره بالتقوى والنسك) (7)

وقال عنه الأستاذ علي الخاقاني في شعراء الغري: (أحد الشخصيات الفذّة في العلم والورع والتقى).(8)

وروى الخاقاني عن العلامة الشيخ راضي بن محمد قوله في الشيخ حسين نجف: (كان الشيخ حسين نجف ـ عند العلماء برزخاً بين مرتبتي الإمام والعلماء فكان عندهم فوق العلماء ودون الإمام، وكان من أخص تلاميذ بحر العلوم وأقربهم منه وقد جعله وصياً من بعده… كان أعجوبة في الصبر والثبات والإيمان حتى اشتهر عنه ذلك..). (9)

وقال عنه الشيخ محمّد هادي الأميني في معجم رجال الفكر والأدب في النجف: (فقيه متبحّر أديب، مشارك في العلوم، ناسك مقدّس، وهو عند العلماء فوق منزلة العلماء ودون منزلة الإمام). (10)

وقال عنه محمد مهدي الكشميري: (الفاضل، الكامل، والعامل، الثقة، الأتقى، صاحب الدرجات العالية، والمقامات المتعالية). (11)

قال عنه السيد حسين بن أحمد البراقي: (إنه لَمُقدّس، أواهٌ، وورع، لم يخالط صفوه شائبةَ الخدش الاشتباه، علامة حبر، وفهامة بر، عنه في العلم يروى، وبه يتحدث في القضاء والفتوى بلغ به زهده وتقاه إلى أن يُقاس بسلمان وأبي ذرّ صدور الإسلام). (12)

قال عنه حسين الشاكري في (علي في الكتاب والسنة والأدب): (عالم ورع وشاعر فاضل) (13)

وقال عنه رضا كحالة في معجم المؤلفين: (متكلم، فقيه، أديب، شاعر).(14)

وقال عنه الشيخ محمد أمين الخوئي: (من أعلام المتأخرين، ووجه من فقهائنا الأجلّة المجتهدين، عالم عامل، فقيه بارع فاضل، ورع تقي زاهد راشد، كان أديباً شاعراً قوي البضاعة في الشعر والأدبية، بحراً زاخراً في الفقه والحديث والدراية والتفسير والكلام وغيرها). (15)

وقال عنه كاظم عبود الفتلاوي في مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف: (عالم ورع تقي … كان من العلماء العاملين والأبدال الورعين، ضرب المثل بعبادته وأخلاقه وصبره وطهارة نفسه وصلاحه). (16)

وقال عنه محمد الريشهري: (ممن جمع الإيمان والأدب في القرن الثالث عشر). (17)

شعره

شعره كله في مدح ورثاء أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) ولم يتطرق فيه إلى سواهم:

قال من ملحمة شعرية في أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم) تبلغ (450) بيتاً مطلعها:

أيا علةَ الإيجادِ حارَ بكَ الفكرُ وفي فهمِ معنى ذاتكَ التبسَ الأمرُ

وكنت سـفـيـرَ اللهِ للـحقِّ داعياً *** وكلُّ الأنامِ الحقّ عندهمُ مرُّ

ومنها:

بـسـيـفِـكَ قـامـت لـلـنـبـيِّ مـحـمـدٌ *** شـريـعـتـه ثـم اسـتـقـامَ لـه الأمـرُ

قطعتَ رؤوسَ الـمـشـركـيـنَ بحدِّهِ *** وكسَّرتَ أصناماً لتعظيمِها خرّوا

وقد كان منهم مرحبٌ وهوَ مرحبٌ ومن ضربَ الأحزابَ أكفرهم عمرو

عن اللهِ قد كنتَ المبلّغَ في الورى * جميعَ الذي قد قاله المصطفى الطهرُ

وقال من أخرى فيه (عليه السلام) أيضاً:

لعليٍّ مـنـاقـبٌ لا تـضـاهـى *** لا نـبـيٌّ ولا وصيٌّ حواها

من ترى في الورى يضاهي علياً أيضاهي فتىً به اللهُ باها

فضله الشمسُ للأنامِ تجلّتْ *** كـل راءٍ بـنـاظـريـهِ يراها

وهوَ نورُ الإلهِ يهدي إليه *** فاسألِ المهتدينَ عمَّن هداها

وإذا قستَ في المعالي علياً *** بـسـواهُ رأيـتـه في سماها

خيرُ من كان نـفـسه ولـهـذا *** خصّه دون غيرِه بإخاها

ومنها في ولادته (عليه السلام) داخل الكعبة الشريفة:

جـعـلَ اللهُ بـيـتَـه لـعـلـيٍّ *** مـولـداً يـا لـه عـلاً لا يُـضـاهى

لـم يـشاركه في الولادةِ فيه *** سـيّـد الـرسـلِ لا ولا أنـبـياها

عـلـمَ الله شـوقـهـا لـعـلـيٍّ *** عـلـمـه بـالـذي بـه مـن هواها

إذ تــمــنّـت لــقــاءه وتــمــنّــى *** فـأراهـا حـبـيـبـه ورآهـا

ما ادّعى مدعٍ لذلكَ كلا ** من تُرى في الورى يرومُ ادّعاها

فاكـتـسـتْ مكّة بذاكَ افتخاراً *** وكـذا الـمشعرانِ بعد مناها

بل به الأرضُ قد علتْ إذ حوته فغدتْ أرضُها مطافَ سماها

أومـا تـنـظـرُ الـكـواكبَ ليلاً *** ونهاراً تطوفُ حولَ حماها

وإلى الحشرِ في الطوافِ عليه *** وبـذاك الطوافِ دام بقاها

ومن علوية أخرى:

به اتّضحَ الإيمانُ والدينُ والهدى *** نهارٌ تجلّى فيه عنّا ظلامُها

تحيّرتِ الألـبـابُ فـي كنهِ ذاتهِ *** وهامتْ وحقّاً كان فيه هيامُها

ومـا شـرعـة للهِ إلاّ أقـامَـهـا *** فـقـد قــامَ فـيـه بـدؤهـا وختامُها

فـلـولاهُ مـا قامَ النبيُّ محمّدٍ *** بـدعـوتِـهِ إذ كــانَ فـيـهِ قـوامُـهـا

ولا ظهرتْ أحكامُ دينِ محمّدٍ *** ولا بــان مـنـها حلّها وحرامُها

به اللهُ أحيا الدينَ بـعـد مـماتِهِ *** حـيـاةً على مرِّ الدهورِ دوامُها

وقال من قصيدة في رثاء سيد الشهداء (عليه السلام)

بأبـي مـن بـكـت عـلـيـه الـسـمـاواتُ بـدمعٍ من الدما مسكوبِ

بأبي آله على التربِ صرعى قد كستهمْ ريحُ الصبا والجنوبِ

يا لها فجعة لرزءٍ عظيمٍ *** أذكت النارَ في الحشى والقلوبِ

ليس يُشفى غليلُ وجديَ إلا ** عند فوزي بنصرةِ المحجوبِ

ومن حسينية أخرى يقول:

خطبٌ تذلُّ له الخطوبُ وتخضعُ وأسىً تذوبُ له القلوبُ وتجزعُ

الله أكـبـرُ يـا لـه مـن فـادحٍ *** مـنه الجبالُ الراسياتُ تضعضعُ

فوق الأسنَّةِ رأسُ من في وجهِهِ *** نورُ النبوَّةِ والإمامةِ يسطعُ

ثـغـرٌ يـقـبِّـلـه الـنـبـيُّ وفـاطـمٌ *** وأبـوه حيدرةُ البطيـنُ الأنزعُ

أضـحـى يـقـلّـبُـه يـزيـدُ شـماتةً *** ويعودُ في عودٍ عـليه يقرعُ

صدرٌ حوى علمَ النبيِّ محمدٍ *** والوحيُ والتنزيـلُ فيـه مودَّعُ

وقال من قصيدة طويلة في الإمامين العسكريين (عليهما ‌السلام):

إلى بقعٍ فيها الذينَ اصطفاهمْ على الناسِ طراً عالمُ السرِّ والنجوى

إلى قـبـةٍ فـيـهـا قـبـورُ أئـمـةٍ *** بهمْ وبها يُستدفعُ الضرُّ والبلوى

إلى بقعةٍ كانت كمكةَ مقصداً *** وأمـناً ومثوى حبّذا ذلك المثوى

على حافتيها أينعتْ دوحةُ التقى فما برحتْ أغصانُها تثمرُ التقوى

ومنها

إلى منهلٍ عذبٍ وأكنافِ مأمنٍ به الأمنُ في الدارينِ من سائرِ الأسوا

إلى مشهدٍ فيه ترى النورَ ساطعاً تشاهدُ فيه الحقّ كالشمسِ بل أضوا

إذا أبصرَ الحقَّ المبينَ معاندٌ *** ولم يستطعْ كيداً يكفّ عن الدعوى

إلى بلدةٍ طـابـتْ وطـابَ ترابُها *** وطاب لكل اللائذينَ بها المثوى

وقال في أهل البيت (صلوات الله عليهم):

وفزتُ كلّ الفوزِ في ودّهم *** ونلتُ ما نالتْ أوداهمُ

وكـلّـمـا قاربتُ مغناهمُ *** شاهدتُ نوراً فيه معناهمُ

وبعد ما شاهدتُ أنوارهمْ *** تـتـابـعتْ عليَّ نعماهمُ

عبدٌ أتى أبوابَ ساداتِه ** يرجو رضاهمْ وعطاياهمُ

وكلُّ من زارهمُ عارفاً *** وفوا جزاهُ حيـن وافاهمُ

ما فازَ من قد فازَ إلّا بهمْ *** فـليس بعد الله إلا همُ

وفي موالاتهم (عليهم السلام)

بـالـمـولاةِ لـي أمـانٌ واُنـسُ *** يـومَ لا تـأمـنُ العقوبةَ نفسُ

ما جنى ما جنيتُ جنٌّ وأنسُ *** ذنبيَ الليلُ والولايةُ شمسُ

محمد طاهر الصفار

..............................................................................

1 ــ أعيان الشيعة ج ٦ ص 167

2 ــ دار السلام

3 ــ الطليعة من شعراء الشيعة

4 ــ تكملة أمل الآمل ج 2 ص 529 رقم 627

5 ــ معارف الرجال ج 1 ص 258 رقم 127

6 ــ أعيان الشيعة ج ٦ ص 168

7 ــ طبقات أعلام الشيعة ج 10 ص 432 رقم 877

8 ــ شعراء الغري ج 3 ص 163

9 ــ نفس المصدر

10 ــ معجم رجال الفكر والأدب ص 436 رقم 1863

11 ــ نجوم السماء في تراجم العلماء

12 ــ اليتيمة الغروية

13 ــ علي في الكتاب والسنة والأدب ج 4 ص 392  394

14 ــ معجم المؤلفين ج 4 ص 65 ــ 66

15 ــ مرآة الشرق

16 ــ مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف ص 124

17 ــ موسوعة الإمام علي في الكتاب والسنة والتاريخ ج ٩ ص ٩٥

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً