83 ــ أحمد بن منير الطرابلسي (473 ــ 548 هـ / 1080 ــ 1153 م)

كربلاء الحسين

2020-04-29

211 زيارة

قال من قصيدة يشكو فيها من معاناته من قبل أهل حلب بسبب تشيُّعه وولائه لأهل البيت (عليهم السلام):

وأنّ قلبي جَوٍ لأيّام صِفّيـنَ ودائي من (كَرْبَلاءَ) دَوِ

يَصنَعُ بي كَهْلَهُا ويافِعُهَا ما يصنعُ الحَنْبَليُّ بالثَّنَوي

كأنَّما عايَنوا مُعاوية يلُوحُ من نَقْشِ فَصِّيَ الغَرَوي

الشاعر

أبو الحسين مهذب الدين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي، شاعر ولغوي من شعراء الشيعة، ولد في طرابلس (لبنان) ونسب إليها، كما لقب أيضاً بـ (عين الرمان)، و(الرفّاء) نسبة إلى مهنته ومهنة أبيه وهي رفو الثِّياب، وكانت تحكم طرابلس آنذاك أسرة بني عمار التي حكمت لمدة أربعين سنة تقريباً (462 ــ 502 هـ /1070 ــ 1109 م) وامتدت حدود دولتهم من بيروت وحتى أنطاكية وهي دولة شيعية اثني عشرية، وقد ازدهرت طرابلس في عهدهم ازدهاراً اقتصادياً وعلمياً وأدبياً لم تشهد له مثيلاً من قبل.

وإضافة إلى تاريخ هذه الدولة الحضاري المشرق فقد شكّلت ندّاً قويّاً للصليبيين بصدّ هجماتهم، فسجلت أروع صفحات المجد في حروبها معهم وخاصة في عهد فخر الملك عمار بن محمد بن عمار الذي لقب بملك الساحل والذي أنشأ أسطولاً حربياً لمقاتلة الصليبيين وخاض معهم معارك كبيرة رغم تفوق العدو بالعدة والعدد.

وبقيت هذه الدولة تقاتل الصليبيين الذين كانت أعدادهم تتزايد وخطرهم يستفحل وحاصروا طرابلس فاضطر ابن منير لمغادرتها إلى دمشق، وكان ذلك عام (502 هـ) وهي السنة التي استولى فيها الروم على طرابلس بعد حصار دام لمدة سبع سنين، وكان ابن منير حينما جاء إلى دمشق يبلغ من العمر (29) سنة.

كان ابن منير شاعراً قبل أن يغادر مدينته، وفي دمشق نبغ في الشعر وفاق شعراء دمشق في شهرته ومكانته حتى عدّ أفضلهم على الإطلاق، وبسبب تشيّعه فقد لقيَ أذىً كثيراً ودخل في سجالات طويلة مع شعرائها وخاصة مع ابن القيسراني وجرت بينهما مهاجاة حتى شُبِّها بجرير والفرزدق. 

وكان من الطبيعي أن يواجه الطرابلسي هذه الحرب (الباردة) عليه من الناس والتي يصفها بقوله:

وصلَ الهجيرِ بهجرِ قومٍ كلما * أمطرتهم عسلاً جنوا لكَ حنظلا

من غادرٍ خَبثت مغـارسُ ودِّهِ *** فإذا محضتَ له الوفاءَ تـأوَّلا

أو حلفِ دهرٍ كيفَ مالَ بوجهِهِ *** أمسى كذلكَ مدبراً أو مقبلا

للهِ عــلمــي بالزمـانِ وأهــله *** ذنبُ الفضيلةِ عندهم أن تكمَلا

طبِعوا على لؤمِ الطباعِ فخيرهُم * إنْ قلتَ قالَ وإنْ سكتَّ تقوَّلا

وهو يتمنى الموت ويفضله على دهر ولد فيه وشرب المر من بنيه:

عدمتُ دهراً ولدتُ فيه *** كم أشربُ المرِّ من بنيهِ

ولكن رغم كل هذه المعاناة التي وجدها إلا أنه لم يكن انهزامياً أمام الأحداث والخطوب بل واجهها بصلابة وإرادة:

كالــبدرِ لما إن تضــاءلَ نـورُه *** طلبَ الكمـالَ فحـازَه مُتنقّلا

ساهمتَ عيسَكَ مُرَّ عيشِكَ قاعداً * أفلا فليتَ بهنَّ ناصيةَ الفلا ؟

فارقْ ترقْ كالسيفِ سلَّ فبانَ في متنيهِ ما أخفى القرابُ وأخملا

لا تحسبنَّ ذهــابَ نفسكَ ميتةً *** ما الموتُ إلا أنْ تعيشَ مُذللا

للقفــرِ لا للفقــرِ هبــها إنــما *** مغنــاكَ ما أغناكَ أن تتـوسَّلا

لا ترضَ من دنياكَ ما أدناكَ من دنسٍ وكُنْ طيفاً جلا ثم انجلى

كما كان من الطبيعي أن تستمر عليه هذه الحرب حتى بعد موته من قبل المؤرخين الذين انحازوا إلى أهوائهم وعصبيتهم فوصفوا ابن القيسراني بـ (التورّع) و(الاعتدال) و(الكياسة) لأنه عبّر عما يعتقدون به، ووصفوا ابن منير بـ (الفحش) و(البذاءة) لأنه انتصر لأهل البيت (عليهم السلام) فكان بنظرهم: (رافضياً خبيثاً يسبُّ الصحابة).

قال ابن عساكر في ترجمة ابن منير: (حفظ القرآن، وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضياً خبيثاً يعتقد مذهب الإمامية، وكان هجاءً خبيث اللسان يكثر الفحش في شعره، ويستعمل فيه الألفاظ العامية) ! (1)

وقال ابن خلكان: (وحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضياً كثير الهجاء خبيث اللسان) (2)

وقال العماد الأصفهاني: (كان شاعراً مجيداً مكثراً هجاءً معارضاً للقيسراني في زمانه، وهما كفرسي رهان، وجوادي ميدان. وكان القيسراني سنياً متورعاً، وابن منير مغالياً متشيّعاً) (3) وقال بمثل هذا أيضاً محمد راغب الطباخ (4) وغيره.

وبقي الهجوم مستمراً على ابن منير بعد موته فقد زعموا أن أحدهم رآه وهو يعذب في النار بسبب شعره.

ولم تقف هذه الحرب عند ابن منير بل شنت على أبيه فقال ابن عساكر: (إنه كان يغني بشعر ابن العوني)! والعوني هو شاعر أهل البيت أبو محمّد، طلحة بن عبيد الله بن أبي عون الغسّاني العوني المصري المتوفى سنة (350 هـ) ولما كان شعر العوني مقتصراً على أهل البيت وكان المنير ينشده لا يغنيه فقد أسقط ابن خلكان اسم العوني عندما اتهم المنير بالغناء ونترك الجواب على هذه الأكاذيب للشيخ عبد الحسين الأميني (قدس سره) في ترجمته لابن منير حيث استوفى الرد على هذه الأقوال وفند تهمهم الباطلة فقال:

(أبو الحسين مهذب الدين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي الشامي نازل درب الخابوري على باب الجامع الكبير الشمالي عين الزمان الشهير بالرفا، أحد أئمة الأدب، وفي الطبقة العليا من صاغة القريض، وقد أكثر وأجاد وله في أئمة أهل البيت (عليه السلام) عقود عسجدية أبقت له الذكر الخالد والفخر الطريف والتالد، و قد أتقن اللغة والعلوم والأدبية كلها، أنجبت به الطرابلس فكان زهرة رياضها، ورواء أرباضها، ثم هبط دمشق فكان شاعرها المفلق، وأديبها المدره، فنشر في عاصمة الأمويين فضائل العترة الطاهرة بجمان نظمه الرايق، وطفق يتذمر على من ناوأهم أو زاواهم عن حقوقهم محققاً فيه مذهبه الحق، فبهظ ذلك المتحايدين عن أهل البيت عليهم السلام فوجهوا إليه القذائف والطامات، وسلقوه بألسنة حداد فمن قائل: إنه كان خبيث اللسان، وآخر يعزو إليه التحامل على الصحابة، ومن ناسب إليه الرفض، ومن مفتعل عليه رؤيا هائلة، لكن فضله الظاهر لم يدع لهم ملتحداً عن إطرائه وإكبار موقفه في الأدب بالرغم من كل تلكم الهلجات، وجمع شعره بين الرقة والقوة والجزالة، وازدهى بالسلاسة والانسجام، وقبل أي مأثرة من مآثره أنه كان أحد حفاظ القرآن الكريم كما ذكره ابن عساكر وابن خلكان وصاحب شذرات الذهب).

أما عما وُصف من هجائه فيقول قال الأميني: (والشاعر يصف في نظمه هذا مناوئيه من أهل زمانه الذين نبزوه بالسفاسف ورموه بالقذائف ممن أوعزنا إليهم في الترجمة وكل هجوه من هذا القبيل ولذلك كان يثقل على مهملجة الضغائن والإحن).

أما عن أبيه المنير فيقول الأميني: (وأما أبو المترجم (المنير) فكان شاعراً كجده (المفلح) كما في (نسمة السحر) وكان منشدا الشعر العوني، ينشد قصائده في أسواق طرابلس كما ذكر ابن عساكر وبما أن العوني من شعراء أهل البيت عليهم السلام ولم يؤثر عنه شيء في غيرهم، وكان منشده الشيعي هذا يهتف بها في أسواق طرابلس وفيها أخلاط من الأمم والأقوام كانوا يستثقلون نشر تلكم المآثر بملأٍ من الأشهاد، وبالرغم من غيظهم الثائر في صدورهم لذلك ما كان يسعهم مجابهته والمكاشفة معه على منعه لمكان من يجنح إلى العترة الطاهرة هنالك فعملوا بالميسور من الوقيعة فيه من أنه كان يغني بها في الأسواق كما وقع في لفظ ابن عساكر وقال: كان منشداً ينشد أشعار العوني في أسواق طرابلس ويغني.

وأسقط ابن خلكان ذكر العوني وإنشاد المنير لشعره فاكتفى بأنه كان يغني في الأسواق - زيادة منه في الوقيعة وعلماً بأنه لو جاء بذكر العوني وشعره لعرف المنقبون بعده مغزى كلامه كما عرفناه، وعلم أن ذلك الشعر لا يغنى به بل تقرط به الآذان لإحياء روح الإيمان وإرحاض معرة الباطل). (5)

رحم الله الأميني فقد أوفى ووفى وأوضح وأبان الحقيقة وكشف أقنعة المتلاعبين بسير الشخصيات الشيعية وفند تهمهم الباطلة ودحض أراجيفهم الفاسدة.

وعزز الكرباسي قول الأميني فقال: (وكان أبوه يتمتع بصوت حسن ينشد في أسواق طرابلس فضائل أهل البيت عليهم السلام) مادحا لهم معتمدا على قصائد العوني الذي اشتهر بقصائده في مدح أهل البيت) (6)

وإذا كانت ألسن الحقد والأهواء العصبية قد احاطت سيرة ابن منير بسحب الكذب فإن الأصوات المنصفة كفيلة بإزالة هذا السحب وإبراز الحقيقة الناصعة يقول الأمير أسامة بن منقذ عن ابن منير: (شرف الأدباء، أوحد عصره ولسان دهره، تأخر زمانه وتقدم فضله وبيانه ...) (7)

وقال فيه السمعاني: (شاعر مفلق فاضل مليح الشعر حسن الطبع) (8)

شعره

قال السيد محسن الأمين في ترجمة أحمد بن  منير الطرابلسي: (وله  شعر  كثير  في  الأئمّة (عليهم السلام) لم يحضرنا  منه  شيء) (9) ولعل سبب عدم حضور شعره هو أحد عمليات الحرب التي شنت ضده في حياته وبعد مماته، كما يؤكد ذلك الكرباسي بقوله: (ومن المحتمل أن فقدان ديوانه كان بسبب تشيعه ولاحتوائه على الكثير من الهجاء لناصبي أهل البيت عليهم السلام العداء ولمبغضيهم والذي دفع بهم لاخفاء ديوانه وإتلافه) (10)

ولكن بقي منه ما يدل دلالة واضحة على إيمانه وولائه لأهل البيت من ذلك ما جاء في القصيدة التترية التي تبلغ (106) أبيات قوله وهو يقرن جحود ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكفر:

والله يـغفرُ للمسيء *** إذا تنصّلَ واعتذرْ

إلا لمن جحدَ الوصيَّ ** ولاءه ولمنْ كفـرْ

فاخشَ الإلهَ بسوءِ فعلِكَ واحتذرْ كلَّ الحذرْ

وروي أنه وجد مكتوباً على قبره هذان البيتان:

من زارَ قبري فليكن موقناً * إن الذي ألقـــاهُ يلقاهُ

فيرحم الله امرءاً زارني *** وقال لي يرحمك الله

محمد طاهر الصفار

...................................................

1 ــ تاريخ الشام  ج 2 ص 97

2 ــ وفيات الأعيان ج 1 ص 156

3 ــ خريدة القصر وجريدة العصر ج 2 ص 230

4 ــ أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ج 4 ص 220

5 ــ الغدير ج 6 ص 332

6 ــ معجم الشعراء الناظمين في الحسين ج 4 ص 251

7 ــ مسالك الأبصار لابن فضل العمري ج 10 ص 470 ــ 471

8 ــ الأنساب ج 1 ص 300

9 ــ أعيان  الشيعة ج 10 ص ٢٤٨

10 ــ معجم الشعراء الناظمين في الحسين ج 4 ص 252

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً