102- تميم بن الخليفة المعز الفاطمي: (337 ــ 374 هـ / 948 ــ 984 م)

كربلاء الحسين

2020-05-22

108 زيارة

 

قال من مطلع قصيدة تبلغ (10) أبيات والقصد منها إبراز عقيدته:

لا وَالمُضَرَّجِ ثوْبُهُ * في (كربلاءَ) مِن الدّماءِ

لا والوصيِّ وزوجهِ * وبَنيه أصـحاب الكساءِ

أوْلا فـإنّي لِلـعُصـاةِ الغـاصـــــــبينَ الأدعيـاءِ

وقال من قصيدة أخرى في نفس الغرض:

لا والدمِ الجاري بـ (كربلاء)

ومن بـــــها من دائــمِ الثواءِ

بني علي وبـــــــني الزهراء

ذوي التنـــاهي وذوي العلاء

وقال من قصيدة أخرى في رثاء الحسين تبلغ (50) بيتاً:

ثوت لي أسلافٌ كرامٌ بـ (كربلا) ** هُمُ لثغورِ المسلمينَ سدادُ

أصابتهمُ من عبدِ شمسٍ عداوةٌ ** وعاجـلـهـمْ بالناكثينَ حصادُ

فكيفَ يلذّ العيشُ عفواً وقد سطا *** وجارَ على آلِ النبيِّ زيادُ

ومنها:

فكم كربةٍ في (كربلاءَ) شديدةٍ *** دهاهم بها للناكثينَ كِيادُ

تحكم فيهمْ كلُّ أنوك جاهلٍ * ويغزونَ غزواً ليس فيه مُحادُ

كأنَّهمُ ارتدُّوا ارتدادَ أميةٍ ** وحادوا كما حادتْ ثمودَ وعادُ

ومنها أيضا:

وكم بأعالي (كربلا) من حفائرٍ بها جثثُ الأبرارِ ليس تُعادُ

بها من بني الزهراءِ كلُّ سميدعٍ  جوادٍ إذا أعيا الأنامَ جوادُ

معفَّرةً في ذلكَ التربِ منهمُ *** وجـوهٌ بها كانَ النجاحُ يفادُ

وقال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين تبلغ (63) بيتاً:

جلّتْ بسفكِ دمِ الحسينِ وقتلِه عندي الرزيَّة

ماذا أبيحَ بـ (كربلاء) من النفوسِ الهاشمية

ماذا تخطّفتِ الصـوارمُ مـنـهـمُ والسمهـريّة

ومنها:

 

في (كربلاء) يجودُ بالنفسِ المعطّشةِ الصدية

حتى انثنى لسيوفِهم *** وسهامِهم فيها دَرِيَّـة

أعززْ عـلـيَّ مـجاله *** ظمآنَ في تلكَ الثنية

الشاعر:

تميم بن الخليفة المعز الفاطمي (معد) رابع الخلفاء الفاطميين ابن الخليفة المنصور بنصر الله (إسماعيل) ابن الخليفة القائم بأمر الله (محمد) ابن الخليفة عبيد الله (المهدي) مؤسس الدولة الفاطمية ابن محمد (الحبيب) ابن جعفر (المصدق) ابن محمد (المكتوم) ابن إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)

ولد في المهدية بتونس قبل أن ينقل أبوه عاصمة الخلافة إلى مصر، وكان أبوهُ المعزّ حاكم المغرب والديار المصرية, وعندما بلغ تميم الخامسة والعشرين دخل مع أبيه المعز وأركان دولته إلى مصر بعد أن ضمّها جوهر الصقلّي إلى أملاك الدولة الفاطمية وبنى القاهرة عام (362هـ).

ورغم أن تميماً كان أكبر أولاد أبيه الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، إلا أنه لم يتولّ الخلافة بعده على العادة المتبعة، فقد آثر أبوه عليه أخاه عبد الله الذي توفي في حياة أبيه، فتولّى الخلافة أخوه الآخر نزار الذي لقّب بالعزيز بالله. وربما كان أبوه يرى فيه وفي شخصيته مكاناً آخر غير مسؤولية الدولة والحكم والسياسة فأبعده عن هذه الأمور كلها وهيَّأ له ما يلائم نفسيته وشخصيته.

فهذا الأمير الذي حُرم من الخلافة تربّع على عرش الشعر والأدب في مصر الفاطمية وقدِّر له أن يكون واحداً من كبار الشعراء في تاريخنا الأدبي، فقد منحته حياته المليئة بالألم والإحساس بالحرمان والظلم وجوداً شعرياً من طراز رفيع حتى لقِّب بأمير شعراء مصر في العصر الفاطمي.

ظهر ميل تميم منذ صغره إلى الشعر والأدب وتوزّع شعره على شتى الأغراض، وأبرز ما يميِّز شعره هو الابتكار في المعنى والوصف، وقد أودع شعره من المعاني القديمة كل جميل ثم أظهرها في ثوب جديد مُحلى بالألفاظ العذبة المنتقاة.

وأجود شعره ما قاله في حق أهل البيت (عليهم السلام) وإبراز فضلهم وعلمهم وإبداع البكائيات والمراثي فيهم وخاصة في سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) والرد على الشعراء المناوئين في قصائد كثيرة, كما ضمن هذه المواضيع حتى في مدائحه لأبيه وأخيه وأضاف إليها التفاخر بمكارم الفاطميين وآثارهم وبطولاتهم في رد الغزوات الصليبية عن بلاد الإسلام.

عُرف تميم بأنه شاعر مُكثر مُطيل، ألفاظه فصيحة وتراكيبه سهلة مقتدر في التشبيهات والاستعارات, يقول الأستاذ محمد عبد الغني حسن الذي درس حياة تميم وشعره في مقدمة كتابه عنه بعد أن بيّن أهمية دراسة هذا الشاعر:

(إنه شاعر مظلوم لم يأخذ حقه من التقدير حيَّاً وميتاً ولم يُفرِد مؤلّف قديم أو حديث له كتاباً مستقلاً إلا ما جاء مبعثراً في سطور نجدها في يتيمة الدهر للثعالبي, والمغرب في حلى المغرب لابن سعيد المغربي, ووفيات الأعيان لابن خلكان, وحسن المحاضرة للسيوطي, وإلا ما ذكره باحثون مصريون معاصرون وهم المرحومون محمود مصطفى, ومحمد كامل حسين أستاذ الأدب المجمعي, وأحمد أحمد بدوي)

وقد أكد هذا الكلام السيد الأمين في ترجمة تميم حيث يقول (أديب شاعر من بيت الملك في إبان عزّه ومجده ذكره صاحب اليتيمة ولم يذكر من أحواله شيئاً سوى أشعار له أوردها، وقالت مجلة الرسالة المصرية عدد ٣٣١ من السنة السابعة هو كما يعرف الأدباء أمير شعراء مصر في العصر الفاطمي)

شعره

أبرز شعر تميم في أهل البيت (عليهم السلام) هو ردّه على عبد الله بن المعتز العباسي صاحب القصيدة التي يفضِّل فيها العباسيين على العلويين التي مطلعها:

ألا من لنفسي وأوصابِها *** ومن لدموعي وتسكابِها

وفيها يخاطب العلويين بقوله:

لكم حرمةٌ يا بني بنتِهِ *** ولكن بنـــو العمِّ أولى بها

فيتصدى له تميم بقصيدة طويلة مطلعها:

ألا قلْ لمنْ ضلَّ من هاشمٍ *** ورامَ اللحوقَ بأربابِها

أ أوساطها مثل أطرافِها *** أ أرؤسُـها مثلُ أذنابِها ؟

وفيها يقول بعد أن يعدد فضائل أمير المؤمنين (ع) ويثبت أنه أفضل الخلق بعد رسول الله:

أعباسُها كأبــي حــربِـها *** عـلـيٌ وقاتـلُ نصّـابِـها ؟

أعباسكمْ قاتلُ المشركين *** جهاراً ومـالك أسلابِها ؟

وأولــهــا مــؤمـنٌ بالإلـه *** وأول هــادمِ أنـصـــابِها

بني هاشمٍ قد تعاميتـمُ *** فـخلّـوا المـعالي لأصـحابِها

أعباسكمْ كان سيفَ النبيِّ إذا أبدتِ الحربُ عن نابِها ؟

أعباسكمْ كان في بَدرِه *** يذودُ الكتائبَ عن غـابِها ؟

أعباسكمْ كوصيِّ النبيِّ ** ومُعطي الرغابَ لطلابِها ؟

أعباسكمْ شرّحَ المشكلاتِ *** وفَتّحَ مُــــقفَل أبوابِها ؟

عجبتُ لمرتكبٍ بغيه *** غوّي المقالةِ كـذّابِــــــــها !

يقولُ فينظمُ زورَ الكـلامِ *** ويحكمُ تنميـــقَ إذهـابِها

(لكم حرمة يا بني بنتِـهِ ** ولكن بنو العمِّ أولى بها) !

وكيف يحوز سهامَ البنين *** بنو العمِّ أُفٍّ لغصّابِها ؟

بذا أنزل الله آي الكتابِ * أتعمَون عن نصِّ إسـهابها ؟

لقد جارَ في القولِ عبدُ الإله ** وقاسَ المطايا بركّابِها

ونحنُ لبسنا ثيابَ النبيِّ *** وأنتم جذَبـــــــــتم بهدّابِها

ونحن بنـوه ووُرّاثه *** وأهـلُ الــــــــوراثة أولى بها

وفينا الإمـامـة لا فـيـكـمُ *** ونحنُ أحقّ بـــــــجلبابِها

ومن لكمُ يا بني عمّه *** بمثلِ البتولِ وأنجــــــــــابِها

وما لكمُ كوصيِّ النبيِّ *** أبٌ فتراموا بنشّـــــــــــابِها

ألسنا لُبابَ بني هاشم *** وساداتكم عند نُسّـــــــابِها ؟

ألسنا سـبـقنا لغاياتِها *** ألسنا ذهبـــــــــنا بأحسابِها ؟

بـنـا صُـلـتـمُ وبِـنـا طُـلـتـمُ *** ولـيـسَ الولاة ككــتّابِها

ولا تَسفَهوا أنفساً بالكذابِ *** فذاكَ أشدُّ لإتعــــــــابِها

فأنتمْ كلحنِ قوافي الفَخار *** ونحن غــدونا كإعرابِها

ولتميم قصيدة طويلة أخرى يرد بها على قصيدة لابن المعتز تحمل نفس الغرض يقول تميم فيها:

جادكَ الغيثُ من محلّةِ دارِ *** وثوى فيكِ كلُّ غادٍ وسارِ

ومنها:

يا بني هاشمٍ ولسنا سواء *** في صغارٍ من العلا أو كبارِ

إن نكن نـنتمــي لجدٍ فإنا *** قد سبقناكـــــــــــمُ لكلِّ فخارِ

ليس عـباسكم كمثلِ عليٍّ *** هل تقـاسُ النجـــومُ بالأقمار

مَن له قال: أنتَ مني كهـــارونَ وموسى أكرم به من نجارِ

ثم يـومَ الغديرِ ما قد علمتم *** خصّة دون سـائرِ الحضّارِ

مَن له قال: لا فتى كعليٍّ ** لا ولا منصلٍ سوى ذي الفقارِ

وبمن باهـلَ الـنبيُّ أأنتمْ *** جُهلاءٌ بواضــــــــــحِ الأخبارِ

أبعبدِ الإلهِ أم بـحـسـينٍ *** وأخيهِ ســــــــــــــلالة الأطهارِ

يا بني عمِّنا ظلمتمْ وطرتمْ * عن سبيلِ الإنصافِ كلَّ مطارِ

كيف تحوون بالأكفِّ مكاناً *** لم تنالوا رؤيـــاه بالأبصارِ

مَن توطّا الفراش يخلف فيه ** أحمداً وهو نحوَ يثربَ سارِ

واسألوا يوم خيبر واسألوا مكّة عن كــــــــــرِّهِ على الفجّارِ

واسألوا يوم بدرَ مَن فارسُ الإسلامِ ؟ فيه وطالبُ الأوتار ؟

اســـــــألوا كل غزوةٍ لرســــــولِ اللهِ عمَّــن أغارَ كلَّ مُغارِ

ومن أشعاره في رثاء الإمام الحسين (ع) قوله من قصيدة طويلة:

أعاذل لي عن فسحةِ الصبرِ مذهبُ وللهوِّ غيري مألفٌ ومصادُ

ثوَتْ ليَ أسلافٌ كرامٌ بـ (كـربلا) ** همُ لثغورِ المسـلمينَ سَدادُ

أصابتهمُ من عبدِ شمسٍ عداوةٌ *** وعاجلهم بالنــاكثيـنَ حصادُ

فكيف يلذُّ العيشُ عفواً وقد سـطا *** وجارَ على آلِ النبـيِّ زيادُ

وقتلهمُ بغياً عُبيدٌ وكــادَهم *** يزيدٌ بأنــــــــــواعِ الشقاقِ فبادوا

بثاراتِ بدرٍ قاتلوهم ومـكةٍ *** وكـــــــادوهـم والحقّ ليسَ يُكادُ

فحكمت الأسيافُ فيهــم وسُلّطت *** عليهم رماحٌ للنفاقِ حِــدادُ

فكم كربةٍ في (كربلاءَ) شديدةٍ *** دهاهمْ بها للناكثــــــــين كيادُ

تحكّم فيهم كل أنوك جاهلٍ *** ويُغزون غــــزواً ليس فيه محادُ

كأنهم ارتدّوا ارتـداد أمية *** وحادوا كمـــــا حادت ثمودُ وعادُ

ألم تُعظِموا يا قوم رهطَ نبيِّكم *** أمـــــــا لكمُ يومَ النشورِ معادُ

تداسُ بأقدامِ العصاةِ جسومُهم *** وتدرسهم جُردٌ هناكَ جيـــــادُ

تضيمهمُ بالقتلِ أمةُ جدِّهم *** سفاها وعن ماءِ الفـــــــراتِ تُذادُ

فماتوا عطاشى صابرين على الوغى ولم يجبنوا بل جالدوا فأجادوا

ولم يقبلوا حكمَ الدعيِّ لأنهم * تساموا وسادوا في المهودِ وقادوا

ولكنهم ماتوا كراماً أعـــزةً *** وعـــاش بهم قبـلَ المماتِ عبادُ

وكم بأعالي (كربلا) من حفائرٍ *** بها جُثتُ الأبـرارِ ليس تعادُ

بها من بني الزهراء كل سَميدعٍ *** جوادٍ اذا أعيـا الأنامَ جوادُ

وفيها يستذكر تلك الجثث الطواهر الزواكي وهي على الأرض معفرة بدمائها:

معفرةٌ في ذلكَ التربِ منهم *** وجوهٌ بـــــــــها كان النجاحِ يُفادُ

فلهفي على قتلِ الحسينِ ومسلمٍ *** وخزيٌ لمن عاداهـــما وبعادُ

ولهفي على زيدٍ وبَثّاً مُردِّدا *** إذا حان من بـــــثّ الكـئيبِ نفادُ

الا كبدٌ تفنى عليهم صبابةً *** فيقطرُ حـــــــزناً أو يذوبُ فؤادُ ؟

ألا مُقلة تهمي ؟ ألا أذن تعي ؟ *** أكلُّ قلوبِ العالمينَ جــمادُ ؟

تُقاد دماءُ المارقين ولا أرى *** دماءَ بني بيــــــــــت النـبيِّ تُقادُ

أليس همُ الهادون والعترة التي  بـها انجابَ شركٌ واضمحلَ فسادُ

تساقُ على الأرغامِ قسراً نساؤهم *** سبايا إلى أرض الشآمِ تُقادُ

يُسقنَ الى دار اللعين صواغراً كما سِيق في عصفِ الرياحِ جرادُ

كأنهم فيء النصارى وإنهم *** لأكرم مـن قد عزّ منه قيـــــــــادُ

يعـزُّ على الزهراء ذلّة زينبٍ *** وقتلُ حسـينٍ والقـــــلوبُ شِدادُ

وقرع يـزيدٍ بالقضيبِ لسنّه *** لقد مُجِّســـــوا أهلُ الشآمِ وهادوا

قتلتم بني الإيمان والوحي والهدى* متى صحَّ منكم في الإلهِ مُرادُ

ولم تقتلوهم بل قـتلتمْ هداكـم *** بهم ونقصتــــمْ عند ذاكَ وزادوا

أمية ما زلتمْ لأبـنـاءِ هاشمٍ *** عِدى فاملؤوا طرق النفاقِ وعادوا

إلى كم وقد لاحتْ براهين فضلـهم *** عليكم نِفارٌ منهمُ وعـــــنادُ

متى قط أضحى عبدُ شمسٍ كهاشمٍ ** لقد قلَّ أنصافٌ وطالَ شِرادُ

متى وُزنت صمُّ الحجارِ بجوهرٍ ** متـى شارفتْ شمُّ الجبالِ وِهَادُ

متى بعث الرحمنُ منكم كجدهم *** نبياً علت للحقِّ منه زنــــــــادُ

متى كان يوماً صـخـركم كعليهم *** إذا عُدّ إيمــــــــانٌ وعُدّ جهادُ

متى أصبحتْ هندٌ كفـاطمةِ الرضا؟ متى قِيسَ بالصبحِ المنيرِ سوادُ؟

أآلُ رسولِ اللهِ ؟ سؤتمْ وكدتمُ *** ستجنى علـيكمْ ذلةٌ وكســــــــــادُ

أليسَ رسولُ الله فيهم خصيمكمْ *** إذا اشتدَّ إبعــــــــادٌ وأرملَ زادُ

بكم أم بهم جاءَ الكتابُ مُبشّراً *** بكـــــــــمْ أمْ بهمْ ديـنُ الإلهِ يُشادُ

سأبكيكمُ يا سـادتـي بـمـدامعٍ *** غزارٍ وحـــــــزنٍ ليـس عنه رقادٌ

وإن لم أعادِ عبدَ شمـسٍ عليكم *** فلا اتســـعتْ بي مـا حييتُ بلادُ

وأطلبهمْ حتى يروحوا ومالهم * على الأرضِ من طولِ القرارِ مِهادُ

سقى حُفراً وارتكمُ وحوتــــكمُ *** من المستهلاتِ العــــــذابِ عِهادُ

ومن روائع قصائده قصيدته اليائية في رثاء الحسين (ع) وفيها تطرق إلى كثير من تفاصيل كربلاء يقول فيها:

الحـرُّ لا يأتي الدنيه *والمـجدُ للنفــــسِ الأبيّه

ومن المكارمِ والتقى حسـنُ السريرةِ والطويّه

والمرءُ يسترُّ بالسخاءِ معايبَ النـفـسِ السخيّه

والحلمُ أعظمُ ما يكونُ إذا تعـاظـمـتِ الخطيّه

والعقلُ أجملُ زينة ** لأخـي النباهةِ والرويّه

والظلمُ من لـؤمِ الطباعِ وعــادة النفسِ الرديّه

و البغيُ يـــؤذنُ بالبـوارِ وبالدمــــارِ وبالمنيّه

أو ما ترى بالبغي ما ** أفضت إليه بنو أميّه

الناكبين عن الهدى * والجائرين على الرعيّه

والـقاسطيـن الواثبيـن على ابنِ فاطمةِ الزكيّه

كفروا بربِّ محمدٍ *** بغياً فمــا حفظوا نبيّه

وشفوا بسبطيه الحقود وحاربوا ظـلماً وصيَّه

ونَسُوا مقالَ نبيهم * وهو المعدّلُ في القضيّه

من كنتُ مـولاه فقد * أضحى أبو حسنٍ ولِيّه

جلّت بسفكِ دمِ الحسيـنِ وقتله عنــدي الرَّزيّه

ماذا أبيــحَ بـ (كربلاء) من الـنفوسِ الهاشميّه

ماذا تخطّفت الصوارمُ منهــــــــمُ والسَّمهريّه

بكت السماءُ لفقدِهم والأرضُ واحتذتِ البريّه

أهلُ الفضائلِ و المكارمِ والـندى و الأريـحيّه

وذووا الـنبـوةِ والهــدايةِ والـعـلى واللـوذعـيّه

قتلـتْ أميــةُ هاشـماً *** أعظمُ بذلكَ مـن بليّه

بحقود بــــدر طالـبــــوهـمْ والدماءَ المشركيّه

خذلوا الـنبـيَّ بقتلـهم *** وتـعصّبوا للجاهليّه

هدموا الشريعة والشريعة غـضّة المبدا طريّه

لم تخفِ عن ربِّ البريـةِ مـن فعــــالِـهم خفيّه

ما عذرهم يوم النشــورِ إذا تحــاكمـتِ الـبريّه

وأتى النبيُّ مطالبا * بدمِ ابـن فـاطمةِ الرضيّه

ودمُ الحسينِ على البتـول وعـيـنهـا مـنه بكيّـه

نحروه غــير مذمم *** نحـر الهدايا لـلضحيّه

في كربلاء يجودُ بالنــــفسِ المعطشة الصَّديّه

حتى انثنى لـسيوفِهم *** وسهامِهم فيهـا دريّه

أعززْ عليَّ مجاله *** ظمــآن في تلك الـثنيّـه

وبنـو أبيه حوله *** بين الـعــــــداة الناصبيّـه

قد جـرَّدوا بيضَ المناصلِ واستعـــــدوا للمنيّه

حتى تفانوا حوله *** وسقوا المنيـــة بالسويّه

والفاسـق ابن زيادٍ الـــــملعون يطلبــــهم بنيّـه

لا يأتلــــي في قتلِ أبـناءِ النبيِّ علــــــى حميّه

حـتى إذا ما عفّـروه على ثرى الأرضِ الثريّه

حثوا المطـــــايـا للشــــآم بكـلِّ طـاهـرةٍ حييّـه

شهروا نساءَ نبيهـم *** وتقاسـمـوا بالبغي فيّه

أسرى يسقن كمـا تساق الـمشـركـاتِ بلا تقيّـه

حتى إذا جـاؤوا يزيــــدَ بهم واحتضـروا نديّـه

أبدى الشمات وقال: ثارات الـرجالِ العبشميّـه

أعــزز عَـليَّ وقـــــوفهن ثواكلاً فـوق المطيّه

والرأسُ ملقى وهو يقرعُ بالقضيب على الثنيّه

يا عينُ جودي بالـدموعِ على مصابِ الفاطميّه

آليتُ لا ذقتُ المنامَ ولا اضطجعتُ على حشيّه

ولأهـجـرنَّ لـذيذَ كــــلِّ معيـــشـةٍ عـندي هنيّـه

حـتـى أزور أمـية *** في كــــلِّ بلـقعـةٍ قصيّه

وأذيقهمْ كـأسَ الـمــنيـة بالغـــــــــدوِّ وبالـعشيّه

حتى أقـوم بثأر آبـائي من الـعُصـــــــبِ الشقيّه

إن لم أذُدْ طعمَ الكرى ** عن أعينِ منهمْ عميَّه

حتـى تــــــــروح أميةٍ *** لسوى أمية مدعـيّه

فبرئــتُ من نسبِ الـوصيِّ و من ولادتهِ العليّه

لهفي علـى الـنفرِ الـذين مضوا ولم يبــقـوا بقيّه

تـاللهِ لا بـرحتْ لـهـــم *** نفسي مولّهة شـجيّه

حتى أكـدّر عـيـش تلكَ الأنفس الصغرى الغبيّه

وتروح ثـــارات الـحسـين أبي بسيفـي محتميـه

أنى و آبـــــــائي و قـــومي والـكرامُ الأحمديـه

ذاقوا الرَّدى وتخرَّموا * بيدِ الدعيِّ ابن الدعـيه

بيد الغويِّ ابن الـغــــويِّ ابن الغويِّ ابن الغويَّه

الـناقضين الـناكـثيـــــــن على الشريعةِ والبريه

الـبائعين صوابهـمْ *** في كلِّ أمــرٍ بالـخطـيه

وهو يستذكر حادثة الطف حتى في بقية شعره فمن قصيدة في توثيق انتصارات أخيه العزيز على والي الشام يستذكر ما فعل أهلها بالحسين وزيد فيقول:

وأرهبتَ أهلَ الشامِ حتى تركتهم *** وليس لهم سرٌّ سواكَ ولا جهرُ

وسستهمُ حـــــزماً بما لم يسسهمُ *** بمعشارِهِ يـوماً زيادٌ ولا عمرو

فلو تسمع الموتى لناديتَ مسمعاً *** يزيدُ بخزيٍّ قم فقد أدركَ الوترُ

نهضتَ بثاراتِ الحسينِ وزيده ** نهوضاً به من زينبٍ شُفي الصدرُ

وفي قصيدة في رثاء أخيه يعدد آباءه وأجداده من بني هاشم الذين تفانوا قتلاً، وهو ذكور لهم دائماً لكن لهم ذكر خاص في المصائب فيقول:

وتذكَّرتُ بالمصائبِ قومي *** وجُدودي إنّي لقومي ذكورُ

أين قـومي الأُلى الذين بهم كان يموتُ الخَنا ويحيـــا الـفقيرُ

لو حَمى معشراً مِن القوم حامٍ * لَحَمَتْ قومي العُلى والخِيرُ

أيـن آبائـيَ الـذين تَفـانَوْا *** وبهم كانـت الليالي تُــنـــــــيرُ

أيـن جدّي حسينٌ بـنُ عليٍّ *** أين زيدُ المُفجَـعُ الــمَــوْتورُ

أيـن مهديُّنـا الـمُمَلَّكُ والقـــــــائمُ أين المُعـزُّ والمنــصـــــورُ

أيـن تلك الحُلومُ والفضلُ والألْــبابُ بَل أين ذلـــــكَ التـَّدبيـرُ

أين ذاك السلطانُ والمُلكُ والمَنْعَةُ والبَطْشُ والعُلى والظُهورُ

أين تلك الجيوشُ والعــزَّةُ القَـعْـساءُ والجمعُ والعــديـدُ الكثيرُ

فرَّقَتْهـُم يدُ المَنــونِ فَـبادوا *** وحَوَتْهُم بعد القُصورِ القبورُ

سَلَفٌ صالحٌ وأملاكُ صـِدْقٍ *** بهـمُ تستوي وتُلوى الأُمورُ

وهو لا يفتأ يندد بما فعلته بنو أمية من الجرائم وخاصة جريمتهم الكبرى في كربلاء:

دَعْ عـبـدَ شـمـسِ وأبـاطـيـلـهـا *** فـقـد بـدا اللهُ بـتَـنْكيسها

قـبـيـلـةٌ ما طَـهَّـرَ اللهُ مـَن *** شـايَـعَـهـا مِـن إثـمِ تنـْجيسها

طافَتْ بحربٍ وَهْوَ فرعونُها طَوْفَ النّصارى حول قِسّيسِها

دمُ النبيِّ المصطفى ظاهـرٌ *** يلوحُ في بُنيانِ تأســـيـسهـا

سَقَتْ بَنيه بالرَّدى واغْتَدَتْ  *** نساؤه سَـبياً عـلى عـيسِهـا

قبيلـةٌ أفضَـــلُها شَـرُّها *** لا شَرُفَتْ عـن حالِ مرؤوسِـها

فإنّهـا أولى بإتْعـــاسها *** ولَعْنُها مِــــــــن لعـنِ إبليـسِهــا

ومن قوله متفاخراً بنسبه العلوي قوله من قصيدة طويلة:

سما بي معدٌ إلى غاية *** من المجدِ ما فوقها مُرتقى

فرحتُ بها فاطمي النجار *** حسينيـــه علوي الجنى

وقوله أيضاً من قصيدة طويلة :

شرفٌ بَنَتْه لنا البتولُ وبعلُها *** وأبناهما حتى رسا وتمنّعا

واستودعوهُ بعدهمْ أبناءهم ** فبنوا عليه وشيَّدوا المستودعا

ومن أغراض شعره الأخرى التظلم من الدنيا بعد أن حُرم من نعيم الملك وسلطانه فيضع نفسه في موضع المقارنة بينه وبين أخويه في مجال المفاضلة فيقول:

أنا فردُ النهى وربُ المعالي * وحسامُ الكفاحِ يومَ الكفاحِ

أنا مفتـــاح قفلِ كل نوالٍ *** يومَ يغـدو الندى بلا مفتاحِ

أنا كالجدِّ في الأمور إذا ما  كان غيري فيهنَّ مثل مزاحِ

ولكنه كان يكتم ألمه ولا يظهر ذلك بل يظهر التبسُّمَ والرضا رغم أن الألم المرير في داخله:

أما والذي لا يملك الأمر غيره‌‏ * ومن هو بالسرِّ المكتَّمِ أعلمُ

لئنْ كان كتمانَ المصائبِ مؤلماً * لأعــلانِها عندي أشدُّ وآلمُ

وبي كل ما يُبكي العيونَ أقلّه *** وإن كـنتُ منه دائماً اتبسّمُ

ولازال الألم يعتصر قلبه حتى توفي بمصر ودفن بالحجرة التي فيها قبر أبيه المعز

محمد طاهر الصفار

..............................................

1 ــ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 14 ص 308

2 ــ أدب الطف للسيد جواد شبر ج 2 ص 125

3 ــ دائرة المعارف الحسينية / ديوان القرن الرابع ج 1 / ج 2

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً